هشام القيسي: ذات زمان .. الظلام كان أبيض

بداية لا بد من الاقرار بأن تطويع الشاعر لمنطق التحولات عبر فعل القصيدة الداخلي قد اتسم بحسية تشير الى التوترات والانفعالات من خلال تدفقات تعبيرية سلسة وهادئة . كذلك فان إيقاعات قصائده نلمسها متناغمة مع مسارات حالاته الشعورية ، وهذا ما يجعلنا نتناص معه في نفوسنا . إضافة إلى أن التعددية الصورية المطلوبة في قصائده قد ضمنت الانسجام لأنغام الرؤيا وأنماط الاسقاطات .
ووفق ذلك نتساءل هل أفلح الشاعر طيب جبار من خلال فظاءات أدائية تحقيق صيغة بنائية تنسجم وحالة الذكرى والمسار وبما يجسد مخيلة الشاعر ؟

الجواب يشير إلى الاثبات وتبرره الأسباب التالية : –
1-    إن الشاعر كان فعالاً في تحريك الحواس وبالتالي مقدرته على إضفاء مسحات إنسانية لا تخمد .
2-    إن مبناه ومعناه قد ولدا من داخل تجربة تصادمت وتفاعلت وتنوعت فيها مستويات عديدة ومساحات دلالية .
3-    وتأسيساًعلى ذلك ، فان قصائده هي آسرة للأحساس ، قريبة وصادقة في مساراتها وإنتقالاتها .

أن استذكارات الشاعر وإشتياقاته هي إنسيابيات لا حدود لها ، تبررها حدة إتساع دوائر المعاناة وفوران توازناتها في الأحاسيس : –
(  ذات زمان … الدنيا كانت جميلة
الأرض … كانت عش الورد ،
أصيص اللآليء ،
سلة الفراشات ،
شرنقة للصمت .
السماء… كانت بستان الضوء ،
منديل وميض القمر ،
مزهرية النجوم ،
الظلام كان أبيض . )
ذات زمان … الظلام كان أبيض ص 13

ولهذا فان القلق الحياتي الذي لا يفصح كل اسراره ، وطريقة تدفق الأحاسيس من خلال ترشيحات أسفار الحياة اليومية وقيمها ، إضافة إلى مستويات من التعادليات التي تتواجهفيها الهموم إزاء الرؤى والنظرات إزاء الصرخات باتت كلها تنويعات نلمسها بيقين محسوس وإستخدام بارع في المبنى : –
( الآن ….
الريح تضرب عن الهبوب ،
لا تنزل من الأعالي .
الجدول غاضب ،
يتسلق الجبل .
البحر منزعج من بخاره ،
كاد أن يغرق .
النار تلعن الدخان ،
كادت أن تختنق
الصحراء تسرح الرمل
تضع دبدبة العجاج
تحت يد العاصفة

وتسحب بساط الرطوبة
من تحت أقدام النهر …. )
ذات زمان ص 16
إن موهبة الشاعر هي التي عمقت من حرية حركاته وصوره التعبيرية ، وساعدته على تمثيل بيئة رؤياه على أحسن تمثيل : –
( يوم أموت ،
كرة الشمس …
تتدحرج نحو سطح الأرض .
القمر …. ينكمش
النجوم … تهبط إلى الأرض ،
تحاصر المدينة من الجهات الأربع .. )
يوم أموت ص 26
و
( يوم أموت
الحجر … يفيق من النوم
ويسرد أحلاماً غريبة
لرمال شاطيء النهر … )
كذا ص 29
وكذلك

( يوم أموت ،
كرة الأرض …
تتوقف عن الدوران .
النهار يستمر
يتشابه …
الصبح ، الظهر ، المساء .
اليل بهدوء ودقة يلملم نفسه )
كذا ص 32

إذاً هو ينشد الكشف من الداخل العميق على صعيد الصورة الشعرية وما تحمله من علاقات وخيال وإيحاءات أشد عمقاً وتلاحماً ، ومثل هذا الاندماج والتداخل يجسد حالة التوحد : –
( – ( ( هواره برزه ))
أنت مرتع مجد دائماً
أنت شجرة الجمال والخضرة الدائمة
لفصولي الأربعة
( ( هواره برزه ))
يا موقد ناري
ومرتع راحتي ،
يا عصب جذور بقائي …  )
قصيدة السليمانية ص 40-41

ونلاحظ في المجموعة نصوصًاشعرية متقابلة في المستوى التعبيري والدلالات والتي من شأنها أن تخضع القصائد في سياقها العام إلى عوالم حية وغنية عبر إيحاءات مقاربات الأضداد : –
( لا في الرض … ولا في السماء
لا في السفح … ولا في القمة
لا في الأسفل … ولا في السطح
أنت موضوع متشنج بين بين )
قصيدة مرثية الرماد ص 45- 46

إن دلالية صور الشاعر مكنته من الترابط الموضوعي وتحقيق تكامل القصيدة فنياً بما يعكس إجتلاء رؤياه عبر تلقائية وعفوية وترصين لأواصر الأرتباط  بين الأحاسيس وعملية البناء : –

( نزحف نحو قلب الشمس ،
بعيداً عن الحزن والصخب
زاد سفرنا
لا يكون غير الفرح .
وكشجرة عائلة واحدة
جميعنا دون ضغينة
نمضي الحياة
في ضوء قنديل واحد )
قصيدة انشودة المستقبل ص 53

إن مجموعة الشاعر طيب جبار ، ذات زمان … الظلام كان أبيض ، تدل بكل يقين على عمل إبداعي متحقق له سماته البنائية وآفاقه الجمالية مثلما تحسسنا بعذوبة سردية وضربات تعكس مهارة وإمكانية الشاعر في تكنيكه .

———————————————————————————————-

+ ذات زمان … الظلام كان أبيض مجموعة شعرية بالكردية نقلها إلى العربية الشاعر والأديب الأستاذ عبدالله البرزنجي .
+ طيب جبار ، شاعر حداثوي سبعيني من الموجة الثانية في الشعر الكردي ، له ( مرثية الرماد ) بالكردية 2008 .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *