الرئيسية » ملفات » يوسف عبدالمسيح ثروت : (نفوس برجوازية)..وجمهور اصيل (ملف/3)

يوسف عبدالمسيح ثروت : (نفوس برجوازية)..وجمهور اصيل (ملف/3)

(نفوس برجوازية)..وجمهور اصيل

يوسف عبدالمسيح ثروت 

ما من شك في (ان عرض مسرحية “نفوس” اعداد “قاسم محمد” واخراجه عن ” البرجوازيون لغوركي” ) ، حدث جدير بالاهتمام والمتابعة .. ولما كان احد (الاخوان قد تناول مسرحية غوركي بالتعقيب المناسب وصلة تلك المسرحية بـ(نفوس) .. فانني سأقتصر على الاخيرة ، بما قدمته من انجازات .. وما حققته من امكانات ، وما اثارته من امال . 

ولكي يكون حديثي موضوعيا قدر المستطاع ، لابد ان اقول بدءا ان جو المسرحية كان بغداديا صرفا ، بشخوصه وتأثيراته .. وكان انطباع الجمهور متجاوبا مع كل حركة من حركات الفعل المسرحية التي توالت بانتظام .. اما التطور الدرامي الملحوظ الذي شمل الفعل كله فقد كانت قوته الجاذبة متناسبة مع السخرية الكاوية احيانا ، ومع الفكاهة المبسطة احيانا اخرى ، فضلا عن النقدات الاجتماعية الاصيلة التي خصت باهتمامها مجمل الحياة البرجوازية في تفاهتها ورتابتها وقماءتها التي تمثلت خير ما يكون التمثيل في السكون المريض الذي سيطر سيطرة تامة على مشهد الغرفة التي غطت الفعل المسرحي برمته ، ومع ان هذا السكون كان متوترا بالحشود من الانطباعات المختلفة التي انبثقت وجودا دراميا في العمل ككل ، فان هذا التوتر لم يتخط جدران الغرفة التي ظلت مسيطرة على مجمل الانفعالات والمشاعر المتفاوتة في العنف والتأثير . 

ومع ان بعضا من العواطف كانت تتململ معظم الوقت لاسباب بيئية خاصة باسرة (ابو زكي) مما جعلها تتمرد مع تطور الحياة الداخلية للشخوص المتعلقة بهذه الاسرة ، فكابوس تلك الحياة ظل يفعل فعله السلبي في خلق التصرفات السلبية التي لمحنا بعض اثارها في افعال ابنة (ابو زكي) وابنه . وما مهد لذلك من عوامل خارجية ، كدخول العم (رديف) والقريب (ناجي) .. ومن ثم فالوجود الكوني للاسرة ، لم يكن تلقائيا ، نتيجة ظروف الحياة القاسية التي مارست تأثيرها المرعب في النفوس ، التي كانت متهيئة للتمرد ، بل كان ذلك الوجود جامدا بطريقة الحياة التي مورست ، وجاريها التي سارت فيها ، وحركتها البائسة في هذه المجاري ، وترددها ، في ذلك الجو الهامد ، وتسمرها في قوالب محددة مسبقة الوضع والترتيب ، وهذا لا ينطبق على الشخوص فقط بل على اثاث الغرفة نفسها ، كل شيء في الغرفة معد سلفا -ن كل شيء في الغرفة معد سلفا في مكانه ، لا يتزحزح ، ولا يتقلقل ، هامدا ، جامد ، يشعرك بان الغرفة وجدت هكذا منذ زمان بعيد ، لا مفر من وجودها هكذا الى حد طويل كذلك .. الاثاث الثابتة هذه – مع متانتها – توحي بالسكون المطلق ، والرتابة والهمود والاستمرارية . الحياة كانت هكذا سابقا وستبقى هكذا ، دونما تغيير او تبديل او حتى تحوير . الايحاء العام من الاثاث وترتيبها ووضعها ، يجعل الشخوص تبعا لهذا الجو ، ساكنين يراوحون في اماكنهم ، كانهم هم انفسهم اشياء اخرى تابعة للاثاث . وفي مقابل هذا الجو ، بل بالالتصاق مع هذا الوضع كان وجود الاب ( ابو زكي) متناسبا كل التناسب مع المحيط الذي يحيق به من كل جهة . ومن ثم فسيطرته المطلقة على زوجته وابنه وبنته كانت تتساوق وتتماشى مع حياة الاسرة ، لانها كانت تنبعث منها لتؤثر فيها .. 

كان منطق الاشياء يأتلف مع منطق (ابو زكي) ولذلك كان تصرف (ابو زكي) منطقيا معها . ذلك ان اي تغير يصيب الوضع الذي وجد فيه (ابو زكي) يعني بالتالي تغيير الجو العام بأسره ، وهذا ما كان يتناقض مع وجوده الاجتماعي المألوف .. النظام الابوي (الهيراركي) ، السلطة المنبثقة عنه ، التقاليد التابعة له ، الظروف العيانية السائدة المؤيدة له ، والمسندة لاجوائه النفسية والاخلاقية والوجدانية ، كل ذلك لا يمكن ان ينفصل عن الحياة البرجوازية التي تمثلت في حياة الغرفة الكسيحة . 

ومن ثم فان نكهة الغرفة ، كانت اصيلة وقوية ومؤثرة ، لانها تعبير عن واقع حال مرئي يبتدأ في هذه الصورة او تلك ، ولكن الجو العام هو هو ، في اللوحة البرجوازية المظلمة التي لا يمكن ان تعرف النور ، لان تكوينها ، تشكيلها منذ وجودها ، كان افتعالا مخالفا للطبيعة البشرية ، ومن هذا الافتراق ، افتراق الحياة الصحية السليمة ، المتمثلة بالطبيعة الانسانية الفطرية ، وافتراق التكلف والتصنع والتظاهر ، ومن ذلك كله ينشأ عامل السخرية ومنه لا بد ان تنبعث كل عواطف الفكاهة والتندر ، ومن هنا كان الجمهور يقهقه مع اقل الاسباب مدعاة للضحك .. ذلك ان التجمد المفتعل الذي مارسه (ابو زكي) مع اتساقه بمحيطه ، كان على خلاف اساسي مع الطبيعة الانسانية المرنة السيالة التي لا تعرف التجمد او الركود او التحجر ، وتبعا لذلك فان التأثير الذي اوحى به شخص (ابو زكي) اثار زوابع من الانتفاضات الحية في الجمهور قبل ان يثيرها . 

في شخوص المسرحية انفسهم ، ومن ثم جاءت قوة المسرحية وسيطرتها الجارفة على الجمهور . اما الثورة التي اعقبت التمرد التدريجي في الشخوص ، فقد كانت حصيلة طبيعية للاصطدام المحتوم بين الوجود الانساني المتحرر من قيود المال والسيطرة الابوية المتزمتة ، والاعراف والتقاليد البالية ، وبين كل المواصفات البرجوازية التي ارادت ان تحصر ذلك الوجود في قفص الحياة القميئة .. ومن اجمل الرموز لهذه الحياة الحرة رموز البلابل ، التي استطاع ان يجسدها (ناجي) خير تجسيد .. فضلا عن (رديف) الذي ضرب عرض الحائط بكل تلك المواضعات ، التي حجرها المجتمع المقعوم على نفسه ، وبذلك فتحا طريق الحياة امام البيت البرجوازي لكي تتهدم جدرانه كي يحل محله بيت اخر جديد ، تعود فيه الصلات الانسانية الى طبيعتها الاصيلة دونما تزييف او تكلف او انحراف . وكان لابد لطريق الحياة الذي انفتح عليه (ابو زكي) من ان يؤثر تأثيره العاصف في ذلك البيت ، فيقلب معاييره وقيمه ، وبالتالي يحدث فيه الثورة المنشودة التي تبدت في عزلة (ابو زكي) ووقوفه وحيدا ازاء العاصفة التي اجتاحت كل مقومات البرجوازية المتهافتة . 

اما رموز الحرية المتمثلة بطيور ناجي (يوسف العاني) فقد اسبغت على المسرحية جوا فكاهيا عبقا مليئا بروح اللا مبالاة المحببة وطيبة النفس البشرية وسلامتها وتلقائيتها .. كما ان موقف (ناجي) من مصير ابنته ، قد كان له تأثيره المنعش في مجمل المسرحية ، لما امتاز به هذا الموقف من صلابة وقوة وتحدي لما تعارف عليه الناس من مواصفات شكلية ، وقيم متينة ، ومثل متخلخلة .. والتساوق بين البلابل ونفسية (ناجي) بحركاتها وسكناتها ، بتصرفاتها ولهجتها ، جعلنا نشعر اي مغزى كان يهدف اليه الدور الذي قام به (يوسف العاني) .. وكيف حقق هذا الدور برهافته المعهودة ، وشخصيته المتماسكة ، المتماثلة مع دوره . واذا وصلنا بين دور العاني الفكاهي ونظيره النقدي الساخر ، وبين الملهاة لديه ، والمأساة الحية التي تتبادل التأثير مع الملهاة ، وادركنا هذين الجانبين في شخصية العاني التمثيلية استطعنا ان نتوصل الى قيمة ما قدمه ، في هذه المسرحية الشاخصة ، من فعل درامي متميز وفنية متكاملة . 

ومما هو جدير بالذكر دور رديف (سامي عبدالحميد) .. فمن المعروف ان (سامي عبد الحميد) يجيد القيام بالادوار الكلاسيكية والارستقراطية .. ولكنه في هذه المسرحية انتقل الى موقع اخر في الحياة ، موقع ثانوي ، تابع . ومع ذلك استطاع ان يملأ هذا الدور بشخصيته ، بحيث كان التطابق بين شخصيته ودوره على اوفر ما يكون من الجودة الفنية . وهذا التنوع في الادوار علامة بارزة من علامات تميز الفنان بكفاءات متعددة . وهذا الامر ينطبق كذلك على ابو زكي (جعفر السعدي) الذي تمكن من تقمص دوره بجدارة ، بحيث يعسر العثور على ابسط فجوة بين شخصيته والدور الذي قام به ، ذلك ان كل حركاته وتصرفاته وصيغة كلامه ، وحواره كانت على اكبر قسط من التناسق والمرونة والمحاكاة المبدعة ، بحيث ان الجو الذي احاط به كان طبيعيا متماسكا ، مؤثرا .

*عن الحوار المتمدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *