د. فاضل خليل : أنا ويوسف العاني (ملف/21)

أنا ويوسف العاني
د. فاضل خليل
لما كانت التجربة العراقية في كتابة النص المسرحي تحاكي التأليف من خارج محيطها ، وهو الأمر الذي أبعدها عن خصوصية الشكل والمضامين ذات النكهة المحلية . ولا نغالي إذا قلنا أنها ظلت زمنا ليس بالقصير ، بعيدة عن هموم الناس . لم ينجو من فخ هذا النوع من التأليف غير القلة النادرة من الذين توصلوا إلى تشخيص هذا الخلل بعد ما أدركوا أن منجزهم الإبداعي لن يحصد نجاحه ، أو يجد طريقه للهدف إلا إذا لامس جرح ناسه . وفعلا نجح البعض ، فكانت لهم الريادة عندما ثاروا على السائد من تلك المدونات التي كانوا يسمونها من غير وجه حق مسرحا . وهي في الحقيقة ليست اكثر من قفشات ومحاورات همها الأساس إضفاء المرح على سامعيها أطلق المصريون عليها [الايفيهات](*) واعتبرها البعض نوعا من التأليف . وهكذا فالانطلاقة كانت نحو النص العربي متعثرة ، ومتعكزة على تجارب الغير . لأنها بلا وحدة أسلوبية أو فنية تقربها من المسرح . بل ” من النادر أن نعثر على الوحدة في كتابات المؤلفين المعاصرين”(1) . وهي واحدة من أهم العوامل التي حالت دون ولادة الكاتب المطلوب . أما الذين دخلوا الصنعة من داخل المؤسسات المسرحية وكانوا من غير الطارئين عليها ، فمارسوها عن دراية . ونجحوا في أن يضعوا المسرح أمام مهماته الأساسية والتي اولها في أن يجعلوا : الثقافة في حوار . حين خرجت كتاباتهم من كونها مطبوعا إلى عرض مسرحي يشاهده كل الناس ليتخذوا منه موقفا . إذن لا يعني التأليف أن تكتب نصا فيطبع ليكدس ، مثل ديكورات تجميلية على رفوف المكتبات . وكثيرا يثار السؤال حول أسباب الأزمة في النص وفي شحته ؟ لينبري كتاب المطبوع و أنصارهم ،مدافعين عن توفره وان ليس ما يثار إلا محض أزمة مفتعلة ،منطلقين : من أن المكتبة العربية تعج بأكداس النصوص المسرحية المطبوعة والمتنوعة ،ففيها من : التأليف ، والإعداد ، والترجمة ، والاقتباس ، والتناص ، وغير ذلك من المسميات . لأن المعروض يكفي لما يسد حاجة الطلب بالآلاف المرات . متناسين من أن هذا الكم الهائل [فعلا] من المطبوع ، لا يمت بصلة إلى المسرح ، فالمسرحية كما نعرف : هي كل ما يصلح لأن يكون مسرحية مجسدة على خشبة المسرح . ولا تعني النصوص المطبوعة للقراءة شأنها بذلك الرواية،والقصة،والشعر،والحكاية،وما شابه ذلك من فنون الأدب التي تحتاج تدخل المخرجين لاعدادها كي تصلح لان تكون مسرحية . أن الصعوبة في الكتابة للمسرح عربيا تكمن في أن كتابنا لم يتوارثوها عن أسلافهم ، كما هو حال التجربة اليونانية التي وهبت كتابها المسرحيين إرثا مثاليا بدأ من سلسلة الكبار الأولين : [ثيسبس ، اسخيلوس ، سوفوكليس ، يوربيدس ، وارستوفانيس] وحتى آخر الكتاب المعاصرين . حين نعكس المعادلة عراقيا فأن ذلك يثير لدينا التساؤل التالي : هل العاني هو وارث المسرح العراقي الحديث فن صناعة الكتابة للمسرح ؟ قد تكون بعض الأجوبة بالنفي ، إذن من هو الذي سبق العاني [عراقيا] في كتابة المسرحية جيدة الصنع ؟؟؟ يقول العاني ومن قبله إبراهيم جلال انه : صفاء مصطفى ، ورغم عدم اختلافي معهما ، ولكن لأني ابن المسرح العراقي لما يقارب الأربعين عاما . ما شاهدت عرضا مسرحيا واحدا للرائد صفاء مصطفى . وعليه لا يحق لي تصنيفه على كتاب المسرح . إذن : لا أحد بالمواصفات التي حددناها ، اسبق من العاني كاتبا ، وعليه لا يحق لنا تصنيفه على كتاب الدراما في المسرح . وبالتالي : لا يحق لنا أن نصنف وفقا للمعايير التي حددناها غير يوسف العاني . إضافة إلى يتمتع به من صفات منها انه
*) [رجل مسرح بحق] : كاتبا ، وممثلا ، ودرماتورجيا ، ومربيا .
*) من القلة التي استثمرت مخزونها المعرفي ، أفكارا وحكايا وقص متراكم ، وما رافقه من ذكريات غنية ، واجندة خزنت الكثير من المدونات الخاصة التي أرخت لحقب عاشها العاني ويعيها بأمانة . فاستثمرها وصاغها بحذاقة الحريف .
*) حين يكتب فإنما يكتب على مقاص شخوص ممثلي فرقته ،فرقة المسرح الفني الحديث *) هو افضل من يكتب أدواره ، سواء في المسرح أو السينما أو التلفزيون – احيلكم إلى رصيده الثر من المسرحيات والأفلام السينمائية والتلفزيونية لتفقوا على حقيقة ما أقول. *) ويبقى التساؤلات : – لماذا هو قريب إلى الجمهور بالشكل الذي نعرفه ؟؟
– لماذا كان يقلده الآخرون في التمثيل والكتابة ؟؟
– لماذا قدمت مسرحياته في بعض دول العالم دون غيره ؟؟ ولماذا – – لماذا تناولته الصحافة ووسائل الإعلام والنقاد والباحثون اكثر من غيره ؟؟
– لماذا أخذه طلبة الدراسات العليا أنموذجا وعينة مهمة من عيناتهن في التأليف أو التمثيل أو رجل مسرح ؟؟
ومن المؤكد أن كاتبا بمثل هذه المواصفات ، لابد لنا من الاطلاع على كامل ارثه المسرحي ، أردنا ذلك أم لم نرد . ولأن ذلك يحتاج منا وقتا أطول كإجراءات بحثية . ولذلك سنحاول أن نصب حديثنا على عينات قصدية اخترناها من مسرحياته لاعتبارات منها : إنها بلغت نوعا من التكامل ، وتصلح للبحث والتحليل اكثر من غيرها ، مثل مسرحيات : [المفتاح ، الشريعة ، الخرابة ، الجومة ، الخان وأحوال ذلك الزمان ، خيط البريسم] ، وربما سواها . لقد تنوعت مسرحياته فاحتملت التأويل ، حين ثارت على الصيغ القديمة . لاسيما ونحن نعرف بأنه لم يمتهن التأليف إرضاء لمزاج عابر ، وانما كانت مواضيعه استجابة لصدى آلآم ومعاناة شعبه والإنسان أينما كان . فحاكاها باقتدار . وعلمية تسندها تجربته الطويلة التي مكنته من بلورة خواصه في الكتابة .
فرقة المسرح الفني الحديث :
تزامن ظهوره قبل تأسيسها عام 1952(**) بسنوات قليلة ، فكان أبرز مؤلفيها وأغزرهم إنتاجا على الإطلاق . لقد تميزت فرقة المسرح الفني الحديث بأنها نقلت لغة المسرح نصا وأسلوب عرض [من] التقليدية البسيطة ، من مجرد العرض show ، [إلى] :
*) رحاب المسرح الملتزم ذو الأصول المعاصرة لغة والتزاما وتوازنا وأسلوب تفكير ، الرافض لكل ما هو سائد ومكرور . وهو ما جعلها قريبة من الناس بانواعهم ، حاكتهم بمختلف ثقافاتهم فأصبح لها جمهورها الخاص والمعرف باسمها [جمهور الحديث] .
*) يضاف لها فضل الخروج بالمسرح العراقي إلى الخارج ، وبهذا كانت أول فرقة مسرحية خرجت بالمسرح إلى خارج العراق .
*) وقدمت سلسلة من التجارب وفق نظام تكاملي واكتفاء ذاتي . فلم تستعن بالطاقات من خارجها إلا ما ندر وعند الضرورات القصوى .
*) أثرت بإيجابية على أجيال من المسرحيين ممن توارثوا نهجها وتقاليدها في تراتبية منهجية وتربوية جيلا بعد جيل وفي كل التخصصات .
وحتمت علينا التوأمة الخلاقة بين [العاني] و [فرقة المسرح الفني الحديث] أن نتناولهما معا ، فمن الصعب جدا أن نتناول أحدهما بمعزل عن الآخر . لأن ما كتبه العاني من مسرحيات كان من حصتها في التقديم على المسرح . ولأنهما شكلا وحدة أسلوبية وفنية جعلتهما يتسلسلان معا وبمنطقية ابتداء : من مسرحية [راس الشليلة] ولم تنته بآخر مسرحياته [سالوفيات](2) . وهي صيغة لـ[الحكاية – السالوفة] حسب وصف مؤلفها ، و[السالوفة] بالمعنى العراقي الدارج هي : [الحكاية] . ومن هذه الحكايات ، كانت [زعفران] ، كتبها بداية كقصة قصيرة ، ثم نشرها بأسم [مرجانة] ، وقدمها المخرج الراحل [طارق عبد الكريم]فيلما سينمائيا حين كان طالبا في معهد السينما بموسكو ، كجزء من متطلبات أطروحته في نيل الشهادة العليا . بعد ذلك أعاد العاني كتابتها إلى مسرحية في عام 1987 . ومن السالوفيات أيضا حكاية [أنيسة] – لا موجب لتفصيلها- التي نشرتها مجلة [الأدب الشعبي] عام 1998 . ومن السالوفيات مسرحية [جيقو] التي قدمتها فرقة المسرح الشعبي عام 2000 في المتحف البغدادي – أجهل تفاصيلها .
ولما كان العاني مزيج من عذابات إنسانية متنوعة ، تجده سخر لها كل ما كتب بلا استثناء . ولأنه مولع بالهم الإنساني تراه متأثرا عن دراية ، بالأدب الروسي والسوفيتي فيما بعد . المتمثل بآثار كبار كتابه من أمثال تشيخوف ، غوغول ، غوركي ، تولستوي ، وسواهم . ولعل من مقولة غوركي التي كانت سببا في كتابته لمسرحية [ آني أمك يا شاكر] ، فدون جزءا من مقاطعها بعد أن أهدى غوركي مجموعته المسرحية الأولى [مسرحياتي] . هذه المقاطع كانت من حوار [الأم] ، الرواية الشهيرة لغوركي ، التي يقول فيها :
ألأم : هل تعلمون لماذا قدموا ابني ومن معه إلى المحاكمة ؟ لسوف أقول لكم لماذا ..
وانتم ستصدقون قلب أم وشعرها الشائب . لقد قدموهم إلى المحاكمة بكل بساطة يقولون [الحقيقة] لسائر الناس ..(3)

والحقيقة هي الصدق الذي يدو إليه الواقعيون الاشتراكيون . ومنهم العاني ، مثلما حددتها وعاشها وعانى منها مع مجتمعه ثقافة ومنهجا ومعاناة . والذي تجدر معرفته ، يضاف إلى ذلك الصدق محاولته في تقريب النص الى جمهوره ، الأمر الذي دفعه إلى كتابة الغالبية العظمى من نصوصه باللهجة المحلية الدارجة . ولما سئل عن أسباب ذلك أكد عدم ميله الكبير للهجة الدارجة ، ولكنه يكتب بها عندما يكون المقصود من ورائها الإضافة للمسرح ولكي توصل المعنى بسهولة إلى الناس الذين جلهم من الأمين ، من الذين لا يحسنون القراءة والكتابة وإلا ما جدوى المسرح بلغة تتميز بالعظامية دون أن تصل إلى الناس إذا ما اتفقنا وهو رأي سائد : بأن الحوار هو ليس كل المسرح . وبالتالي فما الفرق بين لغة لا توصل ما تريد حين تكون غريبة على السامع – على أن نعرف بأن أكثر من نصف الشعب العربي من الأميين – واللهجة التي توصل أغراضها إلى المتلقي . ولدينا الدليل في مسرحية [بونتولا وتابعه ماتي] التي قدمت باسم [البيك والسايق] و باللهجة المحلية ولم تقدم باللغة العربية الفصحى . قال عن لغتها الناقد السوري رفيق الصبان : إنها كانت ” أكثر حرارة من النص الفصيح الذي سبق لفرقة لبنانية أن قدمته في حلب – لنفس المسرحية – دون أن تحوز نجاحا ما “(4) ، ولا بد من الإشارة إلى أن العاني قد مثل فيها دور [بونتولا ، أو ، البيك] وبنجاح كبير ، بل يعتبر واحد من أهم أدواره في المسرح .

فنان الشعب يوسف العاني والفنانة زينب في فيلم سعيد افندي

النخلة والجيران 1969 :
مثلما [المفتاح] التي تركت أثرها الكبير على مسيرة الفرقة ، والمسرح العراقي بشكل عام ، كذلك كانت مسرحية [النخلة والجيران] التي لاتختلف في نهجها عن الذي اختطته الفرقة مسرحيا . فكانت هي الأخرى ذات أثر كبير ومهم ، بل وشكلت انعطافه هامة خلقت تحولا في نوع المسرح وفهمه عراقيا . فقد جاءت محملة بالسمات الواقعية مضمونا ، وشكلا ، وفكرا إنسانيا ، وكانت بمستوى التماعات ومعاناة الروائي الكبير غائب طعمة فرمان ، وبمستوى استعداد قاسم محمد الذهني والفني والنفسي ، حين [ تحزم ] لها ومنذ أيام دراسته في موسكو ، متعاونا في إعدادها مع كاتب الرواية فكانت فعلا باكورة أعمالهما الكبيرة في المسرح وزادت من وضع فرقة المسرح الفني الحديث في المقدمة ، وعلى رأس رمح الحركة المسرحية العراقية باتجاه العالمية – لأن العالمية يبدأ من المحلية العالية – والـ [النخلة والجيران] كانت مسرحية محلية عالية المستوى . تلتها مسرحية [تموز يقرع الناقوس] تأليف : عادل كاظم واخراج : سامي عبد الحميد لذات الفريق الكونكريتي المتماسك . تلتها سلسلة من المسرحيات بذات الأهمية مثل : [الشريعة] ، و[الخان وأحوال ذلك الزمان] ، و[القربان] ، و[أضواء على حياة يومية] ، و[ رحلة الصحون الطائرة] ،و[بيت برنا رد ألبا] ، و[الخيط] ، و[شلون ولويش والمن] ، و[ولاية وبعير] ، و[الملاعبود الكرخي] .. وسواها فتأسست في فرقة المسرح الفني الحديث ، تقاليد واعراف عريقة . ولا يفوتنا التنويه إلى إننا لم نذكر كل ما قدمته الفرقة من أعمال مسرحية ، فلقد سبق هذه السلسة التي ذكرناها من العروض مثلما تلاها ، طابور آخر أكبر من هذا العدد من المسرحيات كانت حصيلة تجربة فرقة المسرح الحديث في العراق منذ قيامها والى اليوم .
تطور العاني المرحلي في الكتابة :
أنا أقول أنه يشكل مرحلة واحدة بدأت لتتطور فتصل إلى ما وصل به العاني من مستوى فني رفيع في الكتابة ، وفي التمثيل أيضا . بدأت مع مشاهد ألفها ومثلها مع زملاء له هواة عندما كان طالبا في كلية الحقوق ، ضمن فرقة أطلق عليها [جبر الخواطر] ، ولم تنتهي بآخر ما كتب ، لأنه قد يكتب أخرى بأية لحظة – هكذا أعرفه- . لكن الكثير من متا بعيه يتناولونه في مراحل ثلاث :
*) المرحلة الأولى : آني أمك يا شاكر (أنموذجا) 1955 .
وتقع ما بين منتصف أربعينات القرن الماضي ، وحتى ثورة 14تموز 1958 . وقد حملت تأثيرات الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي سادت ،والتي عاشها العراق ، وكانت واضحة تأثيراتها في كتابات العاني التي فضحت السلبي منها وعززت الإيجابي من الوطني الشعبي . ومن حصيلتها مسرحية [رأس الشليلة-1951] ، التي تناولت فساد الأجهزة الإدارية بما اتصفت به من عدم الشعور بالمسؤولية اتجاه الناس . كذلك مسرحية [فلوس الدوة-1952] التي تناولت جانبا آخر من بؤس العراق ، حين لا يجد الكادحين من يمد إليهم يد المساعدة في تأمين الدواء الضروري لمرضاهم . ومن خلالها أراد أن يدين الدولة التي لم تكن لتهتم بالناس فتؤمن لهم الضروريات التي تحافظ على بقائهم مرفوعي الرأس غير أذلاء محتاجين لأبسط مستلزمات العيش الشريف . والعائلة الأكبر من وجهة نظر العاني هي العراق الذي لا يجد الفقراء فيه ما يخلصهم من الموت جراء المرض والفقر والضعف والفاقة ، وكأنها نبوءة استمرت معنا حتى حاضرنا – وهو هنا يذكرنا بالفنان الكبير عزيز على الذي كتب ولحن وغنى ، ما يصلح لكل عمر العراق . وفي مسرحية [ست دراهم-1954] أيضا تتناول المرض ولكن بشكل آخر ، انتقد فيه في جشع الأطباء الذين لا يجدون من يردعهم ، وقد تناولها بشكل ساخر جميل عبر مجموعة من المراجعين المتنوعين بين الساذج وغيره . ولا تفوتنا الإشارة إلى أن العاني يعتبر ، من أول كتاب مسرحيات المونودراما في العراق ، وما مسرحيته [مجنون يتحدى القدر] إلا دليلنا إلى ذلك . انتهى من كتابتها – عنه – وكما أرخت وثائقه في19/حزيران/1949 ، وقدمت على مسرح معهد الفنون الجميلة في حفل [جمعية جبر الخواطر] الذي أقامته كلية الحقوق آنذاك في 3/3/1950 ، ومثل فيها العاني دور [المجنون] ، وأخرجها خليل شوقي .
ينقلنا العاني نوعيا عبر مسرحية [آني أمك يا شاكر – 1955] ينقلنا العاني فيها نقلة نوعية عبر انتقاله الى أسلوب التحريض من أجل التغيير وهو شأن انتهجته مسرحيات [الواقعية الاشتراكية] في روسيا ودول أوربا الشرقية . كتعبير عن سخط الثقافة على الواقع المتخلف ، يتحدث فيها كاتبها : عن شعب وهموم شعب يعانى من الطغيان والقمع ومحاربة الأفكار . كتبها بعد أن “توفرت للمؤلف المسرحي الحرية في أن يقول ما يريد ، ما دام ذلك نابع من إيمانه بمستقبل انساننا وسعادته الحقة “(5) . لقد تناول فيها : حياة الابنة [زاهدة] التي بانتسابها إلى الفكر التقدمي ، الذي يقارع الظلم ،وهي تنتمي إلى ضعفها الطبقي ، بانتسابها إلى عائلة فقيرة . و[أم شاكر] ، أمها التي فقدت [شاكر] أخيها الكبير ، معيلهم الذي مات أيضا بسبب شعوره بالظلم الذي حاول محاربته فكان سببا في موته . تضطر [ألام] التي تعاني من وضعها القاهر ، لأن تكافح وتكدح لتكفل معيشتها ومعيشة أبنائها . رغم صعوبات الحياة وشظف العيش في مجتمع غير متوازن ، مما يعرضها وابنتها للمضايقات ، وابنها الأكبر [سعدي] للسجن نتيجة مواقفهما الوطنية . وتكتمل معاناتها بتصرفات أخيها و [خال] أولادها الذي لاتمنعه الوصولية من الوشاية بابن أخته ليودعه السجن . يقول العاني عن هذه المسرحية ” أنها تعني بالنسبة لي علامة تحول جديدة في كتابة المسرحية “(6) . وهذا واضح عندما تحدثنا عن تطور التأليف عند العاني ، إذا ما قارناها بالمسرحيات الأولى : [رأس الشليلة ، فلوس الدواء ، ستة دراهم] ، في تناولها للموضوعات البسيطة في حدوتة حوارية لا تتعدى العشرة صفحات تحكمها قفشات ابسط ، مثيرة للضحك وفق متطلبات أعلى من المطلوب من العمل الفني آنذاك وبين مسرحية تتضح فيها أطراف نزاع متصارعة فيما بينها على اختلافاتها في الفكر والمعتقد ، إضافة إلى التعددية في أطراف النزاع أو قل [الصراع] . فمن طرف ظل بعيد المنال مثل السلطة – المتمثلة بالقمع الحقيقي- إلى طرف واضح المعالم هو [الخال] الذي يمثل السلطة – التي تحاربها دون أن يصيبك من أذاها غير المعنوي – والتي بمقدور الطرف المقهور أن يتناولها بالتقريع والتعنيف . بعكس ما كان الطرف الأول ، الذي يجور دون أن يحق لك أن تردعه بل وتكتفي بمحاربته بقلبك [وذلك اضعف الأيمان] وهو شأن المسرح في كل زمن ، غايته الأسمى (التطهير) وهذا يكفي . تناول البعض [أم شاكر] بالتحليل على أنها من تأثيرات أكيدة لمسرحيات تناولت موضوع [ألام] كما عند بريخت في المسرح العالمي في [الأم شجاعة – بريخت] أو عند ماكسيم غوركي في روايته [الأم] .لكنها تسند بدقة إلى التأثيرات بغوركي ، حد أن يسندها أحدهم في الدليل على تأثرها به إلى [الإهداء] الذي قدمه العاني في مستهل مجموعته المسرحية المطبوعة الأولى والتي تحمل عنوان [مسرحياتي] . حيث يقول فيه العاني “إلى الأديب الإنساني الكبير ماكسيم غوركي ، مؤلف قصة الأم”(7) . لاسيما وان هناك بعض التشابه بين شخصيتي [أم شاكر] و [الأم] عند غوركي من حيث المعاناة التي تتحملانها جراء التعسف والظلم ومقاومة القمع عند كلتيهما وفي دفاعهما عن أبنائهما ضد القهر الذي يتعرضان له . وهو يتضح من خلال حوار [ألأم – غوركي] التي تقول :
ألأم : انهم لن يعرفوا الحقيقة ولا في محيط من الدماء ، انهم لا يفضلون إلا تسعير نار حقدنا عليهم .. وكل ذلك سوف يسقط على رؤوسهم يوما ما .. (8)
وهو اليوم الذي يستقبله العاني بواحدة من قمم عطاء هذه المرحلة مسرحية [أهلا بالحياة – 1958] ، التي تتحدث عن الحياة الجديدة بعد قيام الحكم الجمهوري في 14 تموز 1958 ، في العراق . حين يتناول أحداثا ما قبل قيام الحكم الجديد ، وأحداثا تلت قيامه . الحكاية ببساطة : أن [فوزية] ابنة العائلة متوسطة الحال ، يتقدم لخطبتها ابن عمها [عطا] الذي ترفضه لأنه لا يحب العمل – وللعمل في حكم مدلولاته السياسية المنتمية . فتدفعه ظروف البطالة التي يعيشها إلى التعامل مع أدنى الممارسات التي من شأنها أن تعينه على صعوبات الحياة ومنها [أن يشي بابن عمه فوزي [أخ فوزية] فيودعه السجن ، لسببين : أولهما / الكسب غير المشروع . والثاني/ نكاية بفوزية التي رفضته زوجا لها] . ويظل القهر حتى اندلاع الثورة ، ليخرج بعدها [فوزي] من السجن ليحل محله [عطا] سجينا . واضح أن هذه المرحلة في كتابات العاني يتضح فيها الجانبين : البديهي المألوف ، و التقليدي البعيد عن المبادرة في خلق الدهشة ، فالخنوع لما تحكمه الحكاية من حلول انتقامية بسيطة ، من غير أدنى تدخل خارجي يجعل من العمل الإبداعي شبيها تماما للمعادلة الحسابية 1+1=2 . إلا أن الريادة المبكرة للعاني جعلته قادرا على جعل بعض هذه البديهيات والبدايات البسيطة مقبولة لدى المتلقي لتكون فيما بعد كتابات مسرحية ذات أثر كبير للنهوض بمسيرة الكتابة في المسرح عند يوسف العاني ، وعند الجيل الذي تلاه من الكتاب .
*) المرحلة الثانية : المفتاح 1968 :
ومسرحية [ المفتاح ] نوع من الكتابة جديد في المسرح العراقي ، خرج بها الكاتب عن مألوفه الذي عودنا عليه أيضا في بداياته الأولى التي سبقت [المفتاح] وما كانت لتقل أهمية عنها لكنها اختلفت في الشكل وفي اصل الحكاية . فمسرحية [المصيدة ، أو693 – 1962] التي قدمت للتلفزيون ، ولم تقدم على خشبة المسرح . ومسرحية [صورة جديدة 1967] التي أخرجها سامي عبد الحميد . لكن التأثيرات الملحمية – البرختية كانت واضحة على أسلوبه في مسرحية [المفتاح] . ففيها يخرج العاني لأول مرة عن واقعيته العراقية القريبة من الواقعية الروسية المتمثلة بكتابات [تشيخوف] في المضمون ، وفي الشكل من تجارب مسرح موسكو الفني ، المنقولة سماته بوضوح في أعمال الفرقة قبل و بعد مسرحية [النخلة والجيران] وما تلاها في مسرحيات : [الشريعة] و[الخان] و[القربان] و[خيط البريسم] ، و[الباب القديم] ..وسواها من عروض فرقة المسرح الفني الحديث . إن في اختياره لموضوع [المفتاح] الذي فيه اختلاف واضح في معمار الشكل والمضمون ، الذي فيه نوع من الغرابة عندما يختار الحدوتة المعروفة حد التداول وعلى المستويين العراقي والعربي . في كونها لم تستخدم من قبل إلا في مسرحيات الأطفال ، لكن جرأة العاني حين استثمرها عملا للكبار ، تتحدث بلغتهم ، وتجيب عن تساؤلاتهم في محاولة مخلصة لتخليصهم من بعض مخاوفهم في الحياة ، وما حملته من معاني إنسانية عالية . فالحدوتة معروفة ومتداولة كما قلنا ، ولكي نتذكرها : فهي كما حفظتها عن ظهر قلب – كغيري من أبناء الشعب – حيث لم نجبر معها للعودة في تذكرها إلى المصادر . وكما يقول أريك بنتلي” إن القصة الجيدة هي القصة التي تكون معروفة لدينا سابقا “(8) . تقول الحدوتة الشعرية الموزونة – المقفاة :
ياخشيبة نودي نودي ، وديني على جدودي
وجدودي بطرف عكا ، جابو لي ثوب وكعكة
والكعكة وين أضمها ، أضمها بصنيديكي
وصنيديكي يريد مفتاح ، والمفتاح عند الحداد
والحداد يريد فلوس ، والفلوس عند العروس
والعروس بالحمام ، والحمام يريد قنديل
واكع بالبير ، والبير يريد الحبل
والحبل بقرون الثور ، والثور يريد الحشيش
والحشيش بالبستان ، والبستان يريد ماء
والماء عند الله ، لا اله إلا الله
لا اله إلا الله ، لا اله إلا الله
وحين عالجها في التقسيم إلى وحدات ومنطقية أحداث وتسلسل عمل على تجزيئها وفق ما وردت في النص من حيث الزمان والمكان والشخوص وحتمية الموضوع الوارد في الحدوتة . تطرق من خلالها باستعراض الوضع العربي المعقد ، والمرتبطة حلول عقده ، واحدة بأخرى أعقد ، وصولا إلى أن تلك الحلول لا تتم إلا بإرادة عليا خارقة ، يستحيل على الإنسان إيجاد حلول لها . وعنوان [المفتاح] يحمل معنى التسمية ، نلمس ذلك من حوار نوار الذي يفسر المعنى للمسرحية من خلال العنوان :
نوار : المفتاح الذي يفتح الأبواب ليدخل منها النور ، وضوء الشمس هو نفسه الذي يسد الأبواب ، ويحبس النور ، ويخنقه(9) .
ولم يكتف بذلك فقد وضع الشخصيات تحت مسميات تحمل معاني أدوارها :فـشخصية [حيران] مثلا ، هو في حيرة من أمره في حل المشاكل المتعددة التي تحول دون وصوله إلى عروسه . وشخصية زوجته [حيرة] التي تشاركه في الحيرة ، الهموم وصولا إلى ما يطمحان إليه من الحلول . أما شخصية [نوار] الذي بفعل أفكاره النيرة ومقترحاته التي بواسطتها يمكنهما الوصول إلى الحلول .. وهكذا في باقي الشخصيات مثل ، الحداد ، وصاحب الثور ، والجدود .. وغيرها . مما حتم أن يكون لهذا النص هكذا منهج لصياغة شكل غرائبي للمحتوى الذي يتفق مع انطلاقة العاني في رسم معالم المسرح الجديد . أن الذي ساعد في وصول المعاني بالشكل المدهش هو ما اقترحه له من صياغة سينوغرافية تعاون عليها مع إخراج : سامي عبد الحميد ، ديكور : كاظم حيدر(10) ، وموسيقى : طارق حسون فريد(11) . وكانا لا يزالان قادمين توا من بعثتيهما الدراسية في خارج العراق . وفي الإخراج كان سامي عبد الحميد ، أول المستفيدين من جهودهما . واستمر التعاون بين كاظم حيدر ومخرجي فرقة المسرح الفني الحديث بوتيرة لا تعرف الانقطاع وخصوصا في مسرحيات العاني ، والمسرحيات التي كانت تقدمها الفرقة بشكل عام . أما مع طارق حسون فريد ، فقد كان التعاون متقطعا ، لخصوصية التعاون معه ، في المسرحيات التي تحتاج إلى التأليف الموسيقي فقط . أما المسرحيات التي تحتاج إلى الموسيقى المختارة من مقطوعات موسيقية متوفرة محلية كانت أو عالمية ، فكانت المهمة تناط بآخرين غيره .

يوسف العاني في مسرحية المفتاح

الخرابة 1970 :
ولأهمية مسرحية [الخرابة] نصا ، حاكى بها المؤلف ، المسرح التسجيلي الذي ذاع صيته في تلك الفترة ، عند أول معرفة العرب على تجارب [بيتر فايس] في مسرحياته : [ أنشودة أنجولا] و [مارا-صاد] التي حاكتهما [الخرابة] في التأليف وبجدارة . ارتأت إدارة الفرقة أن يقوم على إخراجها اثنين من أهم المخرجين هما : سامي عبد الحميد وقاسم محمد مضافة لهما الطاقة التصميمية – البلدوزر [كاظم حيدر] ، الذي ظل متعاونا مع انتاجات الفرقة ، بل كان له الأثر الإيجابي في تنقلاتها النوعية . وكثيرا ما أشير إلى إضافاته في السينوغرافيا وتنوعات الشكل في المنظر والمكان . فكانت لمسرحية [ الخرابة] وقعا محليا بصيغ عالمية ، استخدم فيها لأول مرة السينما على شاشتين تقدمان : الفلم ، الرقم ، الوثيقة ، والصورة ، والشهادة ، وغيرها ببصمة عراقية وصفها العاني عمله فيها فيقول : ” أدخلت فيها مشاهد ومقاطع مسرحية من بعض المسرحيات ،وأدخلت فيها شعر المقاومة الفلسطينية ، كما كتبت عن قضايا عالمية وإنسانية أخرى ، أدخلت فيها الأغنية المسرحية التي تكون جزءا من العمل المسرحي ذاته “(12) . وارتقت فنيا لتكون بالفعل صرخة بوجه الاستعمار ، واستنهاضا وتحريضا للإنسان أينما كان ، لأن يثور على الواقع الفاسد . أن الوقع الكبير والأثر الذي تركته [الخرابة] ، حفز باقي الكتاب لأن يطوروا مهارتهم التي لم تعد تتلاءم مع التوجهات الجديدة للذي أثارتها [الخرابة] من طرح جديد في الشكل والمضمون في المسرح العراقي . وفعلا راح الكثير منهم يبحث عن أشكال أو مدارس ليقلدها فطغت محاكاة ما كان يفرزه المسرح الغربي مجددا من المسرح [التسجيلي أو الوثائقي] ومسرح[اللامعقول] إلى مسرح [العبث] ..وغيرها ، الأمر الذي أبعدهم تماما عن المسرحية الواقعية التي لا زال الجمهور متعطشا لها وبحاجة ماسة لها . لمسناها تماما ، عند قيام [ثورة النخلة والجيران] . قد يكون مثيرا هذا الانحياز حين أطلق عليها تسمية [الثورة] ، ولكنها فعلا كانت ثورة على كل الصيغ القديمة المكرورة المتعارف عليها . وثورة في كونها أعادت المسرح إلى واقعيته الشعبية – حد ارتواء الجمهور العطش لها وكان بعد لم يفطم من حليبها الواقعي . أن ما قدمه العاني مع فرقة المسرح الفني الحديث ، يصفه العاني : على أنه نقطة تحول حملت ” حصيلة تجاربه الشخصية من جهة ، وحصيلة اطلاعه وطموحاته في إكساب المسرح صيغا جديدة “(13) . ومنها تأثره بمسرح بريخت [البرلينر أنسامبل] ، واطلاعه عن كثب على تجربة المسرح الألماني ، والمسارح الأخرى . ساعده في ذلك اضطلاعه بمهام رئيس المركز العراقي للمسرح I.T.I الذي منحه فرصا للتنقل في أرجاء العالم مبشرا بالمسرح العراقي ومشاركا فاعلا في المؤتمرات والندوات والمهرجانات التي يقيمها المركز العالمي للمسرح والمراكز الفرعية المماثلة للدول الأعضاء فيه .
ورغم عدم جواز المقارنة – من وجهة نظري – بين مراحل الكتابة عند العاني وما أفرزته من نصوص بلغت ذروتها فيه كاتبا قل نظيرة ، فكان له في كل مرحلة أعمالا نوعية ، كان لها أثرها الإيجابي على مسيرة الحركة المسرحية العراقية والعربية ولا نغالي أن قلنا العالمية من خلال محليته المخلصة . لقد تناول فيها هموم [ ناس العاني ] الذين انتموا إليه مثلما انتمى إليهم ، واشترك معهم في الهم والمشكلة . ولشمولية واتساع مناطق الألم التي لامسها ما عاد يهتم بالمشاكل الصغيرة الضيقة ، بل اتسعت نظرته لتشمل الإنسان في كل بقاع العالم . كما ولم تكن موضوعاته وما تحمله من قيم هي انشغاله الوحيد ، لأن انشغالاته شمولية لابد لها من شكل يتسع لها ، فتطور حتما عند مخرجيه شكل العرض ليتفق مع انفجارات مضامينه وإنسانيتها . إن ما حققه العاني في مسيرته إنما يعود إلى إيمانه من أن التميز الذي حققه ما كان ليتم بمعزل عن تعاونه المثمر بينه وبين المخرجين . ومثلما حققت تجربة المسرح الروسي نجاحاتها وتطورها في المسرح ، إلامن خلال التعاون بين مؤلفيها ومخرجيها وعلى مسارح خاصة ومستقرة . وهو ما كان للعاني الذي تهيأ لاعماله مخرجون متميزون من أمثال : خليل شوقي إبراهيم جلال ، جاسم العبودي ، سامي عبد الحميد ، وفاضل خليل . وفي فرقة من أهم الفرق المسرحية على المستوى العربي والعالمي . حين تهيأت هذه كلها له ، كان هو أيضا مهيئا لها .
*) المرحلة الثالثة :
بعد أن استقر من التجوال والتعددية المكانية التي مر بها ، أما مجبرا منفيا ، أو باختياره ،والتي توزعت بين : بغداد ، وبيروت ، وبرلين ، وربما أخرى أجهلها . جعلته يهتم بقضايا الإنسان المصيرية في وطنه أو في العالم ، وجعلت من موضوعاته التي كان يختارها حيوية وتصلح لكل الناس . مع بداية السبعينات من القرن الماضي وبعد أن استقر العاني التفت إلى مخزونه الكبير من التجارب والذكريات ، الحاوية للكثير من التنوع لتجاربه المحلية والخارجية . كان فيها شاهد عصر و” ليس سوى انعكاس لما يعانيه المثقف أحيانا من حيرة فكرية وضياع .. فالعديد من النصوص المطروحة قد ظلت طريقها ، لأنها لا تعدو إلا تخبطا فكريا واضحا أو متاهات معتمة لا تؤدي إلى قرار “(14) ، وحين استقر به الحال كاتبا وفنانا وجد تحتم عليه أن يبحث عما يميز ثقافته عن بقية الثقافات . لابد لمسرحه أن يكون عراقيا خاليا من التأثيرات الغربية قدر الإمكان ، انطلق من هذا الفهم المتقدم وبأهلية جعلته يتدرج مع التجارب المختلفة ليقدم خصوصيته ذات الهوية العراقية البحتة التي تشكل النضوج لديه من حيث العطاء . فكانت [الشريعة 1971] و [الخان وأحوال ذلك الزمان 1976] و [الجسر-(ظلت مخطوطة ولم تنجز عرضا)](15) [الأمس عاد جديدا 1983] و[ نجمة 1986] و[خيط البريسم 1986] التي سنفرد لها حديثا خاصا بها ، وكيف كان قرارا لها من العاني أن تكون مسرحية .
كانت الأربعينات قمة نضوج العاني ووقوفه على كل ما يميزها واقعا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا . كيف كان يتصرف ناسها فيما بينهم ؟ وكيف كانوا يتعاملون مع أنفسهم ومع ما يحيط بهم ؟ وماهي معاناتهم حين يكونون أبناء طبقات فقيرة أو غنية ؟ كيف كان يتم تعليمهم ؟ كيف كان الزواج لديه وكيف كان الإنجاب ؟ … الخ هذه الهموم وغيرها ، من التي رصدها العني بعناية فائقة ليجسدها فيما بعد نصوصا مسرحية ، وعروضا كان لها وقع عظيم على نفوس مشاهديها . لقد رصد الحرب العالمية الثانية وما حولها وتسلسل الحكومات وما حملته معها من الجيد وغيره للناس ، عاش مرحلة الاحتلال .

يوسف العاني في تمثيلية “عبود يغني”

الشريعة :
قدم من خلالها الشرائح الاجتماعية المتنوعة المهن ، أي انه أعطى إيقاع الحياة فيها قبل أن يفكر فيه المخرج . للعاني قول معناه [ أنه حين يكتب النص يرى الناس الأصليين ويرى من سيمثل الشخصية من ممثلي فرقة المسرح الحديث ] . هذه الشرائح المختلفة المتلاحمة فيما بينها لايتمكن منها الطارئين ولا يغير في قراراتها كائنا من يكون ، حتى المفوض الذي يتسلط عليهم أو رجل الأمن لا يتمكنان من زحزحتهم أو اختراقهم . حتى يأتي التطور التكنولوجي الذي يبدل البلم بالباص كوسيلة نقل أسرع واكثر أمانا يجعلهم في حيرة من أمرهم سرعان ما يتقبلونها وتستمر الحياة للأفضل . ولعل ما هو أهم في كتابات العاني حتى التلفزيونية منها انه يتعمد أن تبدأ البطلة عنده بالعقم حتى تنجب في نهاية العرض وهو ديمومة للحياة واستمرارها . ولم تأتي هذه اللحظات التي تعمدها من فراغ بل جاءت من بقايا التأثيرات من المسرح الروسي والألماني حين يتفاءلون بأن الموت لا يعني موت الحياة بل الحياة مستمرة من خلال الولادات الجديدة في الأحياء : بشرا ، نباتا ، أو حيوان تتكرر هذه الثيمة في مسرحية [الخان] التي يحصر العاني أحداثها ولاسباب موضوعية خاصة به ، مابين الأعوام 1941-1945 ، وما ميز تلك الفترة من أوضاع سياسية . ومارافقها من أوضاع اجتماعية خاصة به ، فهي سياسيا تناولت أحداث ثورة مايس الوطنية في 1941 ، وكذلك ما تمخضت عنه أحداث الحرب العالمية وأثارها في العراق . واجتماعيا سجلت أحداث مجتمع الناس في الخان ، أو قل انه جعل من الخان ومن في داخله العراق المصغر بكل تناقضات ناسه وتناقضات أحداثه ، ومارافقها من محبة وكره وزواج وولادة وخيانات – مثلت تناقضات الوضع العراقي آنذاك . أما في مسرحية [الجسر ] التي يقول عنها العاني ” أنها ثالث الثلاثية التي تكمل المسيرة ، حيث الحركة الوطنية ، التي تنتقل من خلال الجس من الملكية إلى الجمهورية “(16) ، ليكون بذلك – حسب العاني – قد أرخ أحداث المرحلة عبر المسرح ، وكان أمله أن يستمر ليؤرخ أحداث العراق المهمة . وكان من المفروض أن أقوم أنا – الباحث – بإخراجها كما دون ذلك العاني ” لقد قدمت المسرحية إلى العزيز فاضل خليل ليتولى إخراجها وبالفعل راح يتمثل صيغة تقديمها باستهلال محبب وجديد على المسرح “(17) . لكنها وأدت لأنها تمثل مرحلة تكون فيها بعض الأحزاب فاعلة دون أحزاب أخري فلم تلبي بذلك الطموح المحسوب للحكومة – حسب العاني – ، فألغيت تماما فكرة تقديمها . ويستمر ليقول ” ولا أدري وأنا في حالة هياج وغضب حاد .. أخذت المسرحية يومها .. ومزقتها ورميت قصاصات صفحاتها .. وعشت كآبة أيام طويلة .. وحين صحوت من هذا الانفعال ، شعرت بالندم .. فبكيت .. وما زلت حتى اليوم حين أتذكر ما فعلت ينتابني ندم كبير “(18) . لم يكن التسرع هو الذي جعل العاني يمزق [الجسر] بل كان نوعا من الغضب المشروع لأن يعبر عن امتعاضه على سوء التصرف الذي منعها من التجسيد على خشبة المسرح . فهي لم تجسد موضوعا مترفا كماليا يسهل تقديمه دون أوليات لكنه مسرح الوطن الحقيقي والتاريخ غير المزيف له ، وهكذا العاني في كل مرحلة من مراحل الكتابة لديه ، يؤكد فلسفته التي تقول ” نحن لا نؤمن مطلقا بمسرح الصالونات ، وانما نؤمن إيمانا تاما بارتباط المسرح بالجماهير “(19) . فكانت [الجسر] الثمن الذي دفعه العاني من أجل الجماهير .
أنا والعاني وبعض من الحديث عن [خيط البريسم] :
حين حملت همومي وما احمله من ارث مسرحي وثقافي وهموم مدرستي الأولى [المسرح الحديث] التي ما كان بودي أن أفارقها ، لأن انقطاعي عنها يعني ابتعادي عن الناس [جمهوري] الذي أحبني وتعود علي ممثلا أطلقوا عليه [ملك الاسترخاء] . وهي ميزة أخذت مني جهدا وكفاح سنين ، فأنا ابن العشرين عاما وقفت أمام عمالقة المسرح في وطني أشاركهم بطولة [النخلة والجيران] كبطولة مطلقة للفتى الأول . يصعب علي ضياعها والتفريط بها بهذه السهولة ، وقفت أمام يوسف العاني ، وخليل شوقي ، وزينب ، وناهدة الرماح ، وسامي عبد الحميد ، وكل نجوم الفرقة الذين هم نجوم العراق . لكني ولأني –فطريا- أدركت أن عمر هذه النجومية في بلد من بلدان العالم الثالث ، دائما عمرها قصير ، وكذلك الاستحواذ على الأدوار المهمة ، ستنتهي إلى عمر معين ، ولأني بالأساس تعينت –كما يعينون الخريجين الأوائل معيدين – فأنا معيد في أكاديمية الفنون الجميلة جامعة بغداد ، لابد لي من تطوير شهادتي الجامعية والحصول على أعلى الشهادات في الاختصاص ، تضمن لي البقاء باقتدار أستاذا في الجامعة . وهكذا حملت همومي وارتحلت حيث بلد دراستي العليا في بلغاريا – صوفيا ، التي سبقني إليها من أقراني جواد الأسدي ، وفاضل سوداني ، وكلاهما من أعضاء فرقة المسرح الفني الحديث . وحملت معي ثلاثية [خيط البريسم] التلفزيونية ، التي كان لوقع عرضها على الجمهور في التلفزيون العراقي كبيرا . لأنها تحمل كل مزايا عروض فرقة المسرح الفني الحديث . ولم يبق من معارفي العراقيين والعرب والبلغار في بلغاريا ،من لم يشاهد [خيط البريسم] بل وكانوا يستعيرونها ويطلبون عرضها كمشروع طلابي للمناقشة بحضوري لأكثر من مرة . حتى أن [الكاسيت VHC ] قد استهلك . في أحد أيام تلك الغربة وكنت عائدا من أحد العروض المسرحية الكبيرة [بستان الكرز] ، ولشدة انتشائي بالعرض الكبير ، عدت لأشاهد [خيط البريسم] ، لأتأكد من أني أيضا أمارس ذات المهنة التي من أهم سماتها الفرح . وبين الانتشاء والفرح والدهشة ، تذكرت أن العودة إلى العراق هي قاب قوسين ، ولابد لي من أبحث لي عن ما أقدمه من عمل مسرحي بعد العودة . ورأسا طفرت إلى ذهني فكرة : لماذا لا تكون خيط البريسم ؟ ولأن فرقتنا اعتادت أن تقدم العروض الشعبية بين حين وآخر ، بل وقد امتازت وأخذت السبق فيها ؟ إذن ليس من الصعب علي تحويلها إلى نص مسرحي بدلا من كونها نص تلفزيوني . وفعلا شرعت بالإعداد ، بعد أن كتبت إلى الأستاذ يوسف العاني استأذنه في إعدادها . فبارك ذلك وأرسل لي السيناريو البالغة عدد صفحاته بحدود الـ 400 ، المشكلة الآن هي كيف يمكنك اختزال هذه الصفحات الكثيرة إلى مسرحية لا يتجاوز عدد صفحاتها عن الـ 60 صفحة . المهم وبفرح كبير توصلت إلى مقترح الأعداد الذي أرسلته بدوري إلى العاني لأحظى بمباركته وفعلا بارك ذلك لأنجز المهمة الأخيرة بالمسودة فأرسلتها إليه لتكون بلمساته الأخيرة مسرحية [خيط البريسم] . ولتكون مشروعنا المشترك لفرقتنا المسرح الفني الحديث . وما أن حط بي الركاب عائدا من الدراسة حتى كان المشروع قيد التنفيذ . ولا يفوتني أن أسجل هنا أن من عادة أسرة المسرح هو التزام أبنائها والوقوف معهم متكاتفين عند تقديم مشاريعهم . وكانت قائمة الفنانين والفنين والإداريين كبيرة بدءا من المؤلف يوسف العاني – الذي لعب دورا صغيرا فيها – والكبار : خليل شوقي ، مقداد عبد الرضا ، سعدية الزيدي ، عواطف نعيم ، إقبال نعيم ، وما تبقى من نجوم الفرقة – الذين غادر اغلبهم العراق إلى مكانات أخرى إما هربا أو للدراسة – وقد تعاون الجميع على أن يقدموا العرض بأحسن صوره ، وكان ذلك . وعادت الفرقة إلى سابق عهدها بالتزام منهجها في تقديم العروض الشعبية الواقعية من جديد . حيث تلاها مسرحية [الباب القديم] من تأليف : خليل شوقي ، وتمثيل كل نجوم الفرقة وكانت من إخراجي –الباحث- بعد أن اعتذر عن إخراجها سامي عبد الحميد . لتتبعها عروض أخرى أيضا من النصوص المسرحية الشعبية .
ولمقدار تعلقي بالفرقة ، وددت أن تكون موضوعا لرسالة الدكتوراه التي سأكتبها ، لكني وجدت إنني وأيا كان عنواني الذي سأختاره سوف لن يخلو من الحديث عنها ، فحولت اهتمامي ورغبتي إلى الحديث عن المخرج والإخراج بشكل عام وكتبت في [المشاكل المعاصرة في الإخراج المعاصر] الموضوع الذي لن يفلت منه اغلب من عمل في فرقة المسرح الفني الحديث من المخرجين وكتابها ، لاسيما وأنا ابن مكة الأعرف بديارها اكثر من غيري . ولابد لي من أن ابحث موضوع آخر . لاسيما والمسرح البلغاري هو الابن الشرعي للمسرح الروسي ، الذي تنتمي إلى تأثيراته فرقة المسرح الفني الحديث ، فأنا ستضطرني المقارنة بالضرورة أن أتولاها جميعا بالبحث والتحليل . والمعادلة تجمعها جميعا : مسرح + فريق + كاتب + مخرج + جمهور من نوع خاص . وهذه سمات جمعت تجارب المسارح المهمة في العالم دائما ، وهكذا بدأت الرحلة . وبعد لم يبدأ الكلام في كامل التجربة.
*عن صحيفة المدى

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *