عواد ناصر: ((المُضْمَرُ والمعلن))

إشارة:
مع هذه المقالة الجميلة .. وافق الأستاذ المبدع ( عواد ناصر ) على نشر مقاله الأسبوعي بعد نشره في جريدة ( الزمان ) .. وهي مقالات حية تتناول صلب الظواهر الثقافية العراقية والعربية والعالمية .. ويسر الموقع نشر أعمدة مهمة سابقة له تثير المناقشات الجادة ، مثلما يسعده استقبال مقالاته الجديدة .

“المضمر” هو عكس المعلن في الكلام، وبالتالي في الكتابة أيضاً، وهو ليس حالاً تعبيرية نادرة، بل ظاهرة تتساوق مع الذي يُقال ويُكتب، وأحياناً توازيه إن لم تتفوق عليه.. ومن هنا تنشأ حاجة النقد، ومن ضمنه القراءة، كفعل تحدّ، إلى إدراك الوجه الآخر للنص/ الكلام.
كتاب “المضمر” للفيلسوفة الألسنية الفرنسية كاترين كيربارت – أوريكيوني، يبحث في الوجه الخفي للكلام، والمدهش هو أن الأمثلة التي تسوقها عبارات لغوية نتداولها في حياتنا اليومية، كاشفة ما هو محذوف من ثنايا الكلام.. على أن هذه الفيلسوفة تشير، بشكل متكرر، إلى حساسية المخاطب (الطرف الآخر في أي خطاب) عنصر أساس في إشكالية الكشف عن المضمر أو تجنبه لأسباب تخصه.
“.. وبالتالي، تشمل عملية استيعاب بعض الأقوال على فهم أقوال أخرى نعمد إلى إنشائها على ضوء الأقوال الأولى – أو إذا أردنا أن نتوخى الدقة أكثر، على ضوء مستويات محتوى مختلفة عن المحتوى الحرفي، والتي نوضحها بشكل ألسني لغوي إنعكاسي من خلال منحها ركائز دالة، أي من خلال تحويلها إلى أقوال كلامية”.. كما تقول.

كل عبارة نتداولها تنطوي على “مضمر” حتى لوقلت: “أنا ذاهب إلى العمل اليوم”.
من دون معرفة مسبقة بسياق العبارة اللغوي يتملكها المخاطب تظل الجملة، بكاملها في طور المضمر: فتنشأ إشكالية البتر والحذف ومن ثم الغموض في المقصد وتطرح أسئلة متولدة لدى المخاطب مثل: “وهل كنت في إجازة قبل ذهابك إلى العمل، اليوم؟”.. أو: “هل هو اليوم الأول لك في الوظيفة؟” أو ما إذا “ستذهب إلى العمل غداً؟”.
عليه.. ثمة أسئلة أكثر جوهرية يقوم عليها بحث الكتاب من خلال “الأقوال التي تتخذ أشكالاً رقائقية ذات بنية دلالية مؤلفة من مجموعة محتويات جُميلية (مصغر جُمليّة) تشتق واحدتها من الأخرى بتسلسل وتعدية” كما تقول المترجمة في مقدمتها للكتاب.
على أن ما يدعو للدهشة هو أن الكاتبة تعتبر “التعابير المكتوبة أقل غنى بالمعاني المضمرة من التعابير الشفهية” وهو قرار مربك ومحير بشأن ادعاءاتنا، نقاداً وقراء، حيال الكشوف المزعومة التي نبديها أثناء الفعل القرائي للنصوص الأدبية، معتقدين أن النص المكتوب هو الأكثر عمقاً من النص الشفاهي، وبالتالي تجاهل تأويلات ممكنة وكبيرة في كلام الناس اليومي!
لكن ثمة تعابير (لغة) غير لغة الكلام وي ما تدخل في الإيماء أو الإيحاء أو التعبير عن المشاعر غير اللغوية كالضحك والبكاء وما يدخل في باب “المكون الصوتي” ولكن غير الكلامي، وتشير الكاتبة، باعتراف صريح، إلى صعوبة الكشف عن “الإلماح أو التلميح أو التهكم بنبرة صوت خاصة به وهل هي نبرة نوعية، كما تساءل فيلسوف آخر تستشهد به الباحثة رغم إقرارها بأن الإلماح هو نوع من أنواع القول المخفف، على أن الافتراضات والمضمنات بمثابة “معلومات خفية مدسوسة” لكن، يبقى هذا النوع من المعلومات “أدنى أهمية من من المعلومات البينة التي يتألف منها محتوى الأقوال الإجمالي”.
ومثل “لغة الجسد” ثمة “لغة اللغة”.. أي تلك المستويات الدفينة التي تتلاعب بالمقصود وغير المقصود من الكلام، من دون أن يكتفي المتكلم بالمعاني المجردة، الضرورية وغير الضرورية، في ثنايا الخطاب اليومي، الذي هو ميدان البحث هنا، كما استنتجتُ أثناء قراءتي لهذا الكتاب، المهم والصعب، الذي تصدت لترجمته السيدة ريتا خاطر لا بمهنية المترجم، حسب، بل بمسؤولية المثقف الذي يعي حاجة المجتمع للمعرفة باعتبارها مقياس تطور أو تخلف أي مجتمع، فهي تشير إلى أن تخلف المجتمع العربي هو تخلف ثقافي بالدرجة الأولى.. وهذا أحد أهداف ترجمتها لهذا الكتاب!
أخيراً، الكتاب ضخم، حجماً (699 صفحة من القطع الكبير) ومحتوى، غنيّ ومعقد، حتى على مترجمته التي تصدت للمهمة بلغة رفيعة لترجمة ناجحة أضافت إلى مكتبتنا كتاباً مهماً في المعرفة “شبه المحذوفة” من رفوفها الفقيرة أصلاً، أعني الثقافة الألنسية.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

2 تعليقان

  1. أحمد السعيد

    السلام عليكم ورحمة الله
    إخوتي الكرام أرجو منكم أن ترسلوا لي بطاقة قراءة في كتاب المضمر ل أركيوني
    وإلى ذلكم الحين تقبلوا مني فائق عبارات الاحترام والتقدير

  2. وعليكم السلام
    للأسف لا تتوفر لدينا
    تقبل فائق احترامنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.