تابعنا على فيسبوك وتويتر

إستذكار “غسان كنفاني”: الشاهد والشهيد
د. حسين سرمك حسن

فاجعة ومؤلمة هي الطريقة التي تم بها اغتيال الشهيد المبدع ( غسان كنفاني) وهو في ذروة عطائه وعمره (كان في السادسة والثلاثين عندما اغتيل)؛ طريقة تعبر عن كل قسوة ووحشية الروح الصهيونية الانتقامية. ففي صباح الثامن من شهر تموز 1972 م استشهد كنفاني على أيدي المخابرات الصهيونية، عندما انفجرت قنبلة بلاستيكية، ومعها خمسة كيلوغرامات من الديناميت في سيارته، أودت بحياته وحياة ابنة شقيقته لميس. تصف زوجته “آني كنفاني” فضاعة المجزرة فتقول: (بعد دقيقتين من مغادرة غسان ولميس، سمعنا انفجارا رهيبا تحطمت بسببه كل نوافذ البيت. نزلت السلم راكضة لكي أجد البقايا المحترقة لسيارته. وجدنا لميس على بعد بضعة أمتار، ولم نجد غسان. ناديت عليه، ثم اكتشفت ساقه اليسرى. وقفت بلا حراك. وقد وجد المحققون إلى جانب السيارة المنسوفة ورقة تقول: مع تحيات سفارة (إسرائيل) في كوبنهاغن- كتاب الشاهد والشهيد، ص 29) . وقد فعلوا ما هو أبشع من ذلك مع الشهيد (كمال ناصر) وهو الناطق الرسمي آنذاك ، فوضعوا رصاصة في فمه بعد اغتياله، الفم الذي ينطق بحق المقاومة !! .
كان غسان مناضلا صلبا شديد الإلتزام بقضية وطنه السليب وحقوق شعبه. وقد كان عضوا في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. لكه لم يوفر سبيلا من السبل الإبداعية يخدم من خلاله شعبه المقاوم إلا وطرقه، فكان مبدعا متعدد الاهتمامات. كتب القصة والرواية والمسرحية والنقد الأدبي والدراسات السياسية والمقالة الصحفية، كما ترأس واحدة من أهم المجلات الفلسطينية وهي مجلة “الهدف”. وقد قامت مجلة “فكر” السورية بتخصيص كتابها الدوري لهذا العدد للشهيد المغدور حيث حمل عنوان (غسان كنفاني.. الشاهد والشهيد- فصول من سيرته الإعلامية والسياسية)، أعده وحرّره (أوس داوود يعقوب).

وقد أهدي الكتاب (إلى روح المعلم القدوة؛ الفلسطيني السوري العربي “أنيس صايغ”؛ فارسا دفع ضريبة الدم من أجل فلسطين). وصايغ بدوره هو واحد من ضحايا الوحشية الصهيونية حيث حاول الصهاينة اغتياله ثلاث مرات، كان أبرزها الرسالة المفخخة التي بترت أصابع يده، وأفقدته السمع والبصر والشم.
افتتح الكتاب بمقالات للمحرر منها “غسان كنفاني .. الشاهد والشهيد”، استعرض فيها سيرة حياته في المنافي، و”غسان وتجربة مجلة الهدف”، والكيفية التي تعرض فيها للسجن بسبب افتتاحياته التي لا تهادن، ثم جردة بمؤلفاته الروائية والقصصية والمسرحية والدراسات السياسية والمقالات التي كتبت عنه، والجوائز التي نالها. ثم كتاباته الساخرة التي كتبها باسم مستعار هو “فارس فارس”. وهناك أيضا كتاباته للأطفال. كما ضم الكتاب وثائق ومقالات متنوعة منها مقالات رثاء لأنيس صايغ ومحمود درويش وإلياس خوري. ويوميات غسان كنفاني بين عامي 1959 و1965.

ولعل من أجمل ما ضمه الكتاب مقالة “فضول طفل أم قدر رجل؟ ؛ يا ولدي ، يا مستقبل) للشهيد كنفاني التي يتناول فيها احتدام مشاعره عندما سمع ابنه يسأل أمه: هل أنا فلسطيني أيضا؟ فتجيبه بنعم، والتي يختمها بقوله: (أكان سؤالك كما كان سؤالي: فضول طفل، أم قدر رجل؟ لا يهم. لقد وُلدتْ تلك اللحظة، الأرض القديمة، داخل إنسانها الجديد، وشهدتُ هذه الولادة، وأنا في الغرفة الأخرى. وأحسست بأن الشروش الصعبة على الاقتلاع قد ضربت في رقعة أخرى من سهوب الأجساد التي لا تنتهي. وحين دخلتَ إليّ، خيل إلي أنك آت من غارك الخاص، وأن صوتا ما قد قال لك: “إقرأ”. فأرعبك في البدء، ولكنه وضع خطاك على بوابة الطريق- ص 13).


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"