أصوغُ ناموساً ، وأدعو الى نسفِه (نصٌ نثري)
كريم الأسدي ـ برلين

أصوغُ ناموساً ، وأدعو الى نسفِه

نصٌ نثري

كريم الأسدي ـ برلين

أستغرب من مسألة مفارقة أذهلتني وتذهلني الى الآن تتعلق بعلاقة أبناء الرافدين بالأِبداع وبأِبنهم العراقي المبدع .. بلد النهرين أعرق بلدان العالم ابداعاً على الاطلاق ولهذا سمّاه البشر في أنحاء مختلفة من العالم ب ( مهد البشرية ) أو ( مهد الحضارة ) أو ( مهد الحضارات !! ) ، وفي كتاب ضخم ألَّفته لجنةٌ كبيرةٌ من علماء ألمان من شتى الاختصاصات يقودهم بروفيسور في التاريخ ، وجاء هذا المؤلَف الفذ بأكثر من ألف صفحة من القطع الكبير جداً .. وهو أكبر كتّاب رأيته في حياتي ورآه أصدقائي في مكتبتي ، واسمه قاموس البشرية ، وفي الألمانية
Chronik der Menschheit
يستهل الكتاب أول صفحاته ليعرِّف بتاريخ بلاد الرافدين فيقول ما معناه : في بلاد الرافدين المنطقة المركزية ما بين دجلة والفرات من عراق اليوم نشأت في العالم أولى الحضارات البشرية ، وابتدأ عصر التدوين بعد اختراع أهل المنطقة لأول مرّة في تاريخ الإنسانية للكتابة متمثلةً في الخط المسماري .. أنتهى الاقتباس من هذا الكتاب ـ السِفْر .. وسؤالي : كيف لم يتعلم الساكنون في بلد الابداع وأبناء أو ورثة أعرق المبدعين وأعظمهم التعاملَ العادلَ والجميلَ مع مبدعيهم ، بل وضرب بعضهم أرقاماً قياسية في الأِجحاف والحسد والحقد والشر والقبح والنذالة في تعاملهم مع أروع وأجمل وأنبل مبدعيهم ؟!!.. هل نضرب مثال السيّاب دليلاً .. السيّاب مع زميلته نازك الملائكة كانا في سن دون الخامسة والعشرين حين أبدعا في بناء صرح معماري شعري هائل نافس عمارة الشعر العربي القديم الذي تأسس واستمر بلا منافس لدهر من الزمن مقداره أكثر من ألف و أربعمئة عام فتمكنا من مزاحمته جمالياً ومن اجتذاب الكثير من القرّاء والشعراء لصالحه .. شابان عراقيان في عمر الزهور يجترحان هذا الإنجاز في عالم عربي كان فيه ثلاثمئة مليون انسان وفي أدب لغة يتكلم بها سكان أكثر من عشرين دولة ، واذا بأحدهم يمرض في بلد باذخ الثراء ويستمر مرضه لعقد من الزمن فلا يجد علاجاً ، بل يُطرد من عمله لأنه مريض ويؤخذ بيته التابع لمؤسسة عمله من عائلته عنوةً ـ وما أكبر المفارقة ـ في يوم وفاته ، ولا يرافقه الّا ثلاثة أو أربعة أشخاص الى المقبرة أحدهم كان صديقه الكويتي الذي جلب جثمانه من الكويت ، وقبل ذلك لم يستقبله أو يرافقه من مطار الكويت الى المستشفى الكويتي الّا ثلاثة أصدقاء : مصري وفلسطيني وكويتي ، وهو في رحلته الأخيرة طلباً للعلاج .. ولم يكن السيّاب وحده من عاش هذه المأساة بل الكثير الكثير من المبدعين العراقيين من أصحاب الابداع العالي والضمير والموقف الجريء ، ويمكنني ان أصوغ هنا معادلة بمثابة قانون بل بمثابة ناموس بالأحرى أوجزها بما يلي:

مبدع عراقي زائداً ضمير حيّ زائداً شجاعة في الموقف يساوي العذاب والاحتراب والعزلة والحرمان

انظروا الى بقية الأمم !! ودعونا سوية نبدع معادلة جديدة رغم قسوة الزمن نصحح فيها هذا الناموس بناموس أعدل وأجمل ، فالسياب ونازك ـ وهما عراقيّان ـ أبدعا ما هو جديد وجميل ومدهش بعد أكثر من ألف وأربعمئة عام

*** ****

زمان ومكان كتابة هذا النص اليوم الأخير من العام 2018 في برلين

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كريم عبد الله : رحلةُ العودة من العالم السفليّ .

الظلام سفينة تستعجلُ ركوبها الأجساد المنهكة القابعة وراء الصمت تستحثّ خطاها عواصف سرّية دوّاماتها تستند …

| فراس حج محمد : جماهيريّةُ الشاعر تميم البرغوثي .

جماهيريّةُ الشاعر تميم البرغوثي فراس حج محمد/ فلسطين في حديث سابقٍ عن الشاعر مريد البرغوثي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *