العازف العراقي عمر منير بشير: توجد مؤامرة للقضاء على الفن العربي وراءها مسؤولون عرب وأميركيون
اعتبر أن «موسيقى الأرجل» هي السائدة وليس «موسيقى العقل»
حاورته: سناء الجاك (ملف/1)

العازف العراقي عمر منير بشير: توجد مؤامرة للقضاء على الفن العربي وراءها مسؤولون عرب وأميركيون

اعتبر أن «موسيقى الأرجل» هي السائدة وليس «موسيقى العقل»

بيروت: سناء الجاك

انتقد العازف العراقي عمر منير بشير الوضع الحالي للغناء والموسيقى في العالم العربي. وقال في حديث لـ «الشرق الاوسط» على هامش زيارة له الى لبنان لتقديم امسية في جامعة البلمند، «هذا غلط، لانه يجعل موسيقى الارجل هي السائدة، وليس موسيقى العقل التي يتفاعل معها الانسان ويقرر بعد ذلك ان يرقص او يبكي او يفعل ما يشاء».
وعمر يستند الى ارث موسيقي عريق، فوالده هو الراحل منير بشير، احد أهم رواد عزف العود فهو اعاد الى هذه الآلة قيمتها ومجدها وادخلها العالمية، بعد ان بلور امكانات العزف الكبيرة عليها، وابرز قدرتها على استيعاب مختلف انواع الموسيقى وليس فقط الشرقية منها، فقد روض تقنية آلة التشيلو وحولها الى العود، كما درس المقامات العراقية التي برع يهود العراق فيها وتخصصوا بإدائها. منير بشير كان ايضاً باحثاً عن اسرار ربط المقامات والارتجال، بما فيه التقاسيم والموال والليالي.

وعمر الذي يقيم في المجر حالياً، مسقط رأس والدته، بدأ العزف منذ كان في الخامسة من عمره. تتلمذ على والده وعمه جميل ودرس مع عدنان محمد صالح والفنان المعروف سالم عبد الكريم. ووقف على المسرح طوال تسع دقائق ليعزف منفرداً عندما كان في التاسعة من عمره. لذا لا يعتبر انه اصبح عازفاً بالصدفة وانما بصقل الموهبة والعمل حوالي خمس ساعات يومياً طوال 30 عاماً، كما يؤكد انه لا يستطيع ان يقلد والده، وانما يرتكز الى ثقافته الموسيقية ويرتجل بطريقته الخاصة. ويطيب له ان يوضح ان الارتجال لا ينوّط، اي لا يمكن وضع «نوطة» خاصة به، وهذا سر خصوصية العزف على العود. ولم يدرس عمر في حياته اي علوم غير الموسيقى. ويستغرب عمر كيف يمكن لفنان ان يقوم بعمل آخر غير اختصاصه، الامر الذي يؤدي بالتأكيد الى الفشل ويحول الفنان الى تاجر، وفيما يلي نص الحوار:

* هل صرفك العود عن الحب والزواج؟

ـ الى حد ما، فأنا لم اجد بعد امرأة تفهم علاقتي به وتقبلها وتضحي في سبيل هذه العلاقة وتحترم مزاجية ارتباطي بالعود. فالمرأة الحديثة تعيش في ايقاع التقنية.

* كأنك تعيش في برج عاجي بعيداً عن تعاطي الناس مع الفن، بينما يفترض ان تتواصل مع جمهورك؟

ـ ليس صحيحاً فأنا قريب جداً من الناس. احياناً اعزف لجمهوري سبع ساعات متواصلة من دون ان ادفعه الى الملل، واعرف كيف اقود الجمهور الى الاستمتاع، قد ادفع به الى الرقص من خلال العزف على وتر واحد.

* اين هو هذا الجمهور الذي يحتمل سبع ساعات عزف على العود؟

ـ هذا الجمهور يحتاج الى تربية، بأسلوب يسمح للفنان بالوصول الى جميع الاذواق، ايا كانت مشاربهم، بحيث يبني كل واحد منهم فكرته الخاصة ورؤيته الخاصة للعزف الذي يستمع اليه. وانا ارفض على نظرية «الجمهور عاوز كده» لاني متأكد ان الجمهور يريد فناً راقياً. ولكن يجب ان تعرف كيف تقدم هذا الفن. من هنا اشعر اني اقوم بمهمة صعبة في هذا الزمن، فالوقوف على المسرح يجب ان يتم في جو من الاحترام. وانا اعرف ان 70% من فنانين العالم العربي الحاليين سيذهبون الى «مزبلة التاريخ»، لانهم لم يحترموا الجمهور، وأهملوا أهمية الموسيقى التي تفوق اهمية الغناء.

* هل يعني هذا انك ضد كافة مظاهر الفن الحالية؟

ـ الزمن دفعني الى ان اصبح متعصباً للموسيقى وناقماً على طريقة التعاطي معها في الدول العربية، فقد بيع اكثر من نصف مليون «سي.دي» من اعمالي في انحاء العالم. ولم اجد شركة عربية واحدة تنتج لي مجموعة. ويحز في نفسي ان العازفين العرب الذين لا يملكون فرصة للانطلاق خارج دولهم، يموتون من الجوع ويشتغلون بتراب الفلوس.

* الا تجد مطرباً واحداً يستحق لقبه؟

ـ بلى، هو صابر الرباعي، لانه وحده قادر على الاداء والغناء والتطريب. ففي صوته امكانات قوية.

* الا يتعبك ان تحمل كل هذه الثورة والنقمة في داخلك عوضاً عن الاستكانة والتفرغ للفن؟

ـ اما متفرغ لفني ومحترف منذ 17 عاماً، لكن علينا ان نتوقف عن الخداع. ماذا سنترك للاجيال بعد 100 عام. ماذا قدمت مصر بعد سيد درويش وعبد الوهاب وام كلثوم وغيرهم؟ ماذا قدم لبنان بعد فيروز وصباح ووديع الصافي؟ الى اي مدى يمكننا الاتكال على خيرات عمالقة الجيل الماضي؟ لماذا يلومون فيروز عندما تطلب اجراً عالياً لقاء حفلة ما ولا يتكلمون عن مغنية او مغني، ممن يقدمون حفلة خاصة ويحصلون على ثروة في ليلة واحدة؟ العرب في الكاباريهات يرمون الاموال عند اقدام الراقصات اكثر مما يلزم لميزانية مهرجان ثقافي او فني محترم.

* الهذا السبب تعيش في المجر؟

ـ لهذا السبب يهرب الفنان الى الغرب عندما تسمح له الظروف. فأنا اعيش في غرفة مساحتها 30 مترا مربعا، ويمكنني العمل والتعبير عن رأيي على سجيتي. لا ديمقراطية في الوطن العربي كذلك هناك من يعمل على حذف ثقافتنا.

* هل تؤمن بنظرية المؤامرة على الفن والثقافة؟ ومن يقف خلفها؟

ـ المسؤولون في العالم العربي بالتأكيد، والاميركيون ايضاً، الذين يشكون من نقص ثقافي حيال تراثنا العربي الفني، لذا يحاولون القضاء على فنوننا وآدابنا.

* لكنك عزفت في البيت الابيض بمناسبة الذكرى الثانية لاحداث 11 سبتمبر (ايلول)؟

ـ صحيح لان الاميركيين لا يستطيعون تجاهل الفن الحقيقي، لكنهم يخربون الذوق العام عندما يستطيعون ذلك، مع الاعتراف انهم يقدرون انتاجنا الجيد اكثر مما يقدره العرب. من هنا يبقى الفن افضل وسيلة لتعريف الغرب على حضارتنا. فنحن نخسر في السياسة بينما نربح اذا تحول الفنانون الذين يستحقون التسمية الى سفراء لبلدانهم. الابواب تفتح لهم في الغرب. اما في دولنا، فلا احد يهتم. وعندما ازور لبنان استغرب لماذا لا يفتح الكونسرفتوار الوطني ابوابه لي؟ لماذا يمنع طلابه من حضور حفلاتي؟ وكأن مديره وليد غلمية يحمل عقدة من الموسيقى والمقامات الشرقية ويريد ان يفرض عقدته على طلابه.

* تتحامل على المسؤولين العرب رغم ان والدك كان مستشارا فنياً للرئيس المخلوع صدام حسين. كيف تفسر هذا؟

ـ صدام حسين رغم ديكتاتوريته كان اكبر ممول للمهرجانات الثقافية والفنية في العالم العربي. اكثر الفنانين والمثقفين مدحه وقبض لقاء ذلك. منير بشير لم يمدح صدام، ولم يقبض منه فلساً واحداً. كان يناديه بلقب «أبا عدي»، وصدام كان يناديه بلقب «استاذي». واذكر انه نظم مهرجان بابل بالصوت والليزر بين مسرحين من المنطقة الاثرية في المدينة وكان الاول من نوعه في العالم العربي، واستقدم عبر علاقاته مع رؤساء اوروبيين وبينهم الرئيس جاك شيراك، اعظم الفرق العالمية مجاناً لاحياء هذا المهرجان. ورفض ان يأخذ لنفسه شيئاً من ميزانية قدرها خمسة ملايين دولار. لكن نقمتي كبيرة على التخلف العربي الذي تسبب بوفاة والدي حزناً وقهراً، عندما كان الامين العام للمجمع الموسيقي العربي التابع لجامعة الدول العربية طوال 30 عاما من دون راتب، ثم فوجئ في يوم من الايام بتلقيه رسالة، يتهم فيها باختلاس خمسة آلاف دولار من المجمع. اصيب فوراً بنزيف داخلي ومرض مع انه لم يكن يشكو علة، وذلك لان اعز اصدقائه روج هذه الشائعة، ولم ينفع اي اعتذار وتوضيح بعد ذلك بأن المحاسب كان المختلس، فالاساءة التي اصابت منير بشير قضت عليه، وتوفي بعدها بأشهر.

* ماذا عن احلام عمر بشير؟

ـ احلم بتأسيس مدرسة كبيرة للعود. الفكرة كانت لوالدي، سرقها منه نصير شمة وانشأ «بيت العود» في مصر. وقال انها من افكاره وانكر استاذه منير بشير وقد رفعت عليه دعوى قضائية، لان والدي سجل فكرته ولا يمكن لاي كان ان يسرقها، وبدوري سجلت فكرتي لانشاء مدرسة عود تجمع كافة مذاهب العود في الوطن العربي. ويختار التلميذ فيها اي مذهب للعزف يتعلمه. ولكني اعرف ان المشروع لن يجد ممولاً له، مع انه يشرف الوطن الذي ستقام فيه هذه المدرسة.

ويملك عمر حلماً آخر، وهو «اقفال جميع معامل الاسلحة واستبدالها بمعامل لصناعة آلات موسيقية شرقية. كأن يكون لدينا مصنعاً قادراً على صناعة ألف عود بنفس التقنية والجودة والشكل، كما هو الحال في الغرب. نحن تنقصنا صناعة جيدة للآلات الموسيقية، وهي ما زالت صناعة فردية، تنقرض مع اصحابها عندما يموتون».

*عن صحيفة الشرق الأوسط

شاهد أيضاً

وعد الله ايليا: لوثر ايشو ..والتفرد الفني (ملف/14)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

لوثر ايشو مازال نابضا بالحياة رغم رحيله
مقالة في جريدة موصلية
عنكاوا كوم –الموصل -سامر الياس سعيد (ملف/13)

إشارة: بموازاة عراق ينزف تحت سياط الجلد على يد الظالمين والفاسدين، نَزَفَ زهوراَ عراقية مُرَمّمة، …

مقداد مسعود: “حميد الربيعي” من الهدوء .. إلى الورد (ملف/3)

حين علمت ُ برحيلك، وقفتُ حاملاً أعمالك الأدبية دقائق حداد … ثم شعرتُ بحفيف ينافس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *