“مي مظفر” تقدم تحولات الفن العراقي (ملف/15)

الصورة من أرشيف الأديبة د. باهرة محمد عبد اللطيف فشكرا لها

إشارة:
الشاعرة والقاصة والناقدة الفنية والمترجمة الأديبة مي مظفر نموج للعطاء الأدبي المتواصل منذ مطلع السبعينات حتى اليوم. أنجزت الكثير بلا ضجيج وكانت بعيدة عن الأضواء والإعلام، ولعلها هي نفسها تحاشت الترويج لأدبها زهداً وترفعاً. في الأعوام الأخيرة وإثر رحيل رفيق عمرها، الفنان رافع الناصري، كرست جلّ وقتها وجهدها للحفاظ على إرثه الفني وفاء له ولذكراه. الأمر الذي جعل البعض ينسى – أو يتناسى- إنجازها الإبداعي المتنوع الممتد زمنياً إلى أكثر من أربعة عقود وأكثر من خمسة وعشرين كتاباً. هذا الملف مناسبة جميلة للإحتفاء بها والتذكير بإبداعها.
د. باهرة محمد عبد اللطيف

مي مظفر» تقدم تحولات الفن العراقي في الدارة الأردنية

آية الخوالدة

خلال الندوة التي قدمتها الشاعرة العراقية مي مظفر في دارة الفنون في العاصمة الأردنية عمان، بعنوان «»تحوّلات الفن العراقي في الفترة 1975 ـ 1995»، تحدثت الكاتبة عن تجارب فنية منتقاة من أجيال مختلفة في العراق، متناولةً جوانب من التنوّع في الاتجاهات والأساليب والرؤى في الحركة التشكيلية الحديثة في بلادها.

وفي الندوة التي تأتي ضمن تظاهرة «طقوس الإشارات والتحوّلات» التي تقام في دارة الفنون، تحدثت الكاتبة من كتابها «الفن الحديث في العراق: التواصل والتمايز» الذي وقعته في الأمسية نفسها.

تعتقد مظفر أن المبدع، سواء أكان فنانا أو أديبا، يسعى إلى البحث عن شخصية فنية تميزه. فالفنان يختار لغته التعبيرية، أو قد يتوصل إليها تدريجيا، من خلال ما يلتقطه من إشارات ورموز وأشكال مستنبطة من المحيط أو التاريخ أو الأساطير أو الفلكلور، يوظفها في عمله، محاولا بين الحين والآخر تجاوزها كي لا يسقط في التكرار الممل، كما حدث مع كثير من التجارب الإبداعية. هي لغة تقرأ بصريا، قابلة للتأويل والتفاعل معها من خلال المران والخبرة. ينجذب المشاهد إلى كم الجمال الذي ينبث منها مثل ذبذبات سحرية من غير أن يدرك سر انجذابه.

وأوضحت مظفر أن الفن لا يوجد في الطبيعة، بل هو من صنع الإنسان، ولأنه كذلك فهو إنساني في جوهره. والفنان صانع حياة مستنبطة من حياتنا، ليوجِد عالما موازيا، صُمّم من أجل تحريك مشاعر جديدة، وإيقاظ روح الجمال للتأمل والتبصر. هكذا يخرجنا من قسوة الواقع وينبهنا إلى جمال الوجود الذي قد يكون متواريا عن أعيننا. ربما يبدو الطرح مفارقا لظاهر ما نرى، ولكن الفنان يستكمل المشهد بقدراته الخلاقة.

وحول أعمال الفنانين العراقيين الموجودة في دارة الفنون، ترى مظفر أنها تجارب شخصية متنوعة في رؤاها وأساليبها ممثلة في ثلاثة أجيال: الخمسينيات، والستينيات والثمانينيات.

تميزت حقبة السبعينيات في العراق بكونها أكثر الحقب نشاطا وإبداعا على كافة المستويات ـ بحسب مظفر – فقد شهدت إقامة الكثير من المعارض الشخصية والجماعية، التي لم تقتصر على الفنانين العراقيين، بل شملت معارض مستضافة عربية وآسيوية وأوروبية، شخصية وجماعية. في الوقت نفسه امتد نشاط الفنانين العراقيين إلى مناطق مختلفة من العالم في المشاركة بالمعارض والبينالات العالمية المشتركة أينما كانت، وكان للفنان العراقي حضور بارز، سواء من خلال حصوله على جوائز أو مشاركاته في لجان التحكيم.

وعن الفترة ما بين 1965- 1980 ناقشت مظفر أهم الأحداث التي حصلت في الساحة الفنية العراقية، ومنها التعاون بين الفنانين والمعماريين وإقامة المعارض الشخصية، التي تميزت بالتجريب والاكتشافات التقنية، إلى جانب تطوير الرؤية الإنسانية. ومن هذه معارض الفنانين: كاظم حيدر، إسماعيل فتاح، ضياء العزاوي، محمد مهر الدين، سالم الدباغ، رافع الناصري، هاشم سمرجي، محمد غني حكمت. قدم الفنانون أعمالا جريئة في طرحها وتقنياتها التي تجاوزت الأطر التقليدية، بالإضافة إلى تأسيس «جماعة المجددين» من فنانين شباب، وتأسيس «جماعة الرؤية الجديدة»، المطالب بالتغيير والتجاوز والإبداع».

واعتبرت مظفر فترة السبعينيات من أكثر الحقب حيوية في مجمل الحركة الثقافية، من خلال إقامة المهرجانات العربية الأدبية والفنية، مع فتح مزيد من القاعات الرسمية لاستيعاب المعارض الشخصية والجماعية، واستضافة معارض من أنحاء العالم، بالإضافة إلى تنظيم برامج ثقافية شاملة في جمعية الفنانين التشكيليين لتأكيد تداخل الفنون الإبداعية ووحدتها، شملت القراءات الشعرية، والمحاضرات الفنية، والندوات، إلى جانب العروض المسرحية والسينمائية.

وحول فترة الثمانينيات تواصل النشاط الثقافي وإقامة المعارض الجماعية والشخصية، والمهرجانات الأدبية العربية والعروض المسرحية وغيرها. وصدرت مجلة «فنون عربية»، وأقيم مهرجان بغداد العالمي للفن التشكيلي، بمشاركات ولجنة تحكيم عالمية.

بداية مشوار مؤسسة شومان حول الفن العراقي، قالت مظفر «في نهاية عقد الثمانين زارت بغداد سهى شومان، من أجل التعرف إلى الفنانين العراقيين وانتقاء أعمال لإقامة معرض مشترك لهم في المركز العلمي الثقافي لمؤسسة عبد الحميد شومان، وكانت المؤسسة قد شرعت بتكوين مجموعة منتقاة من أعمال الفنانين العرب. وأقيم في عمّان معرض الفنانين السبعة: شاكر حسن، سالم الدباغ، سعدي الكعبي، رافع الناصري، علي طالب، محمد مهر الدين والنحات إسماعيل فتاح.

ومع بدء الهجرة إلى عمان بعد حرب الخليج 1991 كانت مؤسسة شومان فضاء مفتوحا للنخبة من الفنانين العراقيين، بمن فيهم الشباب الصاعد، وبدأت سلسلة من المعارض الفردية والمشتركة التي ما تزال مستمرة. وعلى مدى السنوات استقطبت دارة الفنون الكثير من التجارب العربية الشابة أينما كانوا مقيمين، سواء من المقيمين في الدول العربية أو في المهاجر، ومن بينهم فنانون عراقيون استطاعوا أن يشقوا طريقهم ويلفتوا إليهم الأنظار، بينهم الفنانون الذين سبق أن تعاونت معهم الدارة قبل هجرتهم. ومن بين الفنانين العراقيين الذين استضافتهم دارة الفنون في السنوات الأخيرة الفنانة جنان العاني والفنان عادل عابدين، وبذلك وفرت فرصة لجمهور عمان للاطلاع على إنجازاتهم الفنية.

ومن الباعث على الارتياح أن أعمال الفنانين العراقيين الذين عرضوا في دارة الفنون، أو تعاونوا معها سابقا، تشي، مع استثناءات قليلة جدا، بتمسكهم بقضية وطنهم والدفاع عن ناسه وأرضه وإرثه، على الرغم من أنهم أبدعوا تجاربهم في المهاجر، بل منهم من فارق العراق يافعا، وما تخلوا قط عن هاجس الانتماء إليه.

*عن القدس العربي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *