د. جمال خضير الجنابي : الحب العذري في قصائد سلمان داود محمد (ج1)
شعر وعشق في رقة اللفظ وعذوبة العبارات (ملف/6)

إشارة :

سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي  – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.   

الحب العذري في قصائد سلمان داود محمد(ج1)

شعر وعشق في رقة اللفظ وعذوبة العبارات

د. جمال خضير الجنابي

 

الخصائص او الظواهر الفنية

ان الخصائص او الظواهر الفنية تعد مظهرا من مظاهر الفن والخيال والجمال في عملية الابداع الشعري فضلا عما فيه من روعة والوان للحياة الاجتماعية ومشاهد الطبيعة والوجود. وذلك لان الفن الشعري من حيث صوره ومعانيه وألفاظه وتراكيبه الظاهرة هي منتخبة من الواقع الحقيقي الذي يحاول الشاعر انه يصوره لنا من خلال خطاباته.وان من يريد ان يدرس شعرعصربعينه يجب عليه معرفة مضمونه وخصائصه والاسس الفعالة التي تكمن وراء كل عمل ادبي وما للشعورالداخلي والتجارب من اثر في الصياغة الفنية للعمل الأدبي، وذلك لكون الأدب بعامة والشعربخاصة ترجمانا عن التجارب الشعورية، وبما إننا ندرس شعرا متعلقا بعاطفة الحب بعامة والعشق بخاصة فلا بد ان الشعراء حاولوا أن ينقلوا لنا صورا عن الاحساسات التي ساورتهم والعواطف التي اجتاحتهم ودفعتهم الى هذا النتاج الفني وسعوا إلى ان يصوروا تلك الاحساسات بما يؤثر في نفوس متلقيه، ويخلب ألبابهم.فهم شعراء عشاق قد وهبوا قدرا طيبا من الإرهاف والإحساس فكانوا اذا عرض لهم الجمال، اخذ ذلك بعقولهم واستأثر بأفئدتهم ، وهاموا يتحدثون عنه وينشدون الشعرفيه ولا يشغلون به عن شيء اخر سواه.وان خطابات هؤلاء العشاق جاءت متنوعة في الطرق والأساليب وهي تنم عن متانة السبك وجمال الرصف. وتعد من الجودة والبراعة ما لا يمكن على أي متلق واع ان يغفل عنها حيث نقش هؤلاء العشاق على صفحات اشعارهم كل ما حملته انفسهم من عواطف واضافوا عليها من ملكاتهم ومواهبهم الصور الكثيرة. ومن هنا يمكن ان نقول ان الشاعر سلمان داود محمد كان احد هؤلاء الشعراء .

الخصائص اللفظية والمعنوية

لقد اختلف موقف النقاد والبلاغيين في قضية اللفظ والمعنى وذلك كون(النص الشعري هو تركيبات لغوية قبل كل شيء وهذه التركيبات اللغوية هي التي تعبر باصواتها ودلالاتها عن الاثر الذي يحدثه هذا النص) (1).اذا اللغة تعد(عنصرا من عناصرالشعرالمهمة ، فلابد للشاعران يسلك فيها مسلكا خاصا)(2).وذلك لكون(اللغة معاني في قوالب الالفاظ، او الالفاظ ترمز الى المعاني)(3). وينصح بشربن المعتمر( ت 210 هـ)الشاعربان يجلب (لكل عين وغرة، من لفظ شريف معنى بديع…واياك والتوعر، فان التوعر يسلمك الى التعقيد والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين الفاظك. ومن اراغ معنى كريما فليلتمس له لفظا كريما، فان حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما ان تصونهما عما يفسدهما ويهجنها)(4).وقال يجب ان يكون(لفظك رشيقا عذبا وفخما سهلا ويكون معناك ظاهرا مكشوفا وقريبا معروفا)(5). وان الالفاظ هي الاداة التي تتجلى من خلالها المعاني لذلك يقول الجاحظ (ت 255هـ) من ان (المعاني القائمة في صدورالناس المتصورة في اذهانهم…مستورة خفية وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الاشارة وحسن الاختصار ودقة المدخل يكون اظهار المعنى)(6).

وبما ان لامزية للفظ على المعنى ولا للمعنى على اللفظ فان النقاد والبلاغيين قد جعلوا معايير الشعرالجيد الحسن اللفظ والمعنى فالجاحظ يرى ان(اجود الشعرما رأيته متلاحم الاجزاء سهل المخارج، فتعلم بذلك انه افرغ افراغا واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان) (7).اما ابن قتيبة (ت 276 هـ) فيرى ان افضل الشعرهو( ما حسن لفظه وجاد معناه)(8).

وقال ابن طباطبا (ت 322 هـ) ان (احسن الشعرما ينتظم القول فيه انتظاما ينسق به اوله مع اخره على ما ينسقه قائله.. حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة افراغا..لا تناقض في معانيها ، ولا وهي في مبانيها ولا تكلف في نسجها)(9).اذا فان للشعر لغته الخاصة التي تتطلب منها ان تكون مستوفية للشروط التي اشترطها النقاد والبلاغيون وذلك كله من اجل ان تستقيم تلك اللغة في مكانها جميلة نضرة.ويلاحظ على اللغة الشعرية من انها تختلف، باختلاف ما تؤديه من المعاني والاغراض وهي تختلف من شاعر الى اخر حسب طبائعهم، وبشأن الالفاظ فان لها صلة بالحالة الشعورية والنفسية للشاعر اثناء نظمه للقصيدة أي تكون(موافقة للحال التي يعد معناه لها كالمدح في حال المفاخرة… وكالغزل والنسيب عند شكوى العاشق، واهتياج شوقه وحنينه الى ما يهواه)(10).

ومن هنا تنوعت الاغراض الشعرية، وتشعبت فنونه، ولكل غرض لغته التي تناسبه واسلوبه الذي يمثله فالفخر يستدعي مثلا قوة الاسلوب وضخامة المعنى، والغزل يحتاج الى رقة اللفظ وعذوبة العبارات وهكذا في بقية الاغراض وهذا ما اكده قدامة بن جعفر(ت337هـ) في قوله (ولما كان المذهب في الغزل انما هو الرقة واللطافة والشكل والدماثة كان مما يحتاج فيه ان تكون الالفاظ لطيفة مستعذبة مقبولة غير مستكرهة)(11).وقال القاضي الجرجاني(ت 392هـ) ان(رقة الشعراكثرما تـأتيك من قبل العاشق المتيم والغزل المتهالك فان اتفقت لك الدماثة والصبابة وانضاف الطبع الى الغزل فقد جمعت لك الرقة من اطرافها) (12) وقال ايضا(اذا اردت ان تعرف موقع اللفظ الرشيق من القلب وعظم غنائه في تحسين الشعر..تتبع نسيب متيمي العرب ومتغزلي اهل الحجاز)(13).ان هذه الرقة والعذوبة التي اكتسبها النسيب والغزل بصورة عامة لها عوامل مؤثرة فيها.منها البيئة والطبائع اذ ان اللغة خاضعة لمزاج اهلها فهم الذين يخلعون عليها الخشونة، او يزينونها بالوان من الرقة، فلغتهم متمشية مع الروح التي سرت اليها من اهلها، تستعمل في اغراض معيشتهم وكل ما يلائم بيئتهم ويناسب طباعهم(14).لذلك فان(الشكل النهائي الذي تأخذه القصيدة، والاسلوب اللفظي المستخدم في تحديد بنائها واستكمال عناصرها لا يمكن فصلها عن طبيعة الحياة التي يعيشها الشاعر) (15).وقد علل القاضي الجرجاني اثر البيئة والطبائع في الشعر بقوله(وقد كان القوم يختلفون في ذلك وتتباين فيه احوالهم فيرق شعرا حدهم، ويصلب شعر الاخر ويسهل لفظ احدهم، ويتوعر منطق غيره، وانما ذلك بحسب اختلاف الطبائع وتركيب الخلق، فان سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلق… وترى الجاف الخلق منهم كز الالفاظ معقد الكلام وعر الخطاب حتى انك، ربما وجدت الفاظه في صوته ونغمته، وفي جرسه ولهجته، ومن شأن البداوة ان تحدث بعض ذلك) (16). وذلك لان الشعرالجاهلي من الشعر(الذي يصدق عليه غالبا انه رسم ناطق وتصوير حسي للبيئة الطبيعية والبشرية)(17).

اما ابن رشيق(456 هـ) فقد اكد نوعية الالفاظ في النسيب ان يكون(حلوالالفاظ رسلها، قريب المعاني سهلها، غير كز ولا غامض، وان يختارله من الكلام ما كان ظاهرالمعنى، لين الايثار رطب الكسرشفاف الجوهريطرب الحزين ويستخف الرصين) (18) وبما ان شعر العشاق يعالج تجارب عاطفية فلابد ان يشترك هؤلاء الشعراء في الالفاظ المعبرة عن هذه التجارب في الاغلب الاعم.وما يكتنفها من صور تشاؤمية وتفاؤلية في آن بحيث(يسهم كل منهما في اضفاء المعنى الانساني على الاخر)((19).وعندما نتأمل اشعار الشعراء والعشاق، فستطالعنا الفاظ (دالة على مضامين القلب كالحب والهوى والعشق والوجد، وقد وعندما نتأمل اشعار الشعراء والعشاق، فستطالعنا الفاظ (دالة على مضامين القلب كالحب والهوى والعشق والوجد، وقد تعددت في لغتهم المترادفات للاشياء التي عانوها)(20). فضلا عن الفاظ الشكوى والحرمان والالم والعذاب، وما يستخدم منها للافصاح عن الام العشق والحب وذلك ما تتأمله في قول سلمان داود محمد:

(في الذكرى الألفية لهجرانكِ

ثمة حرب شوارع ما بين ظلي و … أنا

في حين كان الحرف الأول من إسمكِ (Y) فالفاظ هذا البيت اكد حقيقة ان حب الحبيبة قد ذل نفس الشاعر فضلا عن اغنائها بالعاطفة وقد جسمها لنا الشاعر في تعابير محبوكة دقيقة الرصف.وكان الشاعرحريصا على ان يفصح عنه بما يلائم تحقيق استجابة الحبيبة، فلا ينبغي ان يذكربسوء ويتمنى لها مكروها، ولو كان ذلك في مجال التعظيم لشأنه. واذاما حاولنا استقصاء مفردات الحب وجدنا الفاظها تأخذ مساحة واسعة لدى الشاعرسلمان داود محمد ومن ذلك قوله:

(يا قليلة الرأفة .. أيتها الـ ( أنتِ ) …

لقد إختصرتني رسالتكِ الأخيرة

على شكل فارزة تغصُ بها علامة السؤال )الهيام هي مفردة من مفردات ومرادفات العشق وهي تعني رقة الشوق فعبرعن تلك الرقة باستخدام لفظة لها قوة ودلالة اعمق من التصريح بها حيث ان هذا النسيج المثيرمن الالفاظ وصورها ورموزها وايحاءاتها لم يكتب لها البقاء الا لانها(نبع من قوة التوازن بين الاحساس والفكر وبين العاطفة والصورة) (21).وذلك لان العاطفة بطبيعتها تؤثرفي الشاعر(جسما وفكرا وخيالافتصبح في ذهنه افكارا فتشكل الموضوع الذي ينظم قصيدته فيها وتفجر في ذهنه ملكة الخيال التي لها لغة مخصوصة في موسيقاها وايقاعها وفي الفاظها وتعابيرها وفي سياقها وبنائها) (22).فكلمة الهوى هي من مرادفات كلمة العشق التي تعني غلبة محبة الانسان للاشياء وغلبتها على قلبه.وتكثرعند الشاعرسلمان داود محمد الحزن والبكاء واللوعة والحسرة والدموع والزفرات وقد عبر الشاعرمن خلالها عما رافق تجربته العاطفية من عذاب.وترددت ايضا لدى الشاعرسلمان داود محمد مفردات القتل والبؤس والموت والمنية وتشكل تلك الالفاظ طابعا تشاؤميا ويرى فيها العاشق حبه المقموع فمن ذلك قوله:

(وميضُ العبوات يجرحُ ظلمتي

والعربات المحمّلة بالمطر

يتقاطرُ منها رحيق المشاة …)

ان هذا التكرارفي الفاظ بعينها بين الشعراء العشاق يعود الى انهم عاشوا تجارب تكاد تبدو متشابهة حيث يقول ابن رشيق(ت 456 هـ) ان (للشعراء الفاظ معروفة وامثلة مألوفة، لا ينبغي للشاعر ان يعدوها ولا ان يستعمل غيرها، كما ان الكتاب اصطلحوا على الفاظ باعيانها سموها الكناية لايتجاوزونها الى سواها، الا ان يريد شاعران يتظرف باستعمال لفظ اعجمي فيستعمله في الندرة)(24).ومن الافاظ التي كثرت في سياقات الشاعر سلمان داود محمد ايضا الفاظ الواشين والاحراس والرقباء والسر والكتمان بوصفها ادوات تفصح عن معاناة المحبين.وذلك ما نتأمله في هذه الخطابات الشعرية .وقد ردد الشاعر سلمان داود محمد بعض الاساليب التي تعبر في اصل وضعها عن انفعال العاشق مثل الاستفهام والقسم والاستغاثة والنداء وذلك لتأكيد ما يكابده من صبابة لا حدود لها فمن ترديد النداء قوله:

(أستحلفك بالمكتبة

ان تبتعدي عن ( دش) الأقاويل قليلاً

ثم اكنسي الغبارعن الخارطة بأهدابك)

ويحاول الشاعر من خلال هذا الاسلوب ان يظهر مقدار قوته في الاستعطاف من الحبيبة التي تبدو معذبة لشاعرنا لا تجمل به ولا تراعي المه فاستخدام لفظة (استحلفك) التي تعني الرفق بالشاعر ويدل على مقدارما يلقاه الشاعر من شدة فيتوسل من غير جدوى فهنا يتخيل المتلقي,ان حبيبته لا تبالي بما تسمع ولا تلتفت الى ما ترى، بل ربما تزم شفتيها وتولي بوجهها فلا يبقى لشاعرنا الا الاسراف في التماس الرحمة فيسألها الرفق في الصرم والهجران

ومثال اسلوب الاستفهام قوله:

(هل تتذكرين روحي ..

حين لملمتْ الزقزقات ريشة ريشة

حتى لا تصاب بالوحشة أقفاصك ….)

فاستخدام الشاعرللاستفهام هنا دليل على تعجبه وذلك لعدم مقدرته على نسيان حبه لاسماء فانه امرصعب شديد عليه.وقال سلمان داود محمد متبعا اسلوب النداء:

(آلهة الشتاء

ترجمُ عريً الحقيقة بالمعاطف

وتشنُ هجوماً بالأمطار)

فان الحب مع منع المحبوب وجفائه يزداد ويستحكم وان احب الانسان شيء ما فانه يرتكب أي شيء في سبيله.كما نجد ذلكفي قوله:

(كم سأخشى على مصير العالم ،

على مستقبل الإبتسام ،

على ذهاب النهر الى مأتم الغريق ، )

فالشاعر يحاول ان يخفف من معاناته من خلال ترديد الاستفهام الى الحد الذي يوازي انفعاله، الذي بثه في هذا التساؤل او الاستفهام من دون ان يجد لذلك جواباً وليس له منه مهرباً. اما ترديدهم للاستغاثة المفصحة عن الشكوى والتعجب والترجي فقد وردت في مواضع كثيرة من شعر الشاعر سلمان داود محمد لان مدار حديثه يكون في هذه المعاني من ذلك ما قاله:

(أعماقي المسيّجة بكِ هي إرثي ،

لا براهين عندي لهذا ولا شهود عليً )

وقد تصل الاستغاثة بالشاعر الى ان يطلب الاعانة من الله كما فعل في قوله:

(السير على خطى غيمتكِ .. غرق ،

والإقلاع عن أمطاركِ .. موت ،

فأما أن أتبع تعاليم ربّ التشرد)

وقد يحاول الشاعران يستحضرالحبيبة اليه وذلك بذكركلمة احبك عدة مرات في قصيدة واحدة كما في قوله:

(قال : أحبكِ ..

قالت : هذا ورد …

ثم قال : أحبكِ ..)

فالشاعرحاول من خلال هذا الترديد ان يجعل المتلقي واعيا بعمق عشقه للحبيبة التي بدت شاخصة في تضاعيف ابيات القصيدة فاراد الشاعران يظهرمقدارحبه لها وتربعها على عرش قلبه وعقله معا.وبصورة عامة نجد ان شعر الشعراء العشاق قد اتصف بميزة لفظية مهمة اتفق عليها اغلب النقاد والبلاغيين الا وهي:

رقة الالفاظ وجزالتها:

فهذه صفة تميز بها شعر الغزل وخصوصا شعرالشاعرسلمان داود محمد فان الفاظه دون الفاظ الاغراض الشعرية الاخرى صعوبة وغرابة وهي اقرب الى الرقة والالفة على الرغم من ترديد بعض الالفاظ التي توسم بالغرابة والوعورة مردها الى خشونة العيش. وقسوة حياة أي انها انعكاس للواقع البيئي الاجتماعي والطبيعي على السواء. وكذلك هناك التنافرفي الحروف التي تكتنف بعض ابيات العشاق من ذلك قوله:

(ما أسحركِ ..

ما أخطر روحكِ حين تخترع الخضرة من لهيب

وعلى شمالها يزدهر الله ..

ما ألمع نصف جسدكِ الساطع من وكر الكتمان )

فالشاعرتقصد هذه الالفاظ ذات الحروف المتنافرة ليس لانه شاعرالمعاصرخشن يحب الحوشي من الكلام وانما(يرمي الى مثل هذه الصور ليرسمها بالحروف والكلمات ما تعجز عنه ريشة المصور البارع) (24)فيحسن بنا ان ننظرالى الصلة التي تربط الحالة العاطفية للمتكلم وبين ادائه لها حيث ان(قوة التعبير ووضح اثراللغة وروعتها انما يرجع الى ما تثيره الكلمات والعبارات في الاذهان من المعاني الواضحة والصورالصحيحة للحياة وما فيها من محسوسات او معقولات) ((25. اما الذين يمكرون على الشاعر العربي غرابة الفاظه عنهم وبعدها عن اذواقهم فانه(لا يخاطبهم بشعره.. وانما يخاطب قوما يحسنون الاستماع له والفهم عنه)(26).وان الشعراء بعامة والعشاق بخاصة يستعينون بالالفاظ والاساليب المفضية الى صورفنية لكي يجعل المنظر بارزا مؤثرا.فمن الطبيعي ان يمتازالغزل بسهولة التعبير ورونق الالفاظ. وذلك لان قدرة الشاعرالمبدع تكمن في نظم سياقات تتشكل فيها الالفاظ تشكيلا جديدا موحيا بمعان كثيرة، فالنص لا يكتسب دلالته الفنية الا من ذلك الاطاراللغوي المكون من اللفظ والمعنى.وذلك لان(الالفاظ اجساد، والمعاني ارواح، وانما تراها بعيون القلوب فاذا قدمت منها مؤخرا، او اخرمنها مقدما افسدة الصورة وغيرت المعنى)(27).وهذا الذي اكده ابن رشيق القيراوني( 456 هـ)في رأيه القائل: (اللفظ جسم وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم ، يضعف بضعفه، ويقوى بقوته، فاذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصا للشعر وهجنه عليه)((28.اذا ان الجمال يتحقق حين يطابق لفظه معناه حيث ان الجمال يتصف(بالتناسب التام بين الاجزاء في القصيدة حتى ليتعذر استبدال لفظ يلفظ)((29. لذلك يقول عبد القاهرالجرجاني (ت 471 هـ) من (ان تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير ان ينظر الى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم، باكثرمن ان تكون هذه مألوفة مستعملة وتلك غريبة وحشية أو ان تكون حروف هذه اخف وامتزاجها احسن) (30).

واخيرا فان الاسلوب في شعر الحب أو العشق مثله مثل كل اسلوب عربي راق انما(يتأسس على الجزالة والاقتصاد اللغوي والاسلوب الجزل يختار الفاظه من معجم فيصبح غير متداول ولكنه في الوقت عينه غير غريب عن الاذن)(31 )اما الخصائص المعنوية التي امتاز بها شعرالشعراء العشاق فمن ابرزها:الوضوح والبساطة: كونها جاءت فطرية سهلة لا اغراق في الخيال قريبة التناول بعيدة عن الاتجاهات الفلسفية والاستقصاء العميق في استخراجها حيث ان معانيهم تتحدث(عما يقع تحت ابصارهم من صحراء وسماء واطلال، وخيل وابل)(32).فالشاعرسلمان داود محمد جرى على طبعه وسجيته فلم يتكلف القول في مالم يشعر به ولا تكلف الاحاطة والشمول ولا التخريج والتعليل ولا التعقيد(33).ويتمثل الوضوح والبساطة في قوله وهو يخاطب المعشوقة :

(هجرانكِ الراسخ في ذبول الحافلات

يشبه‘ مسمار لم تمسسه‘ المطارق‘ بعد..، ،

ها هو ذا يوقًع‘ بسنًهِ اللامع الوحيد

على جسد إنتظاري صكوك الدموع ….)

وان هذا الوضوح والبساطة ما يدفعنا الى الاعجاب به واللذة الفنية حين نقرأه ونستمع اليه ولا شك(ان عذوبة الاسلوب وسلاسته يحب ان تبرز في انتاج الشاعر وفنه)(34).وهناك الصدق:من منطلق ان الشاعرالعاشق يعبرعما يشعر به حقيقة لما يختلج في نفسه، والا يتكلف في ايراده، ففي حديثهم(يصورون الاشياء بصورها الصادقة، فلا يوغلون في التصوير ولا يبالغون في المعنى، ولا يوغلون في الفكرة غلوا مرذولا ، وانما يلتزمون الصدق)(35).وذلك لان (البدو بطبيعتهم يعوزهم النظرالفلسفي فلا يرون الحوادث والاشياء الا مجردة لاينظمها سلك ولاتجمعها علاقة).(36) لذلك ابن حزم ( ت456 هـ) يقول عن اثار الحب الصادق:(لابد لكل محب صادق المودة ممنوع الوصل، اما ببين واما بهجر واما بكتمان واقع لمعني، من ان يؤول الى حد السقام والضنى والتحول، وربما اضجعه ذلك وهذا الامر كثير جدا ابدا، والاعراض الواقعة عن المحبة غير العلل الواقعة من هجمات العلل)(37). ومن ذلك قول سلمان داود محمد:

(نعم ..

أحبك ..، ألا تنظرين..؟

كيف مشطتُ حياتي بأصابعك

وغرستُ عفش الحنان في خطرللسكن..،)

حيث اكثر الشعراء من الشكوى فوصفوا حرمانهم النوم، وهزال ابدانهم، وتفكيرهم المتواصل في الحبيبة وشوقهم المضني، ومنهم وصفوا تبريح الهوى باجسامهم ولم يجعلوا همهم التفنن في التعبير، وانما كان اسلوبهم واقعيا خاليا من الاغراق في التخـــــــييل (38).ومثال ذلك ما صرح به سلمان داود محمد قائلا:

(دعيني أنقش على شفتيً وسامة اسمكِ

لكي يبدو كل عويلي إليكِ غناءً ..، ،

فما قبل العالم كنتِ)

التجسيم: 

حيث ان معاني الشعرالمعاصربعامة والعشاق بخاصة اتصف بكونها معاني حسية مجسمة في اشخاص او في اشياء وان هذه النزعة الحسية جعلت الشاعر(ينتزع تشبيهاته من عالمه المادي وبيئته المحيطة به)((39. لكون الشعراء العشاق(متفاعلون مع مجتمعهم وتنعكس على انتاجهم الادبي صورة البيئة التي سكنوها والمجتمع الذي عانوا مشاكله انعكاسا صادقا وواضحا)((40.لذلك فان الشعراء العشاق وصفوا المرأة وذكروا(تمام خلقها ، واشراق ترائبها، وطولها وعنقها وثغرها، واسنانها، وتنعمها وتطيبها وحديثها وخوفها على زوجها، وضعفها ورقتها. واخذوا يقرنون ذلك وغيره بما يماثله من واقعهم الحسي)( (41 فهو يشبه المرأة بالشمس والبدر والرمح والظبية، والاقحوان والعنم، والبلور والمرآة، والمسك وغيرها من التشبيهات.

الحيوية والحركة في المعاني: حيث ان الشاعر لا يكاد يحس معنى من المعاني حتى يتركه على عجل، وبسرعة شديدة الى معنى اخر فهو(لا يعرف التريث والاطناب والوقوف الطويل بقصد التعمق والاستجلاء)((42. لذلك ادى تنقل الشعراء السريع من غرض الى اخر الى غلبة الايجاز على الاسلوب، وقلة العناية بترتيب الافكار(فالحركة اساس في عرض المناظر في القصيدة العربية)((43عامة والعشاق بخاصة وكثيرا ما تتوفر هذه الحركة في مقدمات قصائدهم.وان الشعراء كانوا يشتركون في المعاني ولكنهم كانوا يختلفون في صورته الخارجية التي يريدون ان تتضح في ذهن السامع فالصورة موضع خلاف بين شاعروشاعرتبعا لطبيعته الفنية والاسلوبية (44). أي هناك تكرار في المعاني وبراعة في اعادة صوغها مجددا.

 

هوامش :

1. 1. مفهوم البناءالفني للقصيدة في النقد العربي الحديث، مرشد الزبيدي، مجلة الاقلام، العدد الثامن 1989

2. 2. لغة الشعر بين جيلين، د. إبراهيم السامرائي، دارالثقافة، بيروت ، د.ت.,ص 8

3.الأصول الفنية للأدب، عبد الحميد حسن، مطبعة العلوم، القاهرة، 1368هـ – 1949م.ص53

4 . البيان والتبيين، الجاحظ ابوعثمان عمرو بن بحر( ت255 هـ) ، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، مطبعة المدني، مصر، الطبعة الخامسة 1405 هـ – 1985م.ص 1\135

5 .نفس المصدر,ص1\136

6 .نفس المصدر,ص1\75

7 .البيان والتبيين، الجاحظ ابوعثمان عمرو بن بحر,ص1\67

8 .الشعر والشعراء ، ابن قتيبة، ابو محمد عبد الله بن مسلم ( ت276 هـ)، تحقيق احمد محمد شاكر، طبعة دار الثقافة ، بيروت 1964? وطبعة دار المعارف ، مصر 1966م.ص1\12

9 .عيارالشعر، ابن طباطبا العلوي( ت 322هـ)، تحقيق د.طه الحاجري و د.محمد زغلول سلام، شركة فن الطباعة، القاهرة، 1956م. ص126-127

10 .عيارالشعر، ابن طباطبا العلوي,ص16

11 .نقد الشعر، ابو الفرج قدامة بن جعفر(ت 337هـ)، تحقيق عبد المنعم محمد خفاجي، دارالكتب العلمية، بيروت، د.ت.ص 191

12 .الوساطة ، بين المتنبي وخصومه ,عبد العزيزالجرجاني (ت 392هـ) ، تحقيق وشرح محمد ابو الفضل إبراهيم ، وعلي محمد البجاوي ، دار احياء الكتب، القاهرة ، الطبعة الثالثة، 1952م.ص 18

13 . نفس المصدر,ص 24-25

14 .انظر: أمير الشعراء في العصر القديم، محمد صالح سمك ، مصر 1932م.ص 191

15 . دراسات في الشعر الجاهلي، د. نوري حمودي القيسي، بغداد 1972 م. ص 45

16 . الوساطة ، بين المتنبي وخصومه ,ص 17-18

17 . البناء الفني للقصيدة العربية، محمد عبد المنعم خفاجي، دارالطباعة المحمدية بالازهر، القاهرة ، الطبعة الأولى. د. ت.ص 88

18 . العمدة في محاسن الشعر وأدابه ونقده، ابن رشيق القيرواني ( 456هـ)، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل ، بيروت ، الطبعة الرابعة 1972م.ص 2\116

19 .الغزل العذري دراسة في الحب المقموع، يوسف اليوسف، دارالحقائق، دمشق، الطبعة الثانية، 1982

20 .الغزل تاريخه وأعلامه,عمر بن أبي ربيعة جميل بن معمر، تأليف جورج غريب، نشر وتوزيع دارالثقافة، بيروت، د.ت.ص11

21 . أدب العرب في عصرالجاهلية، د.حسين الحاج حسن، المؤسسة الجامعة للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الاولى، بيروت، 1404 هـ – 1984م.ص 41

22 .بناء الصورة الفنية في البيان العربي موازنة وتطبيق، د.كامل حسن البصير، مطبعة المجمع العلمي العراقي، 1407هـ – 1987م.ص 343

23 . العمدة في محاسن الشعر وأدابه ونقده، ص 1\128

24 .أدب العرب في عصرالجاهلية، ص 104

25.الأصول الفنية للأدب، عبد الحميد حسن، مطبعة العلوم ، القاهرة ، 1368هـ – 1949م.ص 55

26 .دراسة الشعراء، بدأ به المرحوم الأستاذ محمد حسن نائل المرصفي، وقام بإكماله من بعده الأستاذ إبراهيم الابياري والأستاذ عبد الحفيظ شلبي، مطبعة الاستقامة، بمصر، الطبعة الأولى 1363هـ – 1944. ص43

27 .كتاب الصناعتين، الكتابة والشعر، ابو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري ( ت 395 هـ)، تحقيق علي محمد البجاوي ومحمد ابو الفضل إبراهيم ، الطبعة الأولى 1371هـ – 1952م.ص 161

28 . العمدة في محاسن الشعر وأدابه ونقده، ص 1\124

29 .دراسات فنية في الأدب العربي، د.عبد الكريم اليافي، مطبعة جامعة دمشق 1382هـ – 1963م.ص 38

30 . دلائل الإعجاز في علم البيان، عبد القاهرالجرجاني ( ت 471 هـ) صحح اصله الأستاذ محمد عبدة والأستاذ محمد محمود التركزي الشنقيطي، مطبعة المنار، القاهرة، الطبعة الثانية 1331 هـ – 1912م 36

31 .الغزل العذري دراسة في الحب المقموع، يوسف اليوسف، دارالحقائق، دمشق، الطبعة الثانية، 1982

32 .دراسات في أدب ونصوص العصرالجاهلي، محـــــــمد عبدالقادراحمد، مطبعة النهضة المصرية، القاهرة، الطبعة الأولى 1403 هـ – 1983م.ص 270

33.تاريخ الأدب العربي، عمرفروخ، دارالعلم للملايين، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1385 هـ – 1965

34 . البناء الفني للقصيدة العربية، ص 57

35. 35. دراسات في أدب ونصوص العصرالجاهلي، ص 270

36 .تاريخ الأدب العربي، احمد حسن الزيات، مطبعة الرسالة، القاهرة، الطبعة الثالثة والعشرون، د. ت.ص 32

37 .طوق الحمامة في الألفة والالاف، ايو محمد علي بن حزم (ت 456هـ)، تحقيق حسن كامل الصيرفي، قدم له الأستاذ إبراهيم الابياري، مطبعة حجازي، القاهرة 1369هـ – 1950م.ص120

38 .انظر:المرأة في الشعر الجاهلي، د.علي الهاشمي، مطبعة المعارف، بغداد 1960م.ص 124

39 . دراسات في أدب ونصوص العصرالجاهلي، ص 374

40 . أدب العرب في عصرالجاهلية، ص 48

41 .الأصول الفنية للشعر الجاهلي، د. سعد إسماعيل شلبي، دارغريب للطباعة، القاهرة، ط2 198 م.ص 93

42 .دراسات في أدب ونصوص العصرالجاهلي، ص 272

43 .الأصول الفنية للشعر الجاهلي، ص 86

44 .تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام من امرئ القيس الى ابن أبي ربيعة، د.شكري فيصل ، دار العلم للملايين ، بيروت، الطبعة الخامسة، د. ت.ص .190

 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *