د. مرتضى الشاوي:التلميح الاسلوبي في شعر تحسين عباس؛ قصيدة “سهرة على ضفاف الحب” مثالا

تبدو هوية العلامات جلية في موضوعة القصيدة ، وتبرز بوضوح في عنونة القصيدة بجملتها الخبرية ( سهرة على ضفاف الحب ) المنساقة بوشاح المجاز الإستعاري ، إذ جعل الشاعر للحب ضفافاً مستعيراً تلك المفردة من جوانب النهر المسماة الواحدة منها بالضفة ، وكأنّ الشاعر أراد أن يوحي للقارئ من دون ذكر المشبه أنّ الحب كالنهر له ضفاف مشرعة ، فما بين الحب والنهر المعطاء أواصر تلاقي في ديمومة الحياة .
فهذا المستوى من الاستعارة يحقق استعارة مفارقة لأنّها قوة وعلامة دالة تحقق حقيقة النص الشعري في مضمونه لان العنوان يمثل بالدرجة الأساس بيت القصيد كما يعكس انبناء النص على التخيل ، والتوازي بين العنوان والنص ( متن القصيدة ) مرآة عاكسة لسمات جنس أدبي يتضمن لغزاً ويحقق سرّ النص تركيباً.
ثم يتوالى المجاز الإستعاري في القصيدة في مستويات دلالية مختلفة .
وقد شاعت النماذج التصويرية التي تعتمد اللامألوف كما في القصيدة :
” بين شفتيك تنضح ناهدةً لغة الياسمين
تقرؤني
……………
وينبع من ملكوت الحب
ريحانا يعبق بالغناء “
فقد ابتكر الشاعر من المألوف ظلاً في بناء علاقات النص من أجل إثراء مجالاته الدلالية .
فالمشمومات تتصاعد وتتكاثف مع المسموعات في ترددات الصوت بوساطة الغناء العابق والعزف المتمرد في أغاني مجهولة وذبذبات التأنيث ولحظات صوتية ممزوجة بلذة يتوسدها الفرح والمزاح مطعمة بابتسامات الود .
فاللغة التصويرية قائمة على وتيرة واحدة من التوليد فالنظرات أرشفت الشاعر وكأنّها أسراب من الطيور كما في قوله :
” هكذا أسراب نظراتك
أرشفتني
مديات الحب ”
فضفاف الحب تطلّ على شفافية منتدى الماء لكن ثوب اللقاء لم يعد مسربلاً بل مرتقاً بأزرار اللقاء كما في قول الشاعر :
” من منتدى الماء
هكذا رتقنا أزرار اللقاء
بهتاف الساعات الثملى بالشوق ”
وربّما في هذه اللحظات يتوقف الزمان على الرغم من أنّ المكان موجود إلا أنّ الشاعر قد يلغي كليهما ليعيش في عالم حالم بفيض من الخيالات كما في قوله :
” حيث لا زمان ، لا مكان
…………
نحن حين نكون
يتوقف بندول الحساب
وتفيض الخيالات على أرائك التيه ”
ولا ننسى أنّ للشاعر ذوقاً في استعمالات الدلالات في متواز اللقاء الخيالي يجعله في قمة المقارنة ذات الصبغة الفنية أخذ ارتكازه من عمق التجربة الشعرية اليافعة كما في قوله :
” فانا هشاشة حرمان
عبأها الصبر بالأنين
وأنت فراشة حالمة
أخاف أن تذوب في دموعي الحرى بسكات خطاب الشفاه ”
فهذا اللقاء في مثل هذا النوع على ضفاف الحب وينطلق من منتدى الماء هو في غاية الثراء الذي لا نظير له وهو في عطاء لا مثيل له ولا حدود له فالآخر ليس ببخيل لأنّ من يمتلك الصفات التي أفاضها عليه الشاعر لا يكون ضنيناً فهو في قمة الجود والعطاء كما قوله :
” على روحي ذبذبات تأنيثكِ تمرُّ
باذخةً ولهي
فائضة ً بانتباهي
مانحةً إيايَ كلَّ ما أتمنى
من جنون ”
ولم يكتفِ الشاعر بالوصف المكثف بوساطة المجاز الإستعاري إلا أنّ له أدوات أخرى فقد استعان بالرمز عبر فضاءات معرفية فالرمز التاريخي عنصر مهم وملائم مع مفاصل القصيدة فالسهرة لا تخلو من ذلك البئر الذي يستسقى الحجيج منه ليذهب ظمأهم الدائم فالعطش لا يزول إلا بشربة من ابتسامة أو زمزم من القبلات فهو تشبيه في قمة الإبداع كما قوله :
” من أقاصي الجنوب قصيدة
فيها كتبت حكايات الضياء
أنّ سريرة النساء زمزم من القبلات
ينبع من ملكوت الحب
ريحانا يعبق بالغناء ”
إنّ حضور الذات غالبة على متن القصيدة وتبقى حرية الشاعر في الإشارة إلى الذات هي السائدة لكي يحقق عنصرين مهمين :
الأول : ذاتية القصيدة التي تبوح بعتبة التجنيس التي تجعل القصيدة النثرية في مصاف الشعر الغنائي .
الثاني : تذكير المتلقي أنّ القصيدة مبنية على صوتين نشعر بهما في فلسفة الضمائر تلك الضمائر تشير بدرجة متقاربة إلى صوت الشاعر والصوت الآخر على الرغم من أنّ القصيدة خالية تماماً من الحوار ويمكن أن نلحظ الضمائر كالآتي :
صوت الشاعر يتجلى في :
الياء = ( تقرؤني ، ارشفتني ، ولهي ، انتباهي ، دموعي ، بي ، مجوني ، فعتقني ن بعزفي ، روحي ، راودني )
التاء = ( كتبت ، جئت ، كنت )
إياي
أنا = ضمير منفصل وحده
وأيضا الضمير المستتر في = أخاف ، أتمنى
وغير ذلك ، أما الصوت الآخر فقد يتجلى في :
الكاف = ( شفتيك ، نظراتك ، تأنيثك )
أنت
الياء = لا تهربي ، تمارسين
تاء التأنيث الصغيرة = ( فراشة ، حالمة ، مغرمة ، أغنية ، باذخة ، فائضة ، مانحة )
وتداعيات اللقاء تحتاج إلى ضمير الجماعة الذي أخذ حظاً في مفردات القصيدة الرقيقة في :
نا = ( آهاتنا ، رتقنا ، حضورنا ، تبقينا )
نحن = ضمير منفصل وحده
وأيضا الضمير المستتر في = نكون ، نتوسدها
وغير ذلك .
ويبقى الدفق الجمعي في تواصل مع نسج التواصل في حضور الذات الجمعية للتأكيد على المنجز في سهرة عابقة بالدفء والحنان والإنسانية .
إنّ صوت الشاعر هو الصوت المتجدد في غرامية السهرة بحوارية التنادي بين الحبيبين لأنّها الذات الفاعلة في هذه القصيدة وهذا يدعو لنا المضمون الى مسك الختام أن نسستنج بأنّ القصيدة هي من نسج الخيال الخصب ومن براعة الشاعر ، وهذا دليل على شاعرية تحسين عباس واكتناز قصائده على التوليد لما يمتلك من عاطفة مؤثرة وخيال خصب وبعد أسلوبي من لغة عصرية سليمة وبناء متميز يمكن أن نميز بها قصيدة النثر في الأدب المعاصر .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

4 تعليقات

  1. جمانه الفيصل

    ضفاف حلم جميل مخضب بالنشوة العارمه والخيالات السابحة في الملكوت..فهلا طرزت شراعا صلد؟
    كي تصل المركبة بسلام للضفة الأخرى؟
    أتمنى لك الإبحار بسلام في ضفاف معشوقتك المفترضة…
    تحياتي..

  2. سلمى امين

    بصراحة عندما قرأت القصيدة ثم عدت لقراءة المقالة النقدية ذهلت بتنقيب الدكتور مرتضى الشاوي عن مكامن الجمال وعن العلاقات المتماسكة في النص  حتى انتابتني حيرة في معرفة من اعجبني النص ام التنقيب النقدي …. شكرا للمبدع الشاعر تحسين عباس على اطروحته الشعرية موصولاً بما قدمه د. مرتضى الشاوي من ابداع نقدي في النص الشعري … 

  3. حبدا لو قرات هذا المقال قبل كتابة الحوارية مع القصيدة نفسها ( رجفة الاحرف /وسهرة على ضفاف الحب)لكنت قد ابدعت أكثر واجمل لان الاستاذ مرتضى الشاوي لايترك اي جزئية في القصيدة إلا ويعطيها حقها من التحليل والتمحيص وهذا اسلوب الناقد المتمكنين من ألياته ومن لغته

  4. بثينة جليدة/ المغرب

    مقال نفدي رائع يدقق في المعنى والصورة والقصيدة ايضا رائعة من خلالكما بدات احب الشعر بعدقطيعة بيني وبينه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *