الرئيسية » نقد » ادب » ما بعد الحداثة والشعر التايلندي:
قصيدة ’دُمى اثر الرمل‘ للشاعر ساكسيري ميسو ميسوب انموذجاً
بقلم: سوراج هونغلادروم
ترجمة: هناء خليف غني

ما بعد الحداثة والشعر التايلندي:
قصيدة ’دُمى اثر الرمل‘ للشاعر ساكسيري ميسو ميسوب انموذجاً
بقلم: سوراج هونغلادروم
ترجمة: هناء خليف غني

ما بعد الحداثة والشعر التايلندي:
قصيدة ’دُمى اثر الرمل‘ للشاعر ساكسيري ميسو ميسوب انموذجاً
بقلم: سوراج هونغلادروم
ترجمة: هناء خليف غني

للوهلة الاولى تبدو مسألة تناول العلاقة بين الشعر التايلندي وما بعد الحداثة شديدة الغرابة، وثمة اسباب مقنعة لذلك، فما بعد الحداثة في جوهرها حركة غربية بعيدة تماماً، على ما يبدو، عن سياق الشعر التايلندي الاقل تأثراً بالافكار الغربية بين الفنون الرفيعة في تايلند، فبخلاف نظرائهم في المجالات الفنية الاخرى من مثل الموسيقى والرسم والنحت الاوفر حظاً من حيث تنوع فرص حصولهم على منح للدراسة خارج البلاد والاطلاع على نطاق واسع من التعبيرات الفنية الغربية، لم يحظ الشعراء التايلنديون بفرصة كافية للاطلاع على النتاجات الشعرية لدى الامم الاخرى، ناهيك عن النتاجات الشعرية الغربية1. وكما هو معروف، فالموسيقى والرسم نوعان فنيان فريدان من جهة تمثيلهما “لغة عالمية”، تمكن الموسيقيون والرسامون التايلنديون من توظيف الافكار والمواد الفنية التي يطلعون عليها في الموسيقى واللوحات الغربية وجعلها طوع بنانهم بتحويلها الى مادة فنية محلية. الشعراء لا يمكنهم القيام بذلك، فاللغة في الشعر تمثل حاجزاً لا يمكن تجاوزه في محاولتهم فهم النتاجات الشعرية الغربية، فالقليل من افراد الشعب التايلندي ذوو ثقافة رفيعة تمكنهم من تقويم الادب الاجنبي وفهمه، ناهيك عن تذوقه، وثمة عامل اخر برز في الاونة الاخيرة تمثل بأنحدار غالبية الشعراء التايلنديين من الطبقات الوسطى او المتدنية التي عادةً لا تتمتع بمزايا التعليم العالي الذي تقدمه تايلند. ساكسيري ميسو ميسوب الذي تؤلف قصائده موضوع الدراسة الحالية احد هؤلاء الشعراء، وعلى الرغم من ادراكي حقيقة ان الشعراء التايلنديين المعاصرين لم يكونوا على تماس مباشر مع التطورات التي شهدتها التيارات النقدية والادبية في الغرب، فأن اعمالهم، وهذا ما تسعى الدراسة لتبيانه، تعكس العديد من الخصائص المميزة لحقبة ما بعد الحداثة، ولهذا ما يبرره، حسبما اعتقد، فالتطور والحراك الذي تشهده المجالات الفنية يوازي التطورات والحراك في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفي واقع الامر، لا يمكن لهذين الجانبين الا ان يتلازما، وكلاهما مؤثر ومتأثر، الى حد بعيد، بالاخر، وهذا يعني ان دراسة احدهما كفيل بالتعريف بالجانب الآخر، فاذا كان شعر ساكسيري يتكشف عن خصائص ما بعد حداثوية، عندئذ ينفتح الطريق آمامنا واسعاً لاستشفاف التمظهرات ما بعد الحداثوية في المجتمع والثقافة التايلندية المعاصرة. ان الشعر، بوصفه جزءاً من المشهد الثقافي للمجتمع لا ينبثق من فراغ، فهو شديد التداخل والتشابك مع المكونات الاخرى المؤلفة للسياق الذي يظهر فيه للوجود. وعليه، واذا كانت قصائد ساكسيري ما بعد حداثوية دون ان يعي الشاعر ذلك، فأن هذه التطورات شديدة التشعب والتنوع وغير محدودة اطلاقاً، بل ان تجلياتها في المشهد الثقافي التايلندي تبدو اكثر شمولية وعمقاً مما افترضناه لحد الان، وهذه التطورات في مختلف اوجه الثقافة الفنية فضلاً عن النظرية الثقافية والنقدية تتجلى بوضوح وتتزامن مع ما تشهده الاوساط والمناخات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية من تطورات متواصلة. وبما ان ما بعد الحداثة تؤلف جزءاً من الحركة الحداثية وفي الآن عينه نقداً وثورة عليها، عندئذ، يمكن القول، انها ليست نمطاً جديداً تماماً من انماط النُظم الاجتماعية2. ولذا، فالقول ان قصائد ساكسيري تتكشف عن خصائص ما بعد حداثوية، يعني تمثيلها ردة فعل راديكالي على الاتجاه الحداثوي الشمولي في الثقافة التايلندية.
ولكن، قبل الشروع في قراءة قصائد ساكسيري وتحليلها نقدياً، ثمة جوانب منهجية معينة اود الحديث عنها، فالاعمال النقدية التي تحاول التعاطي مع عمل فني ما بعد حداثوي يسمها التوتر، سواء اكان النقد توصيفياً او تقويمياً او تأويلياً، واعتقد، من جانبي، بأستحالة الفصل بين هذين التوجهين في تقويم الاعمال الفنية ودراستها، اذ ان عرض شيء ما “كما هو في ذاته” وفقاً لمكونات المنظومة ما بعد الحداثوية يعني الالتزام سلفاً بمجموعة من الايديولوجيات التي تؤثر في تشكيل ملامح الشيء المطلوب وصفه، وهذا يوازي القول انه ليس ثمة وسيلة ناجعة توصلنا الى الحقيقة في ذاتها وبذاتها من دون تدخل الممكنات المفاهيمية للموضوع المدروس. ولهذا، فهذه الدراسة غير معنية بتسليط الضوء على ما بعد الحداثة كحركة ينبغي التعرف عليها ودراسة خصائصها المعرفية، فالشعراء التايلنديون، بخلاف نظرائهم الارقى تعليماً واطلاعاً في العالم الغربي، لا يدركون حضور التمظهرات ما بعد الحداثوية في قصائدهم. ونظراً للتداخل الشديد بين ما يقوم به الشاعر والناقد في السياقات الاجتماعية والاقتصادية والتأريخية التي تضفي المعنى على اعمالهما، ثمة علاقة متبادلة عميقة بين الاثنين، اذ يعتمد كل منهما على الآخر، فاذا قال الناقد بما بعد حداثوية عمل ما، فهذا يعني توصيفه هذا العمل وتأويله. كذلك، فإن الحديث عن قصيدة ما بصيغ تأريخية يعني، بصورة عامة، وضع القصيدة في سياق مؤلف من مجموعة من الافتراضات، وعملية التموضع هذه تعني سلفاً تأويل النص الشعري. هذا من جانب، ومن جانب آخر، فأن تأويل القصيدة يعني وضعها في سياق تأريخي، بما أن القارئ لا يوجد خارج السياق الزمكاني الذي يصدف عرضاً وجوده فيه. في واقع الامر، التأويل دائماً متموقع تأريخياً.
في (عقابيل التحديث)، بيَن انثوني غدنز الفرق بين ما بعد الحداثة وما بعد التحديث، فالاولى تعني لغدنز “الاشارة الى الاساليب او الحركات في الادب والرسم والفنون التشكيلية والمعمار. اما ما بعد الحداثة فمعنية بجوانب التأمل الجمالي في طبيعة التحديث3. ما بعد التحديث، من جانب آخر، يتصل بـ “نوع جديد ومميز من النظام الاجتماعي” الذي يتسم بأنهيار الاسس المعرفية وتعرية التأريخ بوصفه خالياً من الميتاسرديات، او بعبارة غدنز السرديات الكبرى4، فضلاً عن حضور الوعي المتعمق بالاسلوب المحيطي للتفكير5. وعلى الرغم من تمثيل ما بعد الحداثة تياراً فكرياً هاماً في المجال الثقافي، يميل البعض الى الاعتقاد بعدم تمثيله جزءاً من المجتمع ما بعد الحداثوي. حقيقةً، يرى غدنز ان ما بعد الحداثة في الفنون تعكس نوعاً بعينه من التغيرات الاجتماعية والحراكات الفكرية الفعلية، على الرغم من انتفاء حاجتها الى القيام بهذه التغييرات، ولما كان الشعر جزءاً لا يتجزأ من المشهد الثقافي، فأنه يمتاز بحساسيته المفرطة للأوساط والمناخات التي يبرز للوجود فيها، بناءً على ذلك، اعتقد بقدرة الباحث على فهم هذه المناخات بصورة افضل عبر قراءة النتاجات الشعرية المحلية.
ما بعد الحداثة والشعر التايلندي الحديث: قبل مناقشة الشعر التايلندي ما بعد الحداثوي، من الضروري مقارنته بالشعر ما قبل الحداثوي والحداثوي، وقد اخترت لهذه الغاية قصيدتين هما (اعلان لعنة الماء) بوصفها قصيدة ما قبل حداثوية و (وصية الشاعر) بوصفها قصيدة حداثوية. تُلقى القصيدة الاولى عادةً في واحدة من اهم الاحتفالات الرسمية في البلاط السيامي-احتفالية قسم الولاء. في هذه الاحتفالية يتوجب حضور نبلاء الملك، ولا عذر يُقبل لتخلف احدهم عن الحضور، لكي يقسموا بالولاء عبر شربهم الماء من اناء محمل بمختلف انواع الاسلحة المخيفة. القصيدة كُتبت باللغة التايلندية القديمة وقد شاع استخدامها في فترة حكم عائلة اليوتاهية الاولى في القرن الرابع عشر حتى الغاء الملكية المطلقة في 1932، وبالتالي احتفالية اداء بالقسم 6. اما القصيدة الثانية (1957) فكتبها احد الشعراء والرسامين التايلنديين المعاصرين الذي نال مؤخراً جائزة الكتابة عن الشعر في 1986.
ولما كانت القصيدة تعود الى الحقبة اليوتاهية المبكرة، تمثل (اعلان لعنة الماء) وصفاً كونياً في الميثولوجيا الهندوسية، اذ تتحدث عن كيفية ظهور الارض والسماء واستيطان بني البشر الارض، وتخبرنا القصيدة كذلك عن الطريقة التي حصل بها الملك المُلقب بمجسد الاله فشنو على حقه الالهي في الحكم وسلطانه على رعاياه، وتورد القصيدة بعد ذلك سلسلة من الروايات الفظيعة الكئيبة لما ينتظر اولئك الذين لا يدينون بالولاء للملك من مثل شرب الماء الملعون في الاحتفالية الذي له القدرة على قطع رؤوسهم متى ما فكروا بخيانة الملك، الى آخره. هذه الروايات تؤلف الجزء الاكبر من القصيدة التي تنتهي بالقول ان جميع الاشياء الجميلة في الحياة من مثل النساء والكنوز المادية الاخرى ميسرة ووفيرة لاولئك الذين يكرسون حياتهم لخدمة الملك والويل والثبور هو مصير من يقوم بخلاف ذلك. من الواضح ان القصيدة لن تكون بهذا التأثير فيما لو اُلقيت في غير مراسيم الاحتفال الوقورة حيث تُستدعى الالهة لتشهد الحدث وحيث يتولى البراهمن، وهو احد افراد الطبقات العليا عند الهندوس، قراءة القصيدة بصوت عال اجش، والامر، في هذه الاحتفالية، لا يقتصر على النبلاء حسب، وانما استُدعي الرهبان ايضاً، عندما اعلنت البوذية ديناً رسمياً في مملكة سيام، للمشاركة في الاحتفال بالانشاد والتهليل، والثيمة الرئيسة لترنيمة الرهبان، وهذه مفارقة ساخرة تدور حول قيمة الحقيقة والصدق7، فجميع المشاركين ينبغي ان يدركوا القوة المهيبة للملك وقد يصل الامر ببعضهم الى الاعتقاد بأن الملك هو التجسيد الاسمى للاله فشنو.
ان كون القصيدة ما قبل حداثوية واضح تماماً، اذ تمثل جانباً جوهرياً لا غنى عنه في مراسيم احتفال قديمة مستندة الى مجموعة من الافكار والاعتقادات الراسخة المستمدة من الخرافات الهندوسية، ومنها الملك بصفته الآله المقدس وقدرة الالهة على البطش ومعاقبة اولئك الذين لا يدينون بالولاء له. من دون هذه الاعتقادات، ينهار هذا الاحتفال ويفقد اهميته ويغدو مجرد افعال تمثيلية ممسرحة. القصيدة واناشيد الرهبان والزخارف والمنمنمات التي تزدان بها جدران المعبد وسقوفه التي تجعل الرعايا على تماس مباشر بالواقع النهائي المطلق في احتفالية اداء بالقسم تؤلف مجتمعةً جزءاً لا يتجزأ من المشهد المهيب الذي تتأتى مهابته وروعته من الحضور الآسر للالهة الهندوسية ومن الرسوم الجدارية الدالة على الحضور الطاغي للنيرفانا، او الهدف الاسمى من المعارف التأملية في الفكر البوذي. على وفق ما تقدم، نستخلص أن الشعر ما قبل الحداثوي لا يوجد بذاته، بل يستمد وجوده ومعناه من دوره في الاحتفالات الدينية حيث نُظم ليكون جزءاً اساسياً منها.
مما يثير الاستغراب حقاً تجاهل الباحثين التايلنديين لحقيقة خلو قصيدة ’اعلان لعنة الماء‘ من اسم الشاعر، وتدهشنا معرفة ان الشخص الذي كتب القصيدة ليس مهماً لاقتصار دوره، على غرار نظرائه في الفنون ما قبل الحداثوية، على اختلاق معيار الاكتمال المُحدد سلفاً. الكاتب الفعلي للقصيدة قد يكون ناسخاً او رجل دين في بعض الاحيان، ولكنه بذاته غير ذي اهمية ولا يتكلف التأريخ عناء تحديد هوية الشاعر لأن وظيفته تقتصر على خلق مشهد مهيب كجزء من مراسيم الاحتفال. ان الشيء الاكثر اهمية من الكاتب الفعلي للقصيدة هو البانتيون، او ’الهيكل المقدس لجميع الالهة‘ حيث يتربع الملك على عرشه، ويُعد هذا المحو لإِسم المؤلف احد اهم الخصائص المميزة للفن ما قبل الحداثوي، فالشعب التايلندي لا يعرف وليس له من الوسائل ما تمكنه من معرفة الشاعر الذي رسم الصور البوذية المهيبة في الحقبة السوخوثية الباهرة. حقيقةً، لا يبدي الشعب التايلندي كثير اهتمام بهذه المسألة والاهم من ذلك ان الشاعر نفسه لا يعتقد بأهمية ذكر اسمه مبتكراً لهذه الرائعة الفنية لأعتقاده ان اهمية عمله تكمن في خدمة شيء اعظم شأناً واجل مكانة منه، وهذا الموقف الذي يتبناه الشاعر ما قبل الحداثوي يناقض تماماً موقف الشاعر الحداثوي، الموقف الذي تعكسه بجلاء قصيدة الشاعر انغكارن “وصية الشاعر” وهي احدى اهم قصائده واكثرها شعبية وتمثيلاً لذاته كفنان. ترجم القصيدة الى الانكليزية سولاك سيفارثي وجيرام وودوارد:
التحفت بالسماء،
اتقاءً للبرد،
وتناولت ضوء النجوم في منتصف الليل،
بدلاً من الرز.
قطرات الندى تتناثر تحت السماء
لأجلي، لأجد واشرب،
وخارجاً تنساب قصائدي مرحة،
لتحية الصباح واطالة العمر،
قلبي الذي قُدم قرباناً على مذبحه،
يتنعم بمكاسب روحية،
والروح تحلق الى ارض الاحلام،
في الجانب البعيد من السماء،
انها تبحث عن الالوهية في السماء
لتعيدها الى الارض،
لتهدئة الرمال والحشائش،
ولتنعم بالسعادة والسلام.
ليس ثمة غاية لي من نظم القصائد،
خلا انقاذ الروح،
المنسابة على موجات الزمن وتياراته السريعة الباردة
ورغم الوهن والذبول،
الذي يعتري هذه الحياة القصيرة،
فأن خلجات القلب الوهاجة المقدسة
ستبقى.
دع جسدك يتلاشى في المحرقة
القصائد المكتوبة بقوة وجمال،
لا يمكن اخماد جذوتها،
ومهما كان العالم الذي ستولد فيه الروح ثانية،
ستجتاحه فيضانات قوس قزح المقدس الثمين،
ذو البلور المتوهج والجواهر المتلألأة،
السكون يُحال الى مرح،
بالكلمة المكتوبة،
كمطر السماء الغزير الغالي
الذي يطفئ حر القلب.
والقلب يذوي بسرعة
ليحلم ببلاد اخرى،
هذه الحياة تبدو جميلة،
والأخرى تغدو تأملات لجمالها.
اود نبذ حياتي،
والقاءها بعيداً.
اود الحصول على المتاع الجيدة حسب،
المتاع اللامعة والجديدة.
الشعر حقاً هو الاقدس بين الفنون،
انه السحر الشهي كباقات الورد الفخمة،
المصنوعة من الخشب الغالي،
النازلة من السماء.8
المدهش في هذه القصيدة هو الدور الذي يلعبه المتحدث والغلو في الاستعانة بالاستعارات المجازية الغريبة، فالمتحدث مستعد للتضحية بكل شيء، بالطعام والثروة والشرف-لاجل الشعر الذي يعتبره “الفن الاقدس على الاطلاق”، كما لا يبدي المتحدث اهتماماً بالجوع ولا ينوي الاستسلام لسلطة المجتمع الذي يحاول دوماً ثنيه واخضاعه ليكون مثل الآخرين، صورة مستنسخة عنهم، ولكن لا سبيل الى ترويضه وجعله مثل الاخرين. هنا تبرز موضوعة الاصرار على المواقف الفردية ومقاومة التيارات المجتمعية الاستلابية السائدة، وعلى وفق ما تقدم، تُعد هذه القصيدة احدى اقوى تمثيلات الانفرادية في الشعر التايلندي، ويمكن بسهولة تبيان الفرق بينها و’اعلان لعنة الماء‘ ما قبل الحداثوية، فالاخيرة جزء من شعائر ضاربة في القدم تستمد معانيها من شبكة من المعتقدات في واقع كوني محدد. ان الابيات التي ينشدها البراهمن لإِدانة الخيانة غير معزولة عن السياق الذي ظهرت فيه، فالناظم الفعلي للقصيدة لا يحظى بالاهمية التي يحظى بها نظيره الحداثوي. حقيقةً، تعكس قصيدة انغكارن موقفاً حداثوياً نموذجياً مؤكداً على اهمية الفنان مبتكراً للعمل الفني. وعليه فأن هاتين القصيدتين تمثلان التجسيد الامثل لنواحي الاختلاف بين الفنون ما قبل الحداثوية والحداثوية التي تحدث عنها ريجارد كيرني بقوله انه بينما يمثل حضور الآلهة ومكانتها الموضوع الرئيس في الفنون ما قبل الحداثوية، يؤلف الانسان وهمومه وتطلعاته الشغل الشاغل لنظيرتها الحداثوية9. وهذا يعني هيمنة البنية الانطولوجية على الفن ما قبل الحداثوي، البنية التي تؤكد على اهمية الواقع المتعالي المستقل عن معرفة البشر وادراكهم سواء اتخذ ذلك اسم الله عزوجل او نيرفانا او اي اسم اخر، اما الطبيعة المعرفية لهذا الواقع، على وفق افلاطون والفلسفات الهندية المعروفة، فتستند الى بنية انطولوجية محددة وكذلك الفكرة القائلة ان الشيء المعروف هو جزء لا يتجزأ من الكون. هذا من جانب ومن جانب اخر، فأن الفن الحداثي يتمحور حول الاساس المعرفي للذاتوية الديكارتية، وهكذا تشهد الحركة التحديثية بعامة والفن الحديث بخاصة تذويباً للانطولوجيا في المعرفة الذاتوية- وبقول مختلف، تنبثق المعرفة من اقتناع الذات المستند لا الى عوامل خارجية وانما الى وعي الذات لذاتها.
الشعر التايلندي ما بعد الحداثوي: قراءة في قصيدة ’دمى اثر الرمل‘:- في “ما بعد الشعر ما بعد الحداثوي: ’الوضع المتداعي، للشاعر توم راووث”10 ذكر بيتر بروكر تميز الشعر ما بعد الحداثوي بميوله المضادة للهيمنة وتوجهاته التفكيكية، وعلى نحو ادق، ثمة تمظهرات اربعة يمكن بواسطتها الحكم على ما بعد حداثوية النصوص الشعرية هي “التناصية (ما وراء الاستقلالية المنعكسة ذاتياً وعضوانية القصيدة جيدة السبك)، الذاتوية (ما وراء الوعي المتمركز والموحد للقصيدة الوجدانية وانوية القصيدة الحداثوية الطويلة)، السردية (احتمالات او ربما استحالة نُظم قصيدة ما بعد حداثوية وطويلة وعلاقتها بالعالم)، والسياسة (التي تشمل النقاط الثلاث اعلاه فضلاً عن موضوع قراءة القصيدة وطرق تلقيها”11
تشترك هذه الخصائص في نفورها من وتشككها بالتوجهات الشمولية والقوة المركزية الجاذبة للحركة الحداثوية. الشعر ما بعد الحداثي هو شعر تناصي بأمتياز، اذ يتألف جله من نصوص اخرى، انها نسج واعادة نسج لجملة من نصوص لا تشير لشيء خلا النصية، وبذلك ينهار التعلق الحداثوي بالاصالة وما يبقى لا يعدو كونه تجميعاً فوضوياً لمجموعة من الاعمال الفنية الثقافية، وهذا الجانب يرتبط بالنقطة الثانية التي تحدث عنها بروكر والمتعلقة بالذاتوية، فأذا تعذر الركون الى خاصية الاصالة، فأن الذاتوية لا تعدو كونها صورة زائفة حسب مقولة الفيلسوف الفرنسي بوديارد، فالذات ما انفكت تتشظى وتنقسم، والسرديات غير مؤلفة، كما هو الحال في الحداثة، مما اسماه جان فرانسوا ليوتار من الميتا سرديات، والبشر لا يتحركون نحو نهاية محددة ما والتأريخ يمضي بلا هدف، كما ينهار المخطط الشامل الذي يستطيع التأريخ بواسطته التموقع في منظور متكامل، وهذا كله يقودنا الى النقطة الاخيرة في مقولة بروكر، فأذا كان الايمان بالميتاسرديات يستند الى فكرة الحقيقة كوسيلة تطابق بين الكلمات والواقع، وفي حال انهارت فكرة الحقيقة هذه، عندئذ تبرز السياسة طريقاً أوحد لعرض وجهات النظر والتعاطي معها. يذكرنا ذلك بالعلاقة الوثيقة بين الحقيقة والسلطة في اعمال فوكو، ولهذا كله، ثمة تطابق كبير بين هذه السمات وفكرة كيرني عن ما بعد الحداثة بوصفها حركة لامركزية12، بما ان ’المركز‘، اذا كان ثمة مركز، يغدو لامركزياً في العمل الفني ما بعد الحداثوي. وفي حين يرنو الفن ما قبل الحداثوي صوب واقع متعال، يعيد الفن الحداثوي وضع هذا الواقع في الوعي الذاتي للفرد، اما ما بعد الحداثة فترفض رفضاً تاماً فكرة وجود مركز او واقع مركزي.
(دمى اثر الرمل)(1983) هي المجموعة الشعرية الاولى المنشورة لساكسيري ميسو ميسوب. في 1993 صدرت الطبعة الثانية للمجموعة بعد ذيوع شهرة الشاعر وحصوله على جائزة الكتابة الشعرية عام 1992. المجموعة مزودة برسوم تخطيطية قام بها اخو الشاعر كيتيساك ميسو ميسوب، وثمة علاقة قوية بين ثيمات القصائد والتخطيطات، ولذلك يستلزم فهم القصيدة وتقويمها التمعن في الرسوم التخطيطية واخذها بنظر الاعتبار. تصور صفحة الغلاف لوحة (اللوحة الاولى)* رسمها ساكسيري الذي تخرج من مدرسة الحرف الفنية المعروفة بنتاجاتها الفنية المرئية والصورية. في الصورة، ثمة اربعة اشخاص اثنان بالغان وطفلان جالسان على الارض ومحاطان بحلقة من المنازل والمعابد والباغودا** المصغرة الحجم، ويحيط هذه الحلقة صخور ملونة مشعة حمراء وصفراء وخضراء وسوداء. الخلفية تكتظ بالاشجار والاعشاب وفي الافق تظهر الشمس الوهاجة تحيطها هالة صفراء مشعة، الشمس رسمت باللون الارجواني الغامق ولكنها تبدو سوداء لتضادها مع لون السماء. تؤلف صور الشمس السوداء والاشخاص المستلقين على الارض الصور الرئيسة في المجموعة الشعرية، وفي الحقيقة تلقي قصيدة “دمى اثر الرمل” بظلالها على قصائد المجموعة التي تبدأ وتنتهي بها. على وفق ما تقدم، تؤلف “دمى اثر الرمل” حجر الزاوية في هذه المجموعة.
مهد ساكسيري لمجموعته الشعرية بمقدمة قصيرة بعنوان (الى حقل الرمال) حيث انتقد الاستهلاكية والمادية التي طغت على الحياة المعاصرة في تايلند، “فالناس اليوم يعيشون في عصر تسيطر فيه المادة على الروح وهم يتركون حياتهم تذوي وتضيع في اتون النظام المادي وسعيره دون التوقف للتفكير بالامراض الاجتماعية الناجمة عن تبنيه. البشر ماهرون وقادرون على التحكم بالجانب المادي من الطبيعة ولكنهم لا يوظفون قدرتهم هذه لتأمل ذواتهم بعمق وتؤدة. انهم يريدون السيطرة على الطبيعة ولكنهم، عوضاً عن ذلك، ينتهون بالوقوع ضحية لنزواتهم واطماعهم.” ويختتم الشاعر مقدمته باهدائها الى “كل دمية اثر رمل”، وزاد على ذلك قوله ان البشر يميلون عادةً الى النظر الى الخارج في حين تكمن الحقيقة في داخلهم، ولذا، فانه يدعوهم الى العودة ودراسة دواخل الحياة. “حاول ان تفهم جيداً، عندئذ ستخف حدة الافكار وتنخفض الاصوات العالية، وسنكون اكثر تعاطفاً فيما بيننا، بأمكاننا تنمية هذا المستوى الذهني في داخلنا ولسنا بحاجة الى عقول عبقرية للقيام بذلك. فقط فكر بهذا السؤال: هل ارواحنا حرة تماماً؟ ام انها مكبلة بأغلال العبودية
آه آه! ايتها الارواح،
للبعض فرصة القتال ولكنهم يخسرون،
والبعض بأمكانه التفكير ولكن ليس لديه فرصة للقتال،
والبعض ليس لديه فرصة للتفكير ولا التحدي.13
يمكننا ان ندرك ان الشخوص المرسومة على واجهة الغلاف (اللوحة الثانية) التي تمثل الشابين والطفلين المستلقين وسط حلقة من المنازل والمعابد هي الدمى المحفورة تخطيطاتها في الرمل والتي يشير لها الشاعر في مقدمته، فحياتهما خاوية ولا تعدو كونها آثاراً في الرمل، وليس لهما كيان جوهري يُعرفان به، بل انها لم تمنح حتى حق التكون من رمال متحركة، ولكنها تمثلت بالفراغ الناشئ عن الحفر في الرمل وتخطيطه. ولذا، فالذاتوية او مركز وجودهم يتلاشى ويغدو بلا معنى وهذه السمة ، اي ضياع الذاتوية، هي إِحدى الخصائص ما بعد الحداثوية الهامة في المجموعة. ساكسيري يبين ان الحياة البشرية غير فاعلة وحتى خاوية وفارغة ولا يمكن اقتفاء تأثير اي مادة حية فيها. علاوة على ذلك، ثمة تفسيرات عدة للشمس السوداء في صورة الغلاف الامامي، اذ يرى البعض فيها “مركزاً فقد تمركزه” ولم يعد مركزاً للنشاطات.” وبقول مختلف، فالشمس التي كانت المركز الذي تدور حوله الفعاليات في العالم لم يعد بمقدورها اداء وظائفها المعتادة بما انها تستمد موقعها المركزي حصراً من عملها مصدراً للقوة وللطاقة وبالتالي المعرفة والحقيقة. ولتشبع الشمس باللون الاسود، فأن دورها بوصفها الفاعل المركزي والشامل ومصدر الضوء والمعرفة والحقيقة قد انتهى.
هذه رؤية متشائمة حقاً، الا ان الشاعر ليس يائساً تماماً لإِيمانه بقدرة الدمى على استعادة حريتها عبر تأمل عبث وجودها ولا جدواه والشروع بمحاربة النُظم والخطابات السائدة. في هذا السياق، تُعد المقدمة صرخة بوجه الثقافة المادية التي تؤلف جزءاً لا يتجزأ من المشروع التحديثي، وهكذا، تثبت صحة مقولة غدنز ان الفن ما بعد الحداثي تأمل جمالي للحركة التحديثية. حقيقةً، تؤلف المجموعة الشعرية ردة فعل على القوة الحداثية الضاربة التي لا يمكن الا الشعور بتجلياتها في مفاصل المجتمع التايلندي المعاصر، فالناس منقادون كالعبيد في لهاثهم وراء الوعود الكاذبة بالحياة الكريمة والتنمية والرخاء التي فرضتها عليهم الحكومات والادارات البيروقراطية المتعاقبة، والشباب يكدحون في الحقول او المصانع متسلحين بالامل بأن غدهم سيكون افضل من يومهم والشابات يضطررن الى المتاجرة بكرامتهن لأشباع الرغبات الشبقية للمستهلكين الرجال، وهكذا، يوماً بعد آخر، تتهاوى آمالهم بحياة افضل على صخرة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي حرمتهم فرص التمتع بحياة كريمة واحتمالات تحقيق رغباتهم وآمالهم، ولذا، غدت حياتهم محض آثار في الرمل.
جدير بالانتباه خلو القصائد من العناوين كما لو ان الشاعر يقول ان العناوين هي وسيلة للسيطرة على عناصر متفرقة متنافرة وجمعها معاً في وحدات انيقة- وهي احدى الاستراتيجيات الحداثية النموذجية. القصيدة الاولى في المجموعة مصحوبة بلوحة الى جهة اليسار رسمها كيتساك للعبة تمثل فتاة صغيرة تحمل دلواً صغيراً مع علبة صفيح مفتوحة مهملة وملقاة عند قدميها (اللوحة الثانية). الفتاة الصغيرة وعلبة الصفيح محاطتان بلُهب شفافة تعلوها صورة طير صغير يرتفع مشرعاً جناحيه من النار. الى جانبي الطير، ثمة اشجار صغيرة وفوقه تخطيط واهن لمنزل بسيط مُحاط بنُقط كثيفة، وعلى الجانب الايمن كتبت القصيدة التي تؤلف قلب المجموعة الشعرية:
دمى اثر الرمل،
مستلقية بعيون مفتوحة.
الشمس السوداء تتوارى بضيائها،
والدمى تأكلها مستلقية،
دمى اثر الرمل،
مستلقية مفتوحة العيون،
وعيونها الساذجة،
تعصف بها الرياح،
لتموت وسط الشمس السوداء14.
القصيدة واللوحات تعج بالارتباطات التناصية، فالدمية في اللوحة تبدو دمية حقيقية، لا اثر رمل، او ربما هي حقاً اثر رمل.، على الرغم من ذلك، تستمر فكرة الخواء واللاجدوى في الهيمنة على مفاصل القصيدة، فالعلبة المفتوحة الملقاة قرب الفتاة تدل على الفراغ من تناول شيء ما منها، وبعد ان انتهت الفتاة من تناول طعامها، تشتعل النيران ويحترق كل شيء. في القصيدة، تستلقي دمى اثر الرمل بتكاسل وهي تتناول الشمس السوداء، فليس ثمة اي معنى او قيمة لحياتها، حتى الشيء الذي تتناوله وهو الشمس، فقدت قوتها ودفئها، فعوضاً عن كونها مصدر طاقة لجميع المخلوقات والضوء المُبدد للشر، تكتسي الشمس بالسواد وتغدو تجسيداً للشر ذاته، وتعرض القصيدة بعد ذلك جملة من العلاقات التناصية في السياق الثقافي للبوذية التي تقارن تنوير البوذا بدوران عجلة الحياة، وبأصل الضوء الذي يبين الطريق لجميع المخلوقات، او ربما تتمازج مع السياق الثقافي للمسيحية حيث المسيح نفسه هو الضوء والطريق والحقيقة. وبما ان الشمس سوداء الان، فأن مصدر الضوء الذي يبين للمخلوقات الطريق الصحيح يسير، على ما يبدو، في الاتجاه المعاكس مقلوباً رأساً على عقب. يمثل هذا تجسيداً رائعاً للوضع ما بعد الحداثوي حيث تُستبدل التمظهرات والمواضعات القديمة الراسخة من مثل تعاليم بوذا والسيد المسيح بالتعاليم الجديدة للاستهلاكية الانانية والمادية. ان جل ما تقوم به دمى اثر الرمل هو الاستلقاء بكسل وتناول الشمس السوداء، وبكلمات اخر، فان ما تقوم به لا يعني شيئاً لان الشمس السوداء المعتمة لا يمكنها، بأي حال من الاحوال، هدي البشر وانارة طريقهم. القوة ما زالت هناك ولكنها معطلة الى حد ما، فهي تجتذب البشر للجشع والاستهلاكية والعدم والعتمة التي تسود المشهد وتهيمن عليه، وفي اثناء ذلك، تعود بنا القصيدة الى صورة الغلاف الامامي التي رسمها ساكسيري نفسه والتي تنتقد بشدة المشهد المعاصر حيث تغدو حيوات الناس اللاهثين وراء المادة والسلع والذين تتحكم بهم قوى عبادة المادة والجشع والانانية وروح التنافس مجرد اثار في الرمل. حقيقةً، قَََدْ يساهم التحديث في تحسين الظروف المعاشية للسكان ويمتعهم باحدث وسائل الترفية والتسلية كما تخبرنا بذلك الاعلانات التجارية ولكن هذه الاشياء الجيدة نفسها قد تؤدي الى ظهور المزيد من الاشخاص الغارقين في دوامة الخنوع والاستلاب العبثي اللاتأملي حيث الحيوات المعاصرة تكبلها الاغلال، وفي القصيدة تبدو دمى اثار الرمل محكومة بعيش حياة عديمة المعنى وبلا قيمة ولا سبيل الى التحرر او الخلاص منها.
ومع ذلك، فاللوحة التالية (اللوحة الثالثة) للقصيدة تقدم بصيص امل، فالدمية، على الرغم من انها مغمورة باللهب الشفافة تتحول الى طير يرمز للسلام، والصورة تذكرنا بالاسطورة الاغريقية للعنقاء التي تنهض من الرماد لمواجهة الحياة والمضي قدماً. حقيقةً، يعتقد بتمثيل الطير روح الدمية ذاتها التي قاتلت وخسرت المعركة، انها تحلق فوق اشعة الشمس السوداء وتدخل موطن الروح في الاعالي. على الرغم من ذلك، فالاشارة الى هذه الصورة المشرقة تغيب عن القصيدة، ويبدو الامر كما لو ان الشاعر والرسام يعرضان صوراً مختلفة، نسبياً، للمشهد ذاته، ففي القصيدة “تموت الدمى وسط الشمس السوداء” ولكنها تبدو في اللوحة وكأنها بُعثت من جديدة لتحيا حياة افضل، وبهذه الطريقة تكمل اللوحة والقصيدة احداهما الاخرى. وعلى الرغم من ان (دمى اثر الشمس) تموت بلا سبب وبعبثية في القصيدة في حين توحي اللوحة بعكس ذلك، فالدمى لا تموت وتتلاشى ببساطة، فهي مثل العنقاء تنهض مرة اخرى لمواصلة المسير. الا ان الطائر في اللوحة لا يشبه العنقاء من حيث انه لا يستعيد شكله السابق بعد النهوض، بل يستمر في التحليق بعيداً عن الارض حيث تعيش الدمية، ولذا، فاللوحة هي نهاية القصيدة وخاتمتها وينبغي قرائتهما معا لفهم القصيدة فهماً مناسباً.
نستشف من هذا التحليل المفهوم ما بعد الحداثوي لغموض المؤلف، فبينما كتب ساكسيري القصائد، تولى كتيساك رسم اللوحات التي تؤلف جزءاً مكملاً لا يمكن الاستغناء عنه الى حد يهدد بفقدان القصيدة الكثير من رونقها وفاعليتها اذا لم تؤخذ اللوحات بنظر الاعتبار، ولنا ان نتساءل عندئذ، من الكاتب الحقيقي للمجموعة؟ حقيقةً، يجسد هذا الوضع محاكاة ساخرة للموقف الحداثوي القائل بأهمية المؤلف، فأصالة العمل لا تنسب لمؤلف واحد، بل هي نتاج فنانين عملا معاً، وهذا قطعاً منافي لمواضعات الفن الحديث حيث تتحدد تماماً هوية المؤلف. ولذا، فالتأثير الاجمالي للمجموعة يعتمد بشكل رئيس على قراءة القصائد واللوحات معاً، وهنا لا يمكن توظيف الموقف الحداثوي الخاص بمحاولة تحديد ذات المؤلف في العمل، فاللوحات والقصيدة في ’دمى اثر الرمل‘ تعود الى مصادر تأليفية مختلفة. قطعاً، الاسلوب الذي اختارهُ ساكسيري لكتابة مجموعته الشعرية هو الاستثناء لا القاعدة، وهو يناقض موقف مواطنه انغكارن كانليانبوغ والشاعر البريطاني وليم بليك، وكلاهما رسام وشاعر معروف تستند تأويلات اعمالهما الى مصدر تأليفي واحد.
يذكرنا ذلك بالاسلوب ما قبل الحداثوي للعديد من الفنانين الذين اعتادوا العمل معاً لأنتاج العمل الفني. اما في الشعر التايلندي ما بعد الحداثوي، من مثل القصائد الخاصة برقصة الاقنعة وغيرها من الاعمال الدرامية، فيعمل الشعراء كل على حدة لكتابة فصول مختلفة من عمل مسرحي طويل تتمازج فيه الاساليب الفنية وتتداخل لتنتج عملاً فنياً متكاملاً في تأثيره. في ’دمى اثر الرمل‘، يتعامل الفنانان مع وسائل فنية متنوعة هي الرسم ونُظم القصائد بقصد احداث تأثير فني تكمل اجزاؤه احدها الآخر على نحو يماثل التأثير النهائي الذي تتركه قراءة أعمال وليم بليك وانغكارن. وبينما تتماثل القصائد السردية الطويلة ما قبل الحداثوية مع الرسوم الجدرانية الكبيرة في قاعة تنصيب الكهنة، ثمة العديد من نواحي التشابه بين ’دمى اثر الرمل‘ ما بعد الحداثية بأكثر الفنون انتشاراً في العصر ما بعد الحداثوي، اي الاعلان. فالاعلانات في وسائل الاعلام المرئية والسمعية ليست عمل فنان واحد، وانما هي نتاج تعاون العديد من المتخصصين بغية زيادة مبيعات منتوج ما، والحال ذاته ينطبق على الرسوم الجدرانية من حيث اشتراك عدد كبير من الفنانين في رسم اجزاء مختلفة من الجدران في حين يعمل الفنانون معاً في اعداد الجوانب المختلفة لنفس العمل في حالة الاعلان. على غرار ذلك، يتأتى التأثير النهائي في ’دمى اثر الرمل‘ من اشتراك فنانين من مجالين مختلفين بالعمل معاً، وبذا فأن مقولة الاصالة الحداثية، بمعنى أن العمل الفني عمل اصيل لمؤلف واحد لم يعد لها وجود، فأذا كان التأثير النهائي ’لدمى اثر الرمل‘ لا يتحقق الا في حال أُخذت اللوحات بنظر الاعتبار، فأن فكرة تقويم العمل الفني بوصفه ابداع مؤلف واحد قد قلبت رأساً على عقب. وهذا يعد احد اهم السمات ما بعد الحداثية التي تنفرد بها مجموعة ’دمى اثر الرمل.‘
تشترك القصائد الاخرى في مجموعة ’دمى اثر الرمل‘ في تجسيدها للموقف ما بعد الحداثوي، فجميعها تقريباً تنتهك القواعد التقليدية لفن كتابة الشعر التايلندي، ومع ذلك فالعديد منها تردِّد أصداء من القصائد القديمة لتمكين القراء من الاصغاء اليها وفهمها، وبذا، تتقوض القواعد التقليدية لعلم العروض وهذه الخاصية تُؤلف احدى نواحي الاختلاف المهمة التي تميزها عن القصائد التايلندية الحداثوية مثل قصائد انغكارن وجيرانان وناووارت، التي تلتزم الى حد كبير بالمواضعات الشعرية التقليدية ولا تختلف عنها كثيراً حيث تظل تعاريف الاشكال الشعرية على حالها. وبما ان هذا الموضوع يستلزم فهماً شاملاً للاساليب المُلغزة لنُظم الشعر التايلندي، فلن اتابع مناقشة هذا الموضوع هنا، وسأكتفي بالقول بأختلاف ساكسيري عنها من حيث الالتزام بقواعد الاشكال الشعرية الى حد يصعب معه تصنيف قصائده وفق الاشكال الشعرية التقليدية، على الرغم من احتفاظ قصائده بإِلماحات عابرة للأشكال القديمة تتناثر هنا وهناك، ويضم بعضها شذرات من اشكال شعرية متنوعة جمعت معاً في قصيدة واحدة، مما يعني بروز الخاصية التناصية في القصائد الى المقدمة.
في ادناه قصيدة اخرى طويلة تتضح فيها بعض الخصائص ما بعد الحداثوية على نحو جلي، والمثير للدهشة خلوها، بخلاف غالبية القصائد الاخرى في المجموعة ، من اللوحات الموضحة لها:
تأبى القرود العيش في جماعات،
وتطلب اليعاسيب اجنحة الصقور،
والفراشات تهاجم الزهور النضرة وتفتك بها،
والجداول لا تسمح لضفافها بلقاء
وهي تنظر الى الراقص ينزع قناعاً ليجد اخر،
ينزع قناعاً ليجد اخر،
والقمر والنجوم ترفضا الافول في الفجر
ومقبض السيف يغدو رهيفاً،
واوراق الشجر تهتز بلا رياح،
وسيقان المنضدة تتشاجر بصوت عال،
وعيناي تنظران صوب الحائط،
يدي اليمنى تمسك بالمروحة المرفرفة،
واليسرى تمزق جزءاً من التقويم،
من الاشهر والسنين،
لترميها الى مزبلة الماضي،
ترميها وتضيع حافاتها 15.
ان الشيء الاكثر لفتاً للإِنتباه في هذه القصيدة هي السلسلة المدهشة من الصور السريالية في المقطع الاول،. فكل شيء قد قلب رأساً على عقب وجميع التوقعات والنُظم قد هوت وتحطمت كما تهاوى النظام المألوف للاشياء المستقرة والمنتظمة والقابلة للتنبؤ، فلا يعرف المرء كيف يدير اموره في عالم ترفض فيه القردة العيش في مجموعات او تطلب فيه اليعاسب اجنحة الصقور. ان المظهر الرئيس للحداثوية، اي وجود نظام شامل يعيننا على التنبؤ بالامور والتحكم بها قد انهار، ويمكن النظر الى ذلك بوصفه تعليقاً على الوضع الراهن حيث لم تجلب وعود الحداثة بالازدهار والتقدم المادي سوى الاحباط وخيبة الامل. علاوة على ذلك، فأن تشظي القابلية على التنبؤ وانهيارها افرز نتائجَ حاسمة اثرت بشدة على الأيمان الحداثي بالبنية والتساوق والحقيقة المستندة الى بنية كهذه. فأذا كان القمر والنجوم ترفض الافول ساعة الفجر، كيف يتسنى للشمس الشروق، وهل القمر والنجوم بدائل عن الشمس ام ستظهر جميعها مجتمعة في السماء بلا مصدر موحد للضوء؟ عندئذ، تغدو فكرة الحقيقة المستندة الى قاعدة الواقع مجرد مصدر اخر للضوء ضمن تنويعة المصادر المؤلفة من القمر والنجوم والشمس التي حرمت من اداء دورها بوصفها المصدر الاوحد للنور، وفي العالم حيث لا فرق بين قناع الراقص والوجه خلفه، وحيث يُرجح تمثيل كل شيء الوجه والقناع معاً، كيف يتسنى لنا اتمام البحث الحداثي المنمذج عن الاساس المؤطر للمعتقدات التي تعتمد في وجودها على تحديد هذه التمايزات ووضوحها. الحقيقة ليست امراً خالداً ولا كونياً وفق المنظور ما بعد الحداثوي، ولا يمكن العثور عليها في الواقع المتعالي ولا في ذاتوية الفرد، وليس ثمة تمايز واضح بين الصور والواقع، فالصور في العالم ما بعد الحداثوي تغدو الحقيقة ذاتها، التي بدورها لا تمثل شيئاً خلا الصور16. كما تختفي الحقيقة المتمثلة بحضور المقولات الصحيحة المطلقة ولا توجد سوى في مفاهيم بعض الفلاسفة وتصوراتهم بشأن الحاجة لهذه المقولات التي لولاها لأستحال التوصل الى اتفاق شامل وضروري للمعرفة الموضوعية. عوض ذلك كله، يوظف ما بعد الحداثيين الحقائق المحلية الشائعة في مجموعة بشرية او لغة ما17.
على وفق ما تقدم، فالصور في المقطع الاول هي نقد للأسلوب العادي والمألوف لمقاربة الاشياء التي تميل لئن تكون منفعلة وباهتة. ان المنظورات النضرة المُبهجة التي يخلقها تأمل الصور تضطرنا الى اعادة التفكير واعادة تصوير الواقع الذي اعتدنا ادخاله في خانة البديهيات، وهنا يبرز اسلوب جديد لرؤية الاشياء، وليس هذا الاسلوب بأقل دقة من نظيره التقليدي والمألوف لرؤيتها. ولكن ثمة سؤالاً مُلِحّاً هنا: ما النسخة الصحيحة من الاشياء؟ هل يمكن حقاً ان تهتز اوراق الشجر دون هبوب ريح؟ ان الصور تجبرنا على ادراك ان ما اعتدنا قبوله بوصفه الوصف الحقيقي والدقيق للأشياء لا يمثل شيئاً سوى النزر اليسير من الاوصاف المحتملة المتنوعة، وليس ثمة شك بشأن جدية الوصف الحقيقي بما ان الناموس يميل الى اخفاء الحقائق المميزة التي لا يمكن العثور عليها سوى في الشعر، واذا كانت الاشياء ليست كما نتوقعها، اذن، علينا اعادة التفكير بكل شيء بدقة وتمعن. ان تشظي الحقائق وانهيارها يضطرنا الى ان نكون يقظين تماماً لكي نتمكن من استخلاص معانيها.
ان موضوعة قلب التوقعات هذه رأساً على عقب تقودنا في المقطع الثاني الى شخصية المتحدث في القصيدة وهو يحدق بالحائط، اذ انه “يمزق جزءاً اخر من التقويم/ من الاشهر والسنين/ يرميها الى مزبلة الماضي” ان عبثية الزمن ولا هدفيته تتأكد هنا، في وضع مغاير للحركة للحداثوية التي تؤمن بتقدم الزمن وتحركه الى الامام على نحو متواصل مؤدياً الى المزيد من التقدم والرخاء، ولكن الزمن في المقطع محض جزء آخر من التقويم ينبغي تمزيقه ورميه بفتور في المزبلة، والمتحدث غير مكترث لضياع الوقت او انقضائه، فالزمن في حياتنا المعاصرة اضحى بضاعة قابلة للعد وخاوية ومجردة من المعنى. انه بضاعة تباع بالثانية والدقيقة كما في الاعلانات التجارية، وبذلك، فهو قابل للعد تماماً كوحدات القياس المستخدمة في حساب الاجور والنفقات. ويبدو ان المتحدث في القصيدة يعيش في فضاء يمر فيه الزمن ببطء شديد ورتابة، فالمتحدث لا يفعل شيئاً خلا التحليق في الزمن حيث يضرب الملل والتفاهة طوقاً محكماً حوله، اما تقدم الزمن فلا قيمة له، وليس ثمة هدف يصبو اليه، ويبدو الامر كما لو ان بمقدور الزمن المضي الى الامام او ربما النكوص الى الخلف، ليعاود الكرة مرة اخرى في حلقات ودوائر، الا ان حركاته جيئةً وذهاباً لا تشكل فرقاً جوهرياًً، وهذه خاصية ما بعد حداثوية اخرى حيث تتفكك فكرة التقدم الخطي للزمن وتنهار.
ان الموضوعة التي تجمع المقطعين الاول والثاني هي فكرة احباط التوقعات وزعزعة الاستقرار، وهي احدى الادوات ما بعد الحداثوية المهمة. في المقطع الثاني تقلب الاستقرارية رأساً على عقب لأنه ليس ثمة استقرارية اصلاً لأن الاستقرارية تفترض وجود بنية عامة متفق عليها في فضاء زمني يتقدم خطياً نحو الامام، ولكن ماذا لو تعرض الزمن ذاته للتفكك، عندئذ يلاقي الاستقرار المصير ذاته. تذكرنا القصيدة هنا بموضوعات الغلاف الامامي حيث يغدو البشر أشياء تافهة بلا قيمة والطريق الوحيد للخلاص هو في تحليق الطير بعيداً عن اللُهب الشفافة.
قد تبدو القصائد التي ناقشناها هنا ذات طبيعة متشائمة وسودواية، ولكن البعض منها تمثل احتفاءات مرحة بالحياة البسيطة المتناغمة مع الطبيعة، مثل القصائد في صفحتي(30 و31)** التي تؤلف كما اعتقد قصيدة واحدة لتماثل موضوعاتها وايقاعاتها، والقصيدة في ص 91 قصيدة وجدانية مشابهة في بنيتها لقصيدة الهايكو اليابانية، التي تتحدث عن الضوضاء العالية للسكون بعد توقف الصراصر عن الصرير، ولذا، لا تخلو القصائد من ايحاءات لامعة ومشعة تتناثر في ثناياها. وختاماً، فالقصائد تتفرد بتوظيفها خصائصاً ما بعد حداثوية واضحة وينبغي الافادة منها في محاولتنا فهم الثقافة التايلندية المعاصرة عبر التفكر بها وتحليلها بأمعان.
الاستنتاجات: حاولت، في الدراسة الحالية، تبيان ان المجموعة الشعرية “دمى اثر الرمل” لساكسيري تتضمن العديد من الخصائص ما بعد الحداثوية مثل تشظي الذات وانقسامها والتناصية وتلاشي الحدود الفاصلة بين الصورة والواقع. وبما ان هذه المقالة مُعدة للنشر في مجلة ايجين رفيو (الدورية الاسيوية)، اتساءل هل عكست هذه الخصائص طبيعة السياق الاجتماعي في تايلند، وبالمقابل ما دور هذا السياق في تمثيلها وما تمظهراتها فيه؟ وهذا السؤال، كما اعتقد، قد تمت الاجابة عليه في مناقشة القصائد بوصفها نقداً للأوضاع الاجتماعية السائدة في تايلند حالياً. علاوة على ذلك، فالقصائد نقد لمشكلة اساسية اخرى مؤثرة في الموقف المعاصر برمته، الا وهي ميوعة القيم وغلبة التفكير المادي على الحياة اليومية.

الهوامش:
*للاطلاع على اللوحات، انظر ملحق رقم 2.
**الباغودا هو المبنى الديني الذي تمارس فيه طقوس الديانة البوذية، وبات لاحقاً يعبر عن الحضارة المعمارية لمنطقة شرق اسيا. جاءت فكرة الباغودا من الهند مع البوذيين الذين كان يمارسون طقوسهم في مبنى ديني آخر يسمى الستوبا ويستخدم المبنيان أيضاً لحفظ الإِيقونات والمنحوتات المقدسة البوذية، وبات لاحقاً يعبر عن المعاني الروحية والسامية لأصحاب العقيدة البوذية لدرجة أنهم وصفوه بالشعر وكتبوا فيه القصائد لما يعنيه لهم ولمفاخرتهم به من حيث بناءه ومساحته وامتداده. ما يميز شكل الباغودا هو الامتداد الشاقولي ذو الطوابق والطبقات الكثيرة واّستعملوا في بناءه موادﱠ متوفرة في بيئتهم، فاستعملوا الخشب بشكل رئيسي ولاحقاً إِستعملو القرميد والأحجار في بناء الباغودا. (موسوعة الوكيبيديا)
***ارقام الصفحات المذكورة تتعلق بالنص الانكليزي لا بترجمته.
1- الموقف حالياً مختلف تماماً عما كان عليه في حقبة الملكية المطلقة، حيث ينحدر غالبية الشعراء من السلالة المالكة او النبلاء مما اتاح لهم الحصول على فرص تعليم افضل من عامة الناس. تمحور التعليم والتربية في ذلك الوقت حول البلاط وحتى الشعراء من عامة الناس، كسانثورن بو مثلاً، كان قريباً من البلاط، حيث قضى فترة من الوقت شاعر بلاط في عهد الملك راما الثاني، وهذا يعني ان الشعراء كانوا من بين اكثر الطبقات تعليماً وثقافة في المجتمع التايلندي. في تايلند المعاصرة، لا ينتمي الشعراء المعاصرون امثال انغكارن وناوارات بونغبيبون وساكسيري الذين حصلوا على جائزة الدولة للكتابة فضلاً عن جائزة سنوية تمنح للأدباء من دول القارة الاسيوية، وكذلك جانغ سا تانغ، الى النخبة المثقفة في المجتمع التايلندي المعاصر، ويستثنى من ذلك الشاعرة جيرنان بتربريشا التي تلقت تعليمها في الخارج وحصلت على جائزة الدولة.
2- ينظر، مثالاً، ديفيد هارفي (الوضع ما بعد الحداثي)(اكسفورد: باسل بلاكوول، 1989)، 116، وانثوني غدنز (عقابيل التحديث) (مطبعة جامعة ستانفورد، 1990)، وكذلك لويس دوبري (ما بعد التحديث او التحديثية المتأخرة: الالغاز في الارث الفكري لريجارد رورتي) (ميتافيزيك رفيو 47، كانون الاول 1993):277-295. يشترك هؤلاء جميعاً في تأكيدهم التداخل بين الحداثة وما بعد الحداثة.
3- انثوني غدنز (عقابيل التحديث): 45.
4-يبين جان فرانسوا ليوتار ان ما بعد الحداثة تُعرف بأنكارها لفكرة ان التأريخ يمضي نحو هدف مُصمم عقلانياً، اي ان التأريخ يخلو من الميتاسرديات التي تضفي المعنى على الاشياء.
5- انثوني غدنز (عقابيل التحديث): 46.
6-جت بومساك (اونغاركن جانغ نام) (بانكوك: منشورات ساتاوات)، 87-134.
7- اشار جت في مقالته الى وحدة الهدف من وراء توظيف الرهبان والبراهمن في المراسيم، بمعنى توظيف الدين أداةً لإِدامة البنية الطبقية الاقطاعية، وليس ثمة شك بشأن من له اليد الطولى في مملكة سيام القديمة، اي البراهمن الذين يمثلون الطبقة الاجتماعية الاعلى في الميثولوجيا الهندوسية ويعملون على تعزيز مصالح الطبقة الحاكمة. لاحظ جت كذلك ان الغرض الحقيقي من انشاد الرهبان للحكمة الباليَة “الحقيقة خالدة” في المراسيم هي تعميق الشعور بفخامة الاحتفالية، وتأكيد ولائهم المطلق للملك. ثمة جانب ساخر في هذه المراسيم من جهة توظيف الحقيقة كأداة لأدامة السلطة، وهذا يعني انه حتى في الازمان ما قبل الحداثوية، تمثل الحقيقة شيئاً قابلاً للمفاوضة وَمُتَأََثِّراً بلا شك بالسياسي.
8-انغكارن كاناليانابونغ، كاوينبون كونغ (بانكوك: سوكسيت سيام)، ص. 199-200.
9-ريجارد كيرني (صحوة الخيال: نحو ثقافة ما بعد حداثوية)(مينابولس: مطبعة جامعة مينوبولس، 1989): 6-14.
10- بيتر بروكر، “ما بعد الشعر ما بعد الحداثي: ’الوضع المتداعي‘ للشاعر توم راوث،” في (شعراء معاصرون في مواجهة النظرية الحديثة)، تحرير انثوني ايستهوب وجون او ثومبسن، (نيويورك: هارفستر ويتشيف، 1991)، ص 153-165.
11- بيتر بروكر “ما بعد الشعر ما بعد الحداثي: ’الوضع المتداعي‘ لتوم روث،”:156-157.
12- ريجارد كيرني (صحوة الخيال): 16-14.
13-ساكسيري ميسوسيب، دمى اثر الرمل (بانكوك: مطبعة كايو كوي). توليت في هذا المقال ترجمة جميع القصائد.
14- المصدر نفسه، ص. 1.
15- المصدر نفسه، ص.87.
16- بغية الاطلاع على المزيد فيما يخص الموقف ما بعد الحداثوي ازاء الصور والوقائع المُربكة والمُحيرة في الفنون، ينظر ريجارد كيرني، صحوة الخيال.
17- تتوافر العديد من الدراسات التي تتناول اشكالية الحقيقة في الفلسفة وقد اخذت اعداد متزايدة من الفلاسفة وحلفائهم في الفروع المعرفية الاخرى تُدْرِك ضعف الفكرة التقليدية القائلة بتطابق الحقيقة مع الواقع اللاتأريخي، وللاطلاع على احدث الدراسات النقدية الفلسفية وما بعد الحداثوية لهذا المفهوم المحوري في الابستمولوجيا، ينظر ريجارد رورتي، الفلسفة ومرآة الطبيعة، برنستون: نيوجرسي: مطبعة جامعة برنستون، 1979.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *