مهدي شاكر العبيدي: مطارحات في الثقافة؛ كتاب لشكيب كاظم

المقالة فنٌ من الفنون الأدبية شاع على أسلات أقلام الكاتبينَ إلى جانب نظيراته من الأجناس الأدبية الأخرى إثر اتصالنا بأوربا وانفتاحنا على مظاهر حياتها في مستهل النهضة الفكرية المعاصرة ، واستأثر دون سواه بعناية المشتغلينَ بالثقافة والرَّأي هناك رغم ما استهدِف به مزاولوه من نعوت شتى ، كقصر النفس والمحدودية وعجزهم عن التطويل والإفاضة والإسهاب في تصوير خواطر نفوسهم وسوانح وجدانهم ، ولو استعرضنا مجمل نتاجنا الأدبي المعهود منذ الرُّبع الأخير من القرن التاسع عشر وحتى العقد الحالي من القرن الحادي والعشرين ، لألفينا أنَّ أدب المقالة هو الأغلب على سائر الأنواع ، والأكثر حظوة باهتمام الأدباء ، فلا جرم إذا حرص منتجوه ومبتدعوه على جمعه وتنسيقه وتبويبه والتوحيد بين موضوعاته بعد أنْ كانتْ متفرِّقة في الصُّحف والمجلات ، ليشتمل عليها هذه المرَّة كتاب بعينه ، يضعون له عنوانا ً دالا ً على محتوياته وأسلوب صياغتها وطريقتهم في تناولها ، نامينَ بذلك عن فرط اعتزازهم بهذا الأثر المقالي وإشفاقهم عليه من الضَّياع ، غير مكترثينَ لاحتمال أنْ تمنى موهبتهم ومكنتهم من التحبير والتدوين بالوهن والفتور أو يعتريها الكلال وانعدام الرَّغبة وتراخي العزم والنشاط ، ومن هنا كان هذا التفاوت في فصول كتاب كهذا ، بين تناهيه في الجودة والاكتمال وبين جنوحه إلى الضَّعف البيِّن الذي يشي بانتفاء محفزات الكتابة ودواعيها .

فلا مراء إذا ألمح الأستاذ شكيب كاظم إلى هذه السِّمة في سلائق الكـُتـَّاب والمنشئينَ وجبلاتهم عبر مقالته الضَّافية بعض الشَّيء والمعنونة ( مراجعة في منجز الدكتور يوسف عز الدين ـ حصيلة وافرة في النقد ومواكبة واعية لمشهد الثقافة العربية ) ، والتي هي إحدى مشتملات كتابه الموسوم ( مطارحات في الثقافة ) ، الصَّادر مؤخرا ً عن دار الشُّؤون الثقافية ببغداد ، بالمداخلة حولها والإياب منها باستنتاجات وتخريجات لا نقطع بمباينتها لها وتعارضها معها ، إنْ لم تمكـِّن لها من الشُّيوع والرُّسوخ في الأذهان والمثول أبدا ً في الذاكرة ، ولا تفلح مساجلتنا لها ومحاكمتنا لفحواها في تلاشيها وانمحائها ، فمثلا ً يرى الدكتور يوسف عز الدين أحمد السَّامرائي رأيا ً في كتابات نجيب محفوظ قد لا يوافقه عليه غالبية قرَّائه المشغوفينَ والمنبهرينَ بقصصه ورواياته ، بينا يخال صاحبنا العراقي أنَّ صاحبها الذي ظفر بالشُّهرة العالمية لا سِيَّما بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب ، يظلُّ يعاني في نسجه لحوادثها وتصويره لوقائعها من ضعف في تراكيبه اللغوية وخلخلة في أسلوبه ، وما أفقه المقصود بهذه الخلخلة ، أهي من الإخلال أي التقاصر عن الشَّيء ، أو انَّ ألفاظه ومفرداته غير متضامَّة ولا متضافرة متوافرة على جلاء معانيه ، بحسب ما ينجدنا به معجم لغوي ميسور من تفسير ٍ وشرح ، ولا نزيد عليها بعامل الاستقراء والاستطراد ، فنذهب بعيدا ً إلى معاني الرَّكاكة والإسفاف والتبذل ، غير أنَّ الأعجب أنْ يشاطره الأستاذ شكيب كاظم نظرته هذه ويعدوها إلى إعمامها بشكل مطلق ، ويتوسَّع أكثر فيصم الكثير من كـُتـَّاب مصر بعدم الحفالة بالأسلوب وسلامة اللغة إلا قليلا ً ، وما تواتى له هذا النظر الآيل للتهوين من شأن ذويه إلا بنتيجة استهوانه لما استبان في آثارهم من المحاورات العامية المجافية للفصحى ، والتي تنبو عنها سلائق المطبوعينَ والمفتونينَ بها ، وصحيح أنَّ الدكتور طه حسين شكا في خمسينيات القرن الفائت من هبوط بيِّن ٍ ملحوظٍ في أساليب المشتغلينَ بالصَّحافة وزهدهم في مداومة القراءة ، ونصح لهم بتنقيح بيانهم ، وأنْ لا يقدموا على التعبير قبل أنْ يوقنوا باستعدادهم وتتكامل في أذهانهم عناصر موضوعهم وتتهيَّأ أسبابه ، ويستبقوا ما يبقيه من أثر في الحياة العامة ، ويعقبه من صدى قوي في المجتمع يؤذن بإيفائه على التحول والازدهار في معيشته ، بعد أنْ يتسامع به المسؤولونَ ويذعنوا لوقعه ، فيطففوا من تماديهم في الاجتراح والغلواء ؛ لكنـَّنا في حالة استبعادنا لجمهرة محرِّري الصُّحف المصرية والطارئينَ عليها من الشَّباب الطامحينَ لمساماة جهابذتها الأوائل في قدراتهم وتجاربهم وطاقاتهم ، أمثال :ـ مصطفى أمين ، علي أمين ، محمد التابعي ، أحمد بهاء الدين ، محمد زكي عبد القادر ، وفكري أباظة ، وسواهم من ممَّن أتوا بالعجب العجاب في مهنيَّتهم وتألقهم ، فلنا أنْ نعدَّ من الكـُتـَّاب الأثبات في الثقافة المصرية ممَّن تفخر العربية بفصاحة ألسنتهم وجزالة تعبيرهم وطواعية  أدائهم ؛ وكيف نغضي عن مزايا أساليب أولاء مَن تعلمنا منهم واصطفيناهم قدوات لنا في تزودنا الثقافي وتحصيلنا الأدبي ، أمثال :ـ طه حسين ، عباس محمود العقاد ، إبراهيم عبد القادر المازني ، أحمد حسن الزَّيات ، منصور فهمي ، زكي مبارك ، مصطفى عبد الرَّازق ، محمد حسين هيكل ، محمود عزمي ، محمد عبد الله عنان ، وغيرهم ؛ رغم أنَّ ثالثهم نزع في سرد أقاصيصه الموسومة بالحيوية والرَّشاقة إلى استخدام مفردات يتصوَّرها بعضهم عامية ، في حين يجتهد هو في استقصاء أصلها في الكلام  الفصيح .

وقد يجرُّنا استرسال الدكتور يوسف عز الدين في توجيه انتقاده للكـُتـَّاب المصريينَ واستهانتهم باللغة وترخُّصهم فيها ، إلى الاسترسال بحالات ومشابه لها وعلى لسان أقرانهم ممَّن يتردَّدون على المجالس الخاصة فيثيرون فيها المشكلات والزَّوابع ، ويحملون ذويها ويستدرجونهم للإدلاء بآراء ومزاعم تحوج إلى كثير من البراهين لإثبات وجاهيَّتها وصوابها ، وتظلُّ طيَّ الكتمان والخفاء زمنا ً إلى أنْ يميط الستر عنها أحد الحاضرينَ ويبوح بها ويفصح عنها ، فمن المعروف أنَّ الشَّيخ        ( محمود أبو رية ) كان حميم الصِّلة بالدكتور طه حسين ويكثر من زيارته والإلمام بدارته نهاية الأسبوع غالبا ً ، جاءه ذات مرَّة نافرا ً متذمِّرا ً أو مصطنعا ً للنفور والتذمُّر ومتظاهرا ً بهما من غلبة الرَّكاكة على النتاجات المحدثة و (( انَّ الأدب العربي الآن فقد ديباجته المشرقة وصياغاته القوية ، وانَّ مثل الأستاذ الحكيم ونجيب محفوظ لا يعدَّان من الأدباء )) [1] ، فما كان من العميد إلا أنْ نسي ما استقبل به آثار الحكيم الأولى من التبجيل والإكرام والتأميل منه أنْ يشحذ عزمه ويصقل موهبته ليغدو في مصاف الأدباء العالميينَ ، وكذا فرَّط بعلائقه المتصلة بالحكيم إنْ كان للعواطف دخلٌ في تحديد حكمنا على الأعمال الأدبية والفكرية ، وتقويمها من حيث الجودة أو الإخلال بما يفترض منها ، فأرسل نفسه على سجيَّتها :ـ (( أوافقك يا سي الشَّيخ بالنسبة لتوفيق الحكيم ، أمَّا بالنسبة لنجيب محفوظ فلا )) [2] ، متغافلا ً عن أنَّ توفيق الحكيم فاجأ الوسط الثقافي في العالم العربي بمعالم روائية وبنىً مسرحية محكمة من ناحية أسلوبها وجوِّها وحبكتها وتصويرها لمشاهد وأحداث واقعية ، وهل ينسى أحد :ـ ( أهل الكهف ) ، ( عودة الرُّوح ) ، ( يوميات نائب في الأرياف ) ،            و ( الرِّباط المقدس ) ؛ وكيف يمحي من الذاكرة خطرات توفيق الحكيم في ( زهرة العمر ) ، حول البيان والغاية المتوخاة منه ، والتي تتلخص في الإفهام والوضوح قبل أنْ تكون جريا ً وراء الألفاظ المستوعرة الوحشية التي يستبهم معها الغرض وينطمس المعنى .وما درى الدكتور طه حسين والشَّيخ محمود أبو رية كلاهما أنَّ في المجلس رقيبا ً يسجِّل عليهما ما وقعا فيه من شطط واستهوناه من كلام ، وكذا يجيء تشخيص الدكتور يوسف عز الدين ونعته لأسلوب نجيب محفوظ بتخلخله وتهافته ومجانبته للبيان العربي الصَّحيح مثل النشاز الذي أنكره عميد الأدب وبرَّأه منه وقطع باستوائه وتلقائيته وبراعته في وصف ما يمرُّ به الناس من حالاتٍ وأطوار ويعصف بحياتهم من شدائد وعواصف ، لا سِيَّما في روايته ( بين القصرين ِ ) وهي الجزء الأوَّل من ثلاثيته المعروفة ، فقد نشر العميد عنها فصلا ً شائقا ً في دوريةٍ ما ، ثمَّ ضمَّه إلى كتابه ( نقد وإصلاح ) ، كان وقعه طيبا ً وجميلا ً في نفس محفوظ ، حتى أنـَّه صرَّح لإذاعة القاهرة صيف عام 1967م ، وقد استمعْتُ له بنفسي حين استفهمَتْ منه المذيعة عن كنه السَّعادة في الحياة ، فردَّ عليها أنـَّها من قبيل الوهم وقلـَّما يظفر بها الإنسان وتتأتى له ، غير أنـَّه كاد يقترب منها غداة انغماره في تملي عبارات طه حسين في تقويم ( بين القصرين ِ ) .

فليسَتْ غربية إذن وقفة الأستاذ شكيب بالضِّد من استكثار أنْ يحظى كاتب عربي بجائزة نوبل للآداب ويُثاب بتقدير العالم ، فلا وجه عنده للنعي على المجتمع العربي فرط اهتمامه بنجيب محفوظ ، وانصراف كـُتـَّابه ومنشئيه لموالاة الصَّحافة بكتاباتهم حول أدبه ، وقسمٌ كبير منها لم يجئ سوى معاودة عليه بالشَّرح والتفسير والتحليل تنضاف إلى ما دبَّجوه منها قبلا ً ، علما ً أنَّ الدَّارس العراقي لم ينطلق من غرض شخصي في أكتوبته أو يتق لمباراته في الميدان الذي بلغ فيه المدى ، فيرومه صاحبنا بمكاشفته بهنته الثانية ، ذلك أنـَّه رشَّح أسماء بدلا ً عنه ورجَّحها عليه لا تضارعه في خصيصة الارتباط بتربة مصر واستيحاء واقع جمهورها وكفاحه السِّياسي الموصول .

ومن أدبيات الدكتور يوسف عز الدين مقالة تحمل عنوان ( أدب السياسة حطب يحترق ) ، نصَّ فيها على أنَّ الكتابة السِّياسية جالبة للشُّهرة غير أنـَّها موقوتة أو رهنٌ بدوام البواعث التي اقتضتها والتي سرعان ما تنقضي وتغادر الذاكرة هي وشعاراتها المرحلية ، وقد سبقه إلى هذه الملاحظة الدكتور محمد مندور وفطن لها أثناء تحريره للجرائد الوفدية زمن الحرب العالمية الأخيرة ، وكادَتْ تصرفه عن شغفه بالترجمة ومزاولة الدِّراسات النقدية ، لولا أنـَّه أفرغ مقالاته السِّياسية وافتتاحياته للصُّحف ، وأضفى عليها من ذوب روحه وفيض وجدانه ما يكفل لها البقاء والتواصل مع الأحوال المتجدِّدة وتظلُّ تستهوي النفوس بما تنماز به من طلاوة الأسلوب ورصانة البيان ، بدليل كتابه الموسوم ( كتابات لم تنشر ) ، والذي طبعته دار الهلال بعد وفاته ، محتويا ً طائفة من نتاجاته في هذا الميدان .

فلا موجب لتعقيب الأستاذ شكيب كاظم واستدلاله بأسماء نخبة من الأدباء يحسبهم جنوا على أدبهم واجترحوا بحقه أشنع الأوزار ، وسبقهم غيرهم إلى الخلود لأنـَّهم لم يعنوا بالسِّياسة ويحفلوا بها ويشغلوا ذواتهم بهمومها ومتاعبها ، فضلا ً عمَّا أوقعتهم فيه من خسارات معنوية على الصَّعيد الشَّخصي ، غير أنـَّه يستدرك مكتنها ً أنَّ المتبقي من نتاجهم ليس من سبيل إلى استهوانه وجحده ، ثمَّ أنَّ الأعلام الذين ساقهم دليلا ً على أنَّ العمل السِّياسي استنفد كلَّ أوقاتهم ، أرى بالنسبة لبعضهم         أمثال رئيف خوري أمرا ً مبالغا ً فيه ، فشهرة الكاتب اللبناني والمتشبِّع بالثقافة العربية والإسلامية قائمة بالأساس على عنايته بالبحث الأدبي والتاريخي والفلسفي    ـ وهو الأرثوذوكسي أصلا ً ـ تجده مسهما ً في كثير من الدَّوريات والمجلات بكتاباته عن أبي العلاء المعري ، وابن طفيل ، وعمر بن أبي ربيعة ، وابن المقفع ، والرُّصافي ، ومطران ، والقائمة تطول .

وبعد فقد شئتُ الاقتصار على مقالة واحدة من مقالات هذا الكتاب الممتع دون مثيلاتها المستدعية مثلها لشيءٍ من الاحتراس في التسليم بها وتقبلها ، لما تثيره من قضايا ومشكلات أدبية تبعث على اللدد والمداخلة المستديمة ، كتبَتْ جميعها بأسلوب جعل كاتبه وكده أنْ يفصح عن آرائه ونوازعه بترسُّل وطلاقة ، ويحمل قارئه على مشاطرته إيَّاها دونما تكلف وإغراب وتعقيد لفظي ، بلْ كان قلمه يسحُّ بالكلمات سحا ً بحيث خُيِّل لي أنـَّه لا يقدر أنْ يحيا بلا كتابة ، وإنَّ هذه الحرفة كما يقول المحدثون أو الصَّنعة كما جاء في التراث القديم ، لا بُدَّ من أنْ تكون صنوا ً له وعالقة بوجدانه وملابسة لطبعه ، على غير منوال أحلاس القهوات الأدبية من منتحلي سمات الأدباء الحقيقيينَ ، وما تولوا عنه غير كثرة الادِّعاء والتبجُّح والانضمام للشُّلل والزُّمر والقبائل ، حيث لا صوت يعلو على انطلاقتها في التطبيل والتزمير إذا شاءَتْ أنْ تعلي قدر كويتبٍ أو أدباتي أو دَعِي ٍ طارئ على الحياة الأدبية ، أو إذا نزعْتَ بالضِّد فتطول آخر مترفعا ً عن غشيان مجالسها أو الدُّنو منها أو نائيا ً عن مشاكلتها في إضمار الحسد والحقد والضَّغينة ، فيرام بتدنيسه ويُستعدى عليه الأغرار والناشئون .

 


[1] ـ محمد الدسوقي ـ ( طه حسين يتحدث عن أعلام عصره ) ، الدار العربية للكتاب ليبيا ـ تونس ، الطبعة الثالثة 1982م ، صفحة ( 36 ـ 37 ) .

[2] ـ المرجع نفسه ، صفحة ( 37 ) .

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *