عبد علي حسن : ستراتيجية جدل الغياب والحضور 

* نص ونقد

لعبة المكان / د. يمنى العيد

( نص سردي من كتاب لي سيصدر أوائل العام القادم (٢.١٩)

لعبة المكان
حين عدتُ كان قد رحل. حضرتُ أنا فغاب هو.
ليس للمكان أن يكون لنا. قال.

التقينا ذات يوم، ولمّا أيقنّا أن الصدفة صنيعة هوانا، والمكان بدعتها، افترقنا.

المكان لهم. قال لي. وهو لن يكون لنا إلاّ في شراكتهم…
أبيْنا أن لا يكون لنا المكان إلاّ سرقةً منهم، فافترقنا…
ثم عدنا نلتقي.
صعُبَ علينا الفراق واستحال… فقبلنا هوانا معلَّقاً بلا مكان.
أحضر فيغيب، ويغيب فأحضر، وبين الحضور والغياب نلتقي…
نلتقي ويبقى المكان صامتاً، عاجزاً عن البوح بشوقه لنا. )

( د. يمنى العيد)
11/12/2018

ستراتيجية جدل الغياب والحضور 

. احتلت ثنائية الغياب والحضور مكانة مهمة في الدراسات الفكرية والصوفية منها تحديدا ، وتم ترحيلها الى الدراسات الأدبية بفعل تبنيها في النص الإبداعي وباختلاف الجنس الأدبي ، على أن تبديها في النص الشعري أكثر وضوحا وبروزا وإهتماما كحال يتمثل تماهي الأطراف عبر نفي كل منهما للآخر في حال وجود أي طرف ، فالحضور ينفي الغياب في حالة حلول الأول بالآخر لتأكيد خصيصة التماهي والاندماج وتأكيد وجود الطرف الأول والثاني في الحالتين حضورا أو غيابا ، وفي الوقت الذي ذهب فيه الصوفيون الى توكيد صلة المخلوق بالخالق الى مستوى راق وهو ان غياب الخالق هو حضور في ذات المخلوق ويجمعهما وجود واحد ، فالمقصود بالغياب هنا هو غياب مادي الا انه يتشكل عبر تصور معنوي الى حضور دائم يجد فيه الرائد متعة حدسية يستعيض بها عن كل المتع الحسية الفانية والمؤقتة ، وبهذا المعنى فإن هذه الثنائية تشكل حالا واحدة تنفي الضدية بفعل التماهي والانسجام الروحي لتكون ضمن وحدة غير قابلة للانفصال والعزل ، وفي النص الآنف الذكر للدكتورة يمنى العيد فإن هذه الثنائية تتعرض الى جدل يسهم المكان في تحويلها من حال الى حدث لأننا ازاء نص سردي اعلن عن تصنيفه الاجناسي عبر العنوان وتصريح الساردة بذلك ، فمنذ الجملة الأولى تتشكل هذه الثنائية من خلال الفعلين ( عدت / رحل ) وارتباط الثنائية بعودة ورحيل ال(هي / هو) فحين عادت / حضرت ، فإن هو قد رحل / غاب ، اي هنالك انفصال لاتوحد في حال الغياب والحضور ، وفي ذلك انزياح عن المفهوم الصوفي الذي يفترض التوحد ، كما ان تصريح (هو) عن عدم القدرة على امتلاك المكان الذي يسهم او يحتوي/ يحتضن غياب وحضور ال(هي وهو) ليكونا كلا واحدا فالانفصال والتوحد مرهون بحضور المكان الذي يلعب هنا دورا حاسما في تكريس وحدة / انفصال العلاقة الثنائية ، واذ يلتقيان فإن المكان يأبى ان يكون لهما على نحو الإسقلال فهناك من يشاركهما فيه ولن يتمكنا من امتلاكه الا بمشاركة (هم) الجمعية، وحين يحاولا سرقته من (هم) يفترقان ليظل المكان مستمرا في لعبة غيابه وحضوره التي يستتبعها حضور وغياب (هي/هو) ، وبما ان الفراق بينهما استحالة ، فقد عاشا حالة قبول الهوى بينهما معلقا بدون مكان يحتوي / يحتضن/ يوحد بينهما ، فتعود (هي) لتؤكد حالة حضورها فيغيب (هو) الذي حين يحضر فتغيب (هي) طالما لم يتمكنا من امتلاك مكانا يجمع هواهما ، وفي هذه المنطقة الحرجة من غياب المكان تفترض (هي) اللقاء ب (هو) ، أي لالقاء بغياب المكان الذي هنا لا يتنازل عن موقعه كواحد من مكونات النص السردي لصالح المطلق الذي تفترضه ثنائية الغياب والحضور الصوفي بل يعده النص مركزيا في احتواء / احتضان / فضاء لحدث لقاء(هي/ هو) ، كما أن ثنائية الغياب والحضور بينهما تنزاح عن وظيفتها كما في الخطاب الصوفي لتتحول الى ثنائية يخضع تحقق وحدتهما الى فضاء فونومولوجي / مكان ينزاح عن مفهومه العياني / المحسوس والمنظور الى تكريس وجوده كطرف في تحقق الحدث (اللقاء) الذي يؤشر عجز المكان وصمته عن ان يبوح بشوقه الى ذلك اللقاء .
لقد تمكن النص السردي الآنف الذكر للدكتورة العيد من منح المكان مساحة ظاهراتية ليلعب دورا حاسما في تشكل الحدث السردي بعيدا عن توكيد اطلاقية العلاقة بين الغياب والحضور كما في الخطاب الصوفي..

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: محمد تركي النصار…. هوية الشعر.

*هو الاكثر صخباً، وجرأة، أيام كانت رسائل الحبيبات تصل الى المقابر، بحثاً عن عاشق حملته …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري (نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة: نزار السلامي (9)

 الذات الشاعرة والإنشغال بالزمن كتاباً مفتوحاً   شاكر مجيد سيفو ما يشبه تصدير القراءة.. تثير …

فاروق مصطفى: الدكتورة (سلوى جرجيس) و رحلتها في (الف ليلة و ليلة)

كتاب (الف ليلة و ليلة) المثير في حكاياته الملأى بالغرائب و العجائب الذي يلدها مخيال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *