ورقة الباحث الدكتور فاضل السوداني قدمت في ندوة أدبية عن الروائي في كوبنهاكن 2016:
سر البطل الروائي لدى سلام إبراهيم
د. فاضل السوداني 

ورقة الباحث الدكتور فاضل السوداني قدمت في ندوة أدبية عن الروائي في كوبنهاكن 2016

سر البطل الروائي لدى سلام إبراهيم

د. فاضل السوداني          

يبقى البطل الروائي سجين ذاته أو محيطه لأن الكثير من المؤلفين يخضعه لقوانين صنعة السرد المكرور، مما يجعله يرواح في داخل الوصف والتوصيف وخارج فعله الإنساني الذي يجعل منه بطلاً تراجيدياً يسعى للتمرد والحرية فيقوم بالفعل التراجيدي غير المتوقع الذي يدهشنا حقاً لأنه نموذج متفرد وهذا هو سر البطل عموماً وفي كل الأنواع الإبداعية وليس الروائية فقط. أي إذا بقى مسجوناً في السرد فهو في المحيط المتناهي، وفعل البطل هو الذي يخرجه إلى اللامتناهي.

منذ النصف الأول من تسعينات القرن الماضي أدهشني حدث وفعل قامت به بطلة إحدى القصص القصيرة في مجموعة “سلام إبراهيم” الأولى – رؤيا اليقين – وأعني قصة “لقد أسكته” والحدث يحكي عن مجموعة من الهاربين عبر الحدود في ظلام الليل والبطلة تحمل رضيعها وعندما يقتربون من ربيئة عسكرية يبدأ الطفل بالبكاء، فيطلب منها الآخرين أن تسكته، تحتضنه بشدة، وتلصقه إلى صدرها حتى أبتعادهم عن ربيئة الجيش، وعندما تتفقد الرضيع وتبعده عن جسدها تكتشف أنها خنقته، فتلتفت إلى المجموعة لتقول “لقد أسكته”. 

عندها شعرت أن هذا الحدث هو قمة التراجيديا وهو قريب من الفعل التراجيدي المسرحي، فقررتُ البحث عن المؤلف وكان قريباً يسكن في مدينة روسكلد  الدنمركية المجاورة. 

ومنذ ذلك الوقت أتابع التطور الإبداعي للمؤلف سلام إبراهيم.

من المؤكد القول بأن المؤلف يجب أن ينتقي من الحياة الواسعة ذلك الفعل أو الحدث التراجيدي أو المدهش ليصيغه بلقطة (كلوز أب) أي يضعهُ تحت المجهر ليدهشنا، ومن هذا يمكننا من الأنتباه ويجعلنا نَعي عالمنا فنستيقظ من حياتنا المخدرة، أي أنه يجعل من فعل البطل فعلاً متفرداً مدهشاً يكسبنا وعياً وتجرباً.

وهذه ميزة نكتشفها في جميع روايات سلام إبراهيم.

لو تمعّنا في رواية “الإرسي” وهي شبيه نوعما برواية “الجحيم” لهنري بارابوس، أعني التلصص من ثقب الباب على عالمٍ غريبٍ، أي مراقبة الحرية من ثقب الباب كما هو في رواية “سلام”؛ مراقبة الحرية وعالم ضيق أخر من ثقب شباك أو باب “الإرسي”.

أن مراقبة البطل من إرسيه المظلم الخانق والذي يساوي قبره؛ هذا البطل يراقب باحة الدار وهي تابوت كبير، إذن هو يراقب من تابوت تابوتاً أكبر محكوماً بجدران وأبواب عديدة، وقوانين اجتماعية وسياسية ستقطع رقبته إذا ترك العالمين؛ المعتم الإرسي، والمضاء المحصور في باحة البيت.

المشكلة لدى هذا البطل أنه يعتقد بأنه عندما ينظر من هذا الثقب فأنما هو يصبو إلى الحرية وهو هنا أما أنه بطل حالم أو أنه لا يفهم موقفه إزاء الحرية وكيفية الحصول عليها.

أعتقد بأن هذا المدخل هو مدخل أولي لفهم روايات “سلام إبراهيم” عموماً، سوف نلقي الآن نظرة متأنية على الكيفية التي وصلت بها بواسطة التحليل إلى هذا الأستنتاج.

في الفصل الأول من هذه الرواية نكتشف عالمين وحشيين شكلا أغتراباً ووحشةً قاتلةً للبطل والقارئ هو عالم الإرسي؛ عالم ليس به سوى الظلمة والبطل معزول نهائياً عن العالم، ما يسمعه من أصوات فقط هي التي تأتيه من الشارع حينما يكون في الباحة، ومن باحة البيت حينما يضطر إلى المكوث في الإرسي، إذن هو بطل محروم من كل حواسه ما عدا حاسة السمع وهذا ما يزيد من تراجيدية الحدث والفعل، إذ يدفعه هذا الوضع إلى أستخدام ذاكرته والتخيل الذي يكون خصباً في مثل هذه الحالات.

والمؤلف يصف لنا هذا الوضع البشري بدقة في المشهد التالي

” يتلصصُ عبر زجاج النافذة العالية وسيمها المغبر، بكل شوق المستوحش المضطر إلى الاختباء يمعنُ في وجوه المارة المضببة بغبار النافذة، يعتنق في شجنه حيوات الشارع المضببة.. نسوة وأطفال.. شيوخ وشبان.. بغايا وأشراف، عشاق يسرقون القُبّل في همسٍ يشبه تساقط حبات الجص، يحدقُ عبر الزجاج المغبر، يرحل في شؤون القسمات، أشكال الأنوف، ألوان البشرات، عالم العيون الزاخر بالظنون” ص10.

هذا عالم يأتيه سمعاً ويراه من خلال الزجاج المضبب. وعالم أخر مشابه للعالم الأول ولكن أكثر وحشةً بشكلٍ أخر؛ أنه عالم قريب منه جداً لأن أبطاله قريبين من روحه وهم سجانيه الذين أخفوه خوفاً عليه من أعين السلطة الدكتاتورية، وكلا العالمين يشكلان مصيدة للطموح، للحرية وهو ينظر من خلال المصيدة هذه لمداها، الهدف هي الحرية سواء أكان في مصيدته، في قبوه “أرسيه الذي لا يتسع أكثر من مترين طولا ومثلها عرضا”، أو حتى وأن كان وسط الثوار في الجبل محاصراً بعالمه الصخري والحرب.

إذن أن البطل في كل الأحوال هو بطلٌ مأزومٌ مفتقد للفعالية والحرية، وهو يفضل العيش في عالمه الداخلي لأنه أكثر أماناً، والفاصل بينه وبين العالم الخارجي هو باب، إذا طُرق من الخارج يعني بالنسبة له الشرطة السرية والموت المجاني.

إن مشكلة البطل في روايات “سلام إبراهيم” تنقسم إلى:

أولا: البطل المأزوم والمحاصر داخلياً خارجيا (من النظام والمجتمع).

وثانياً: حرمان البطل من الحب والجنس كرديف للحرمان من الحرية، فالحب والحرية يشكلان أحلاماً لابد أن يُحارب من أجلهما إذا أستطاع ذلك.

لذا يكون من الصواب القول بأن البطل الروائي هنا هو ثائر ومتمرد وحالم لكنه يائس بشكلٍ كبيرٍ، يائس من كل شيء، يفكر بالحرية ويسعى ولا يسعى إليها، يعترف بأن أحلامه لا تتحقق لذا فهو يردد دائماً

” إلى أين أمضي في المجاهل هذه بصحبة بشرٍ لا أفهم لغتهم” ص15.

وهذا يحتاج إلى دراسة تحليلية لسيكولوجية البطل.

مع بطل “سلام إبراهيم” يمكننا أن نفكر في ثلاث ضرورات مأزومة هي:

الحب/الحرية/الموت.

وفي هذه الضرورات الثلاث نرى البطل مأزوماً دائماً، أي أن البطل ليس بداخل جحيمه كما يكتب بعض النقّاد وأنما بداخل أزمته، ما أسميه أنه في “داخل سقطته” التي تخلق عنده الشعور المتجدد في تشكيل وتكوين ذاته من جديد، ولا أعني هنا “سقوط البطل” أي أن السقطة ضرورية للبطل من أجل أن يكمل عالمه، أزمته، مشروعه الحياتي حتى النهاية.

يتوزع الفعل لبطل روايات “سلام” بين كونه ثائراً قد يحمل بندقيته لكنه في لحظة الضرورة لإطلاقها يتخلى عنها، لأنه بطل وجودي، قلق، مضطرب، متشظي بين عبثية الوجود وبين إلتزامه الاجتماعي، والأول أي العبث هو الذي ينتصر دائماً لذا يلجأ دائماً إلى الذاكرة والحلم.

 أن الحب لهذا البطل ضرورة لكنه مضطرب بين الحلم والجنس، الرخاء وتوتر التجربة فيكون ممزوجاً برغبةٍ جنسيةٍ عاصفة تهزّ كيانه ولا تجلب له الراحة المفترضة.

فالمرأة لديه تترواح بين كونها خلاص جزئي وخيال حلمي للبطل الذي ينتظر خَلاصه، وبين كونها كائن لإشباع الغريزة الجنسية، لهذا فأن المؤلف لا يسهب طويلاً في هذا الجانب فحسب بل مهوس به.

إضافة إلى هذا فأن المرأة لم تتحول لديه إلى بعد أسطوري أو بطولي لأن المؤلف إضافة إلى ما ذكرت يتحدث عنها كونها شريكة أحلامه ومأساته، أقصد لم تتحول إلى رمز بطولي كما هو الحال لدى الروائي الجزائري “كاتب ياسين” في روايته “نجمة” التي ترمز إلى الجزائر المحتلة المغتصبة.

يتكشف سر بطل “سلام إبراهيم” بجلاء في فصل ” التسلل إلى الفردوس ليلاً” عن التوق إلى الحرية، الحبيبة، وسر الموت؛ حيث يكون العالم الخارجي والمهمة المقبلة محيطا لموت قد يقبل في أية لحظة وسط الثوار، لهذا فالتسلل إلى الفردوس هو: تسللٌ لأسرار البطل الداخلية وخوفه من العالم الخارجي الذي ينتظره في اليوم التالي وهو يخرج بمهمة قد يفقد حياته فيها، وهو فصل غاية في الأهمية ليس لأنه يتحدث عن حرمان البطل الثوري وهو في جبله الصخري من لقاء حبيبته، وأنما هو حرمان شامل من ضرورة أخرى هي الحرية التي لا تعني إشباع الغريزة وأنما تعني ممارسة البطل لحريته الذاتية.

إذن الحرية هي الهدف الحقيقي لتمرد البطل وثوريته الرومانسية وهما؛ الحرية والحبيبة، هدفان بعيدا المنال.

فينظر من ثقب “الإرسي” إلى عالم يبدو رحباً لكن تخنقه الجدران وتعزله عن السجن الكبير الذي هو الواقع.

والسؤال الجوهري هو: هل سيصل هذا البطل إلى حلمه؟!.

أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال تنحصر في أن يتحول البطل من كونه بطلا محصوراً داخل سرد المؤلف إلى بطل بطل للفعل الذاتي فعل الحرية أي يتحرر من السرد المكرور الذي يعيد الحدث بصفحات عديدة إلى بطل يقوم بإعادة معمار وجوده وحريته من خلال بطل للفعل وليس للسرد، وبأدق بطل للفعل التراجيدي وهذا ما تحقق في بطل “سلام إبراهيم” بجلاء.

ويبقى سؤال أخر جوهري تثيره نصوص سلام:

هل يصلح كل حدث أن يكون سرداً روائياً؟!.

قد أكون قاسياً في القول أن الكثير من الروايات العراقية والعربية لم تتخلص من ألف ليلة وليلة، فالسرد برأيي يمنح القارئ تأويلاً ذا معنىً وتفسيرا واحداً، أما تداعيات الفعل التراجيدي فأنه يمنح القارئ أكثر من تأويل، والكثير من هذه الروايات أو أغلبها تبتعد عن الحديث عن البطل “كبطل للفعل” وأنما تطرحه كبطل سردي ويبقى هكذا كونه بطلاً لا يصنع قدره وإنما يصنعه المؤلف له.

وأخيراً لابد من الإشارة إلى موضع حيوي وملفت أخر إلا وهو: الملاحظ على روايات “سلام إبراهيم” أنها خليط بين الأسلوب الوثائقي والأسلوب الروائي، يعني بين الوثيقة والرواية

فهل يمكن القول بأن “سلام إبراهيم خلق إتجاها في الرواية الوثائقية أو لأستخدام الوثيقة في الرواية العراقية والعربية؟

هذا مبحث جدير بالدراسة في موضع ثان.

شكرا للحضور

 

  

 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : مناحي التميّز وطرائق اشتغال السرد في رواية “اوراق لخريف أحمر” للروائي تحسين علي كريدي .

ترتبط طرائق السرد ارتباطا وثيقاً بنظام ترتيب احداث القصة والتقنيات الزمنية المستجدة والتي تختلف طرائق …

| غانم عمران المعموري : الفعلُ الزمنيُّ ولحظة القبض على السياق في رواية ” البدلة البيضاء للسيّد الرئيس” للروائي  والشاعر والناقد علي لفته سعيد .

اتخذت الرواية العراقية التجديدية اتجاهاً حداثوياً متمرّدًا على القوالب الجاهزة والأُطر الضيقة والأفكار الغربية الدخيلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *