زيد الحلّي: استذكار شهيدة الحب بلقيس وشاعر الورد قباني؛ اللغة أيقونة من عسل الكلمات

حضَرت جميع قصائد  نزار قباني في أمسية المركز الثقافي العربي في أبي رمانه في دمشق لمناسبة ذكرى رحيله ، إلا أحب قصائده وهي ” بلقيس ” القصيدة والحبيبة والزوجة … وعندما نقلتُ ملاحظتي الى المتحدث الرئيس في الأمسية الأديب السوري ” محمد مروان مراد ” عن سبب هذا الغياب لا سيما ان الحديث بمجمله كان عن سيرة الشاعر بكل انعطافاتها  وبلقيس أهم مثابة في تلك الانعطافات  باعتراف الشاعر نفسه ، كان جوابه بأنه يتفق معي حيث ان “بلقيس الراوي” لم تكن زوجة لنزار قباني الرجل ، بل كانت ملهمة لنزار قباني الشاعر وهو الذي قال فيها عند استشهادها في بيروت في العام 1981:  بلقيس..يافرسي الجميلة..إنني من كل تاريخي خجول
هذي بلاد يقتلون بها الخيول..
سأقول في التحقيق:  كيف أميرتي اغتصبت..
وكيف تقاسموا الشعر الذي يجري كأنهار الذهب
سأقول كيف استنزفوا دمها..
وكيف استملكوا فمها..فما تركوا به وردا
ولا تركوا به عنبا..
هل موت بلقيس..هو النصر الوحيد في تاريخ كل العرب؟
*****
كان اتفاقه معي ، صفحة أولى في اعادة استذكار ماتحدث  به في تلك الأمسية التي حضرها جمع طيب من شعراء الشام ومثقفيها ، بعد قناعتي بان الأمر لم يتعد السهو غير المقصود ! وإذ ، لم تخطر ” بلقيس الراوي” على بال من أحيا ذكرى وفاة شاعر العشق الأول في حياتنا المعاصرة ، فأن صورتها باقية في ذهني حتى اليوم ، حيث شاهدتها قبل استشهادها بيوم واحد حين كنت في ضيافة الصديقين ( عبد الرزاق محمد لفته سفير العراق في لبنان وحارث طاقة المستشار الصحفي في السفارة ) أثر انتهاء مشاركتي في دورة ” صحافة الغد ” التي أقامها معهد( طومسن) للصحفيين العرب  في بيروت .. كان ذلك يوم الأربعاء 14 /1 / 1981 كانت ” بلقيس الراوي ” إحدى موظفات السفارة وتجاذبنا أطراف الحديث ، ثقتها بنفسها كبيرة وعندما عرّفني عليها الصديق حارث طاقة  قائلاً  ” زميلتي في السفارة بلقيس الراوي زوجة نزار قباني ” امتعضت ، لكنها قالت يصوت خفيض ( انا هنا بلقيس الراوي الموظفة وليست زوجة نزار) ضحكنا ، وحوّلنا الموضوع  الى دعابة .. كان جو بيروت شديد البرودة ، وأزيز الرصاص وأصوات القذائف تُسمع بوضوح بل هي على محيط السفارة .. أنها أيام حرب بيروت اللعينة ! كانت السفارة كريمة معي من خلال استضافتها لزملائي المشاركين في الدورة. على دعوة غداء أقامتها على شرفي .. لقد ألتف الزملاء حول ” بلقيس الراوي ” ومعهم أسئلتهم عن زوجها الشاعر، النجم … لمستُ زهوها بنزار مثلما لمستُ اعتدادها بنفسها .. تناول الزملاء العرب الطعام العراقي وسط الترحيب المستمر من قبل كادر السفارة … وأشهد ان “بلقيس الراوي ” كانت مثالاً في الترحيب والرقي ، حيث كانت تراقب جميع الضيوف بعين عراقية ، هي والكرم توأمان  .. وانتهى طعام الغداء .. ولم تنته أسئلة الصحفيين لبلقيس وكان أبرز تلك الأسئلة عن ظروف زواجها من نزار .  ولو روى أحد حكاية زواج نزار من بلقيس التي سأذكرها بعد قليل ، فأن الكثيرين لن يصدقوها ،  فليس من المعقول ان يتزوج شاعر الحب والأنوثة والداعي إلى الحرية وصاحب الحرف الجريء في مخاطبة الجنس زواجاً ( تقليديا ) شبيه بزواج الإباء والأجداد، لكن هذا ما حصل بالفعل وهو وليدة الصدفة.. كيف ؟ قال لي أحد جيران بيت عم بلقيس الذي كانت تتردد عليه بلقيس كثيراً وهو من قدامى سكان الاعظمية :   اعتاد نزار في نهاية ستينيات القرن المنصرم  على زيارة بغداد للالتقاء بأدبائها ومثقفيها  وكان من عادته في تلك الزيارات ان يقضي أيامه في بيت ابنة عمه المتزوجة من عراقي في منطقة الأعظمية  ، وكان لابنة عمه صديقة على مشارف الثلاثين من العمر تزورها باستمرار.. أمرآة ناضجة ، جميلة القوام  ذات خصلات من الشعر حصدت عليه حسد زميلاتها ، لبقة في حديثها ، صوت أنثوي ، يحمل صدى محبباً في آذان سامعيه وتشاء الصدف أن تقع عينا نزار قباني الداخل في سنته 46 على صديقة ابنة عمه في احد مساءات بغداد ، ليطلق ” كيوبيد ” الحب سهامه ، ليردي قلب نزار شاغل قلوب النساء قتيلاً .. وتحس ابنة العم بما اعتمل في قلب أبن عمها الخارج للتو من تجربة زواج فاشلة.. لم تستغرق نظرات نزار وبلقيس سوى لحظات  ليعتذر نزار.. فهو على موعد مع صديقه الشاعر” شفيق الكمالي “.. وفي اليوم التالي وأثناء ألإفطار في باحة البيت البغدادي الجميل ، يبدأ نزار في الحديث مستفسراً عن ضيفة الأمس ، وتبدأ ابنة عمه بالحديث ( هي ابنة السيد جميل الراوي ، وهي تتردد على بيت عمها ، المحاذي لنا وأسمها ” بلقيس ” وقد رفضت كل من تقدم لخطبتها ، اعتدادها بنفسها كبير وهي مدللة عائلتها .. و.. ) ويكتفي نزار بما سمعه وأخذ يوائمه بما أحس به بالأمس تجاه هذه الفتاة ، لكنه لم ينبس ببنة شفة وفي المساء قفل راجعاً الى بيروت .. وبعد أربعة أيام ، عاد نزار الى بغداد دون ان يخبر أحداً ، وسط دهشة ابنة عمه وعائلتها .. عاد ومعه حلم ” بلقيس ” وطلب المعونة في طلب يدها وباركت ابنة عمه رغبته وأثنت عليها وبدأ المشوار الصعب المتمثل بإقناع عائلة ” بلقيس ” بزواج ابنتهم من شاعر عُرف بقصائد ( العشق الحرام ) كما ان” بلقيس” سبق ان رفضت جميع من تقدم اليها .. ويتم التوسط ، وينجح الأصدقاء في لم شمل ( دجلة وبردى ) وتتم مراسيم الزواج في عام 1969 ويقضي العروسان شهر العسل في العراق ، طافا خلاله عددا من المحافظات وأقيمت على شرفهما العديد من  الدعوات كان من نتائجها زيادة وزن نزار قباني لأكثر من عشرة كيلوات ، والذي يساوره شك في ما أقوله فليسأل شقيق الشهيدة بلقيس السيد ( ابراهيم ) ! في حديث بلقيس معي على هامش دعوة السفارة قالت ان نزاراً كان خصباً في نتاجه الشعري حيث أصدر خلال الفترة التي أعقبت اقترانه بها  ستة دواوين .. ثم توقف لمدة طويلة قبل ان يبدأ بإصدار دواوين جديدة .. ان نزار قباني ، يرى ان الشعر هو جسر من الكلمات الجميلة الذي نمدّه الى الآخرين وعندما لا يكون هناك جسر لا يكون هناك شعر .. وتذكر بلقيس انها لمست من أحاديث نزار معها ان مصادره الشعرية الأولى ( هي شامية ) بامتياز و “هو لن ينسى يوماً ياسمين دمشق ووردها وريحانها وحمائمها وسيمفونية الماء في باحات بيوتها القديمة وقاعاتها المطعمة بالصدف والفسيفساء “.. وغادرنا مقر السفارة .. ومساء توجهت عائدا الى بغداد  وفي اليوم التالي الخميس  ( 15 / 1 / 1981 ) جاءني الخبر المؤلم : لقد أستشهد الصديقان السقير عبد الرزاق وحارث ومعهما بلقيس الراوي  و51 من موظفي ومراجعي السفارة  أثر تفجير أجرامي للسفارة العراقية في لبنان .. هذه هي صورة ” بلقيس الراوي ” بقيت محفورة في ذهني ولا أظن انني سأنساها مطلقا ً .. نزار الصعب ، السهل !  قال الأديب ” محمد مروان مراد ” من على منصة ( المركز الثقافي العربي ) في الشام ، إن الحديث عن نزار قباني صعب وأنه يشبه الإبحار في عرض محيط شاسع صخّاب . وتأتي المشقة في الحديث عن نزار لأنه الشاعر المحلّق الذي انتظمت قصائده في عناقيد ملونة تركها في متناول الناس من كل جيل .. وتأتي الصعوبة أيضا من محاولة رصد أعمال الشاعر واستعراض المحاور العديدة التي دار شعره حولها والتأمل فيها واختزال مسيرة إبداع تواصلت لأكثر من نصف قرن ..            وأجد ان الحق مع ما قاله الأديب محمد مروان ، فقد حظي نزار بجماهيرية واسعة وأصبح بلبل الشرق المغرد ، المتفرد لخمسة عقود من الزمن ، وأستطاع ان يقيم مدرسة جديدة في الشعر العربي ، رسّخ بنيانها على أسس من الإيمان بالشعر ، بما يمتلكه من قوة طاغية وجاذبية شديدة وعذوبة آسرة  وهو القائل ( إذا لم ينزل الشعر الى الشارع ولم يختلط بدم الناس ولحمهم وأعصابهم وأحزانهم ومدامعهم لا يكون شعراً ) وفعلاً ان نزاراً يكتب الشعر من شفاه الناس ويمرره على مصفاة الشعر ثم يعيده إليهم ..! ونزار مؤمن بأن الشعر يجب ان يبقى ماء جارياً لا ماء معّباً في زجاجات  والشعر عنده ليس ترفاً بل هو ضرورة اجتماعية لتحرير الإنسان من القهر والتخلف ولإستنبات أزهار الأمل الناضرة وضياء التطلع الى ألأجمل في أعماقه  .. هكذا كان إيمان نزار بالشعر ، ولذلك كان عليه كي يقدمه الى الآخرين ان يشق درباً جديدة مختلفة عما عهده الناس على مدار السنين ، فأقدم غير هيّاب  متسلحاً بعناصر فنية غير مألوفة في الشعر قبلاً : لغة خصوصية ، صورة مبتكرة ، أسلوب جريء وموسيقى خلابة . .. ومن خلال عناصره الفنية غير الاعتيادية ، أستطاع نزار قباني ان يحقق خطوته الأولى على تلك الدرب ويقدم للناس مجموعته : قالت لي السمراء 1944 التي تميزت بمفهومه الجمالي الجريء … قدّمت تلك القصائد نزار كشاعر موهوب ، أمتلك الحق في التعبير عن أفتنانه بجسد المرأة وإقباله على الحياة وقدرته على التصوير الدقيق لما في داخله من حيوية ترفض الزهد الزائف والنفاق وأخفاء الطرب بكل ماهو جميل ومثير في الدنيا .. لقد دارت قصائد مجموعاته الأولى ( طفولة نهد ) 1948 و( سامبا ) 1948 و ( انتِ لي ) 1950 في نفس الدائرة وهي الاهتمام بجسد المرأة والتعبيرُ عن الفهم والرغبة التي تبلغ حد العنف والتوحش في الحبّ الجسدي والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة للجمال الأنثوي … لقد بلغت نشوة نزار بالحياة في هذه المجموعات حدّها الاقصى وبلغ سكُره بخمرة الجسد الرشيق الجميل حداً لم يصل اليه شاعر عربي اخر وكل ذلك بألفاظ عذبة وموسيقى ناعمة منتقاة من تغريد الطيور وهسهسة الجداول واهتزاز الأغصان حين يهزها النسيم الرقراق ! لم يترك نزار مرحلة من عمر المرأة إلا توقّف عندها ولم يدع لمسة سحر فيها إلا صورها بعدسة جوارحه السحرية .. وراح يحكي مرة عنها ، ومرة يتركها تصرّح عن مكنونها بنفسها .. وقد بلغ احتفال نزار بالشعر حداً ، حلم معه بـ ( المدينة الشاعرة ) التي تكتب أشجارها الشعر وأطفالها يكتبون الشعر ، نساؤها يكتبن الشعر .. من الشعر التقليدي الى العمودي.. وليس جديداً القول ان نزاراً بدأ بكتابة الشعر التقليدي ثم انتقل إلى الشعر العمودي، وساهم في تطوير الشعر العربي الحديث إلى حد كبير.، وقد  تناولت دواوينه الأربعة الأولى قصائد رومانسية. وكان ديوان “قصائد من نزار قباني” الصادر عام 1956 نقطة تحول في شعر نزار، حيث تضمن هذا الديوان قصيدة “خبز وحشيش وقمر” التي انتقدت بشكل لاذع خمول المجتمع العربي وتميز قباني أيضاً بنقده السياسي القوي ، ومن أشهر قصائده السياسية “هوامش على دفتر النكسة” 1967 التي تناولت نكسة  الخامس من حزيران  .. وأنني مع الأديب المعروف ” عبد العزيز المقالح ” في رؤيته للغة نزار حيث يرى ان  اللغة في مفهوم نزار قباني ليست أداة توصيل جامدة تنقل المعنى عارياً وخالياً من الأضواء والظلال، وإنما هي كائن جميل يتم التعامل معه بانفعال صادق واشراقة روحية تؤدي الي استخراج ما في قراراته من معطيات إيقاعية وموسيقية، وأسلوبه في كتابة القصيدة لايكاد يختلف كثيراً عن أسلوبه في كتابة المقالة او الرسالة والسيرة الذاتية ، ولنا ان نقول دون حذر انه مسكون بالشعر الى درجة يصعب معها تخليه عن شروط هذا الفن ومقوماته في كل ما يكتب على الرغم من وجود فوارق لا تخفى بين شعره و نثره أبرزها الانضباط الشديد في النثر والانطلاق الأشد في الشعر المفتوح على عوالم واسعة من الانفعال والعفوية والخيال .. رسالة للمطربة نجاة الصغيرة ! وتأكيدا لما ذكره الأديب المقالح ، أورد نصاً يخط الشاعر نزار قباني عبارة عن رسالة كتبها للمطربة نجاة الصغيرة من بكين عاصمة الصين حيث كان هناك وقت إذاعة أغنية ( أيظن ) الشهيرة في ستينيات القرن المنصرم وهي مأخوذة من أحدى قصائده ، وقد ظلت زوجته ” بلقيس الراوي ” تحتفظ بنسخة عنها .. قال فيها : ( أيتها الصديقة الغالية .. لا أزال في آخر الدنيا .. أنتظر الشريط الذي يحمل أغنيتنا ” أيظن ” تعيش في الصحف .. في السهرات وعلى شفاه الأدباء .. وفي كل زاوية من الأرض العربية .. وأبقى إنا محروماً من الأحرف التي أكلت أعصابي .. يالك من ام قاسية يا نجاة … أريتِ ” المولود ” الجميل لكل إنسان وتغنيت بجماله في كل مكان .. وتركت أباه يشرب الشاي في بكين ، ويحلم بطفل ازرق العينين ، يعيش مع امه في في القاهرة .. لا تضحكي يا نجاة إذا طلبت ممارسة أبوتي ، فانا لا يمكن ان أقنع بتلقي رسائل التهنئة ” بالمولود ” دون ان أراه .. فأنهضي حالا لدى وصول رسالتي ، وضعي ” المولود ” في طرد بريد صغير .. وابعثي به الى عنواني .. إذا فعلت هذا كنت أما عن حق وحقيقة ، أما إذا تمردت ، فسأطلبك الى بيت الطاعة رغم معرفتي بأنك تكرهينه … ) انتهت رسالة نزار للمطربة نجاة الصغيرة ويلاحظ فيها الأسلوب الذي أشار إليه الأديب المقالح . وتأسيساً على ما جئت به في مستهل المقالة من حديث عن السيدة ” بلقيس الراوي ” زوجة نزار قباني التي كانت ملهمته في الكثير مما كتب من أشعار وجدانية وام ابنته ” زينب ” وابنه ” عمر ”  لا أجد ضيراً من الحديث عن بعض خصوصياته ..  ونبدأ بزواجه الأول ، حيث تزوج بعد سنوات من انتسابه الى السلك الدبلوماسي السوري, بقريبة له هي ” زهراء أقبيق “, أم ابنه توفيق وابنته هدباء. وقد جاء زواجه بها في مرحلة البدء في إقلاعه نحو عالم الكفاح الصعب بسيف الشعر ونحو آفاق الشهرة وكانت زهراء “سيدة بيت”, نمت وترعرعت في بيئة اجتماعية محافظة شامية تقليدية , وكانت اتصالات ورسائل “المعجبات” قد بدأت تنهمر على نزار انهمار المطر, من شتى أرجاء الوطن العربي, وكان نزار وسميا أنيقا رشيقا قويا رقيقا في آن, ولم تكن لدى زهراء قدرة تعينها على تحمل أن يكون زوجها لها ولغيرها, فكانت تسارع الى تمزيق رسائل المعجبات به وبشعره, ولم يكن ثمة مفر من تصادم الماضي بالمستقبل الآتي الأكثر تطورا وجمالا… فانفصلا بالحسنى .  وفي عقد الخمسينيات ارتبط نزار بعلاقة وطيدة , بحفيدة رئيس الوزراء السوري الأسبق “فارس الخوري”, كوليت خوري, ابنة سهيل خوري, النائب الأسبق في المجلس النيابي السوري ، وقد سجلت كوليت تفاصيل علاقة الحب العاصف التي جمعتها بنزار في روايتها الشهيرة “.أيام معه “….. كان نزار هو بطل الرواية !! وقد شهد نزار في حياته الكثير من المواقف المحزنة ، لعل أبرزها  وفاة ابنه ” توفيق ” من زوجته الاولى وهو في السابعة عشرة من العمر مصاباً بمرض القلب وكانت وفاته صدمة كبيرة لنزار وقد رثاه في قصيدة إلى (الأمير الدمشقي توفيق قباني) وفي عام 1981 استشهدت بلقيس الراوي في انفجار السفارة العراقية ببيروت الذي جئنا على ذكره سابقاً وقد ترك رحيلها أثراً نفسياً عميقاً عند نزار ورثاها بقصيدة شهيرة تحمل اسمها بلقيس..  وبعد استشهاد بلقيس ترك نزار بيروت وتنقل في باريس وجنيف حتى استقر به المقام في لندن التي قضى بها الأعوام الخمسة عشر الأخيرة من حياته . ومن لندن كان نزار يكتب أشعاره ..                لقد مات الشاعر الذي كان يكتب ليفجرالاشياء ، فالكتابة عنده انفجار .. كتب كي ينتصر الضوء على العتمة .. كتب كي تقرؤه سنابل القمح وتفهمه الوردة والنجمة والعصفور والقطة والأسماك والأصداف والمحار … مات من حاول إنهاء عصر التخلف ، ليؤسس عصراً جديداً من الورد .. ويكفيه انه لم يكتف بالوقوف الخرس أمام المشهد الكارثي ، بل تدفق شعره ينبه النيام ويستحث العزائم .. اليس هو من قال : لقد راهنتُ على ديمقراطية الشعر فنجحت وراهنت على بساطة اللغة فنجحت وعلى وجدان الجماهير فنجحت وعلى حرية المرأة وحرية الحب .. فنجحت ! وُلد نزار قباني في أذار في عام 1923  وفي  30 نيسان 1998 أذنت شمس نزار بالغروب ، فطوى الطائر جناحيه الى الأبد بعد ان أكد ان المنتصر الكبير كان الشعر والرابح الأول كانت الكلمات الجميلة .. رحم الله نزار.. الإنسان  الشاعر والشاعر الإنسان !

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *