جسدي فني: اورلان عرابة الفنون الجسدية
اعداد وترجمة : د.هناء خليف غني

جسدي فني: اورلان عرابة الفنون الجسدية
اعداد وترجمة : د.هناء خليف غني

لا ينتهي الحديث عن الجسد حتى يبدأ من جديد، إنه بطريقة او بأخرى الشغل الشاغل للإنسان منذ بدأ الخليقة، لأن البشر يعيشون في حقيقة اجسادهم، فهم يأكلون وينامون ويتكلمون ويلعبون ويعملون من خلال الجسد، ومن خلاله يعبرون عن مشاعرهم وانفعالاتهم وشجونهم في المناسبات الخاصة والعامة، والجسد، الى جانب ذلك، هو وسيلة الاتصال الاكثر فاعلية، اذ يعد الاتصال اللالفظي أو ما يعرف بلغة الجسد أحد افضل الوسائل التي تمكن الانسان من ارسال الرسائل دون التفوه بكلمة، وقد اثبتت احدث الدراسات في مجال الاتصالات اللفظية واللالفظية ان الكلمات تؤلف 7% فقط من الرسائل المنقولة في حين تتوزع نسبة الـ 93% المتبقية على ما يراه الناس ونسبته 55%، وعلى نغمة الصوت ونسبته 38%. وعليه، فليس بمستغرب الاهتمام المتنامي بالجسد وتنوع التمثيلات المتناقضة لمصيره في المجتمعات المعاصرة في وقت تفتح فيه الصور التي تنتجها وسائل الاتصال الجماهيرية والتقنيات الطبية والتكنلوجية المتطورة الافاق واسعة امام إمكان اعادة تشكيل الجسد وتقديمه بطرائق لم يسبق لها مثيل. وهنا تبرز أهمية اعمال فنانة الاداء والفمنستية الفرنسية، اورلان، وفرادتها لجهة تشكيلها تحدياً مثيراً للجدل للفِكر الشائعة بشأن موقع الجسد ومدلولاته في راهنية المشهد المعاصر.
ولدت اورلان في الثلاثين من ايار 1947 في مدينة سانت اتيان في فرنسا. ثم انتقلت في 1980 للسكن في باريس، وتعمل حالياً مدرسة للفنون المعاصرة في كلية الفنون الجميلة في ديون. بدأت اورلان مشوارها الفني في مطلع سبعينيات القرن العشرين، وتميز هذا المشوار بتأثرها بفكرة توظيف ’المواد المُصنعة‘ للفنان السوريالي مارسيل دوشامب واتخاذها جسدها المادة الخام الاساس في اعمالها الفنية، وشكلَ العام 1977 نقطة تحول مهمة في حياتها، إذ شهد هذا العام عرضها لـ ’قبلة الفنان‘ وهو من بواكير اعمالها الفنية والادائية. تعود فكرة هذا العمل الى نصين كتبتهما اورلان بالاشتراك مع الفنان والناقد هربرت بياسير هما “مواجهة مجتمع الامهات والتجار” و”الفن والدعارة.” وللتوكيد على استقلالية توجهاتها الفنية، قررت اورلان عرض ’قبلة الفنان‘ خارج متحف الفنون الفرنسية وفيه تخفت اورلان خلف تمثال لها بالحجم الطبيعي اتخذ شكل ماكنة تعمل بوضع القطع المعدنية في فتحة صغيرة تقع في منطقة الصدر بين النهدين. اطلقت اورلان على التمثال اسم ماكنة بيع القبل الاوتوماتيكية والزبائن الذين يدخلون قطعة نقدية فئة خمسة فرنكات في الفتحة يشاهدونها وهي تتدحرج نزولاً الى منطقة اسفل الحوض. في هذه اللحظة تظهر اورلان من مخبأها لمكافئة الزبائن بقُبل حقيقية.
((الفن عمل قذر ولكن على أحد القيام به)) هو الشعار الذي ترفعه اورلان، وقد اكتسب هذا الشعار معانً مذهلة وابعاداً متجددة في الجراحات التجميلية التي اجرتها على جسدها ابتغاء اختلاق الاعمال الفنية. في عروضها الفنية الادائية المتنوعة، أو ما يحلو لها تسميته ((الفن الجسدي)، واظبت اورلان على التلاعب بمفردات جسدها ووجهها في محاولة جادة لمساءلة ونقد مفهوم الجمال المتأصل في السلطة الذكورية بتمظهراته الانثوية المتنوعة في المجتمعات الغربية المعاصرة ليتحول جسدها الى ((موقع لسجال عام تُثار فيه التساؤلات ذات الصلة المباشرة بحياة الافراد رجالاً ونساءً)). والفن الجسدي كما تُعرفه اورلان معني بمساءلة طبيعة ((الصورة الذاتية للإنسان بالمعنى التقليدي للكلمة؛ الصورة التي تتحقق عبر التوظيف الفائق للتكنلوجيا المتطورة)). وبينما يرى البعض في اعمال اورلان احتفاءً بالثقافة الطبية السائدة والتقنيات المتطورة حيث يمكن تعديل مفردات الجسد وتشكيلها من جديد بوسائل عدة أهمها الجراحة التجميلية، يرى أخرون فيها استغلالاً غير مبرر لهذه التقنيات لاجل التكسب المادي. واورلان تقف بالضد من فكرة ’قدسية الجسد‘ وترى في قبول المرء لذاته الطبيعية مفهوم بدائي بالنظر للتطورات التكنلوجية المذهلة التي تتيح للبشر تحقيق بعض من مقاييس الجمال السائدة.
قد نرى في اعمال اورلان الفنية ذلك النوع من التطرف والمغالاة المتوقع بفعل الدمج المتواصل بين الجسد والتكنلوجيا في المجتمعات المعاصرة. توظيف التكنلوجيا في تقديم الاشكال الجسدية ممارسة قديمة، فقد ذكر نيكولاس زوربرغ، في اشارة منه الى فنان الاداء الاسترالي ستلارك، وكذلك اورلان، ميل الفنانين المعاصرين الى توظيف التكنلوجيا ((لتعزيز تأثير الفن التكويني وفن الاداء الذي يستكشف الهوية الفردية ويجسدها))، هذا من جهة. ومن جهة اخرى، ليس ثمة جديد في توظيف الجسد في الاعمال الفنية، فللجسد حضور قوي في أكثرية الاعمال الفنية. إلا أن ما يميز اورلان انها بخلاف الفنانين والنحاتين الاخرين الذين صاغوا الجسد موضوعاً لأعمالهم، حولت اورلان جسدها ذاته الى واسطة للتعبير الفني.
يأتي تفكيك اورلان لمفهوم الجمال متزامناً مع تسابق النساء لأجراء الجراحات التجميلية ابتغاء الاقتراب من مقاييس الجمال القياسي كما تقدمه وتروج له وسائل الاعلام والثقافة الشعبية. الغريب حقاً في هذا السياق النظر الى العمليات التجميلية التي تقوم بها اورلان بوصفها فناً، وهذا ما اتفقت عليه العديد من الاصوات المهمة في عالم الفن. وعليه، تطرح أعمال اورلان وعروضها الادائية تساؤلات جادة بشأن معنى الفن والمعايير التي تقضي بالحكم على فنية الأعمال والاهم من ذلك مناقشة طبيعة الهوية والوجود الانسانيين وآليات تشكيلهما. إن ((تعرية النفاق المتأصل في الاسلوب الذي اعتاد المجتمع، على وفقه، تقسيم صورة الانثى الى أما ’مادونا‘ أو ’عاهرة‘ هو الغاية الرئيسة لفن اورلان الجسدي))، حسبما تبين الناقدة الفنية باربره روز.
ترى روز ان اورلان، بغض النظر عن القيمة الصادمة لفنها، فنانة حقيقية وجادة تماماً في عروضها الادائية المُعدة بعناية في ((مسرح غرفة العمليات)). ولكنها بتحويلها غرفة العمليات الى خشبة مسرح تنتهك ابسط قواعد التقاليد الطبية. وعليه، ما الذي يمنعنا من فهم افعال اورلان وتصنيفها بوصفها أما سلوكاً مرضياً باثولوجياً وأما، ببساطة، تجسيداً لـ ’اللافن‘؟ تقول روز انه ثمة معياران رئيسان يميزان الفن عن اللافن وكلاهما حاضر في الفن الجسدي لاورلان هما القصدية والتحويل. على وفق ما تقدم، تؤلف اعمال اورلان المتحدية والاستفزازية افعالاً جمالية موحية تجبرنا على اعادة النظر في الحدود التي تميز “الحالة السوية” عن الجنون والفن عن اللافن. في حالة اورلان، غرفة العمليات هي الاستوديو الخاص بها وجسدها لا يمثل الخامة الفنية فحسب، وإنما المادة التي تستعملها لإنتاج اعمالها الفنية. الجسد هو تجسيد رمزي لعملها ذاته واستعارة مجازية مؤثرة تفصح عن الرغبة بمقاومة الصورة المنمطة للسلطة الجمالية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فاورلان عازمة على تحدي الفكرة القائلة ان الجسد غير قابل للتبدل وضرورة تطابق التغييرات مع التصورات القياسية للجمال. وزيادة على ذلك، تزعم اورلان تمثيلها ((فعلاً عبرجنسي من امرأة لاخرى)). الا ان تحولاتها الجسدية الجراحية ابعد ما تكون عن عمليات تغيير الجنس بالنظر لطبيعتها المؤقتة. ومع ذلك، تعد جهودها في هذا المجال اضافة مهمة لنظريات الهوية الفمنستية ما بعد الحداثية لدورها في مساءلة طبيعة الهوية المعاصرة والاحتفاء بها بوصفها كياناً متشظياً ومتعدداً ومتذبذباً. حقيقةً، ترى اورلان في الجراحة التجميلية التي تجري خارج سياق الثقافة الشعبية وسيلة مناسبة للأستمرار في ضبط مفردات جسدها، ويمكن، في ضوء ذلك، عدَ مشروعها الفني والجمالي مثالاً لليوتيبيا الفمنستية حيث تشيد دعائم العالم الطوباوي على مساحات جسدها وامتدادته.
اتخذت اورلان قرار تحويل العمليات الجراحية التي تجريها الى أعمال فنية بعد عملية اجهاض حمل خارج الرحم اجرتها تحت المخدر الموضعي حيث أدت دور المريض والمُشاهد في آن. جدير باللحظ تولي اورلان ذاتها اخراج عملياتها الجراحية/وفعالياتها الادائية واصرارها على توظيف الموسيقى والشعر والرقص فيها. مثال ذلك، افتتاحها عملياتها الجراحية/عروضها الادائية المتعاقبة بلوحات راقصة لفرق فنية محترفة اضافة الى توظيفها عدد من الدعامات المسرحية الساندة مثل الجماجم البلاستيكية وباقات الورود البيضاء والتماثيل الورقية بالحجم الطبيعي وصور مكبرة لوجهها مدمجة حاسوبياً بوجه تمثال فينوس للنحات بوتشيلي. الاثواب المُلطخة بالدم التي ترتديها اورلان في اثناء عملياتها الجراحية واشرطة الفيديو الخاصة بالعمليات تعرض للبيع في الاسواق الفنية تماماً كعينات اللحم والدم والسوائل المعبأة في قناني زجاجية والمستأصلة من جسمها خلال ’عمليات النحت الجسدي‘ الجراحية لتمويل- وهذا ما اعتادت اورلان التأكيد عليه- عملياتها الجراحية التالية. وبداهة ليس ثمة اتفاق بشأن وصف طبيعة العروض التي تقدمها اورلان والغاية منها، إذ يرىالناقد الفني جيرمي دراموند أن كل ما تفعله اورلان هو لاجل المال والشهرة لانها نتاج لوسائل الاتصال الجماهيرية العامة والثقافتين الاستهلاكية والشاشاتية التي تحيل الاشياء والبشر الى بضائع تجارية خاضفة لمعايير السوق واحكامه. في (مسرح غرفة العمليات) يُسمح لأفراد من الجمهور بأداء ادوار متنوعة بوصفهم مشاركين تفاعليين. إن الدور الذي يؤديه المشاهدين صعبٌ نسبياً، فالحيرة والارتباك يظهران بجلاء على تعابير وجوههم وهم يشاهدون الجراحين يغرزون الابر والمشارط في جسد اورلان، فيشقون شفتاها ويقطعون جزءاً من اذنها في حين تلتزم هي الصمت التام أو ربما تنهمك في قراءة النصوص ذات الصلة بما تفعله واحياناً الرد على اسئلة المشاهدين الواردة لها عبر الهاتف والايميل.
لطالما كانت الروح وما تزال موقعاً للايديولوجيات الدينية والعلمانية، واليوم، يذكرنا الفيلسوف الفرنسي جان بوديارد، ان الجسد، تحديداً جسد الانثى في عروض الازياء والاعلانات والثقافة الجماهيرية، يغدو موضعاً للخلاص وغاية له عبر الهوس المرضي بالحمية الغذائية والريجيم والعلاجات التقويمية والرشاقة والجراحات التجميلية. وثمة خطاب مهيمن في المجتمعات المعاصرة يظهر الجسد فيه مستقلاً عن الروح. في هذا السياق، يرى بوديارد ان البنى المعاصرة للإنتاج/الاستهلاك تشجع الانسان على الانهماك في ((ممارسة مزدوجة شديدة الصلة وفي الان عينه متداخلة على نحو وثيق بالانقسام في تمثيل جسده/ جسدها كرأس مال ومادة فتشية استهلاكية)). لذا، وعوضاً عن رفضه وتجاهله، يغدو الجسد محوراً وموقعاً للاستثمار الاقتصادي والنفسي المتعمد. وتبعاً لذلك، يغدو الجمال مفهوماً مطلقاً لازماً، انه الحقيقة الدينية الملحة للرأسمالية. وبقولٍ مختلفٍ: ((لم يعد الجمال في العصر الراهن محصلة للطبيعة ومعزز للخصائص الاخلاقية. إنه الخاصية الاساسية لأولئك الذين يولون وجوههم واجسادهم القدر نفسه من العناية التي يولونها لأرواحهم. إنه علامة، في مستوى الجسد، علامة دالة على انتماء الفرد للجماعة المختارة، مثلما النجاح علامة للتميز في سوق الاعمال. لذا، يُمنح الجمال والنجاح الاساس الصوفي ذاته في المجلات المتخصصة: بالنسبة للنساء انه الحساسية التي تستكشف وتستثير ’من الداخل‘ اجزاء الجسد كافة، أما للمقاول أو لرجل الاعمال، فيمثل الحدس المناسب لإمكانيات السوق واحتمالاته. إنه علامة الاختيار والخلاص. والعقيدة البروتستانية وثيقة الصلة بهذا المشهد. وقولنا إن الجمال يمثل حقيقة مطلقة لأنه أحد اشكال رأس المال فحسب هو قول واقعي للغاية.
تعرض وسائل الاعلام الجماهيرية في النظام المعاصر صورة مثالية وقياسية للجمال في الاعلانات والبرامج المختلفة، فصور المانيكان أو عارضات الازياء تراود الصورة الذاتية للنساء وتعمل على تعديلها. ولعبة العرض هذه متاحة للجميع، وتشارك فيها النساء بطريقة او بأخرى وهي الاساس الذي تستند اليه الصناعات الصحية والريجيمة والتجميلية التي تقدر استثماراتها ببلايين الدولارات. يرى البعض أن الدور الذي تؤديه عارضة الازياء يتلخص في خلق نسخة انثوية جديدة للكمال يتمناها الجميع وتشبع الرغبات كلها. لبوديارد قول مختلف في هذا الموضوع، فهو يرى ((ان جسد عارضة الازياء لم يعد مادة للرغبة حسب، وإنما أصبح مادة وظيفية، إنه موقع للعلامات حيث تمتزج الازياء بالرغبات الايروسية. لم يعد الجسد، في نظام التسليع المعاصر، تشكيلاً للحركات، حتى لو جند المصور الفوتغرافي حيله الفنية كلها لإعادة خلق الحركة والايماءة الطبيعية عبر عملية محاكاة. وبقول مقتضب، لم يعد هذا الجسد جسداً، بل مجرد شكل وظيفته عرض منتج معين)).
ترى اورلان في جراحاتها التجميلية وافعالها الادائية خصوصاً فنها الجسدي ستراتيجيات اتصال مبتكرة. وإذا قُدِر للغة الجسد أن تسود الان، فإنها لن تتردد في توظيف جسدها واستعماله وسيلة للتواصل والاتصال. وعلى الرغم من اجراء اورلان العمليات الجراحية ذاتها التي يقوم بها المختصون في الجراحات التجميلية للنساء الساعيات وراء الجمال المثالي، إلا أنَ طبيعة النتائج التي تبتغي الحصول عليها مختلفة تماماً. وليس بقدرة اورلان التواصل مع النساء جميعاً، فقنوات السلطة المحتكرة لوسائل الاعلام لا تتيح لها سوى الاتصال بعددٍ قليلٍ فحسب. ونظراً لخصوصية الأساليب والاشكال الفنية التي تختارها، يتساءل المرء هل تود اورلان حقاً توسيع دائرة اتصالها بالنساء- هل تبحث عن الخلاص الفردي ام الاجتماعي؟ إذ يبدو انها قد حققت خلاصاً فردياً مؤثراً في العديد من نواحي حياتها، وربما هذا هو النوع الوحيد المتاح تحقيقه لها. حقيقةً، ما زال الشك يدور حول مدى رغبة اورلان في عرض فنها للجمهور ليقوم بمحاكاته وتقليده.
الكل يغوي ويتعرض للإغواء، واورلان ليست استثناءً، فهي تغوي الميديا ومشاهدي الفن المعاصر وبعض من مؤرخي الفنون والناشطات الفمنستيات وامناء المعارض الفنية وعلماء الاجتماع والنقاد الفنيين، ويحسب بعضهم أنها احدى اشد النساء اغواءً في نهاية القرن العشرين. وبرغم ذلك، من غير المحتمل تعليق صورها ولوحاتها الجسدية في مسرح غرفة العمليات الى جانب صور مارلين مونرو. وعلى شاكلة أورلان، دأبت أكثرية النساء في توظيف مظهرهم الخارجي في ستراتيجيات الاغواء الذي شكل وما يزال مصدراً لقوتهن في العلاقات الاجتماعية ووسيلة ((للسيطرة على العالم الرمزي)). إنه الاغواء تحديداً، حسبما يصرح بوديارد، الذي يمنع النساء من الخضوع كليةً. مقابل ذلك، ثمة اعتقاد راسخ ان القوة الذكورية تنبع من القدرة على الانتاج: ((كل ما ينتج، وضمنه إنتاج المرأة بوصفها انثى، يقع ضمن دائرة السلطة الذكورية. القوة الانثوية الوحيدة التي لا تقاوم هي السلطة المقلوبة للإغواء. الاغواء، في حد ذاته، لا يمثل شيئاً، فهو يتمتع بسلطة خاصة به، إنه قادر على ابطال سلطة الانتاج فحسب. وهذا ما يقوم به عادةً)).
وثمة تصور شائع عن الاغواء في المجتمع المعاصر يفيد انه إذا ارادت المرأة اغواء رجل، فعليها، اولاً، تغيير مظهرها الخارجي. اورلان تتجاوز المظاهر الجسدانية الخارجية لتبين أن اجزاء الجسد كلها قادرة على ان تكون خارجية وقابلة للتحويل، فهي تغوينا برئتها وكبدها وامعائها الغليظة فضلاً عن مظهرها الخارجي وفق المعاني الاقدم للكلمة. وتسعى اورلان، بالطريقة ذاتها، الى تفكيك المضامين والابعاد السياسية الكامنة في المعاني الراسخة للخطابات المبنية على الجسد، اذ تستبدلها بأولوية الرؤية وسيادتها.
يرى البعض في النتاجات الفنية لاورلان محاكاة ساخرة لاعمال الفنان اليوناني القديم زيوكس الذي حاول- كما هو الحال مع الصور الرقمية المعالجة حاسوبياً لعارضات الازياء والفنانات التي تنشرها المجلات اليوم- تقديم صورة مثالية للمرأة عبر اختياره ثم دمجه لأفضل الاجزاء في اجسام نساء مختلفات . وتفعل اورلان الشيء ذاته، فهي تختار اجزاء مختلفة من ظهورات الجمال المثالي في عصر النهضة وما بعده لتوظيفها في تقديم صورة جسدية جديدة لها. فباستعمال الصور المنتجة حاسوبياً، ومهارة اطباء الجراحة التجميلية تجمع اورلان بين انف التمثال الشهير لديانا من مدرسة فاونتنبلو، وفم اوربا للنحات بوشر، وذقن فينوس للنحات بوتشلي، وعيون سابك للفنان جيروم وجبين الموناليزا لدافنشي. اما جدران غرفة العمليات فمزينة بصور مكبرة للتفاصيل المتعلقة بهذه الأعمال الفنية. في محاولتها تفكيك تاريخ الفن الغربي لم يكن اختيار اورلان لهذه النماذج الاصلية الانثوية اعتباطياً. بل جاء اختيارها مشفوعاً بأسباب تاريخية وميثولوجية، إذ ((اختارت دايانا لعدوانيتها وروحها المغامرة ورفضها الخضوع للرجال، وسابك لحاجتها الى الحب والجمال الروحي، واوربا لأنها تنظر الى قارة اخرى، وتسمح بحملها الى افاق مستقبل مجهول. اما فينوس فهي جزء من اسطورة اورلان بسبب صلتها الوثيقة بشعائر الخصوبة والخلق والموناليزا بسبب ايحاءاتها الذكورية))- ثمة اسطورة تطارد الموناليزا قوامها ان اللوحة تمثل، في واقع الامر، رجلاً، ربما ليوناردو نفسه.
في كتابها، (اورلان: انثى الالفية الثالثة)، بينت كيت انس ان اورلان في احالاتها على ايقونات الجمال الانثوي هذه، كما صورها الفنانون الذكور عبر التاريخ، إنما توظف تقنيتي الدمج بين الاساليب والمحاكاة الساخرة المميزتين للحركة ما بعد الحداثوية، انها تجذب الانتباه الى فكرة تأليف الجمال الانثوي منتجاً يصنعه الرجال اشباعاً لرغباتهم. جدير بالملاحظة هيمنة الرجال لا على تاريخ الفن فحسب، بل على قطاع الجراحة التجميلية وصناعة المواد التجميلية كذلك.
اضافة لذلك، يمكن تحليل فن اورلان في ضوء مناحي التشابه التي تجمعه بفناني الاداء الاخرين مثل بوب فلانغان وييف كلين وكرس بيردن ومارينا ابراموفك. ومع ذلك، ثمة جانبان مهمان يفصلانها عن الاخرين، يتعلق الاول منهما في الشعور بالالم، فاورلان، بخلاف هولاء الفنانين، لا تعاني الالم نتيجة أستعمال المخدر في حين يشعر هولاء الفنانون بالالم باسلوب ماسوخي غالباً، ويمكن القول انهم يريدون ذلك. اما ناحية الاختلاف الاخرى فتتصل بتمثيل فن اورلان لفن مُتخيل بعمق ومعد بعناية فائقة. لقد كرست اورلان حياتها لخلق منجزها الفني. انه من صنف الاعمال التي لا تبدو عفوية ولا عدوانية. على الضد من ذلك، هو عمل فني تم اعداده بوعي تام وفق خطة تفصيلية. وعندما تنتهي منه، لا تبتعد عنه بل ترتديه وتعيشه.
وحتى بدون الالم، فالفن مسألة حياة او موت بالنسبة لاورلان رغم التزامها الهدوء في اثناء العمليات. وثمة، بداهةً، عنصر مجازفة حاضر دواماً لما تنطوي عليه العمليات الجراحية من مخاطر الاصابة بالعدوى والتلوث والموت والاثار الجانبية والتعقيدات المحتملة. لقد قدمت اورلان جسدها قرباناً للفن والجسد مورداً حتماً سينفد ان عاجلاً او اجلاً، وربما يمثل ذلك نوعاً حميمياً من الهبات ما بعد الحداثية. فما يُنفق ويهدى هو الجسد وما يكتسب هو المتعة الفنية. وبينما تعرض اورلان فنونها الجسدية، فأنها تتأمل المستوى الجديد/الثوري الذي وصل اليه فنها وهذا يعني انها لا تكتفي بالتنظير لفنها الجسدي، وانما تعرض تطبيقات عملية له.
في ’بيان الفن الجسدي‘ ذكرت اورلان ان الفن الجسدي هو صورة ذاتية بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، صورة تُعد بوسائط تكنلوجية. انه نقش في اللحم البشري الواقع بين التشكيل الصوري وتفكيكه الذي اضحى ممكناً بفعل التطور العلمي والتكنلوجي. وفقاً لذلك، ترى اورلان ضرورة تحويل الجسد الى”مادة-جاهزة مُعدلة.” وهنا فأن الالم ليس وسيلة للخلاص او التطهير كما في الفنون الجسدية الاخرى، فليس ثمة رغبة في الحصول على نتيجة تجميلية نهائية، بل ان الفن الجسدي يسعى الى تعديل الجسد والاشتراك في مناظرات مفتوحة بغية تحدي الارث الجمالي ومساءلته. ان اورلان تحول جسدها الى لغة وتدعي انها تقلب المبدأ المسيحي القائل ((الكلمة تصنع الجسد))، فكما نلاحظ في اعمالها، الجسد يصنع الكلمة. صوتها فحسب يبقى بلا تغيير. وهي ترى في عبارة “ستلدين بالم” ذائعة الصيت ترهات مغلوطة تأريخياً. ففي عروضها الادائية المُعدة وفق تعاليم الفن الجسدي، يسهم التخدير الموضعي والمسكنات المتنوعة في دحر الالم. من هنا اتت مقولتها “عاش المورفين”. فعندما تشاهد اورلان جسدها والمشارط الجراحية تشقه، وصولاُ الى الاحشاء الداخلية، فأنها تصل الى مرحلة جديدة من “طور المرآة.” ان الغرض من الفن الجسدي هو مساءلة موقع الجسد والتساؤلات والاشكاليات الاخلاقية الملازمة لاستعماله والتلاعب به. فهذا النقد يهتم بتمظهرات الجسد الذكوري، على الرغم من اهتمام اورلان حصرياً بجسدها الانثوي: ((الفن الجسدي يحب الباروك والمحاكاة الساخرة والدمج بين الاساليب، وهو يقاوم الضغوط الاجتماعية التي تمارس على الجسد البشري وكذلك الاعمال الفنية. انه فن لا شكلاني ولاتوافقي)).
ثمة جانب اخر في بيان اورلان يسترعي الانتباه يتصل بامكانية اعتبار الفن الجسدي خطاباً سياسياً لا سلطويا، فهو يرفض بشدة الهيمنة والسلطة وشفراتها ويشارك بفاعلية في نوع من المعارضة البايولوجية. على وفق ما تقدم، تُعدل اورلان جسدها وتحوله طواعيةً من دون محاكاة لأخر الصيحات في العلاجات التجميلية. وهذه ربما احد المستويات الرفيعة من الحرية البشرية التي بأمكان المرء التمتع بها في مجال التحكم بجسده وهو هدف مفارقي بالنسبة لنضال الحركة الفمنستية في القرن العشرين من حيث مطالبتها تمكين النساء من التحكم بأجسادهن. الفن الجسدي لن يكون ابداً مشروعاً للتحرير الاجتماعي، وانما مرشداً للحرية الشخصية والضبط الذاتي وتحرير الفنان حسب. الا انه يرتبط في اكثر من مفصل بالسياسات الاجتماعية عبر انشاء مقاربة نقدية للنظرية والحركة الفمنستية. فبينما شهد العالم هيمنة الشمولية على الفعل والتفكير السياسي، امتاز خطاب الفن الجسدي بالعديد من الخصائص اللاشمولية التي تجمعه بأفكار المنظرين المعاصرين امثال ليوتار وديلوز وفوكو وبوديلارد.
الوجه الذي يتغير بأستمرار هو الموقع الاول لتعديلات اورلان الجسدية. يُفهم الوجه عادةً تجسيداً وعاملاً محدداً للهوية وهو قابل للتغير وتتبدى عليه اثار الزمن. الوجه يتغير بسرعة- حقيقة ادركتها اورلان وتعاملت معها ببراعة. ان فنها هو نص يرتبط بعلاقات تناصية مع نصوص اخرى في التأريخ والفن والثقافة الشعبية. لقد قررت تغيير مظهرها وصورتها وفقاً لأسلوب شخصي للغاية-وهذه هي العناصر الرئيسة لخطابها الجمالي. إضافة الى ذلك، تقوم اورلان بتقليد اللوحات الفنية في العصور التاريخية المختلفة واستنساخها في اثناء انتاج اعمالها، ثم تعيد انتاج او استنساخ ذاتها عبر الصور الفوتغرافية وافلام الفيديو. ’الصورة‘ في سياق عمل اورلان تؤلف مفهوماً توضيحياً مهماً- انه نوع خاص من المفاهيم يتطلبه عملها. ختاماً، الفن الجسدي لاورلان هو فن ثوري لا بسبب ما تفعله بجسدها، بل لدوره في تعريفنا بمفاهيم جديدة تعيننا على فهم الفن المعاصر وعلى فهم التغيرات المتسارعة في حياتنا.

شاهد أيضاً

فيسوافا شيمبورسكا..نضال وابداع
ترجمة :مريم لطفي

هي ماريا آنا فيسوافا،ولدت في كرونك في ضواحي مدينة بوزنان البولندية في 2 فبراير 1923،وهي …

الدور الفني لللغة المحكية في أعمال جيمس كيلمان
سكوت هايمس*
ترجمة: صالح الرزوق

ذكر الناقد الشكلاني الروسي فيكتور شكلوفسكي أن “القيمة الفنية لشيء ما، وعلاقتها بالشعر <بالتعارض مع …

سعيد بو خليط : استفسارات أولية حول كتاب : مفاهيم، رؤى، مسارات وسير.. نصوص رائدة

استفسارات أولية حول كتاب : مفاهيم، رؤى، مسارات وسير.. نصوص رائدة تقديم : سعيد بوخليط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *