قاسم عبد الامير عجام : من أيام خلت الى أيام اغسقت:
حياة شرارة – ضفيرة الوعي السياسي والفعل الثقافي (ملف/6)

إشارة:
في آب من عام 1997، رحلت المبدعة “حياة شرارة” مع ابنتها في نهاية مأساوية. نقلت حياة إلى العربية أروع الآثار الروسية الكلاسيكية لبوشكين وتورجنيف وتشيخوف. وظهرت بعد رحيلها المؤلم روايتها “إذا الأيام أغسقت” 2002. ولعل أهم فضائلها الفكرية والسلوكية هو موقفها الجبّار الذي كلّفها حياتها في رفض مهادنة قوى الظلام والعبودية التي روّضت الوسط الجامعي واساتذة الجامعة ليتحوّلوا إلى أدوات للنظام بدلا من أن يكونوا بؤرا للرفض والتغيير. تفتتح أسرة موقع الناقد العراقي هذا الملف عن الراحلة وتتمنى على الأحبة الكتّاب إغناءه بالمقالات والصور والوثائق.

من أيام خلت الى أيام اغسقت: حياة شرارة – ضفيرة الوعي السياسي والفعل الثقافي
الشهيد قاسم عبد الامير عجام

على غلاف رواية (اذا الايام أغسقت)(1) لوحة لفائق حسن عنوانها (الرعب). واذا تركنا حقيقة ان لوحة الغلاف موجه قرائي خارجي للنص الأدبي، والعنوان موجه آخر. فان النظر في اللوحة (أو صورتها بتعبير ادق) سيضعنا امام التشوه او التشويه الذي يحدثه الرعب على من يقع تحت تأثيره بصرف النظر عن مصدر الرعب او عوامله. فاذا مضينا مع مفردات ذلك التشويه الذي يطال الرأس (العقل) والجسد يمكن ان نقرأ في هذه الرواية مفردات مرعبة تعدت الشخصية التي عاشتها او عانت من اثارها الى إحداث تشويه اجتماعي وجد تجسيده في اسقاط تقاليد لها رفعتها وخصوصيتها او مسخها بطريقة تزيد جرعة الرعب في الممارسات التي مسختها.. انها التقاليد الجامعية ومكانة الاستاذ الجامعي!..
اجل، وقد لا يتلقى قارئ هذه الرواية كامل رسالة لوحة الغلاف قبل ان ينتهي من قراءتها اذ تستمر وقائعها- وهي رواية وقائع- تقرع وتنقر في القلب حتى تقيم رعبها او تنشر الذهول بالرغم من انها مفردات واقع عاشه العراقيون بدرجات مختلفة، وهو ما يعيدنا الى قدرة الفن على اعادة بناء الواقع بلغة لها خصوصيتها وقدرتها الاشعاعية كما فعلته هذه الرواية من خلال جوها الغسقي المقبض لتصنع مفارقتها إذ تبث اشعاع حقيقة تنتمي الى عيش معتم .. معتم المفردات معتم الافق! اشعاع الجمر الذي يأكل في الكف التي تقبض عليه والروح التي تتلظى به .
هذا ما تبثه معاناة استاذ جامعي وجد في رسالته العلمية كل حياته ومبررها، فجاءت مروية على لسانه ولكن بصنعة امرأة وجدت في الجامعة والكتابة والثقافة حياتها ومبررها .. فرواية (إذا الايام اغسقت) ابداع استاذة جامعية هي الدكتورة حياة شراره.
وهذه الورقة تحاول دراسة تلك الصنعة/ الرواية على مستوى وعي امراة عاشت التجربة المرعبة واكتوت بجمرها، ولذا تجد الدراسة نفسها امام تحديين اثنين.
الاول- قراءة الرواية كنص ابداعي قراءة نقدية بصرف النظر عن مؤلفها.
الثاني- قراءتها بهدف استخلاص الوعي السياسي/ الثقافي.. قل الوعي الاجتماعي، لمبدعتها كنموذج لأمراة عراقية مثقفة تجد الورقة ان الدكتورة حياة شرارة مثقلة بالقول والعمل مما يصلح ا ويتطلب الوقوف عنه بالدرس والتحليل في حلقة دراسية كهذه التي اعدت لها هذه الورقة.
وإذ تنطلق هذه الدراسة من روايتها هذه فأنها تحاول ان ترجع الى ما تجده ضرورياً لاضاءة ذلك النموذج من اعمال حياة شرارة الأخرى- وهي دراسة أكاديمية وأستاذة ومترجمة وكاتبة مقالة وفصول من سيرة – والى ما عرضته شقيقتها بلقيس شرارة في مقدمتها لهذه الرواية (ص ص9- 77) من سيرة حياة ومعاناتها ومؤلفاتها. بل لعلنا نجد في هذه المقدمة تعزيزاً لم نحاول عرضه من منجز المرأة المثقفة على صعيد وعي الواقع السياسي والانفعال به وتفاعل الثقافي والسياسي في انضاج موقف حياتي إذ لم تفصل هذه المقدمة بين منجز حياة شرارة أو تشكل وعيها بتعبير أدق وبين الاحداث السياسية والاجتماعية التي انضجتها، او وهكذا سيكون طبيعياً ان تزاوج الدراسة بين النظر النقدي لنص وبين تحليل رؤية مبدعته لعلها تفوز بجلاء النموذج الذي مثلته هذه المرأة المثقفة .. حياة شرارة.
قلنا ان رواية (اذا الأيام اغسقت) وقد صدرت بعد رحيل مؤلفتها، رواية وقائع ولكنها وان بدت مهمومة بتسجيلها سردياً الى ما يشبه الوثائقية التي يتحسسها من عاشها، الا انها بتلك التسجيلية تشيد واقعاً يبث رسالة تحرض على النقمة عليه والقرف منه.
فما أكثر اللحظات التي يجد القارئ فيها نفسه يستعيد عالم رواية (1984) لجورج اورويل وجفاف الحياة في ظل دولة الاخ الاكبر ورعبها! وانه ليعجب كيف ينساب ذلك التسجيل وكأنه لا يدار بعقل ابداعي يوجهه. فقد اعتمدت تسجيل وقائع من دولة (القائد الضرورة) وقراراتها وما فيها من احزان وعداء ساحق للانسان في جانب وكشف النقيض بالنقيض في جانب آخر مما يلقي على القارئ مسؤولية استحضار المغيب من خلال الحاضر سردياً.
وقد يمكننا القول ان اشد ما يحضر كثافة جاء من اشد الغياب! واشد الغياب عن فضاء الرواية الفاتاً للنظر، هو المراة ا وتلك مفارقة اولى إذ المؤلفة امرأة ! ولكن ما اكثر التساؤلات التي ترشح من خلال هذا الغياب او التغييب بتعبير ادق. وما اشد النور الذي تسلطه هذه الرواية على واقع المراة من خلال ذلك !
فالرواية بقلم امرأة، ولكن البطولة معقودة للرجال. والوقائع تدور بين مطامع البعض منهم وطموحات بعضهم الاخر.. بين ماضيهم وراهنهم، بين امانيهم وخيباتهم دونما حتى وقفة عن المراة في حياة أي منهم! وكأنهم في عالم غادرته النساء أو غادروا هم عالمهن! وإذ تظل في فضاء الرواية بضع نساء.. ثلاثة ورابعة تخطف مسرعة جداً فلسبب خططت له الروائية، كما نرى، وادارته كي تبث من خلاله مفردة من مفردات رسالتها. عن المراة حصراً مما يجعلنا نقف امام ابداع ذي قصد ينم عن مبدعة لفحتها شواظ الوعي والاحساس بالمسؤولية ازاء واقعها ومواطنيها، وهو ما سنراه من خلال تحليل الرواية.
فلئن تتخذ الرواية الوسط الجامعي ميداناً لوقائعها وحركة شخوصها فلكي تنقل المتلقي الى ما استقر في ذهنه بأنه الوسط الذي يفترض انه الارقى. الارقى في سلوكيات اهله وعلاقاتهم، والاوفر حظاً في الاحترام الواجب له لا من الناس بل من السلطة وفي ما قد توفره له من امتيازات.. حتى اذا ما فجع بمأساة هذا الوسط واهله ، فذلك هو الباب الذي تفتحه الرواية/ الروائية امام المتلقي كي يلج منه الى مستويات اخرى من العلاقات والبنى الاجتماعية اعتماداً على استدعاء المضمر وراء سطور النص، او من خلال ثغراته او كواه المفضية الى تلك العلاقات شريطة ان تكون واعية المتلقي وذاكرته حاضرة وناشطة في التنقل بين المعلن والمضمر في النص وما ورائه.
فالوسط الجامعي الذي اغسقت ايامه في الرواية.. خراب في العلاقات، خراب في الاداء خراب في العلاقات، خراب في الاداء، خراب في القيم كما تجسده وقائع يوميات الشخصية الاولى التي تبث حكايتها في نسيج يكاد يكون بوحاً تلقائياً يقود بعضه الآخر تقدماً او استرجاعاً، وان توزعت الحكاية على فصول فان كل فصل له مقوماته. ذلك هو البناء الظاهر، شخوصاً وعلاقات.. لغة وصورة، اما ما بين ذلك او ما وراءه فهو الخراب الشامل للمجتمع الذي طفح خرابه حتى بلغ قمته المعرفية والقيمية ممثلة بالجامعة والحياة الجامعية.
واذا كان هذا التوجيه المقصود لرسالة العمل الروائي يحقق جدلية المعلن والمضمر فان الروائية قد شحذت قصدها بالمزيد من التخصيص فلم تكتف بالوسط الجامعي ليدل على الحال الاجتماعي الاوسع، وانما قصدت مفصلاً احفل بالدلالة والفروض داخل الوسط نفسه فاتخذته ميداناً لروايتها وهو كلية من كليات الدراسات الإنسانية الاكثر صلة بالثقافة الاجتماعية حيث تتصادى الافكار والمبادئ في اروقتها.
وإذ لم تسمها- وتكاد تكون كلية آداب او تربية- فلكي تمنح اختيارها آفاق الاتساع ضمن القصد نفسه.. ليكون السؤال الذي يوسع الثغرة او الخرق بين المعلن والمضمر.. إنكارياً مثقلاً بالدهشة والحيرة امام خراب محاريب الثقافة ومصانعها.
وعلى المنوال نفسه، تمضي الرواية/ الروائية بتشغيل جدلية المعلن والمضمر باتجاهات متعددة تحقق للنص طبقات متداخلة اكثر منها متراتبة لتحشد لقصدها قوة توازي امتدادته ومفرداته التي تجلوه وترسخه كرسالة لعملها. فتجده مضمراً وراء ما تعلنه الشخصيات عبر اقوالها او افعالها ليكون كل منها معبراً الى عوالمها. وتجد مضمراً وراء مقاطع الوصف إذ يتكون او يتغير بتغير عين الواصف او رؤيته . وتجد مضمراً وراء مفردات الحوار الذي يدور بين الحين والآخر بين هذه الشخصية وتلك.. وتجده موزعاً تبعاً (لاستراتجيات) المتحاورين انفسهم في الإظهار والإخفاء مما يجعل الحوار ملغوماً بالنسبة لكل من طرفيه وعلينا ان نبحث ما وراء كل منهما.
ونحسب ان الاشتغال على هذه الجدلية كعمود فقري للرواية ينسجم مع قصديتها فنياً إذ تشيع في الرواية اجواء المخاوف والهواجس والهلع كناية عن الخراب الذي ينهش في كل مكونات المشهد الذي احتشدت فيه العناصر الزمانية .. الفيزيائية والنفسية، والأمكنة المستعادة والأمكنة القاتمة فضلاً عن فعلها في تجسيد الخراب الداخلي للشخصيات نفسها بعد ان اشتدت بها عوامل النهش والتآكل حتى فقدت القدرة على ان تكون ذاتها بعد ان انطفأت او أطفئت فيها عناصر التوهج الذي كان ينتمي لدورها وتنتمي اليه كشخصيات جامعية ثقافية .. إذ صار على الاستاذ ان يعرف (ان الإخلاص والانتماء للحزب، وليس الكفاءة هما المهمان قبل كل شيء) (الرواية ص179) وصار الواقع الذي يحياه الأساتذة نوعاً من انحطاط مستمر لو اتخذ تسميات العهود التاريخية فهو تراجع من العصور الذهبية الى عصر حديدي ! (وعليهم ان يتكيفوا مع برودته وصلابته وملمسه الخشن الداكن ، تعاظم الخوف في دواخلهم وازداد معه استسلامهم للضغط الذي يتعرضون له). ولم يكن خوفاً بايولوجياً يحفز على اجتذاب العدو (وانما خوف يجمد الروح ويشل الاوصال ويميت الكلمات على الشفاه ويبعث الفزع في العيون ويظل المرء مسمراً في مكانه في تلك الزاوية الضيقة التي حصر فيها ولايتحرك منها الا بإرادة غيره ) الرواية -180.
هذا الخوف المدمر الموصوف هنا على لسان الراوي- السارد الاستاذ د. نعمان وهو المعول الهادم للأخلاقيات الجامعية كناية عن خراب اجتماعي أعمّ، وهو الحاضنة المناسبة لاشتغال جدلية المعلن والمضمر فضلاً عن كونه الوباء الذي اطفأ الشخصيات ومنعها او اعجزها عن ان تكون ذاكرتها فكان في كل منها او لدى كل منها معلن ومضمر وبذا تطابق الشكل او الاسلوب والشخصيات.
حسناً فاذا كان الامر كذلك – وقد كان كذلك فعلاً- في مجتمع ذكوري للرجال في كل عناصر (القوة) والغلبة، فكيف ستكون حال نسائه؟
هنا تتولى جدلية المعلن والمضمر العمل على بث اجابة تتغلغل في ثنايا النص وتحيط به في مجمله. ويمكننا ان نستخلصها من ومضات الحضور النسوي في هذا العمل الذي هو الى الغياب اقرب ان لم يكن غياباً كما اشرنا …
فالنص الروائي نفسه بقلم امراة. وهو تجربة من تجاربها، لا لأننا نعرف ان حياة شرارة.. كاتبة النص كانت أستاذة جامعية في الفترة التي يمتد النص عبر ايامها وحوادثها فقط، وانما باعتباره افتراضاً متحققاً يتصدر اسم امرأة على غلافه مهما يكن لمخيلتها من قدرة او فعالية فان خيوط النص لم تنسج بفعلها فقط وانما لابد ان تكون للتجربة خيوطها ونولها الذي نسجت عليه غير ان هذه التجربة – بما كان فيها من واقع حي وما كان فيها من متخيل يستلهم واقعاً- لم تسرد على لسان امراة فتكون الشخصية الساردة وانما رحلت- خوفاً او استسلاماً لقوة قاهرة او لقصد فني- الى شخصية الدكتور نعمان الذي تولى سرد الرواية بضمير المتكلم. برؤيته واحساسيه ومخاوفه.. بعيونه وأعصابه وعواطفه جاءت صورة النص وطياته.
وفي رأينا ان هذا الترحيل كان تلغيماً للنص بموقف امرأة واعية .. وحشداً له بمفردات من وعي ثقافي وسياسي تقترفه امرأة بوجه مجتمع يصادرها كلية ويعتبر وعيها جريمة مضافة لجريمة حضورها الخاص فيه !! فهي هنا كمؤلفة شيدت النص وادارت حركته، تعبر عن قدرتها على استحضار رجال مجتمعها بصورهم وبوعيهم وافعالهم او ردود افعالهم على ما تتحداهم به ايامهم فتقرأ تجربتها برؤيتهم وكانت قراءة دلت على تأمل طويل لمفردات مجتمعها وحركة العوامل المؤثرة في قيادته وهيكلته افضى بدوره الى استيعاب الفعل ورد الفعل في مجتمع ذكوري يهمش المرأة متناسياً انه يهمش نفسه الى حد الالغاء بسقوطه في الخوف وباستسلامه للقولبة امساكاً بلحظة مرغوبة او انتظاراً لخلاص فردي.
وقد دلت قراءتنا للشخصيات الرجالية، وهي المهيمنة، في هذه الرواية على وعي المؤلفة الدقيق بتكوين تلك الشخصيات والعوامل التي تنخر فيها . صحيح انها عوامل خراب المجتمع كله ولكن لكل منها تأثيره الخاص على هذا او ذاك من رجال النص، ولم تنس ان تبرز صوراً من مواقفهم من المرأة وهي مواقف اقل ما توصف به انها تتأرجح بين التخلف المكشوف، كموقف عميد الكلية، وبين النفاق الذي يتخذ صورة العطف المتعالي على وعي المرأة او استصغاره !
____________

(1)- حياة شرارة- 2000 . اذا الايام اغسقت. رواية ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط1/ مطبعة الجامعة الاردنية. عمان – 317 صفحة

*عن صحيفة المدى

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *