محنة الإبداع والظفر بمزاياها! ( عن هذا الكتاب وصانعيه )
د. عبد العزيز المقالح
د. إبراهيم الجرادي (ملف/11)

إشارة :
بعد أن أكمل الناقد حسين سرمك حسن مخطوطة كتابه “شاكر خصباك وفن البساطة المركّبة” وأرسله إلى خصباك للإطلاع عليه، فوجيء بأن الأستاذ خصباك -ولأول مرة- لا يرد على رسائله برغم تكرارها. ثم جاءت الرسالة المريرة من الولايات المتحدة، من الدكتور ثامر نجم عبد الله، لتخبرنا أن خصباك الذي لعبت به يد المنافي الظالمة من اليمن إلى الولايات المتحدة قد أصيب بفقدان الذاكرة بعد وصوله الأرض المشؤومة. هل سيرحل عنا خصباك وحيدا وغريبا وبلا وداع ومن دون رعاية ؟ هذا ما نتوقعه للأسف في زمن الخراب العراقي هذا. وفاء لهذا المبدع الكبير والأصيل تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر ملفها عنه. (رحل المبدع شاكر خصباك هناك يوم 27/تشرين الثاني/2018)

محنة الإبداع والظفر بمزاياها!
( عن هذا الكتاب وصانعيه )
د. عبد العزيز المقالح
د. إبراهيم الجرادي

(1)
الأدباء يتشابهون، مصائرهم تختلف.
الأدباء يختلفون، مصائرهم تأتلف.
الأدباء يتشابهون في الدافع وأصول الدافع، في المشابهة وقرائن المشابهة. في الباعث الإنساني وفي أشكال تجلياته، في اليقين الخالق، وفي استثمار تأثيراته الجمالية، التي تتأتي -أولاً وقبل كل شيء- من تنظيم المشاعر البشرية، وبعثها نسيجاً جمالياً متعالياً على غاية الانتفاع بالطارئ، والعابر، والمستقرِّ على جزعه المتداول في ابتذاله الوضيع.
الأدباء يتشابهون في ارتياد آفاق النفس البشرية، واكتشاف مجاهلها، وفي النقاط المضيئة والمعتمة في خباياها، وهي تتأمل اضطرابها وثباتها، عزوفها وإقدامها، رقتها وجلافتها، أسباب حيرتها، وأسباب مصيرها العادل وغير العادل.
كلُّ ذلك في محمولات تخلق أشكال تعبيراتها الجمالية، التي تدلُّ عليها، وتستدلُّ بها، ليس من خلال أبنيتها اللفظية والدلالية فحسب، وليس من أنساق الظاهر والمضمر فيها، المتجلي والغائب، المواجه والموارب، بل من نفود المشاعر المنتجة للمثال العادل والسويِّ، الجميل والمدهش، المتعالي والنافذ، تلك الهِبات التي يسعى إليها كلُّ مبتكرٍ خالقٍ وعظيم، يقود خلائقه إلى مِيزَة الاختيار:

د. إبراهيم الجرادي

اختيار العذاب ومتعة العذاب! اختيار الجُلجلة ومتعة الصعود إلى الجلجلة، اختيار المحنة طريقاً للخلاص من المحنة، اختيار الجمال طريقاً قويماً لدحر القباحة، اختيار الجمال الأنثويِّ فتنةً لرجولةٍ ظافرة، وقبل هذا وذاك اختيار الحرية؛ الحرية! مصدر الغواية، وسبب العذاب البشري العظيم، وأسباب الظفر بمزاياه، وأسباب الانحياز الحاسم للإنسان، في اختيار مصيره المشروع الذي يتعرض لانتهاكات أخرجت بعض الإنسان من صفاته.
أليس هذا ما قاد أنطون تشيخوف عام 1890 إلى جزيرة ساخالين في رحلةٍ مضنيةٍ قادته بدورها إلى مصادر العذاب والفقر والانحلال والدعارة والمساجين والأمراض المزمنة، لتكون أساس كتابه: (جزيرة ساخالين 1895)، الذي فرض على الحكومة القيصرية آنذاك اتخاذ سلسلة تدابير، تتدارك بها -إذا استطاعت أن تتدارك- أسباب ما وصل إليه حال الواقع الروسي. وقد بدا أنطون تشيخوف راضياً كل الرضا عن رحلته، وعن كتابه المشبع بالاحتجاج على القهر والظلم الذي يمارس ضد الإنسان، وهو احتجاج على القائم السياسي في الوقت نفسه، الرحلة التي دامت واحداً وثمانين يوماً في ظروف بالغة السوء حيث الصقيع وحرائق الغابات والجدب ووحشة الطريق ومخاطر السفر.
لقد كان أنطون تشيخوف في ذلك إنساناً جيداً وطبيباً سيئاً، كما قيل عنه آنذاك، وإلا من يذهب بقدميه إلى بؤرة أمراض لا شفاء منها!!
«إن الطب لا يستطيع أن يعيرني بالخيانة: لقد وفيت حرمة العلم حقها، وقمت بالواجب نحو ما كان الكتّاب يسمونه تحذلقاً. وأنا مسرور لأن ركن تعليق الملابس في نثري، سوف يضم هذا المفصل الخشن».
أليس هذا، أيضاً، هو السبب الذي بكَّرَ في هجرة شاكر خصباك الفادحة، من بغداد المدينة التي يحب، ولم يعد إليها، ولن يعود إليها، مادامت المهانة البشرية صارت سلوكاً بشرياً منتشراً كالقتل، بأسباب تستدعي التفكير بالمحنة المستشرية، وبضرورة كفاح الأدب ضد جبهة اللامبالاة، والتخاذل، والحيادية، والقوة الظالمة، وإهدار الكرامة البشرية، والاستخفاف بالمصير البشري، وبعدالة الحياة وقيمة العيش.. أليست هي من قادت -قبل أكثر من خمسين عاماً- هذا الفتى اليافع العائد للتو من لندن، حاملاً إجازة الدكتوراه في الجغرافية البشرية من جامعتها، لينشغل بدءاً، بأنطون تشيخوف لا سواه، ويقدمه بالعربية، بهذا الشكل المميز لأول مرة.
اثنان يلتقيان.. اثنان مهمومان بالمصير البشري وأشكال تعبيراته ويسيران في الطريق ذاته.
الأول: أنطون تشيخوف، شاعر المشاعر البشرية، ومؤرشف انفعالاتها، الوصاف النزيه، مصور الكآبة والإحباط الروحي، مؤرخ التمرد والاستسلام، البسيط والجوهري، صاحب اللغة الغنائية المبحوحة، واللغة الضاجة النافرة، مولّد الرؤى الحزينة، والرؤى المرحة اللاذعة؛ خالق المأساة وعذوبة المأساة، خالق الملهاة ومرارة الملهاة. من في مآسيه الكبرى والصغرى، تقود الأسباب مصائر شخوصه إلى حيرتها وقلقها، وتمضي بها إلى عذاباتها المستفيضة بالوجدانيات الدافئة.. إلى فيض تساؤلاتها المشروعة عن:
الحياة
والحب
والعدل
والخيانة.
والثاني: شاكر خصباك، فتى عراقي، ساعٍ بقوة اليفاعة الجسورة للإيفاء بوعد الموهبة بجعل العار أشدَّ بجعله علنياً، وبفضح السوء البشري وأوليائه وخدمه وسادته مناصريه والساعين بجدٍ لا يضاهى إلى ملكوت مسلكيته الوضيعة!
كلُّ ذلك قاد قبل نصف قرن ويزيد إلى هذا الكتاب الهام الذي نقدمه من جديد للقراء العرب احتفاءً به وبركنيه:

أنطون تشيخوف الذي تحتفي البشرية بميلاده بعد المئة.
وشاكر خصباك الذي يقترب من حكمة الثمانين، بروح الفتى الذي لا يكلُّ ولا يملُّ بالدفاع عن الإنسان وحقه في الإبداع والحرية.
(2)
حينما صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب (في كانون الثاني – يناير 1954، عن المجلة ذائعة الصيت آنذاك الثقافة الجديدة) لم يكن اسم أنطون تشيخوف بهذا الذيوع والانتشار بين قُرَّاء العربية، فلم تكن قد ترجمت له في الواقع سوى قصص قصيرة نشر أغلبها على صفحات مجلة (الرواية) المصرية المحتجة، أما مسرحه فلم يكن قد ترجم بعد. لذلك كان الكتاب من الكتب المبكرة التي حاولت لفت نظر القارئ العربي إلى مكانة تشيخوف العالمية، في القصة والمسرحية. أما اليوم فقد بات تشيخوف كاتباً ذائع الصيت لدى قرّاء العربية، وأصبح من أحبِّ كتّاب القصة القصيرة إلى النفوس. كما أن الكثيرين من كتّاب القصة العرب يفخرون بتأثرهم بتشيخوف. وقد ترجمت جميع كتاباته المسرحية إلى العربية. كما ترجمت غالبية قصصه القصيرة عدا القليل منها، الذي تداركه مؤخراً الروائي والمترجم السوري خليل الرز، بترجمة ما لم يترجم إلى العربية بجزئين صدرا عن وزارة الثقافة السورية (أنطون تشيخوف. قصص مختارة. 2007).
ونكاد نزعم أنه على الرغم من الترجمات المستفيضة التي ظهرت في العربية لأدب تشيخوف فما زال هذا الكتاب الذي صدر قبل ما يزيد عن خمسين عاماً يكتسب أهميته، لا لسبب ريادته فحسب، بل لأسباب أخرى سنذكرها في حينها.
لقد حاول الكتاب أن يمدَّ القارئ العربي بالمعلومات الأساسية عن حياة تشيخوف وقدّم بالفعل صوراً مركزةً مشرقة، تغني القارئ عن تفصيلات كثيرة، كما ربط كتاباته الأدبية الشهيرة بمراحل حياته المختلفة وأحياناً بظروفه الخاصة. ولا نعرف أيَّ كتاب آخر صدر عنه في العربية قدّم هذه الصور.
كذلك هدف الكتاب إلى تقديم صورة صحيحة للقارئ العربي عن (القصة التشيخوفية). والواقع أن القصة التشيخوفية مرت بمراحل عديدة. فقد كانت في أوائل حياته الأدبية قصة فكهة ساخرة تفتقر بعض الشيء إلى العمق والتركيز، بل وقد تميل إلى الهزل أكثر من استهدافها للجدّ. ولكن منذ بداية الثمانينات من القرن التاسع عشر، حققت القصة التشيخوفية نوعيةً جديدةً على الصعيد الفكريِّ والفنيِّ واكتسبت صفات مميزة، وهي مرحلة تكاد تكون مغايرة تماماً للمرحلة السابقة. ويمكن القول إن مرحلة الثمانينات هذه وما تلاها هي التي أنتجت ما نسميه (القصة التشيخوفية) وهي القصة التي صارت معروفة السمات. ولقد اشتملت (القصة التشيخوفية) على نماذج متعددة، فهناك نموذج القصة القصيرة للغاية والشديدة التركيز من أمثال قصة (بعد المسرح) التي لا تكاد تتجاوز بضعة صفحات. وهناك النموذج المتوسط الطول، وهو نموذج القصة التشيخوفية بحق مثل قصة (المعلمة) (الساحرة) و(فولوديا) و(فتاة الكورس).. إلخ. وأمثال هذه القصص تنطوي على حسٍّ إنسانيٍّ مذهل. ثم هناك أخيراً نموذج القصة الطويلة التي تكاد تتحول إلى رواية قصيرة، وهذه القصص تحفل بتفاصيل عن حياة الشخوص، ذات دلالة عالية. وهي تجمع بين مزايا الرواية فيما تمتلكه من مساحة ممتدة، لعرض تفاصيل الحياة الخارجية والداخلية للشخوص، وفي الوقت نفسه تظل محتفظة بسمات القصة التشيخوفية القصيرة، بتميزها بالتركيز والتكثيف الشديدين. وقد أصاب تشيخوف في هذا النموذج من القصص نجاحاً منقطع النظير، وبلغ فيها قمة الإبداع ولعل أشهرها (قصة رجل مجهول) و(المبارزة) و(حياتي) و(عنبر رقم 7) و(النطاطة.. وغيرها.
ولقد هدف الكتاب، أيضاً، إلى إعطاء صورة للقارئ العربي عن مسرح تشيخوف بترجمة مسرحيتين ذات فصل واحد. وقد برع فيها تشيخوف براعة خاصة. ولم يكن تشيخوف قد اشتهر، إبّان صدور هذا الكتاب -أي لغاية منتصف خمسينات القرن الماضي- باعتباره كاتباً مسرحياً كبيراً بالنسبة للقارئ العربي. والواقع أنه، في الأساس، كان كاتباً مسرحياً مقلاً، فلم تتجاوز مسرحياته الطويلة، ذات الفصول المتعددة الخمس، إضافة إلى بضعة مسرحيات ذات فصل واحد. ولعل عدم شهرته، آنذاك، ككاتب مسرحيٍّ في العالم الغربي يعود إلى أنه كتب مسرحياته بأسلوبٍ جديدٍ لم يكن مألوفاً في المسرح الغربي، وربما أمكن أن نطلق على مسرحه ما لم يكن شائعاً آنذاك (الواقعية الجديدة) وكان الأسلوب السائد قبله هو أسلوب إبسن الكاتب النرويجي، الذي يعدُّ رائد (الواقعية الكلاسيكية)، والذي طغى على مسرح النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
ولقد انطوى الأسلوب التشيخوفي على البساطة المتناهية في الأحداث، مع شحنات عاطفية شفيفة ومعقدة. الأمر الذي يلزم عرضها على المسرح جهداً فنياً صادقاً وعالياً، لذلك واجهت مسرحياته في تجسيدها صعوبة بالغة، في المسرح الغربي الذي لم يكن يألف هذا النوع من المسرحيات. ولم يتحقق لها النجاح إلى بعد أن اجتاحت المسرح الغربي، أواخر الأربعينات من القرن الماضي، تيارات الواقعية الجديدة على يد المسرحيين الأمريكيين أمثال تنسي وليامز، وآرثر ميلر، وأوجين أونيل، وهي التيارات التي اعتمدت الصدق الفني في التعبير عن الحياة وابتعدت عن التصنع والتهويل. ومنذ ذلك الحين ومسرحيات تشيخوف تلقى عناية متزايدة من قبل المهتمين بالمسرح في دول أوربا الغربية، وفي أمريكا، ولا يخلو موسمٌ مسرحيٌّ من عرض إحدى مسرحياته.
وإذا الدكتور شاكر خصباك قد ذكر في مقدمة الطبعة الأولى من الكتاب أن تشيخوف لم ينل ككاتب مسرحي، ما يستحقه من شهرةٍ في العالم الغربي، لكن مكانته ستعزز في هذا الميدان في السنوات المقبلة. وقد صدق هذا التنبؤ، فتشيخوف اليوم يعدُّ من أكبر كتاب المسرحية المعاصرين. إن قراءة تشيخوف ستظلُّ ممتعة ومجزية، مهما ظهرت من نماذج جديدة في القصة أو المسرح، ولكن يكون، أبداً، كاتباً عقيق الطراز، فالمواهب الخالدة لكل العصور ولكل الشعوب، وهذا هو شأن المبدعين العظام.
(3)
أما ثاني موضع الاحتفاء فهو الدكتور شاكر خصباك.
والدكتور شاكر خصباك واحدٌ من علماء العراق بل من علماء الأمة العربية البارزين في مجال علوم الجغرافيا، وهو في الوقت ذاته روائي وقاص وكاتب مسرحي تربو أعماله الأدبية المنشورة على الثلاثين عملاً، ومشكلته أو بالأصح مشكلتاه، أن شهرته العلمية طغت على شهرته الأدبية، وأنه احترف المعارضة لأنظمة الحكم في بلاده منذ نعومة أظفاره. وبسب ذلك دخل السجن وعرف المنفى الاختياري والاضطراري ولا يزال منذ أكثر من عشرين عاماً يعيش خارج بلاده ويبدو أنه لن يعود إليها قريباً. وفي الوطن العربي، وربما في بقية أنحاء العالم، يصعب الجمع بين شهرتين، ولذلك فإن عدداً كبيراً من العلماء ومن المبدعين هنا وهناك يتخلون عن إحدى الشهرتين، أو أن ظروف الواقع هي التي تفرض عليهم هذا التخلي كرهاً أو طوعاً.
ونحسب أن صديقنا الأستاذ الدكتور شاكر خصباك عالم الجغرافية المعروف والروائي والمسرحي والقاص يصلح نموذجاً لجناية الشهرة العلمية على المبدع، وعليه كمبدع كبير يكفي ما كتبه من أعمال أدبية أن يجعله في طليعة الأدباء المشاهير، ويبدو أن هذه الظاهرة، ظاهرة جناية الشهرة العلمية على العالم المبدع في الآداب والفنون لم تأخذ نصيبها من الجدل في وطننا العربي، بوصفه -أي الجدل- مدخلاً إلى إنصاف كثير من العلماء المبدعين والعكس صحيح.
بدأ الدكتور شاكر كتابة القصة القصيرة وهو طالب في الإعدادية ونشر مجموعته القصصية الأولى (صراع) وهو طالب في الثانوية، ومعنى ذلك أن علاقته بالأدب تسبق علاقته بالعلوم تلك التي بدأت مع دراسته الجامعية وحتى بعد أن اختار طريقه العلمي الشائك والمليء بالصعوبات سيما وقد اختار لندن مكاناً لدراسته العليا. فقد ظلَّ على صلة بالإبداع الأدبي وخاض في العراق وفي مصر وفي بريطانيا معارك ساخنة من أجل الأدب ولم يمنعه من ذلك التفرغ لإعداد أطروحاته العلمية التي وضعته فيما بعد في الطليعة من العلماء الجغرافيين واكتسبت كتبه مكانة علمية عالية في الجامعات وبين أساتذة هذا العلم الذي تطور وصار له رواده الذين يشار إليهم بالبنان.
للدكتور شاكر خصباك مؤلفاته وترجماته البالغة الأهمية في الفكر الجغرافي وأحدث كتاب (التحليل الموقعي في الجغرافية البشرية) ومؤلفه واحد من أشهر علماء الجغرافيا في العالم وهو (بيتر ها غيت) ويقع الكتاب في 596 صفحة من القطع الكبير واستخدم الدكتور شاكر في ترجمته لغةً علمية راقية كانت -فيما أرى- السبب في طغيان شهرته في هذا المجال على شهرته الأدبية، إذ صار اسمه في الوطن العربي مقروناً بأعمال الجغرافية التي تربو على العشرين كتاباً، وقليل من الأدباء العرب الذين يتذكرون شاكر خصباك مبدعاً في حين أن إصداراته الأدبية تربو على الثلاثين كتاباً موزعة بين الرواية والمسرح والقصة القصيرة.
ولعلَّ أهم ما قدمه الدكتور شاكر خصباك للقصة القصيرة العربية في بداية حياته الأدبية كتابه الرائد عن أنطون تشيخوف ساحر القصة العالمية وكاتبها بامتياز ملفتاً بذلك انتباه المبدعين العرب إلى أهمية وجود مستوى من القصة يجمع بين واقعية الموقف وجمالية فضاء السرد الفني. كان ذلك عام 1954م. في الكتاب الذي نقدم للقراء العرب لأسباب وجيهة ذكرناها هنا وهناك فضلاً عن مشاركة الدكتور شاكر في الإشراف الثقافي على مجلة (الثقافة الجديدة) وما بشرت به، يومئذ، من انفتاح على الفكر الجديد والآداب والفنون الحديثة، ومشاركته أيضاً في هيئة تحرير مجلة (الآداب) البيروتية التي قامت بدور بارز في تقدم القصة القصيرة وفي تطوير حركة الشعر العربي الحديث.
لقد نجح الدكتور شاكر خصباك في إثراء المكتبة العربية بإنتاجه العلمي وإنتاجه الأدبي، واللافت أن له في المجال الأخير أربع عشرة رواية، وله تسع مسرحيات. أما في مجال القصة القصيرة التي احتضنت بداياته الأدبية، فله ثلاث مجاميع، إلى جانب ما كتبه من ذكريات أدبية عن أدباء مشهورين عاصرهم خلال حياته.
ويتضح لنا من هذا أن الدكتور شاكر خصباك مبدع غزير الإنتاج متعدد المواهب، ومع ذلك يتم تجاهله بقسوة من نقاد الأدب المعروفين في العراق أولاً، وفي بقية الأقطار العربية ثانياً لا لسببٍ فني أو سياسي، وإنما لأن شهرته العلمية طغت على شهرته الأدبية شأنه في ذلك شأن كبار المبدعين في العالم الذين كانت لهم إنجازات في الرسم والموسيقى فتجاهلها النقد بعد أن اشتهرت أعمالهم العلمية أو الأدبية وألقت بظلالها على الجانب الآخر من حياتهم الذي أصبح خافياً في حين أنه لا يقل أهمية عن الجانب المعلوم الذي أضاءته الشهرة وتركزت حوله اهتمامات العلماء والباحثين. ولعل وقفتنا هذه تحفز نقاد الأدب والسرديات خاصة على الاقتراب من عالمه الأدبي ونتاجه السردي الغزير.
(4)
بإعادة نشر هذا الكتاب الرائد:
وردة لصانعيه.. نهتف، ونهتف: تحيةً للمبدع في محنته الظافرة.
تحية للأول وتحية للثاني.
ونتمنى أن نكون قد ساهمنا، ولو بالقليل القليل، بالتقدير والعرفان لمن يستحقون التقدير والعرفان.
صنعاء أوائل 2008.
د. عبد العزيز المقالح د. إبراهيم الجرادي
عضو مجمعي اللغة العربية في دمشق والقاهرة أستاذ الأدب المقارن والحديث
مشتشار رئيس الجمهورية اليمنية الثقافي في جامعة صنعاء وفروعها
رئيس مركز البحوث والدراسات اليمنية

*عن كتاب (شاكر خصياك ستون عاماً من الإبداع)

شاهد أيضاً

حسين عبد اللطيف: شاعر على الطرقات يرقب المارّة
سعد جاسم (ملف/30)

ذات مساء تموزي ساخن،غادرنا الى فردوس الابدية الشاعر الجنوبي حسين عبد اللطيف ، وكان ذلك …

باسم الأنصار: المشاكس (ملف/12)

إشارة : رحل الشاعر العراقي المبدع “وليد جمعة” في المنافي البعيدة من وطنه العراق الذي …

سمير السعيدي: وليد جمعة كرخي عتيق عاش ومات على الحرية والتهكم (ملف/11)

إشارة : رحل الشاعر العراقي المبدع “وليد جمعة” في المنافي البعيدة من وطنه العراق الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *