الرئيسية » نصوص » كاظم الحلاق : شبح رُوث

كاظم الحلاق : شبح رُوث

كاظم الحلاق

شبح رُوث

خلال نزهاتي اليومية التي امتدت إلى نحو عشرين سنة تقريبا في قلب مدينة فينيكس، لفت نظري منزل قديم جدا بلون أرجواني كامد ضارب للون الرمادي، ربما أنشئ في الثلث الأول من القرن الماضي، يقع على شارعين متقاطعين في نهاية صف يتكون من عشرة بيوت أو أكثر قديمة الطرز ومتشابهة الأشكال.

بمرور السنوات أخذت البيوت المجاورة إلى المنزل الأرجواني تتداعى دون أن يقوم أحد بتجديدها، ثم تشترى وتهدم لتصبح أرضا جرداء لا تنبت فيها سوى الأعشاب والأحراش منتظرة فرصة عيش أخرى جديدة. لكن المنزل الأرجواني بقي وحيدا ينتصب في نهاية الشارع دون أن تمتد إليه يد أحد، وهذا ما كان يثير الغرابة والتساؤل في نفسي.

 

وقبل سنوات قليلة شُيّد في المكان الخالي لصف تلك البيوت مجمّع سكني فخم بخمسة طوابق كأنه حي صغير انتشرت فيه المسابح والحدائق والأشجار والشرفات، كما بعض المتاجر في واجهته، مع ذلك بقي المنزل الأرجواني على حاله ينزوي وحيدا خارج المجمّع.

حدّثت نفسي وأنا أرقب مراحل تشييد المجمع السكني المتسارعة، ربما أن صاحبه قد رفض بيعه محتفظا ببعض الذكريات العائلية العزيزة على قلبه، أو أن الشركة المالكة للمجمّع أرادت منه أن يكون مكتبا لها وستجدده في النهاية بعد اكتمال البناء، لكن هذا لم يحدث، إذ أكملت البناية بمكتب إدارتها ذي الواجهة الزجاجية الضخمة الخضراء اللون المطلّة على شارع تاماس الفسيح وبوابتها الألمنيوم الواسعة في الطرف الآخر البعيد عن المنزل الأرجواني وشغلت الشقق الراقية من قبل القاطنين ودبّت الحركة والحياة في الأرجاء وظل المنزل الأرجواني مهجورا بالقرب منها.

مع تلاحق سنوات عيشي في مركز المدينة – إذ لا أحب الإقامة في الضواحي والأحياء النائية- حدث تحوّل عميق وغريب في ذات الوقت بداخلي، ربما مرده الى العيش وحيدا وحياة العزلة التي أخذت مني كل مأخذ، حيث شرعتُ أهتم بالأمكنة المتروكة وحياة الناس الموغلين بالعمر وماضيهم والبيوت القديمة، أضافة الى اهتمامي بعالم الجريمة والقتل والموت ومسارح الأحداث الدموية كالشقق والشواطئ والغابات المهجورة أو المكاتب الحكومية البعيدة عن الأنظار أو سجاد البيوت الملطخ بالدم والزجاج المتكسر والسكاكين الحادة ذات الأنصال المغموسة بالدم أو المسدسات التي تترك على أرضية مسرح الجريمة. هذه الأفكار والصور راحت تستحوذ على ذهني أو بالأحرى الخوف الذي كان يسببه العيش وحيدا والتقدم بالعمر هما من كانا يجعلاني اهتم بتلك الأمور وأكون حذرا جدا وأنا أقوم بمشاويري وأنشطتي الليلية.

 

ذات ظهيرة شتائية غائمة جاء زبون بسيارته الجاكوار الحمراء اللون أعرفه منذ السنوات الأولى التي قدمت بها إلى المدينة لأقص شعره، رجل في مطلع ثمانيناته نحيف وطويل القامة أصلع الرأس عدا خصلات رمادية نحيلة تلتف حول أذنيه وأعلى عنقه، وبحواجب كثة شيباء في أغلبها سوى قليل منها بني اللون يضع فوقها عوينات سميكة ما زال يحترف المحاماة. كعادتنا حينما يأتي لأقص شعره كنا نتبادل الأحاديث عن تاريخ المدينة ومعالمها المتغيرة لأنه قد ولد وعاش كل عمره فيها أو في الحقيقة أنني كثيرا ما أسأله عن المعاني المختلفة للكلمات الإنكليزية حينما يستعصي علي شيء أثناء قراءاتي. هذا الرجل يبدو غريب الأطوار كما أنا إذ تستحوذ علينا نحن الاثنين شؤون ومحطات ومصائر الناس ووقائع حياتهم، كما أقدار المدن والبيوت والأبنية التاريخية. بينما تمر الأحداث اليومية على الآخرين دون أن يركزوا عليها أو يكترثوا بها كثيرا أو يمعنوا النظر في تفاصيلها مستمتعين بعيشهم وأوقاتهم الحاضرة أطيل أنا التفكّر في تقليب الذكريات واسترجاعها والندم على أنواع السلوك التي قمت بها أو محاولة استبدال أوجهها المختلفة في خيالي بما كان يفترض بي أن أفعله بهذه الشاكلة أو تلك.

 

في تلك الظهيرة فتحت مع زبوني موضوعا عن جرائم القتل وعقوبات الإعدام الملم هو بها لأنها جزء من اختصاص عمله، فاستفاض بالحديث ذاكرا بشكل عرضي جريمة قتل مروّعة وقعت بالقرب من مكان عملي، فرحت أصغي بانتباه شديد وهو يخبرني ببعض التفاصيل عن المرأة الشابة ذات السادسة والعشرين من العمر التي ارتكبت الجريمة والطريقة البشعة التي أطلقت بها النار وقتلت صديقتين لها، واحدة أكبر سنا منها والأخرى أصغر منها، ثم تقطيع جسد إحداهما ووضعهما في حقائب سفر مرصوفة في صندوق صغير وشحنتهما بالقطار خلال الليل من محطة جيفرسون في مدينة فينيكس الى لوس انجلس. وعند وصولها هناك في السابعة صباحا ومحاولتها استرداد صندوق الحقائب لاحظ المستخدمون أن ثمة ذيلا دمويا بالخلف منها يبقّع البلاط ، فضلا عن رائحة التحلل النتنة الحرّيفة المنبعثة من الأمتعة. حاولوا إيقاف المرأة لكي تفتح الصندوق والتأكد مما فيه غير أنها ادّعت بأن المفتاح ليس معها وهربت من المكان بمساعدة أخ لها لا يعلم بما حدث. ثم ألقي عليها القبض لاحقا.

خلال محاكمتها تبين أنها تعاني من مرض عقلي وأودعت في مستشفى الامراض العقلية. كان سبب الجريمة الغيرة الشديدة على حبيبها الوسيم من صديقتيها اللتين كانتا يشاركانها السكن والظن أنهما كانت تربطهما علاقة عاطفية به أو أنها وجدت واحدة منهما مع حبيبها الوسيم في الفراش، وهذا ما ألهب جنون الغضب والغيرة في داخلها وقتلهما.

بقيت في المستشفى بعض الوقت ثم هربت لفترة قصيرة لكن السلطات ألقت القبض عليها وأعادتها إليه. في الحقيقة أنها هربت حوالي ست مرات من المستشفى المحاط بسياج عال. في آخر محاولة هروب بقيت حرّة ست سنوات وعملت جليسة أطفال لعائلة ثرية في سان فرانسيسكو مدّعية اسما آخر، ثم اكتشفت هويتها وأعيدت للمستشفى. عقب ذلك أعفي عنها وأطلق سراحها لتسافر الى كاليفورينا وتموت هناك وهي في مطلع تسعيناتها.

بعد ان أكمل زبوني المحامي القصة اعترتني تقلصات في بطني وأنا استمع إلى التفاصيل بذهول. وحينما فرغت من قص شعره، قال إن المنزل لا يبعد عن هنا كثيرا سأحاول أن أجد عنوانه الدقيق وسأخبرك به في المرة المقبلة حينما آتي. غادر بسيارته الجميلة بينما رحت أنظف الأرضية والأدوات، لكنه عاد بعد دقائق قليلة ليخبرني عن رقم المنزل”2929″ واصفا الشارع الذي يقع فيه.

 

سألته أن نذهب سوية مشيا لألقي نظرة عليه، فوافق. كان يوم أحد والجو غائم كما ذكرت من قبل وثمة برودة منعشة تشيع في الهواء، وبدت المنطقة خالية تماما إذ أغلبية الناس يخصصون مثل هكذا وقت للاستجمام إما بتعاطي المخدرات وإما بالشرب وإما بتناول الطعام أو الاسترخاء والراحة للتخلص من بعض التوتر والاجهاد في حيواتهم المرهقة، فضلا عن المكاتب والدوائر الحكومية المغلقة بأسرها بمثل هكذا اليوم، وكأننا نمشي في أحد الأحلام، و لا أحد سوانا يسير بين أبنيتها وأشجار النخيل المكسيكي والصنوبر واليوكالبتوس السامقة. ويا لدهشتي إذ قادني الى المنزل الأرجواني نفسه الذي كثيرا ما كنت أتساءل عن سر بقائه وحيدا هناك!

كان البيت بسقوف أربعة على شكل حرف ” أي” الإنكليزي الكابتل لَتر مقطوع الرأس وذي مدخلين، أحدهما يطل على الجهة الغربية حيث انتصبت “ظلة” صغيرة على عمودين أبيضن مدورين تشرف على حديقة مهجورة، والمدخل الآخر يقع إلى الجهة الشمالية إذ امتد اليه ممشى من الشارع، ووضع سياج مسنّن من الحديد إلى جواره وبنوافذ ذات أطر من الخشب عديدة متوسطة الأحجام تتوزع جدران المنزل بينما غلفت ألواح خشب صغيرة بنية اللون السقوف الأربعة.

تطلعت عبر إحدى النوافذ الى الداخل، كان مايزال ثمة ضوء من بقايا النهار الآخذ في التلاشي ينعكس على الأشياء، رأيت مجموعة مقاعد بخلفيات عالية مغلفة بنايلون أسود متجمعة بالقرب من بعضها يعلوها الغبار فضلا عن موائد مستديرة، ومن نافذة ثانية رأيت موقد نار مغلّف بآجر أحمر، أيضا رأيت كتابة بقلم حبر أو ماجك على أحد الجدران لم استطع تبين مضمونها، يبدو أن المنزل يضم على الأقل ثلاث غرف أو أربع فضلا عن الحمامات والمطبخ في الجهة الشرقية. حدقت في الداخل من نافذة أخرى فرأيت غرفة وسيعة خالية إلا من ألواح خشب وبعض ثياب متناثرة.

ثم قال الزبون عليّ أن أغادر لأن زوجتي تنتظرني ويتعين علينا الذهاب الى مكان ما، فعدنا إلى المحل ليغادر بسيارته. أكملت ساعات العمل المتبقية بينما بقيت صورة المنزل الغريب والجذاب بشكله الجميل تسيطر على ذهني، متخيلا حيوات النساء اللاتي كن يشغلنه وليلة الرعب التي حدثت بين جدرانه في ذلك اليوم الموغل في البعد.

 

في التاسعة من الليل بدأت نزهتي اليومية في المشي، سائرا في الجهة الأخرى البعيدة عن المنزل لأذهب كعادتي إلى شارع مكداول أو شارع فان بيورن، وعند عودتي في العاشرة والنصف كان المكان الذي يقع فيه المنزل ساكنا تماما، إذ لا ترى فيه روح واحدة . تملكتني رغب قوية في أن أنظر إلى الداخل مرة أخرى مع أن المنزل كان مظلما. عبرت الى الجهة الأخرى من الشارع المحاذية للمنزل وخطوت في الممر الصغير الضيق الذي يفصله عن المجمع السكني ورحت أنظر خلل النوافذ التي تطلعت عبرها قبل ساعات حينما كنت مع زبوني المحامي أو غيرها، واضعا يدي حول وجهي من أجل تركيز رؤيتي وخفقان قلبي يتعالى بشدة من الخوف. لم يند أي صوت، كان المكان يغرق بالصمت تماما عدا بعض أصوات الجداجد والأضواء البرتقالية الشاحبة الواهية المنعكسة من البنايات القريبة منه. بدا وضعي النفسي يساير الأحداث الرهيبة، فتراءى لي شبح المرأة القاتلة الصغيرة الحجم التي اسمها “روث” يقف وسط الغرفة الوسيعة نسبيا الخالية من الأثاث إلا من بعض ألواح خشب والثياب المتناثرة وهي ترتدي روبا مشعا لماعا بلون البرق بشعرها الأشقر المنكوش متوسط الطول الذي بدا كأنه بخصلات من ضوء متوهج. لاحت لي في وحدة قاسية. كانت تومئ لي أن أقترب، أن أتقدم نحوها، كما لو أنها لا تدرك حدود وعوائق العالم المادي، ثم خطت باتجاهي، كأنها تريد أن تفتح لي الباب المقفل منذ زمن بعيد، لكن خوف شديد ساورني لم يجعلني أصمد أكثر من ذلك الوقت، فابتعدت عن المكان وعدت الى مسكني، دون أن يكون باستطاعتي ابعاد صورة شبح المرأة روث وصديقتيها والمنزل عن ذهني، وكأنهم أمسوا جزءا حيّا من حياتي وماضيي في المدينة المتألقة ومنزلها المثير للشجن.

(ديسمبر 2018)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *