تابعنا على فيسبوك وتويتر

توظيف المصطلح العلمي في القصيدة النثرية
دراسة نقدية في قصيدة ( السفر عبر المرايا ) للشاعرة .. وفاء كمال الخشن

النص النثري يعطي مساحة اكبر وأفق أرحب لتصوير خلجات وارهاصات الذات ، وعلى الكاتب شاعراً كان ام ناثراً ان يستغل هذا الفضاء كي يفرز كل طاقته المشحونة ليوظفها خير توظيف ، حتى يكسب ثقة وذائقة المتلقي في إظهار بصمته التأليفية واسلوبه المتفرد .
بصمة الكاتب هي سِمة أساسية يجب ان يحافظ عليها ويطورها ، كي تصبح علامة فارقة تُميّزه عن غيره من الكتاب والمؤلفين ، وحتى قديما كان الشاعر او الناثر يُعرف ويُستدَلُ عليه من خلال أسلوبه وبصمته التأليفية .
الاديبة والصحفية السورية (وفاء كمال الخشن) تتميز بقدرتها على التأليف الجاذب للحس . وهي لا تكتب من اجل شهرة او منصة أو إعلان ، بل تحيل مشاعرها على الورق لتجعلها قراطيساً مقدسة لديها ـ وهذا هو طيفها وحقلها ـ وعندما يصل الكاتب لهذه القناعة فإن الحروف ستتعامل معه بصدق وستنهمر عليه كالغيث ليروي ارضاً عطشى ، ولذلك نجدها تفسّر حال تأليفها بأجمل صورة في احدى قصائدها …. فتقول :
” أنا نزيلة الورق ،
ولستُ نزيلة مثانة في مؤتمرات
تسحلُ عنفوان القصائد في المصاعد الكهربائية ،
وتتحول فيها القصيدة لماخورٍ ليليّ .
أنا إمرأة لا تبهرني اوسمة أو ألقاب .
لاتدفعني موجة …
ولايسحبني جزر .
أدخلُ من نافذة الحلم ،
أرقصُ مع غبار الطلع .
أرسمُ ضحكتي على ميسم زهر.
أوردتي أفنان لطيور القصائد .
وقلبي ينبض بالإنسانية دون مساجد . ”
لاشك ان تلك الحروف باتت كاشفة مضيئة ، فشاعرتنا لا تكتب من اجل صالونات شهرة لتكون نزيلة مثانة في المؤتمرات ، ولا تلهث وراء الاوسمة والالقاب ، انما تكتب وهي تحترم قدسية الحرف وتحترم حريته ليعيش في عالم المياسم والطيور ، وفي فضاءٍ رَحِبٍ مُثير . ولو إنها عشقتْ الألقاب لجاءت اليها ـ وانا اعرف ذلك جيدا بل وأجزم ـ لكنها ارادت ان تكون قلما ملتزما حالما حراً يكتب حين يغيب الاوكسجين ، وحين تختنق الطيور ، لتقدم لها عنصر الإنعاش .
(وفاء كمال الخشن) تكتب القصيدة النثرية بعفوية وانفعال ، وبنَولِ (صيدلانية ) ، مُستعمِلة مفردات ومصطلحات تستعيرها من عالم (الطب والدواء) لتنسج بها توليفة جميلة رائعة لا تشعرك بالوحشة أوالتشتت والنفور . هذا الفعل التأليفي ليس بمقدور الجميع على الإتيان به ، لذا فهي تضخ بهذه المصطلحات بلا هوادة في جميع ماتكتبه من ومضات او نثر او شعر ، وهي تعرف كيف توائمها مع المفردات العربية الاخرى مُشَكِّلةً صوراً شعرية بارعة ، حتى نكاد ان نصنفها ضمن مراتب الابداع ، وهذا مانهجتْ عليه اديبتنا ، فأصبح اسلوبا كتابيا وتأليفيا لديها .
سننطلق الى التأمل في نصٍ جسور واثق قافز كي نتفحص هذا الأسلوب التأليفي لديها :
القصيدة /
(السفر عبر المرايا) …. وفاء كمال الخشن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للسرطان المحتمل تحت الإبط ،
والذبحة الصدرية الواعدة .
للمرأة النازلة من مقصلة الحلم ,
والرجل الصاعد إلى متاهة الفاجعة .
للوحدةِ ..
للجملة العصبية المنهكة ،
ولتشريح جثة القلب .
للمرأة التي تبحث عن الضمانات ،
والرجل الواقف في جمجمة الموروث
يعانق حلمه بالرغبات .
للسوسيولوجيا وهي تحيطني بأنشوطة ” التابو”
و”السايكولوجيا” وهي تطلق جرذانها في جلدي .
للرجل الذي يحتضن قلبي بأصابعه الملونة .
أقف في دفء الرحم البدائي .
أنثر ماء المشيمة بيدي ،
وأحلم بجسدٍ يأويني إذا ما التجَأ الموت إلي .
واقفة في الطرقات .
آكل المجرات كالحلوى ،
وأستفيق على جرذان دمي .
أي حلم يرتادني الآن ،
وانا موزعة بين دفء السائل الأمنيوسي ،
وعربات الحر في المنفى ؟
لم يكن إنشطار الذرات فاصلاً ،
ولم يكن كبت الرغبات متسلسلاً .
كان اللقاء شهيداً .
وكان الجنون شاهداً والحرائق والهاجرة .
كنتُ الصلاة للغائب فيكَ .
يَمَّمْتُ هَمسي صوبكَ.
لم أكن دافئة في الشتاء ،
ولم أكن باردة في الصيف .
كنتُ ماثلةً في الغياب ،
والحضور النبي .
الحلم على الأبواب ، وأنا الغياب .
الإنشطار في الذرات ، وأنا تسلسل الرغبات.
الموت في الطرقات ،
وأنا الفيزيولوجيا الفائرة بالحياة ،
وجسدي وحده يعرف جيداً سر الطهارة والنقاء .
فلا تشدَّوا على يدي .
أنا المنفية في حدود حواسِّي .
وكل البدائل تافهة .
………………………
النصوص النثرية الحالية والتي تزدحم على موائد الادب ، مازالت متأرجحة بين السلب والايجاب ، وبين الرفض والقبول ، ورغم انتشار النصوص التي سُميت بالقصيدة النثرية وخاصة في الوطن العربي إلا اننا نادرا مانجد نصاً يثير فينا الدهشة والتي هي سِمة من سمات القصيدة ، بل ويجب على المؤلف ناثرا كان ام شاعرا أن يجعل هذه السمة ماثلة امامه ليفكر كيف يُبدع ويخترع توليفة تجذب المتلقي من خلال عنصر الاندهاش .
ولا نقصد بالدهشة هو حضور النسج الغريب واللفظ الوحشي ، إنما يكون النسج بعبارات ليست في الحسبان ، تُحدِث لحظة توقف لدى القاري ، ليجد امامه مفردات سهلة ذات معان واضحة ، فيتسائل : كيف نُسِجَتْ هذه المفردات حتى أصبحت عبارات جاذبة للذوق ؟؟
والآن لنتأمل نسج الشاعرة (وفاء كمال) في نصها الموسوم بـ (السفر عبر المرايا) :
ــ من العتبة الأولى وهو عنوان قصيدتها نستطلع مقدرة الشاعرة على تشكيل الصور الشعرية الهادفة … فـ (السفر عبر المرايا) هو ابتداء لرحلة تتخللها انعكاسات متتالية لمظاهرٍ وصور اختارتها الشاعرة كي تصف رحلة الانسان بانعكاسات مجتمعية ، جنينية واجتماعية وبيولوجية ونفسية مختلفة ، لتشكل صرخة هادفة تحمل رسائل جريئة بانعكاسات ضوئية تبهر الباصر ، وتوقظ النائم .
ــ ابتدأ النص بحرف الجر اللام ( لـ ) وقد كررته حوالي (8) مرات . وتكرار هذا الحرف بالذات هو لاثبات التخصيص لما بعده من معان والفاظ . فالشاعرة تأتي بالفاظ ومفردات لم يتعودها المتلقي أو اهل الشعر ، كونها تصب في معاني الامراض والمصطلحات الطبية والعلمية مثل (السرطان ، الذبحة الصدرية ، الجملة العصبية ، التشريح ، جثة القلب ، سوسيولوجيا ، التابو ، الرحم ، المشيمة ، السائل الامنيوسي ، انشطار الذرات ، الفيزيولوجيا) والمتمعن في هذه المفردات والمصطلحات يجد في نسجها وتوليفها شيئا من الغرابة ، كوننا لم نتعود عليه . إلا ان الكاتبة (وفاء كمال) استطاعت ان تُلفت الانتباه بقصيدة نسجتها بنولِ مُتطلع ومُبحِر في هذه المعلومات ، ولأنها درستْ علم الصيدلة ، فهي أستطاعتْ أن تعمل خلطة شعرية علمية أضافتْ للنص نوعا من الابداع والابتكار ، وهذا هو الذي نبحث عنه . لان القصيدة النثرية تتسم بفضائها الواسع الذي يستوعب الكثير من الأفكار والصور الشعرية على شرط ان لا تمس هيبة اللغة واشراقاتها .
ــ ثم ان ظاهرة تكرار حرف الجر(اللام) لم تكن عبثية ، بل أضافت نوعا من النغم الشعري للنص إضافة الى ماتَقدَمَ من عرض . وهذه النغمة المختفيه في أجزاء النص هي التي يجب على الشاعر النبيه ان يُهَيّجها بذكاء حتى وإن كان بعيداً عن الروي والقافية .
ــ هذا النص يحمل فكرة استعراض الآلام والمخاوف التي تنتاب المجتمع بشقّيهِ الرجولي والانثوي ، وهذا الاستعراض نجحتْ الكاتبة في تشكيله وعَرضه للمتلقي بنجاح فاق التصور …. فلنستعرض بعضه :
” للسرطان المُحتمَل تحتَ الأبط ،
والذبحة الصدرية الواعدة . ”
نلاحظ في هذا النسج كيف استعملت الشاعرة لفظة (المُحتمَل) مع (السرطان) ولفظة (الواعدة ) مع (الذبحة الصدرية) و(الواعدة) أي التي يُرتجى منها خيرا ، فاستعملتها الكاتبة للمداعبة والهزل حيث اضافت شيئا من المَزحة للنسج . وهذه الالفاظ يتناسب معناها مع هذه الامراض والمصطلحات .
ــ استطاعت الكاتبة ان توظف مصطلحات غريبة عن بيئة المفردة العربية وبآلية ذكية لتنتج نوعا من النغم الذي لايثير النشاز لدى سمع المتلقي ، رغم ان المصطلحات تحتاج الى رعاية ودقة في التوليفة فمثلا :
” للسوسيولوجيا وهي تحيطني بأنشوطة ” التابو”
و”السايكولوجيا” وهي تطلق جرذانها في جلدي . ”
حيث استطاعت أن تستغل وجود الحروف الأخيرة لمصطلحي (سوسيولوجيا ، سايكولوجيا) لتجعلهما متفاعلين موسيقيا منذ بدء القراءة وحتى اختيار لفظة (التابو) التي أحدثتْ شيئا من النغم ، فهي تحوي تناغما بين حرف الهمس (ت) وحروف الجهر (ا ، ب، و).
ـــ الشطران أعلاه اقتحما تماما محيط الاعتيادية النسجية ، حيث نتج عنهما نغمة يحسّها المتلقي ، وعزف داخلي يُغذي مفاصل النسج .
الشطران تَجمَّعَ فيهما ثلاثة مصطلحات ، وهي (سوسيولوجيا) وتعني العلم المرتبط بعلم الاجتماع حيث يهتم بدراسة قوانين تطور المجتمعات البشرية ضمن حقل تجريبي لمعرفة الظواهر المجتمعية . و مصطلح (التابو) الذي يُطلق على كل ما ترفضه المجتمعات الإنسانية ، والذي لا يحلُّ انتهاكه أو تعتبره خطا احمراً لايمكن تجاوزه ان كان سياسيا او دينيا او عقائديا بغض النظر عن سلامة الأفكار او خطئها . ثم مصطلح (السايكولوجيا) الذي لايبدو غريبا لكثرة تداوله في حياتنا اليومية ، كونه يخص علم النفس الذي يهتم بدراسة السلوك وكل الوظائف العقلية للانسان .
والمتأمل لهذا النسج المكثف المعنى سيجده قد اختصر على المتلقي كل الطرق والانتفاضات العقلية والثورات الداخلية ، ليخرج بحصيلة شطرين ، الأول (للسوسيولوجيا وهي تحيطني بأنشوطة ” التابو” ) وهو يمثل إنتفاضة على كل القيم المجتمعية والعادات والتقاليد التي يفرضها المجتمع والتي يعتبرها خطاً احمراً رغم سوادها ، لتشكل انشوطة وعقدة لايمكن انفكاكها بالرغم من الخطأ الجليّ والسوء الواضح الذي يهدم اركان المجتمع ، وهذا مانعاني منه حاليا في مجتمعاتنا العربية بكل جزئياتها وحيثياتها . والشطر الثاني (السايكولوجيا وهي تطلق جرذانها في جلدي .) فيه شيء من السخرية لهذه العلوم النفسية التي جعلت الشعب العربي فئران تجارب وحقل اختبارات .
ــ هذا الذي تقدم من تصوير رائع للرفض والانتفاضة على الخطوط الحمراء البائسة ، كانت الشاعرة قد عَضَدَتهُ مُقدَما بأشطر تحمل الايضاح وكأنها كبسولات دواء لتنشيط الافهام ، وتضع المتلقي امام صورة شعرية رائعة لا تخلو من مصطلحاتها الطبية والعلمية ، مثلا:
” للمرأة النازلة من مقصلةِ الحلمِ ،
والرجل الصاعد إلى متاهة الفاجعة ”
في هذين الشطرين نجد الشاعرة قد صنفت المجتمع بجنسيه وما يعتريهما من خلل وآلآم . والجميل انها جاءت بـ (مقابلة) رائعة في لفظتي ( المرأة ، الرجل ) ولفظتي (النازلة ، الصاعد) . والمقابلة تعني وجود معنى يقابل معنى آخر في الترتيب ، وتعتبر من المحسنات البديعية المعنوية والتي هي نوع من البلاغة التي تسند المعنى وتعطي إضافة بلاغية للجملة .
ثم جعلت (الوحدة) شطرا منفصلا ، وهذه المفردة وحدها كافية لتصف مقدار الوحشة المجتمعية والعزلة القاتلة :
” للوحدةِ …. ”
ــ بعدها تاتي بتصوير لمشاكل العصر وامراضه فتقول :
” للجملة العصبية المنهكة ,
ولتشريح جثة القلب . ”
ومعاني هذه الصور واضحة لاتحتاج الى قواميس لتفسيرها فهي لصيقة بنا وكأننا توائم ــ ومازالت شاعرتنا تقدم صوراً تجسد الآفات الاجتماعية التي تعصف بنا كما في التالي :
” للمرأة التي تبحث عن الضمانات .
والرجل الواقف في جمجمة الموروث ,
يعانق حلمه بالرغبات . ”
هنا أتتْ بطِباقٍ واضح في لفظتي (المرأة ، الرجل) وهو من المُحسنات البديعية كذلك لتنسج صورتين بليغتين رائعتين لحال المرأة والرجل ، وما تعانيه المرأة من اضطهاد وظلم بسبب مواريث باتت كالقيود ، وصورة الرجل الذي مازال على ثبات في استعمال الموروث البالي لأضطهاد نصفه الاخر تحقيقا لرغباته واحلامه الشخصية .
ــ بعد الخطاب الرائع تنعطف الشاعرة انعطافة جميلة جداً دون ان تشوش الفكرة او ان تجعل النص متصدعاً ، حيث بدأت خطابا ذاتيا رائعا كونها عنصرا انثويا تمثل هذا الجمع المُضطهَد لتُدخِل النص في صورٍ وجدانية جاذبة رغم توفر مناخات المصطلح العلمي ، فتنتفض في شطر جميل وتقول :
” للرجل الذي يحتضنُ قلبي بأصابعه الملونة .”
وتلون الأصابع في كف الرجل ليس من الصفات الممدوحة والجميلة ، فهي بوادر خيانة وخداع ومداهنه ، وهي كف نُزوح . ومن هنا تبدأ محطات انطلاقة انثوية لتصف حالها ، كونها نصف المجتمع وشريكة الرجل فيه ، فتنسج ابرع الصور التي لا تخلو من سمة توظيف المصطلح العلمي ، فتبدأ من بداية تشكيل النطفة وتحقيق فعل الولادة فتقول :
” أقف في دفء الرحم البدائي .
أنثر ماء المشيمة بيدي . ”
استخدام الشاعرة للـ (الرحم البدائي) لهو مجاز هائل رائع ، فهي عنوان الولادة وشجرة الحياة ، الا انها وليدة رحم مجتمعي خال من التطور والمعرفة يغزوه الجهل ويلتحف بالامية والحمق .
ثم تبدأ بالمعضلة التي ترهق كاهل الانثى في مجتمعنا ، وهو الخوف من القادم المجهول ، فما زال حلم الطمأنينة بعيد المنال عنها :
” وأحلم بجسدٍ يأويني إذا ما إلتجأ الموت إلي .”
ــ وتبدأ بوصف الحال الحالم مستعملة مجازات وتشبيهات رائعة سلسة وكأنها اقصوصة :
” واقفة في الطرقات ,
آكل المَجرّات كالحلوى , ”
لنتأمل الشطر الأخير وكيف شبَّهَتْ حالها حينما يتأمل الانسان السماء ليلا وهو يصارع الخوف والقلق ، حيث وصَفتْ اللقطة كاملة بثلاث كلمات لاغير وبأبلغ تكثيف ، فالمتأمل للسماء طولا وعرضا بنجومها وكواكبها كالذي يلتهم شيئا او يأكله ، واردفته بتشبيه رائع عندما جعلت المجرات كقطع الحلوى ، فصاغتها باجمل واروع صياغة (آكل المجرات كالحلوى) والعبارة تختزن معنى ضمنيا في تأمل السماء وتفسيرا عن العطش الى اليها لطلب الحلّ والنجاة .
ــ ويمر ذاك الشوط وكأنه حلم ، لتأتي لحظة الاستفاقة ، حتى تجد نفسها في حال آخر … فهي مازالت فأر تجارب بائسة :
” وأستفيق على جرذان دمي ”
واستخدام الشاعرة للفظة (استفيق) جاء في محله ، لان الاستفاقة تعني الصحوة والرجوع الى الحال السليم بعد الغياب الذهني ، وهذا دليل على عناية الشاعرة بنسجها . لذلك جاءت بعدها بتساؤل :
” أي حلم يرتادني الآن ،
وانا موزعة بين دفء السائل الأمنيوسي ،
وعربات الحر في المنفى ؟
واستعمالها لمفردة (يرتادني) في عبارة (أي حلم يرتادني الآن) دليل على ان هذا الحلم لم يكن غريبا عليها فهو كثير التردد عليها وهذا مايحمله معنى المفردة .
ــ الشاعرة مازالت تربط بين عالم الجنين وعالم الخارج لتصوير السفر المتعب والرحلة الشاقة المليئة بالضجيج والالم والمأساة ، فمازال التشتت والتشبث بين عالمين يشكل لديها صراعا ذاتيا كبيرا. وهذا التجاذب والصراع جسَّدتْ صورته باقوى تفاعل لغوي حداثوي فتقول :
” لم يكن إنشطار الذرات فاصلاً .
ولم يكن كبت الرغبات متسلسلاً .”
إذاً حتى الانشطار الذري لم يكن قويا بما يكفي للفصل . وحتى حبس الرغبات وماتشتهيه النفس لم يكن متسلسلا حسب مبدأ الحياة الطبيعي .
ــ وبودي ان اشير الى فائدة في هذه المحطة النقدية ، هي كيفية استغلال وتوظيف الشاعرة للمفردات التي تنتهي بحروف متشابهة في النطق لتجعل منها مقطعا فيه نغم وموسيقى من خلال عبارات مسجوعة مثل (الذرات ، الرغبات) و (فاصلا ، متسلسلا). حيث شكلت عبارات سلسة النطق سريعة التلقي .
ــ تحول نسج الشاعرة في الفكرة وفي النسج بشكل مفاجيء وسريع من معترك الحياة المجتمعية بكل تقاليدها وعاداتها وجدليتها لتنحو بالخطاب الى نسج يشبه الغزل لهو مهارة وحرفية رائعة ، حيث جاءتْ العصارة الجديدة محافظة على عناصر التصوير في النص ، مع المحافظة على سمة الابتكار وتواجد المصطلح العلمي دون ان تسجل علامة تشويش او ترددات صادمة وغير منسجمة او غير فاعلة . فتأتي بشطر متحرك فاعل نشط :
” كان اللقاء شهيداً . ”
واي لقاء هذا يا ست ( وفاء ) الذي كان شهيدا ؟؟
فالشطر الذي يليه كان شاهدا بكل عناصره :
” وكان الجنون شاهداً والحرائق والهاجرة .”
ثم تنسج أشطرا في غاية الروعة لهذه اللحظة ، سأتركها للقاريء يعيش في تجلياتها ، فهي واضحة الاشراق :
” كنتُ الصلاة للغائب فيك .
يممتُ هَمسي صوبك.
لم أكن دافئة في الشتاء .
ولم أكن باردة في الصيف .
كنتُ ماثلة في الغياب
والحضور النبي .
الحلم على الأبواب , وأنا الغياب .
الإنشطار في الذرات , وأنا تسلسل الرغبات.
الموت في الطرقات , ”
بعد هذا الكم الهائل من المشاعر والجيشان المؤثر ، تأتي بمصطلح (الفيزيولوجيا) وهو العلم الذي يهتم بدراسة الخلايا والأجهزة العضوية ، وكيفية التفاعلات الكيمياوية و والفيزياوية بينها ، وهو خير خلاصة لما تقدم ، كما في الشطر التالي :
” وأنا الفيزيولوجيا الفائرة بالحياة , ”
ونلاحظ هنا كيفية توليف لفظة (فائرة) وتعني الهيجان والغضب ، مع مصطلح (فيزيولوجيا) حيث تناسب المعنى تماما في وصف التفاعلات الذاتية وتصوير شدتها وهيجانها .
إضافة الى تقارب حرف الفاء (ف) في ابتداء اللفظتين (فيزيولوجيا ، فائرة) رفع حالة الثقل عن هذا المصطلح العلمي بل جعله منسابا كانسياب الماء ، سلسَ اللفظِ مطواعا بيد خبيرة لايقوى على عنادها .
ــ واجمل مافي النص كله تلك الانعطافة الكبيرة في مسك الختام ، لتجعل العالم يفهم الانثى … فتقول :
” وجسدي وحدهُ يعرف جيداً سر الطهارة والنقاء . ”
نعم … انها السر الكبير التي وحدها هي من تستطيع ان تُقدِّر كَيلَهُ وتعرف حَدّهُ ، لذلك قالت (جيداَ) … فغيرها (لا يجيد) التقدير والحسبان لهذا الامر الخطير . وهي ترفض حتى التشجيع والشدّ على يدها ، فكبريائها يرفض المسح على الاكتاف .
اذاً هي وحدها منبر العطاء ولاغيرها معطاء . فتقول بأجمل افصاح وأجلى بيان :
” فلاتشدّوا على يدي .
أنا المنفية في حدود حواسِّي .”
ــ ومازال الرفض والثورة وعدم التقبل لما يعكر صفوها هو صوتها الصارخ وهتافها المُدوي ، حتى ختمت زئيرها بأجمل شطر وابلغه :
” وكل البدائل تافهة . ”
يالها من عبارة ايتها الشاعرة الراقية ؟ ويا لهُ من نسج سلس سهل التناول بليغ الإفصاح .
عندما نمدح هذه العبارة ونثني عليها فإننا نبرز معالم القوة ومواطن الدقة في هذا الخطاب اللغوي القوي ، فاستعمال لفظة (تافهة) صفة لـ (كل البدائل) لهو خير وصف وخير انتقاء لهكذا لفظة ، وأظن بأن غير لفظة (تافهة) لاتوافق الوصف ، فهي تعني كل صفات الرداءة وعدم الجودة ممن لايحسن شيئا وليس له قيمة في الوجود .
ــ وبعد هدوء هذه الثورة الرمزية ـ وقد اضنها مازالت كالبركان تهدأ لتستجمع قواها للفوران والثورة مرة أخرى ومرات ـ لابد ان نضع تقييما مناسبا لهكذا نص طارت به الكاتبة (وفاء كمال الخشن) في أعالي فضاء الكلمة بجناحين نشطين ، وقلب دافق بالعنفوان والشباب .
• يعتبر هذا النص إبداعياً لإحتضانه عناصر ابتكار قد لا تخطر على بال الكثير بإستعمال مصطلحات علمية كثيرة في نصٍّ مُكثف ، ولم يسجل مقياس النقد أية إشارة ارتجاف أو علامة ضعف واختلال ، رغم ان المصطلحات ذات حروف متعددة والتي يصعب نسجها وموائمتها مع غيرها .
• النص اشراقة كبيرة في فضاء القصيدة النثرية والعبور على حجاب المستحيل ، فعندما يتفاعل القلم الموهوب مع الذائقة لابد ان يأتي بما لايخطر على البال .
• استطاعت الشاعرة ان تجسّد هتافا صارخا مدويا واضح المعاني بليغ الإيمائة قوي الحجة والبرهان.
• الشاعرة تتمتع بقوة حس نسجي ، حيث أبعدتْ الكثير من الحشو اللغوي الذي لافائدة منه لتجعل النص ينتفض بكامل حلته ، قوي النسج متين السبك .
• رغم ضخ مصطلحات علمية كثيرة في شرايين النص الا ان الشاعرة تمكنت وبحرفية عالية الجودة ان تحافظ على البناء الحيوي له دون ان تُحدِث في أًسُسِهِ خدوش او تصدعات ، بل زانته بديكور رائع يصعب على البعض اتقانه .
• النص جاء بمقدمة عنيفة وابتداء صادم يجعل المتلقي يعيش انفعالا ذاتيا من اول عَتبة . وهذا ابتداء ذكي نوصي به دائما لتوليد عنصر جذب وتشويق .
• استطاعت الشاعرة ان تستعرض الفكرة بترددات عالية الجودة ، مخاطبة العقل البشري دون المساس بالثوابت ، حيث احتوى المقطع على انتفاضة مكثفة البلاغة مشرقة البيان ، وبفصاحة سائغ استقبالها منقادة ومطواعة .
• احسنتْ الشاعرة في عرض الخاتمة واتقان صياغتها بفكرة عالية الجودة وبماركة مسجلة ، حيث استطاعتْ ان تنقل المتلقي الى عاصفة ختامية بأبلغ تصريح :
” وجسدي وحده يعرف جيداً سر الطهارة والنقاء .
فلا تشدَّوا على يدي .
أنا المنفية في حدود حواسِّي .
وكل البدائل تافهة . ”
• نقول لك ايتها الشاعرة الرائدة :
( بل نشدُّ على يدك ، فلستِ منفية في حدود الحواس مادامت كل البدائل تافهة )
دمتِ حرفاً جميلاً وقلما حداثوياً يعشق المغامرة .
احترامي الكبير …
……………………


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"