د. صلاح فضل : هالة البدري وتجربة العراق (الحلقة الثانية والأخيرة)

السؤال الأول الذي تطرحه رواية هالة البدري مطر علي بغداد يتعلق بطبيعةالمذكرات الغالبة عليها‏.‏ علي الرغم من طبعها التخيلي البارز‏,‏ فهي مروية بضمير المتكلم‏,‏
ومؤرخة بشهور محددة في عقد السبعينيات من القرن الماضي, مما يفرض علي السارد منظورا قديما يسقط من حسابه بالضرورة الأحداث الكبري التي جرت بعد ذلك منذ الثمانينيات في العراق حتي اليوم, فيقيد رؤية الكاتبة ويحرمها من الإشارة إلي التطورات العالمية.
فهو وإن أضفي علي الوقائع صبغته الآنية الفورية الساخنة يترك للقارئ إعمال خياله ومعلوماته للربط السببي بين توالد المشاهد وحتمية المصائر التي أدت إليها. فالرواية مثلا ترصد ظروف تولي صدام حسين السلطة في يوليو1979, واستهلاله للحكم بإعلان اكتشاف محاولة لقلب نظام الحكم, لكن تفاصيل ذلك تضيء لنا تاريخ الطاغية حتي نهايته, فقد زعم ان هناك مؤامرة خائنة في حزب البعث العراقي, تولاها تنظيم سري يقيم بعض اعضاء مجلس القيادة القطرية في العراق, بالتعاون مع مجلس قيادة الحزب في سوريا, وأذيعت أسماء الخونة المشاركين, وعلي رأسهم عدنان حمداني وزير التخطيط وعضو القيادة القومية والقطرية, أكثر الرجال المقربين من الرئيس السابق أحمد حسن البكر.
وغانم عبدالجليل عضو القيادة القطرية والمسئول عن الجبهة الوطنية. ومحمد عايش رئيس اتحاد نقابات العمال, ومحمد محجوب وزير التربية, وقائمة طويلة من المتهمين من كبار القادة, لكن اللافت في هذا التاريخ هو الطابع الدموي المتوحش الذي تمت به تصفية هؤلاء أمام شاشات التليفزيون, وهذا ماتسجله الرواية بشكل يبعث علي القشعريرة والرعب, فيعيد تجسيد نموذج فادح لأولي جرائم السفاح الكبير.
استمر التليفزيون يذيع أغاني الانتصار علي أعداء البلاد ويغني هلهولة للبعث الصامد هلهولة, وظل الناس محبوسين في البيوت أمام الشاشات وهي تنقل حركة الدبابات والسيارات المجنزرة في الشوارع, ثم خرجت من الطابور سيارة نقل مكشوفة تحمل أجولة حمراء وتوقفت, نزل السائق يفتح بوابتها الخلفية ودفع الجنود الأجولة وانكفأت ثم عادت تحاول الاعتدال, صرخنا المعتقلون داخل الأجولة, انهال الجنود عليهم ضربا بالعصي فتقافزوا بفزع, زعق المذيع: خونة الوطن, القصاص يا بغداد. أوقفت الأجولة وفك الجنود الحبال المربوطة فاستطاع بعضهم تخليص رؤوسهم, ركزت الكاميرات علي الشعور الشعثاء والوجوه العابسة والعيون الحمراء والكدمات التي تملأ البشرة, وأعلن ان القصاص سيقع علي الخونة من الأعضاء المناظرين لهم في كل مستوي حزبي. تقدم احد الرجال يعلن اولا اسماء المتهمين من اعضاء اللجنة القومية ويطلب من اعضاء اللجنة ان يتقدموا لإعدامهم. فأوثق المتهمون فوق أعمدة وانهمر الرصاص ووقعت الأجولة مضرجة بالدم وسط صراخ الجماهير التي تطالب بالثأر, لم يبتكر صدام حسين هذه الطريقة في سحل وسحق من يتوهم انهم قد يشكلون خطرا علي سلطته المطلقة منذ بدايتها, لكنه بلغ بالمشهد إلي ذروته في الوحشية, ولم يكف عن ارتكاب مثل هذه المذابح, بيده الشخصية حينا, وبيد أعوانه حينا آخر طيلة حكمه, فقد أصبح ذلك من مظاهر الحالة العراقية في تصفية أعداء السلطة, مما يجعل من المنطقي أن تكون نهايته التي شهدها العالم بعد عقود بنفس المستوي من العنف والدموية, وإن اختلف في أطراف صراعها وحبكة ختامها ودلالتها الأخيرة, من هنا فإن قاريء الرواية لايظل محصورا في الفترة التي تقع فيها الأحداث, بل سرعان مايربط بوعيه المتميز البدايات بالنهايات مستخلصا ما يصمت عنه النص المقروء.
اللقطة الموازية:
تحمل نورا وهي في بغداد وطنها علي كاهلها مثل كل المصريين, وكأنه قربة الماء التي كان يتحدث عنها الدكتور عويس, وقد شهدت أوساط المهاجرين المصريين بكل أطيافهم السياسية من أقصي اليسار القائم علي اتفاقية السلام إلي ملايين اللامحايدين واللامبالين أحداثا وأخبارا موجعة عن أحوال الوطن, انفلت في زحمتها خبر سار ارتفعت له الرؤوس المنكسة, ولعبت فيه الصدفة المشروعة دورا كبيرا ليتحول من العالم الخارجي, حيث تناهي الي الرواية صوت المذيعة تقول النشرة المفصلة من راديو مونت كارلو: أصدر المستشار إبراهيم فهمي رئيس محكمة أمن الدولة في مصر حكما تاريخيا ببراءة المتهمين في أحداث الشغب الاخيرة في مصر, والتي سماها الرئيس السادات انتفاضة الحرامية, واستخدم رئيس المحكمة مقولة الصحابي أبي ذر الغفاري عجبت لرجل لايجد في بيته قوت يومه ولايخرج علي الناس شاهرا سيفه, وأضاف في حيثياته ان الحكومة قد تعمدت تجويع الشعب بقراراتها الاقتصادية دون مراعاة لظروفه وتضحياته وسعيه لرقي وطنه, وقد عمت الأوساط المصرية حالة ارتياح لهذا الحكم, والجدير بالذكر ان هذه القضية واحدة من ثلاث قضايا امن دولة بسبب الانتفاضة الشعبية. تصرخ الرواية فرحا عقب سماع هذا النبأ, لان القاضي المذكور ليس سوي أبيها فنجدنا حيال صدفةمبررة تسمح لها بأن تزهو علي رفيقاتها اللائي تغيرت نظرتهن إليها منذ ذلك الحين, حيث كن يرين فيها مجرد فتاة من طبقة البرجوازية المتطفلة, لم تدفع ثمن رأيها ولم تدخل السجن مثل بقية اليساريين, فليس من حقها ان تتكلم عن الحركة الطلابيةالثورية ولا النضال اليساري, تأتي شجاعة أبيها في مواجهة الطغيان السياسي للسادات كي تضع الحالة المصرية في مقابل العراقية, فالمؤامرة المزعومة تقابلها ثورة شعبية عارمة, والوحشية الدموية في التصفية بالشبهة توازيها المحاكمات القضائية, وحمامات الدم المشهورة تعادلها أحكام البراءة الشجاعة, لاتعقد الراوية هذه المقارنة, بل تمضي في متابعة مشاعرها الشخصية وهي ترفع رأسها زهوا بانتصار منطقها المعتدل علي المزايدة الأيديولوجية لرفاقها من المصريين واعترافهم بنبل موقف أبيها في تمثيله للقضاء المصري المعادل.
مسافةالبعد:
تحرص الكاتبة علي ضبط المسافة التي تصلها بالراوية نورا علي الرغم من أنها تمنحها خلاصة تجربتها الحيوية في الصحافة والمعرفة والأحاسيس, فنتأمل معها موقف المرأة المثقفة في الوطن العربي كله والقواسم المشتركة التي تجمعها. خلال رحلة مرهقة إلي البصرة بالقطار تقول الراوية: احتلت الشاشة امامي صور النساءاليقظات أو المستغرقات في النوم بأعمارهن المختلفة وجنسياتهن المتعددة وملابسهن المتنوعة وقد تجمعن تحت سقف واحد. وتجلت عندهن القدرة علي حب الحياة.. علمتني مثل هذه الرحلات أننا نحن النساء( والرجال أيضا) المثقفات طبقة واحدة في العالم, تمثل فئة من الناس مشغولة بالبشرية جمعاء. تسعي حثيثا لكي ينال الإنسان حريته ويعشن عدلا اجتماعيا رفيقات هذا القطار, وغيره من القطارات والطائرات التي تذهب الي اي مكان في العالم, كن دائما علي أهبة الاستعداد لالتقاط شرارة الصداقة, بمجرد ان تقع عيني علي إحداهن نعرف ان لنا تاريخا مشتركا لم تقله, وان هما تحمله اكتافنا حتي لو لم نتحدث عنه. نستطيع ان نفتح معا اي موضوع من اي نقطة لنصل الي مانريد من الحميمية والمعرفة ايضا, هذا الطابع الإنساني الذي يتجاوز حدود الأوطان والثقافات يختزل بدوره المسافة بين الكاتبة والراوية في مثل هذه المشاهد التأملية الوجدانية, وإن كانت لاتلبث المسافة ان تتسع عندما تتواطأ كل منهما علي حفظ أسرار الاولي وارتقاء صورتها نقية مثالية في إخلاصها وعدم تبذلها.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : رماح بوبو، شجرٌ لاذقيٌ ، طالِعٌ من الشِعر ..جزءٌ ثانٍ .

في السجن كان الحلم يأتي كمالايريد قلبي ولاالسجان شفافاًوأبيض رأيت رفاقي يحملون دفاترا وأزهاراً ثم …

حــصـــــرياً بـمـوقـعــنـــــا
| هيثم محسن الجاسم : منظور الوطنية عند الروائي أحمد الجنديل في رواية ” الرمــــاد ” دراسة ذرائعية علمية (2/2) .

ب-موقفه من نوع هذا الواقع: بالتأكيد لا نأتي لتلك الحقبة جزافاً من دون راو ذكي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.