د. إخلاص باقر هاشم النجار: رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الجزء الخامس)

الجزء الخامس

          كان ثمة ضيوف في منزل عبد الرحمن الأوجي وهو شابُ وسيم ووالديه .. رحب بالجميع وطلب منهم التفضل بالجلوس في صالة الإستقبال .. وبعد أن جلسوا جاءت أم مروة وألقت التحية عليهم فوقفوا جميعاً وردوا السلام ثم طلبت منهم التفضل بالجلوس وجلست هي معهم تردد كلمة أهلاً وسهلاً ، برهة حتى دخلت زكية تحمل الصينية وفيها كؤوس العصير الفضية التي تتلألأ بلون عصير البرتقال الذهبي قدمت العصير لهم ثم وضعت الصينية على الطاولة الموضوعة وسط الكراسي وهمت بالإنصراف ، قال أحدهم : طبعاً نحن نسكن المحلة ذاتها ونعتبر أيضاً جيرانكم نحن نسكن في الشارع 27 قرب معمل خياطة الأنيق المشهور الذي في المحلة وأنا أسمي رائد الكرخي وهذه زوجتي أم أشرف وهذا ولدي الأكبر أشرف وهذا أخي محمد .

عبد الرحمن وفاطمة : أهلاً وسهلاً بكم في منزلنا .

الكرخي : وأشرف في المرحلة الرابعة كلية الهندسة قسم الكهرباء .. وسيتخرج ان شاء الله مهندساً كهربائياً .

عبد الرحمن : ان شاء الله .. تقرُّ عينيك به .

الكرخي : أشكرك.. وأردت أنا .. أن أفرح به بدل الفرحة فرحتين .. بأن أزوج أشرف .. وها نحن اليوم جئناكم نطلب القرب منكم بخطبة المصونة مروة رعاها الله ، ألتقت عينا عبد الرحمن بعيني فاطمة وأبتسما .

            أيار وهي حائرة عاجزة عن التفكير تذرع باحة الغرفة جيئة وذهاباً ويداها وراء ظهرها تكلم نفسها .. هل صحيح أنا شاركت في هذه الكذبة ؟هل صحيح أنا طرف ثان في هذه الكذبة ؟هل صحيح أنا أنكرت وسأتعرض الى المسائلة أذا ما تفوهت بكلمة أمام مدّرسة اللغة العربية ؟ وهل صحيح أن العقاب الذي سيحل على الضفدعة هبة سيحل نصفهُ عليّ أوه عاجزة أنا عن التفكير ثم سحبت حقيبتها بضجر .. وفرّغت ما فيها غير مكترثة بالكتب ثم رمت الحقيبة على السرير قبالتها .. فسقطت على الأرض .. مسكت القلم بيدها ثم وضعتهُ في فمها ومسكتهُ بأسنانها ثم فتحت فمها وسقط القلم .. وقالت : سقط القلم .. ولماذا سقط القلم .. لأني فتحت فمي .. نعم هذا هو سبب السقوط وسقط حقي أمام الضفدعة لأني فسحتُ لها المجال ، نعم .. سكوتي ..  أدخلني في مأزق .. بل مأزقين إذا تكلمت مع المدّرسة عن هذه الكذبة .. ستلومني وتتهمني بالإنكار والتستر على هذه الكذبة مع سبق الإصرار والترصد كما يقول والدي وإذا سكت ستكون الوطئة أكبر .. سأُطالب بأسلوب كتابي بليغ لاسيما الإنشاء .. أوه يالسماء .. لا أعرف كتابة موضوع إنشائي بليغ فكيف أكون كاتبة .. وكاتبة مسرحيات .. هذا إلاّ إذا أقتنعت المدّرسة بأني فقدت ذاكرتي .

         وزكية كالمعتاد جالسة هي وشامخ في الحديقة على الحشيش الأخضر قرب نخلة البرحي الضخمة ذات السعفات الكثيفة المتشابكة .

شامخ : زكية أرى في عينيكِ حزناً وهماً .

زكية : وهل ترى حالي يفرح وأنا أعمل خادمة في منزل .

شامخ : يجب أن لا نتشاءم أنها مشيئة الله فالرزق مقدّر على بني البشر فليس الناس في الرزق سواسية ثم أن عملك هذا الذي تسخرين منه هو لكسب لقمة العيش بعرق جبينكِ وبكرامة .. أسمعتِ بكرامة .. كثير من النساء من يعملنّ أعمالاً تدرُّ عليهن مليارات الدنانير .. كالرقص مثلاً .. لكنهن لا يستطعن مواجهة الناس ويعشن حياة الإحترام في الوسط الرذيل الذي تعيش فيه حبيبتي لاتنكدي علينا جلسة السمر هذه .. أبتسمي هيا .. أبتسمي .. واعدَّكِ بأني سأبدد كل الأحزان التي تعتريكِ .

زكية : كفاك شامخ لاتجعلني أعيش الأحلام الواهية التي ترسمها لي لأنها بعيدة المنال

شامخ : دليني على طريقة أنتِ تسهل لنا الحياة .. ماذا أفعل كما تريني أعمل عملين الفلاحة والحراسة والسيد عبد الرحمن غير مقصّر معي .. مسكن ومأكل .. وراتبي كما تعرفين أدّخره سكت ثم أستطرد قائلاً : أولم تخبريني بأن الآنسة مروة وعدتكِ بأنها ستجد حلاً لمشكلتنا هذه .

زكية بفتور : نعم وعدتني لكنها لم ترد عليّ لحد الآن ،ولا أحبُ أن ألح عليها علها تفكّر بطريقة ما تُّساعدنا بها .

          مروة وسُـــبل في كليتهما تتواصلان في أوقات الإستراحة جالستان كل قرب النافورة في كلية كل منهما وفي إتصال هاتفي دائم وكأنهما معاً ولم تبعدهما الأيام ، تسأل إحداهما الاخرى عن مستواها العلمي في الكلية ، التي تعدُّ تخرج بالنسبة لمروة ، لكن سُــبــل في الكلية الطبية وهي ست سنوات ، فمروة تخرجت معيدة في الكلية وراحت تدرس الماجستير في قسم الإنكليزي وعادة مدة الدراسة سنتان ، ولعل في ذلك إتفاق غير ظاهر وإلحاح على مواصلة الدراسة وكأنهن يركضن من اتجاهين مختلفين للوصول الى ذات النقطة في الوقت نفسه ، اي في ذات الوقت الذي ستحصل فيه مروة على شهادة الماجستير ستتخرج سُــبــل من الكلية الطبية ، فسألتها مروة : ألم أقل لكِ عن الخبر الجديد .

سُــبــل وهي مبتسمة : لا لم تقولي … أخبريني … شوقتيني .

مروة باسمة : جاءني خاطب جديد معروف من قبل الأهل ، لقد حضر والداه ليلة أمس .

سُــبــل : ها .. مَن ..أهو منذر عم فريال ؟ أخبريني وإياك القول بأنك رفضتي ، لمستواه العلمي .

مروة : لا ليس منذر ولا تنزعجي أرجوك ، اسمعي أنا لم أرفض المتقدم لا لقصور فيه وإنما أنا معرضة عن مسألة الزواج الآن …لأني لا أفكر في هذه المسألة إلاّ بعد شهادة الماجستير أن شاء الله .

سُــبــل : أن الحياة فرص يا حبيبتي أرجوك لا تتعجلي وقد ترفضين شخصاً جيداً قد لا يتقدم لكِ مثلهِ عندما تحققين ما تصبين إليه ، وتذكري بأن المرأة كلما تقدمت في المستوى العلمي قلت فرصها في الحياة .

مروة : أوه حبيبتي .. أن الزواج قسمة ونصيب والإنسان في هذه الحياة مُسّير وليس مُخير .

سُــبــل : أعرف .. ولكن .. الإستقرار أهم شيء في الحياة أهم من التحصيل العلمي كما تقول والدتي .

مروة : ولكن لماذا لا أراك تطبقين هذه النصيحة .

سُــبــل ضاحكة : والله لم يتقدم لي متعلم لحد الآن كلهم يحملون شهادة الإبتدائية .

مروة ضاحكة : ومنهم البائع قرب المدرسة ( بائع اللبلبي للطرفة ) حبيبتي أنا أؤمن بالقدر خيره وشره ، والله أنت رائعة وجوهرة وتمتلكين كل طيبة الكون ، وأنا متأكدة تماماً بأن السماء سترسل لك الذي يضاهيك في طيبتك ، لكن المهم الآن أن تثابري وتنهي دراستك لأفرح بك طبيبة مشهورة في عيادة شهيرة ، ولا تشغلي نفسك بهذه الأمور التي لا أقلل من شأنها ، ولكني أرجأها الى وقتها .

سُــبــل : ان شاء الله حبيبتي وأتمنى أن أفرح بك وأنت تحصلين على شهادة الماجستير في اللغة الإنكليزية وأفتخر بك وأمام كل الناس وأقول أن هذه الإستاذة الرائعة هي صديقة عمري مروة ، وقد تعودت ان يصفق لك الجميع وأولهم أنا ، ولكن أرجوك فكري ملياً في مسألة الإرتباط أرجوك .

مروة : لابد سيأتي هذا اليوم وأعدك بعد الماجستير … أكيد لن أرفض .

سُــبــل : وان كنت قد سمعت هذا الكلام منذ سنوات ، ولكن سأقنع نفسي بأنك ستوفين بالوعد على الأقل تجاه نفسك وأن تستثمري الفرص الجيدة ، وألا سأتدخل بإجراء عملية تصحيحية مع الأهل للطرفة .

           أميمة جالسة في غرفة معاذ تدرّس أنس مادة الدين .. تقرأ له الآيات ثم تفسرها ، وبعد ذلك تسأله  فتجده قد أستوعب الدرس وحفظ الآيات القرآنية الكريمة قالت له : ما شاء الله أجد عندكَ مقدرة كبيرة على الحفظ  أحسنت ولدي الحبيب  .

أنس : وكذلك صديقي علي ماما أنه ذكي جداً ودائماً نصفق له .

الأم : علي .. أهو صديقك الجديد .

أنس : نعم أنه صديقي تعرفتُ عليه أول يوم باشرت فيه الدوام والدهُ كان يعمل سائق قطار ، ودائماً يتحدث عن قطار والده المتوفي ، سكت ثم أستطرد قائلاً : أمي .. أطلبي من أبي أن يشتري لنا قطاراً .

ضحكت الأم قائلة : أن القطار الذي قاده والد صديقك رحمه الله ليس له وإنما تعودُ ملكيته للدولة.

أنس : ليس له .. أذن .. كيف يقول لي أنه وأفراد عائلته سافروا مع أبيه في القطار الذي يقوده .

الأم : نعم .. كلامه صحيح هم ركبوا القطار مع الركاب والقطار تابع لخطوط النقل العراقية أفهمت الآن ؟

أنس :  نعم .. ماما .. شكراً كنت أجهل هذه الأمور . 

الأم : وعليه .. سأجعل والدك يأخذك الى محطة القطار لتراه .. ويجعلك تحدق النظر فيه طويلاً .

أنس فرحاً : صحيح أمي .. سأخبر أصدقائي عندما أعود .

الأم : طبعاً صحيح حبيبي .. لكن عندما يوافق على طلبي .

أنس : ربما لن يوافق سيقول عندي دوام ومرافعة في المحكمة .

الأم : أولاً نقدم الطلب الى الإدارة ثم ننتظر النتيجة ، كن صبوراً ولا تسبق الأحداث ، فلا يوجد شيء جاهز ابداً إلا ويمر بعدة مراحل من التكوين حتى مسألتك هذه التي تعتبرها من وجهة نظرك بسيطة .

      مروة قالت لوالدتها : ماما سأذهب الى أيار وآخذ الكتاب إليها لعلها تستجيب لي .. دعواتك أمي .. دعواتكِ 

الأم بثقة : أطمئني حدسي يقول لي أنها ستستجيب ، أبتسمت مروة دون ان تنبس بكلمة ثم سارت في مقصدها نحو منزل سراج الدين حتى وصلت دخلّت وسلّمت على أم سالم بأبتسامة عريضة ثم حيّت أميمة وسألتها عن أيار فقالت لها أنها في غرفتها تدرس .. إذا شئتِ أصعدي إليها .

مروة : نعم هذا ما سأفعله .. بالأذن .. ثم وثبت على السلم مسرعة حتى وصلت غرفتها .. طرقت الباب .. وهي تضع يدها الأخرى على مقبض الباب .. أجابتها أيار من خلف الباب قائلة : أدخل أيها الأبله المزعج .. فتحت مروة الباب ودخلت بهدوء ، وأيار جالسة على كرسيها الدوار وجهها الى الحائط وبيدها اليمنى قلم وفي يدها الأخرى كتاب الإنكليزي تقرأ فيه ثم قالت : ماذا تُريد أفُ منك ، لا تسألني أذهب الى  ماما .

مروة مبتسمة : أعتذر على الأزعاج .. وحال سماع أيار لصوتها استدارت في كرسيها قائلة : من .. مروة .. كنت أدرس .. أعتذر … ظننته أنس … خيراً ماذا تُريدين .

مروة مبتسمة : وهل أتكلم وأنا واقفة لدى الباب .

أيار : ومن منعكِ من الجلوس .. أجلسي قبالتي على الكرسي وقولي ما وراءك .

مروة : ماذا تدرسين ياترى ؟

أيار : أف .. أدرس الانكليزي .. لماذا ؟هذا السؤال ، ثم رشقت الكتاب الذي بيد مروة ، ماذا أرى بحوزتكِ .     

مروة : في الحقيقة ذهبت أنا وماما الى المكتبة في السوق لشراء بعض القرطاسية .. فرأيت هذا الكتاب فأعجبني أقتناؤه .. فأشتريته وتمنيت أن تكون لديكِ نسخة ثانية منه فأشتريت نسخة ثانية منه لكِ كهدية .. أو بالأحرى أقدمهُ لك عربون صداقة بيننا .. أنا وأنت هذا اذا تكرمتِ ووافقتي على هذه الصداقة . 

أيار : قلبت شفتيها وأقطبت حاجبيها وهي تبتسم أبتسامة ساخرة قائلة : ماذا .. كتاب .. ثمن صداقة .. أنها مفردة غريبة لم أسمعها مسبقاً … ثم انك عمتي وبأمكانك ان تكلميني في اي وقت بدون مقدمات .

مروة وهي تبتسم أبتسامتها الجميلة : والآن هل تقبلين مني الهدية أو لا ؟

أيار : أ .. دمدمت بهدوء وهي ترمق مروة بعينين ثاقبتين . و .. ماذا يتناول هذا الكتاب ؟ الذي عنوانه ثمن الصداقة يا ترى … ولماذا تعامليني بتكلف تكلمي بوضوح وبساطة فأنت أخت أبي وابي يحبك .

مروة : وانا أيضاً أحبك واتمنى ان تكوني صديقتي،أما هذا الكتاب فهو يغوص في مكنونات النفس البشرية،ويبحر في دواخل النفس ويتطلع على معالمها الخفية .

أيار : أ .. حسناً لا بأس سأقبله منكِ ثم مدت يدها الى درج المكتب سحبتهُ وأستخرجت منه رزمة من النقود .. رفعتها قائلة : وكم سعر هذا الكتاب  لأعطيك ثمنه .

مروة مُبتسمة : لا أريد ثمناً مادياً بل معنوياً أرجعي نقودكِ مكانها ولنتكلم كصديقات .

أيار : ماذا معنويا … كيف ؟

مروة : حدثيني عن نفسكِ وما يعتورها .. حدثيني عن صديقاتكِ مثلاً كم صديقة لكِ .

أيار ضاحكة : يعتريها .. ما هذه اللغة الركيكة ويقولون عليك مثقفة ، ثم أستطردت قائلة : صديقتي تركتها هناك في الماضي بسبب انتقالنا هنا وليس لي صديقة ، في الصف طالبات كثيرات العدد ضعيفات الشأن .. تافهات.. وواحدة ثرثارة بالفطرة أسمها هيفاء .. تجلس قربي في الصف .

             سراج الدين في غرفة المكتب يجلس على كرسيه وراء مكتبه مشغول كثيراً لديهِ قضية كبيرة يجب عليه أن يدرسها جيداً حتى يترافع الإسبوع القادم أمام القضاة .. ليتمكن ببراعته من تبرئة المتهم من تهمته وبينما هو كذلك دقت أميمة الباب ودخلت حاملة بيدها قدح الشاي الساخن .. وعندما رأها أبتسم ومد يده ليأخذ منها القدح قائلاً : شكراً حبيبتي كنت على وشك طلب الشاي ولكن أحساسك سبقني .

أميمة باسمة : إذا كنت لا أشعر بحبيبي أذن بمن أشعر .. وبينما هما كذلك رن جرس الهاتف ، وضع القدح على المكتب والإبتسامة الجميلة لازالت مرسومة على محياه جلس ثم رفع سماعة الهاتف قائلاً : ألو .. نعم .

المتكلم : هل هذا منزل السيد سراج الدين الأوجي .

سراج الدين : نعم تفضل أنا هو .

المتكلم : نحن نتكلم من المستشفى لحدوث حادث .

سراج الدين بلهجة خوف : ماذا مستشفى ما الأمر ؟ وعندما سمعت أميمة ذلك إزدادت ضربات قلبها وقد تشبثت به وهي تقول : ماذا سراج الدين حادث  مستشفى .

.. يتبع

 

شاهد أيضاً

مسدس كاتم للوقت
محمد الناصر شيخاوي/ تونس

من بؤبؤ عين سحرية أترصد الوقت الجاثم على الباب كان يرتدي بِزَّةً عَسْكَرِيَّةً يبدو طويلا …

اقتباسات من أعمال الروائية “حنان الشيخ”

# يرعبني الشعور بأن علينا نسيان الشخص الأهم لدينا. الأوكسجين الذي كنا نتنفسه، بتره من …

مريم لطفي: الطبيعة تقرع الاجراس..هايكو

1 الطبيعة تقرع الاجراس مطر..مطر 2 بين الاشجارالعالية برشاقة يتراقص ضوء الشمس 3 الوان متلالئة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *