سلام عبود : العودة الى اللاهناك! قراءة في ديوان (الغروب النحيف) للشاعر العراقي وليد جمعة (ملف/10)

إشارة :
رحل الشاعر العراقي المبدع “وليد جمعة” في المنافي البعيدة من وطنه العراق الذي أحبه وعشقه، وكان قضيته الوحيدة التي التزم بها بخلاف كل الإيحاءات السلوكية “العبثية” التي كوّنها عنه الكثيرون ممن عايشوه. تكريماً لذكراه ولعذاباته ومنجزه الشعري المهم، الذي لم يحظ بالمتابعة النقدية التي يستحقها تطرح أسرة الناقد العراقي هذا الملف عنه، وتدعو الأحبة الكتّأب والقراء إلى رفده بالدراسات والمقالات والصور والوثائق المتوفرة لديهم.

العودة الى اللاهناك!
قراءة في ديوان ( الغروب النحيف) للشاعر العراقي وليد جمعة
سلام عبود

أرغمنا الشاعر وليد جمعة، بعبثه ومشاكساته، على متابعته من طريق قراءة وتأويل كلماته وتفسيرها استنادا الى يوميّات حياته الحقيقيّة أو الموضوعة. لكنّ رحيله عنّا، وظهور بعض أشعاره بين دفتيّ كتاب، ترغمنا على قلب القاعدة رأسا على عقب. إنّ إعادة قراءة حياته من طريق كلماته، تعيد للصورة الناقصة والعموميّة نصفها الضائع، الشخصيّ والدفين.
بين وليد – الحياة والشائعات- ووليد -الكلمة – علاقة ضروريّة، غير قابلة للتجزئة. وربّما يكون هو الشاعر العراقيّ الأوحد، الذي يوحـّد بشكل تلقائيّ ومطلق، بين حياته وما تكتنزها من مشاعر ومعايشات وبين كلماته الشعريّة. هو الشاعر الأكثر إخلاصا لصوته الخارجيّ، الذي هو نسخة أمينة من صوته الداخليّ. كلماته لا تضع حدّاً فاصلا بين حياة داخليّة وأخرى خارجيّة، بل ترسم صورة ثلاثيّة الأبعاد لوحدة وجوده بكلّ امتداداتها السلوكيّة والانفعاليّة، الظاهريّة والباطنيّة.
توازن في البناء، صرامة منطقيّة في العرض، هدوء ورويّة في نقل الأفكار والمشاعر، بما فيها أكثرها صخبا وحدّة وسخرية، تركيز لحظات الانفعال، الاستثمار الذكيّ للصدمات العقليّة والاخباريّة والتعبيريّة المفاجئة، والوضوح المطلق. تلك صفات قصيدة الشاعر العابث! فأين التطابق؟
إنّ أيّة صيغة لإعادة النظر في المسلـّمات الشائعة عن حياة وليد جمعة، تشترط إعادة النظر في قراءة وليد، من طريق رؤيته بنية موحدّة، شاعرا وإنسانا.
أين ينتهي الشوط لدى الشاعر؟ وأين يبتدئ الشوط لدى الإنسان الفرد المتقاطع الوجوه؟
أين ينتهي الشوط عند شاعر يهرب الى الزوايا الضيـّقة لممارسة الهجاء الواسع، شاعر يحتمي بالضجيج الاستفزازيّ، القوليّ والاجتماعيّ، ليطرد ثقل الصمت المكبوت داخليّا وبطء حركة الحياة غير المرغوبة، شاعر يلجأ الى حميميّة الجماعة وهو يمارس نفوره الفرديّ من قوانين القطيع. هذه بعض وجوه وليد جمعة كما تبدو في مرايا روحه المتعاكسة. ولكن، على الرغم من هذا التنوع السلوكيّ والتعبيريّ، فقد حاز وليد، شاعرا وإنسانا، على صورة مؤطرة الملامح من قبل الآخرين، صورة ملثـّمة، عنوانها حرّيّة المشاكسة الجريئة الى حد الوقاحة، حتّى بات له وجه واحد، وجه سطحيّ وخارجيّ؛ وجه واجهة، يعرفها الجميع، حتّى من لم يلتق به. واجهة هي مزيج من الشائعات والحقائق الكاملة والناقصة والمضافة. واجهة عدوانيّة التأويل، معترف بها من صاحبها أوّلا، قبل الآخرين. هل وليد ، كشاعر وإنسان، صناعة ذاتيّة خالصة؟ أم أنّه مصنوع بدرجة أكبر من قبل الواقع المحيط ؟ أهو متنوج داخليّ، أم حاجة اجتماعيّة ثقافية وأغنية في برنامج ما يطلبه المستمعون الوطنيّ؟ أم هو كلاهما! ولكن، خلف الوجه الواجهة، لبث وجهه الآخر يلتصق بالأماكن التصاقا وجوديّا محكما، فتصبح الأماكن الضيّقة جزءا ضروريّا من تضاريسه وخصوصيّاته الشخصيّة؛ ويغدو هو، في الوقت عينه، جزءا من تضاريس المكان. لكنّه في اللحظة ذاتها، لحظة تبادل التغلغل وتبادل المواقع مع المكان، يمارس هروبا أبديّا، حافرا جدران الواقع بالسخريّة والعبث والنقد “الهدّام”، الجارح، متلذّذا بتكسير الأصفاد والأطواق الحقيقيّة والوهميّة، متشبثا باللامكان الغامض والفسيح، الذي جاء منه، والذي ينتمي اليه، والذي يدرك أنّه مأواه الأبديّ: وطنه ومنفاه:
“في كل يوم/ أسأل النفس نفس السؤال:/ أصحيح أنا/ أعيش هنا وأموت هنا/ وأدفن في اللاهناك؟.. محال!”
ولكن، لا محال في المنفى العراقيّ، منفى الداخل ومنفى الخارج، لا محال في وطن اللاهناك:
“ما العراق؟/ جبل أم حدأة؟/ أم بقايا جثة بين الصخور الصدئة؟”
ضياع الأمل، عدم الثقة بصنـّاع السياسة والحكم والثقافة، النهايات المغلقة للطموح والحلم والرغبة، صورة من صور التشاؤم الشائعة المعروفة. لكنّ تشاؤم وليد جمعة له لون مميّز. إنّه تشاؤم أبيض اللون. تشاؤم خال من الكآبة والسوداويّة، هو أقرب ما يكون الى تشاؤم المحارب الحالم بنصر مثير، ويوم جميل يلوح في الخيال قريبا جدّاً، يوم يدرك الحالم به، إدراكا مطلقا، أنّه لن يأتي أبدا.
اختار وليد سلاح المشاكسة والعبث، وهو في أشد حالات جوعه الى لمسة صدق، وهمسة مواساة نقيّة:
“إنني ما زلت كالأمس غلاما فوق سن الأربعين
كل ما أحتاجه كأس من الماء وبعض الاسبرين
ومناخ الأخت إذ ترفو مرارات أخيها
وتفلي شعره بحثا عن الرؤيا الحزينة
ومتى ما أدركتني الطمأنينة
سوف لن أسأل:
هل تمتمتِ (يستاهل) أم قلت (خطية)”.
حنين جارف الى الألفة العائليّة، مصحوب بخيوط من الأسى تخلط بين شفقة “السياب” على نفسه وقدره وبين الإدانة المصحوبة بالتشفّي. أهو شاعر ينتقم من عذابه ومن مرارة توقه الى الحنان؟
“ويل هذا الوطن الأقرب والأبعد…/ من حيف الخسارة/ ويل أحلام الصغار/ والتفاصيل التي تقود الجنّ نحو الانتحار.”
لا نعرف كثيرا كم كانت حياته الداخليّة تبحث عن أسرار الشعر، لكنّ المؤكد أنّ شعره كلـّه كان بحثا عن أسرار الحياة، صغيرها وكبيرها.
خلف سهام المشاكسة وهجائيّة السلوك العابث تكمن ذات مغرمة بالعطاء غير المشروط، مغرمة باليد التي تمتد نحوها لكي تمارس معها حنانا مفتقدا، ضائعا، حنانا موجعا، لا يشبه غيره.
العناية اللصيقة، الحميميّة، الخالية من الشفقة، يتقبلها برحابة روح وطيبة وألفة حينما تأتي اليه متآخية مع شروط استعلائه، من دون “خطية”. لأنّ الاستعلاء الهجوميّ، المزروع في خلاياه علامة باطنيّة مميزة، وخصيصة ثابتة مطبوعة في الدم، لا تقبل الخطأ أو المساومة. فهو حتّى في صراعه مع العالم الكبير لا يرى نفسه ضحيّة. ربّما بدا له العالم نفسه، بكلّ ثقله، هو الضحيّة المؤكـّدة. هذا الاستعلاء العنيد يستخدمه في حربه ضدّ الأفراد، وضدّ الجماعات، وضدّ الأحزاب، وضدّ المؤسسة، وضد ّالوجود عامة، وضدّ نفسه أيضا. لذلك نراه في حروب دائمة، لا بداية لها ولا نهاية. لا يعرف الى أين تقوده، ومتى تنتهي وأين وكيف، وربّما لماذا أيضا في بعض الأحوال.
“رغم كل البلايا/ أراه من المستحيل عليّ/ من المستحيل تماماً/ كراهية (هذا) العراق.”
بنهايته عرف الجميع بعض أسرار بداياته. برحيله تمّ استحضار قدومه، الذي كان يتبادل الذهاب والإياب بين عالمين متناقضين شكلا، متّحدين مضونا ونتيجة، بين وهم يشبه الواقع وواقع يشبه الوهم. بموته أرغمنا شعره على تأمل خفايا حياته المهملة، وفصلِ ما هو وهم فيها وما هو واقع.
هل كتاب الموت أفصح من كتاب الحياة؟
حينما مات الشاعر شهق كثيرون دهشة: مات! مات موتاً! كأنّ الموت لم يكن جزءا من برنامج حياته ووجوده! كأنّ موته لا يشبه الموت، وليس جزءا من برنامج السهرة، السهرة الوجوديّة العابثة المعقودة على طاولة مقهى، أو في زاوية غرفة تعبق بالأدخنة الخانقة والروائح المسكرة، وبخليط من الأوهام والأحلام والنزوات والعواطف الغامضة.
بعد موته خلـّف لنا ديوانا صغيرا، هو كلّ ما استطاع أصدقاؤه جمعه بصعوبة بالغة، ونشرته دار الجمل عام 2016. ربّما أرادوا أن يؤكـّدوا به أنّ رحلته العبثيّة لم تزل مستمرة شاعرا، بعد غيابه إنسانا.
تلخص قصيدة (الأعقداء) انطولوجيا شخصيته بكلّ تفاصيلها الجارحة:
“لا تحرجوني..بعضهم في موقع الجرذ
وبعض آخر في موقع الخنزير
– شخص واحد في موقع الضبع –
وبعض قنفذَ الروحَ احترازا أو عصابا
والبقايا زعماء!”
لقد أفرد وليد للضبع موقعا متفرّدا، كما لو أنّه يتنبأ بممالك الضباع العجيبة، التي تزعمها لاحقا الضباع والمضبوعون وسط الخراب اليساريّ الخاص، والخراب الوطنيّ الشامل. ممالك الضباع الماليّة والسياسيّة والإعلاميّة نبوءة أكثر منها ذمّا شخصيّا مبكرا، كما رآها قصيرو النظر. ممالك استطاعت ليّ ألسن طليقة وتحويلها الى أبواق، ودبغ جلود برّاقة وتحويلها الى طبول.
لكنّ وليد جمعة لا يستطيع أن يخفي مباشرته، حتّى وهو في ذروة الانضباط العقليّ، حينما يصف المناخ الثقافي العراقي في البؤر التي يكون لليسار سيطرة فيها:
“شاعر بالواسطة
وشرطي يقود (الرابطة)”
فسّر المفسرون خصومته مع ” الحزبيين” المتحجّرين بسؤال ظنـّوه جامعا مانعا: وكيف يتصالح مع الآخرين من لم يتصالح مع نفسه؟ العارفون بكلّ شيء، هؤلاء، لا يعرفون أنّ شاعرا مثل وليد جمعة لم يكن منشقـّا على ذاته، ولم يكن منشقـّا على حزب ما، على عكس جماعات المتوازنين المنافقين. كان وليد جمعة شاعرا وإنسانا منسجما تماما مع ذاته في مواجهة قدر لا “يستأهل” المعاشرة والصحبة، ناهيك عن الثقة. كان منسجما في رفضه التصالح مع عالم يراه فاسدا، وهو عالم فاسد بامتياز، إلاّ في نظر الفاسدين.
ينتمي وليد الى فئة تُعرف بالمستقلـّين. وعلى وجه الدقـّة ينتمي الى جناح طبقة المدينيّن المستقلـّين الرّثـّة من حيث التصنيف السياسيّ والطبقيّ والأخلاقيّ.
هو مستقل ليس قياسا بالمتحزّبين، بل هو مستقل حتّى ضمن جماعة ما يعرف بالمستقلـّين. ينتمي الى شريحة المستقلـّين، المتوحدّين في فرديتهم ذات الطابع الاجتماعيّ والشعبيّ، الذين هم أكثر عفـّة، وأكثر ثباتا في الطباع والمواقف السياسيّة والإنسانيّة والثوابت الأخلاقيّة، وأقلهم ميلا الى الدعاية والتكسّب، وأكثر بعدا عن الروح النفـّاجة، التي شاعت بين جموع المستقلـّين، من محترفي اصطياد الغنائم الرسميّة، الحكوميّة. حصريّا يعود وليد بأصوله الاستقلاليّة الى شريحة الجيل الأقدم، الأقلّ انغماسا في المشروع الحزبيّ. لكنّه لا يشبههم أيضا في استقلاله السياسيّ والاجتماعيّ الناقد، وفي روحه الشعبيّة الأصيلة، على الرغم من أنـّه يشبههم في شدّة فرديـّته وتمرده على النزعات الجماعيّة والقواعد الاجتماعيّة، واختراقه المحظورات، وفي كره القيود التي تكبـّل القطيع ببعضه:
“كأني معافى/”وبغداد عامرة/ والعراق حقول/ على أي حال/ سأسند للخمر دور البطولة/ في مسرحي/ أدسّ الحشيشة بين الفصول”
فرديته، والمسافة التي وضعها لنفسه بعيدا عن القيود الحزبيّة والسياسية الصارمة وتقاليد المؤسسة الاجتماعيّة الرسميّة، لم تكن حلاًّ، بل كانت أقرب ما تكون الى”ورطة”. كانت بمعنى آخر وجودا إرغاميّا، يشبه المؤامرة. لذلك ظلّ يحارب الأطر الجماعيّة فكرا وممارسة، ولكن بحنين الى الألفة والى الجماعة، فكان مزيجا من فرديّة وشعبيّة، كان شعوبيّا فريدا في استقلاله، لأنّه وحدة عبثيـّة للنقائض:
“عندما تعبر هذا الشارع المشبوه وحدك
وتداري ورطة العيش بحل (العيش وحدك)”
إنّه شاعر شعبي يكتب بالفصيح. إنّه رصيف خاص في شارع المستقلـّين، ومنبر شخصيّ في مربد الشعراء الصعاليك.
“أي أرض مرّة تافهة الحكام
– والأحزاب ايضا -” (سراديب مضيئة، السفير 1985)
ينتمي وليد جمعة الى شعراء الهجاء في سلوكه وفي شعره. لكنّ هجاءه أقرب الى التبكيت، وقصيدته أقرب الى النسيان منها الى التذكـّر، لأنّ قصيدة لا تملك ثقة بالحاضر ولا بالغد:
“أنا أعرف هذا الغد النذل
أتاني غبشا في حوش أهلي”
السؤال لديه هو الجواب. لذلك كثرت لديه الأسئلة، التي تشبه الأجوبة:
“الحديقة..
مولد أم احتضار”
(من قصيدة غير مؤرخة)
“شفت ثوريين لا هم لهم غير أذى الناس
قياديين من بين أخس الناس
ناسا لم يكونوا ابدا كالناس
ضبع يعِظ الناس
حسيني يرش الخمر من مئذنة العباس”
يتكرّر هذا المشهد مرارا:
“فالعراقيون في المنفى جميع من
رجالات الصحافة
ودكاكين الثقافة
والفلوس
وعلى معرفتي: أشهرهم من صنف التيوس”
ويتكرّر:
” العراقيون في المنفى
– اجبني يا إلهي! –
أتراهم بشرا كالخلق أم مسخ بشر؟”
ويتكرّر بإلحاح ، ولكن بتعميم أوسع:
” ما العراق؟
جبل أم حدأة؟
أم بقايا جثة بين الصخور الصدئة؟
أم مريض بالرئة؟
هل هو الدمع المراق
فوق مرآة امرأة
أخذت دون..عناق.!”
في (العربنجي) سخرية من النظام السياسيّ، ومن الذين يورّطون الناس في الطرق “الممنوعة”: عدنان القيسي، تلوين سيقان “النسوان”، وجزّ شعر الرجال.
أمّا قصيدة (الحسّون) فتغرق في حوار رهيف مع طائر، يعكس الوجه المحتجب، المضاد تماما لقسوة الهجاء، ويبرز الحرير الشفيف الذي ينسج أعماق روح الشاعر، ورومانسيته الدفينة: ” حين أكون الغصن المكسور وذاكرةً أنت تزقزق فيها”!
وليد جمعة الشاعر والإنسان يتطابق فيه الشعر والمشاعر، تتطابق فيه الأضداد الشعوريّة والسلوكيّة. وهذه خصيصة قلّما تحلـّى بها شاعر:عبث الوسائل، والتزام المضمون.
ولأنّه ابن شوارع حقيقيّ، ولا أقولن ابن المقاهي، ابن جوف المدينة، فإنه يستطيع بسهولة أن يتبادل الثقة والألفة مع الموروثات، وربّما استطاع أن يجعل من نفسه موروثا شعبيّا.
بشفافيّة عالية يستدعي الموروث الشعبيّ العراقيّ الحزين، الحسينيّ منه، محاولا إيقاظ النائمين. يعود الى “جابر” مفسحا المجال أمامه لكي يعيد قراءة المأساة العراقيّة المتجدّدة. بطرفة عين يخرج الشاعر من كهوف حاضره، ومن تلافيف عبثه، ويذهب الى عبث التاريخ يواجهه مشاكسا، وهو لا يخفي شدّة انكساره، أو طلبه المعونة، لكي يقدر على تحمّل وطأة المأساة القديمة الجديدة:
“جابر يا جابر ما دريت بكربلا شصار! من شبت النار؟ ما تساعدني يا جابر على مصاب اللي دهاني!”
وجابر هو جابر بن عبدالله الأنصاريّ، أحد رواة الحديث والحفـّاظ، الذين بايعوا الرسول في العقبة الثانية، وقيل إنّه مات سنة 78. ومما يروى عنه أنّه حينما وصل كربلاء، بعد واقعة الطّفّ، لم يجد سوى أرمدة الخيام المحترقة وأشلاء الأجساد الممزّقة. فوقف مذهولا أمام حجم وبشاعة المقتلة، يحيط به العراء اللانهائيّ، وروائح الموت، وسكون الفاجعة المرعب. السؤال الذي صاغه المقرئ الشعبيّ العراقيّ الأصيل، وأعاده وليد جمعة في قصيدته، لم يكن سؤالا كربلائيّا خالصا. كان سؤلا وجوديّا،عراقيّا خالصا، استحضره وليد وهو يرى العراق خياما محترقة، وأشلاء متناثرة على مرّ العصور.
ونداء “جابر” في الرواية الحسينيّة تساؤل عجيب في ظاهره: تساؤل من يقف وسط ملايين الشيعة صارخا بلوعة: ماذا حدث؟ وهو يعني ماذا حدث في كربلاء، في مجزرة الطّفّ! هذا التساؤل الغريب لم يكن تساؤلا معرفيّا. لأنّ الجميع يعرف ما حدث. لكنّه ضرب من ما وراء المعرفة، منظور شامل، يدعو الذاكرة المنوّمة الى قطع حبل غفوتها والعودة الى واقع المأساة باعتبارها عظة، يدعوها الى الكفّ عن اللطم واستصغار الذات وإهانتها. إنّه إيقاظ مسرحيّ، إيهاميّ، ومأسوي، يستدعي الدم المراق، ويطلب منه أن يكون شاهدا عادلا على واقع غادر وظالم. بيد أنّ هذا الاستحضار لم يرافقه لدى وليد جمعة، كما يتوقع القارئ، سرد أو توغـّل في التاريخ. لقد اكتفى وليد من التاريخ والموروث بالنداء الملتاع، جاعلا “اللطميّة” التراثيّة مدخلا للتوغـّل في “لطميّة” الحاضر: معركة الطّفّ المعاصرة، وكربلاء اليوميّة، التي يعيشها العراقيّ جيلا بعد جيل، ومعركة بعد معركة، حتّى في ظلّ الحكم الكربلائيّ، في ظلّ المظاهر التي جعلت اللطم والتطبيرمشروعا حكوميّا، نازعة منه طابعه العاطفيّ والطوعيّ والفرديّ والشعبيّ، محوّلة إيّاه الى منجز حزبيّ، وبطاقة تموين متعفـّنة، باسم الدولة الحاكمة، بالتزامن مع جعل الفساد واللصوصيّة وظيفة حكوميّة رسميّة وشرعيّة، تنافس عنف التكفيريين في حجم أخطارها.
“ما العراق؟/ جبل أم حدأة؟/ أم بقايا جثة بين الصخور الصدئة؟”
أأنت تسأل أم تجيب، يا جابر؟
من منّا لا يعرف الجواب!
ولكن، من منّا لا يعرف حقاً أنّه لا يعرف!
وإذا قـُيّض لهذا السؤال أن يُصاغ بأسلوب وليد جمعة الهدّام لحقّ له أن يكون: من منـّا لا يكذب؟

شاهد أيضاً

قراءة في رواية “حياة ثقيلة” لسلام إبراهيم
اللغة والسرد بين الواقع والخيال*
كاظم الزيدي (ملف/126)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (30) (ملف/125)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

قراءة ثانية في حياة ثقيلة
عدنان يوسف (ملف/124)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *