د. محمد أبو خضير : التقانات – السمعبصرية في (إيقاعات الزمن الراقص)

التقانات – السمعبصرية في
( إيقاعات الزمن الراقص )

د. محمد أبو خضير
كلية الفنون / بابل
يستخلص الناجز الجمالي للنص السينمائي من منظومة تقانات وأفكار تعبيرية وماهوية تأتلف منتجة لقطة نهاية فاتحة لمجمل تحولات الرؤية الفنية والرؤيوية من قطع وتواصل وتأجيل وتقديم وارتداد .
واللقطة في النهاية في مسار الخطاب السينمائي رغم قيمتها إلا أنها حاصل لغياب جملة لقطات مساهمة في تشكلاتها في مدار الخطاب ومساراته حتى النهاية .
إن اللقطة – أي لقطة – ترشح من لقطات ذات جهات وأبعاد وأوضاع مختلفة تقترح ببعدها وبأثرها النهاية الكلية ، وفي التشكيل السينمائي، المتضايف والنص السردي تتعد وجهات النظر في تشكيل اللقطة والمشهد ، فاللقطة السردية تضاهي في شموليتها مع فضاء التشكيل في الأداء السينمائي باختلاف عدة الروي والسرد ومنظومة التواصلية والبنائية ما تتيحه الشعرية الجمالية لفنون أدائية وأخرى مكانية وفي ذلك إحلال واستبدال الخطاب اللفظي وتنصيب اللغة الاشارية والعلاماتية في بث فضاء السرد وسينغرافيته – من تشكلات ودالات وأفعال تخص مجمل المشهد ، والنص في تقانته السينمائية في نصوص القاص ( علي السباعي ) ( إيقاع الزمن الراقص ) يتهيكل على سرديات تتناص في منجزها الاتصالي مع متلقيها نصوص الخطاب السينمائي ، فالأحداث توصف عبر الحركة المصورة والراشدة الى مسح العلامات في مشهد السرد وتتناص كذلك مما أتت به خطابات الأداء السينمائي من مسميات بنائية ومنها ( السرد المعروض )، وفيه تتابعات لأحداث ومن ثم انقطاع والانتقال الى مشهد أو لقطة تاليه بفعل مونتاجي .
ويأتي أداء المونتاج السردي في القفزات الزمكانية في الأحداث والمشاهد ،والعدة المونتاجية تأتي بنوعين ، أداء لفظي تحمله علامات زمنية – قبل – بعد – هناك – أو عبر فضاء النص الورقي ممثلة بالأرقام وعلامات التنجيم والفراغ ، وينساق الزمن بذلك الى تنوعات نسقية بين التتابع والتلاشي والتخفي والتناوب وهي إحالة الى منتج الخطاب السينمائي في إنتاج المشهد .
واللقطة أو / والمفتتح السردي السينمائي تتنوع في مجمل النصوص القصصية ( الإحدى عشر)وتتنوع بأثرها مديات الإيقاع وتموجاته من سرعة وبطئ وتوسط .ويمكن حصر أفعال الافتتاح التصويري الى جملة اداءات سينمائية في إنتاج الصورة الكلية أو المشهدية :
1. مشهد الافتتاح الحركي :
وفيه يتخذ السرد حركة الرصد التصويري متوسلا بأداء آلة التصوير في مجارات وتزامن مع حركة المشهد من شخوص ومكونات المشهد السينغرافي ، ففي نص ،( دم اخضر ) تتأسس أفعال الحركة المصاحبة لكاميرا الراوي على منظومة جمالية ، فالأداء السردي له قرائن في فضاء المشهد السينمائي ( تلتمع أجساد الخيول المتعرقة تحت شمس الصباح الساطعة ، الرجال فوقها مراجل مستعرة ، عيونهم تدمع من فرط الريح القوية ، على يمينهم كان النهر يجري مضطرباً محملا بدوامات الغرين المحمر بلون / الدم / ) ص44 . واللقطة السردية لقطة عامة متسعة لعلامات المشهد وما يجاورها من علامات طبيعية بعلامات ( الخيول ، العين ، الشمس ، الريح ، النهر ، الغرين ) وهو ما يسارع في تعزيز تواترات الإيقاع وفتح خطوط أكثر شدة مع المتلقي ، فالحركة في مجمل النصوص معنية بفرز وقائع احتدامية صراعية تحاصر المتلقي في الانتباه والجذب ، ولان موضوعة النص تقترن بفعل التأثير ، كان للقاص ( السباعي ) مسوغاته في تسريع الأحداث منذ شروعها الأول .
أما في نص ( آخر رغيف) فالثيمة لها سمات مخلقة وإيقاعات تأشر ظرفاً زمكانياً مدينياً في فضاء آخر مثل المستشفى ، فرغم سلبية الفضاء ، إلا إن المفتتح السرد – سينمائي يبدأ ببطء ملحوظ ويلتقط حركة فردية تخص شخصية ( الطبيب ) فالفعل التصويري ، يفتتح بلقطة قريبة/ خاصة فهي ترسم حركة فعل نقل ساق الطبيب بشكل مبكر ومجسد في فضاء السرد – السينمائي وتنتقل الكاميرا الى الكشف عن سينغرافيا المشهد من ( عدد ملاءات ، علامات / ألوان / روائح / طاولة ) تخص الفضاء ذاته( نقلت ساقي ببطءٍ ، مجتازاً باب المستشفى ، تمرغت بصدري رائحة المطهرات ، رؤية بياض الملاءات ، وقد تقيأ الناس آلامهم فوقها ، يشيع في النفس الألم ) ص46 .
وثمة تداخل حركي – حركي في اللقطة المفردة ، فالرصد الزمكاني لـ ( الغروب) حين تنفتح عدسة الكاميرا – السرد على مشهد لـ ( الغروب) تنخفض حركة الكاميرا صوب جزئية علاماتية حركية ناهضة في فضاء الأفق تمثلها حركة الرجل الصاعد في الأفق البعيد مما يقارب التقاط علامات أكثر قرباً في تفحصها رغم ظرف ( الغروب) الشاحب ( هربت الشمس بعيداً ، خلف شباك في الغيوم الرمادية ، انتشرت فوق نخلات فارعات في نهر صغير ، خدش السكون رجل يسير على الضفة ، علّق دشداشته بحزام عسكري ، بانت ساقاه السوداوان هزيلتين ، كان ممسكاً بيده قضيباً خشبياً طويلاً ذا نهاية حديدية كأنها سيف أسطوري ) ص48 .
ومستهل نص ( مظلومة ) يشمل الأداء الحركي والصوتي فالراوي – أو / والكاميرا تترصد بلقطة متوسطة جموع الاحتفال وأفعال الحركة والانتشار العلاماتي في فضاء كرنفالي ، له سعته في الاداءات المتنوعة المختلفة مطيحاً بقوائم التقاليد والنواميس الحياتية المألوفة .
إن المرأة في متن النص وبعلاماتها الملبسية ( النقاب ) تكشف في عمق النص وحواف نهايته عن سر ارتدائها النقاب . فالعلامة تلك له امدوناتها المضمرة والمسكوت عنه ، فهي أي العلامة ، تقف حاجباً سلوكياً سوسيولوجياً فكان خطابها حيث نقابها بعد أن ( .. خرقتها أصابع آثمة ) ص /51 .
وفي المفتتح ذاك يتواصل فعل البداية المفتوح على علامة السواد والنقاب بانزياح الفعل الختامي الى منظومة قيمية مستخلفة في ثنائية السواد / النقاب ( أنا امرأة خرقتها أصابع آثمة ) ص/51.
وجاء المفتتح الحركي للصورة أو المشهد بدءً من ذات العنوان في نص ( رياح ) وفيه تبدو مشهدية اللقطة الكبرى في تأطير حركة القطار الصاعد من الجنوب ( وبين جوانحه صدى رياح ضائعة، رياح يلوك صداها وحده ، وكأنه يسمع حشرجات روحه تتأهب لقضاء فرصة من الراحة ) ص98 .
ويستتبع ذلك حركة / فعل استرجاعي للذكريات الزمكانية ، إذ يؤشر الراوي في نصوص (إيقاعات الزمن الراقص ) بعداً اوقاتياً له إيقاعه المتنوع في تمثله بالفاصلة الزمنية . فعل الاسترجاع يتم بأصله الى علامة زمانية بأثر المفتتح – الحركي – المكاني ( القطار ) والاسترجاع لدى شخصية ( باسل ) لعائلته من زوجته وطفله في يوم ( نيساني ) والعودة الى صورة الافتتاح ، تتم بكلياتها بسرد وتوصيف زماني / حركي ( فيسمع صوت احتكاك عجلات الزمن والقطار وكلاهما يصارع الزمن للحصول على عوامل ليس فيها من بعد وراءك خطوتك ) ص99 . ويعقب ذلك قطع ومنتجة حدثية ويختتم الراوي بنية النص الفعلية ، بدخول عجائبي الى باحة الدار هي حاصل منتجة لجملة أفعال خارج أفق التوقع ( فإذا بكبش ابيض ضخم يصارع الباب بقرنيه الكبيرين ) ص 100 .
2. مشهد الافتتاح الزمني :
وفيه يتهيكل السرد أو الصورة بزمن يؤشر الأحداث في ظرف ما ، في نص ( رجل أنيق ) تنفتح عين الراوي على مشهد زماني يؤسس ويمهد لأحداث تالية ، فلقطة البداية عامة لتأطير(الغروب) في مدينة ( حلت الظلمة شعرها الفاحم فوق أكتاف المدينة عند مفترق الأزقة ، حيث مكان القمامة ) ص52 ، واللقطة الراوية تبدأ من مستويات أعلى بتأطير المدينة داخل صورة كبرى لتتهاوى الى الأسفل باحثة عن نقطة الحدث الأهم ( القمامة ) واليوم هو السابع في الزواج في مفتتح نص ( ورود الغابة ) فالزوجين في زمن مصطفى له مائزته في حياتهم تنساب كالينبوع المتدفق من بين الصخور ، ( لمس شعر زوجته ، أبصرته بعينين سوداوين) ص/54 ، ويلحق الدال الزماني ، تواترات تخص الماضي القريب ورواسم ذكريات حية ، وترفع الأحلام الى وقائع معاشة ، وهو زمن يتناص في تقديمه وتأخيره بين الواقع بساعاته الموقوتة وأيامه المعدة لتواليها ، وبين زمن بائد في ذاكرة ( الأنا ) الشخصانية والجمعية عماده ، ترسم أحلام وذكريات، فالزمن النصي في الذهاب الى الوهم وانعكاسه على الحياة اليومية في حركة يمكن أن يتناظر وثنائية الأقرب / الأبعد ، العمق / الأمام في تشكيل الصورة في فضاء مشهد فلمي . وتقترب آلة التصوير – السردي في نص زمن صريح (ضريح الأمس – ضريح اليوم ) مقترباً وعلامة الساعة وعقاربها الزاحفة الى السادسة ، فثمة ازدواج في المفتتح تمثله الحركة والصوت لتأشير إطار الزمان والحدث والفضاء في النص محتشد بالأصوات والضجيج يمثله عمال الميكانيك والسمكرة وصب القوالب ، وفيه تطغى الأصوات والجلبة والحركات على حوار العامل ( عرفان) وصاحب الإدارة ( الحاج ماضي ) وينتهي كل ذلك بفتح مغاليق الذكريات وأحلام (عرفان ) المندثرة باليأس والاغتراب .
وإذا ما افتتح النص بمنظومة التشكيل أو التكوين الفلمي في حدث وحركة وصوت ، فان النهاية تتقوض داخل ( عرفان ) عبر هواجس الماضي في طوية ذكرياته الآفلة.
إن الصخب في المفتتح فاعل إشغال للمتلقي بدرجة حادة في الحركة والصوت والحدث ، ويعد النص في محمولاته الدرامية / التصارعية والجمالية النص الأكثر تواصلاً مع المتلقي دون غيره من نصوص المجموعة التي تنفرد بعلامة أحادية دون غيرها من العلامات (صوت / حركة / زمكان ) ولكل العلامات مائزتها البنائية والإيقاعية في إطار التشكيل الصوري والسردي .
وفي نص ( المدينة ) يتوزع المتن الحكائي جزئيات خمسة تتابع إرسال ثيمة مركزية تحملها أصوات فضاءات المدينة في أسواق وشوارع والجزئيات الصورية ترفع عنوانات مثل (الصراخ ، خيط الغش ، الطعنة، الأكفان ، الراية ) .
وهي عنوانات تتحايث وما ألفته الرقائق السينمائية وما آلت إليها من مسارات تجريبية في رفع عنوان ما بداية لحوادث بذاتها ، لتتوارد تنوعات اسلوبية في مسار الفلم الواحد .
وتتوزع الأحداث بكل جزئياتها اليومية داخل الإطار الاشمل والأكبر صورة ( المدينة )
وبدءً من المفتتح الأول ( الصراخ ) ترتفع أصوات وحركات شرائح المدينة الاجتماعية من ( باعة / مارة / متسولون ) في فضاءات ( المطاعم / محطات السفر ) وأصوات لوازم المرويات والملفوظات اليومية الترويجية ويستكمل إطار الصورة ( المدينة ) في التشكل في ( خيط الغبش ) وفي تلاحق حركة السرد – الكاميرا ضجيج الباعة بالتقاطات تقارب اسلوبية الواقعية التسجيلية في توجهات الخطاب السينمائي الحديث ، وتذهب آليات السرد الى المساومات بين الباعة والشراء وتداولية الحوار واسلوب تعاطيه في ظرف يحتشد بأفعال التسوق مثل استقبال شهر رمضان ، وتنتقل عين السارد – الكاميرا بفعل انزياحي الى حادث مقتل احد الشخوص ومنتجته الى فضاء محتشد مثل ( سوق الهرج ) في تسجيل للأصوات والإشارات والأحداث .
ويختتم الأداء ( السمعبصري ) بانفتاح عدسة الكاميرا على مشهد جمعي متحرك في أفواج المجانين ومتراكم داخل الإطار الأكبر ( المدينة ) .
3. مشهد المفتتح الصوتي :
وتستهل به بعض نصوص القاص ( علي السباعي ) بعلامات سمعية / لفظية تتواصل مع متلقيها . وهو ما يقلل من حضورها الجمالي والدرامي . فاللفظة في أبعد مستوياتها الاتصالية دون تشكلات الصورة وحشدها السيميائي لغلبة الاتصالي التبليغي على جماليات البناء والتكوين في نص ( إيقاعات الزمن الراقص ) يجعل الراوي المشارك( الطالب) بتسجيل محاضرة الأستاذ الصوتية .
ـ انتهى الدرس . وبانتهائه بدأت عجلة الحياة تدور في الاتجاه المعاكس . الدقائق بدأت تحصدها مناجل من لحظات راقصة ) ص /5
ويعبر الراوي عن ذاتية المشاركة في نص ( عرس في مقبرة ) بأبعاد سايكولوجية تخص وجوده الحياتي .
( كنت احسب أنني في عزلة موحشة ) ص10 ويعلن مستهل نص ( الخيول المتعبة لم تصل بعد ) عن حوار مستمر قبيل أصوات المتن الحكائي وفضاءه الورقي ، وبفعل إخباري / إعلاني فاستمرارية الملفوظ في ديمومة بل يعمل الى إعلانها عبر الصوت في طلائع النص ومبثوثاته
– لا تقاطعني فانا لم انه كلامي بعد . ص21
ويتكرس الأداء اللفظي في روي شخصية ( غاندي ) لحياته في نص ( قطار اسمه غاندي) بواسطة الفاتحة اللفظية :
1. أكاد .. آسف على أيامي الماضية . ص37
وتتأتى علامة الصوت / الملفوظ لتشكل الصورة بإطارها الشامل والجامع بأصوات ذات إحالات وصفية لماديات الواقع ، إضافة الى الحوار الملفوظ ، فأصوات الرصاص تسخين لمشاعر وفطنة المتلقي بديلا للحوار ، ليكون ابعد تأثيراً في بداية السرد ، ( سرقة صوت الرصاص مما هو فيه من خدر ، حطم جدران الأمان ، تصدعت سقوف الخدر ، هيهات بعد ذلك أن يحصل على الاستقرار .) ص 70
وفي التقانة السينمائية يقترن الأداء عموماً بالحركة لمجمل الأفعال والأصوات ، قناة تكشف إيقاع متنوع ، ما يؤشر المتلقي في نصوص المجموعة في جمعها بين التباطؤ والتعجيل وأفعال الحركة والإسهام في ( تكوين ) الصورة في بنائيتها وتواصلاتها .
ــــــــــــــــــــ
* علي السباعي ، إيقاعات الزمن الراقص ، دمشق : اتحاد الكتاب العرب ، 2001 .

شاهد أيضاً

روح المواطنة في مواجهة الغزاة: رواية (أضلاع الصحراء)
شكيب كاظم

يوم أدرت حديثا نقديا عن رواية (العطر) لباتريك زوسكيند، تساءلت ما أكثر ما قرأ هذا …

هلال العطية: قراءة في نص مونودراما (القُبلة الأخيرة) للكاتبة منتهى عمران

نص مسرحي من جنس (المونودراما) يسلط الضوء على حياة أمرآه تعاني من الإضطهاد والتعسف ضمن …

قراءة وتحليل لقصة هادي المياح (اللص وحكاية الطلاسم)
جاسم السماري

هنالك موروثات تاريخية وأعراف ورثناها واخذت تتبلور في واقعنا من الاجداد الى الابناء ، كذلك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *