هشام القيسي: حكاية عشق ” جليل البصري “

إبتداء لدى جليل البصري المفكر الشاعر يكتحل الفكر بالشعر ، ويطاوعه عبر تداخل متناغم تنساب فيه مدافن الأسرار ، وحلم الأفاق ، لذالك نجد أبياته الشعرية واحة مملوءة بأشكال حياتية سواء أكانت بصيغة مترشحة عن لوحات درامية أو إمتدادات تكنيكية قائمة بذاتها أولا ، وإنتهاج نموها عبر صيرورة   تلمس حيويتها منذ الوقفة الأولى عند أول مفردة شعرية تلتقطها ثانيا 0
ولعمري إن جليلا في هذا المسار هو ندرة كررتها روحية متطلعة سارت نحوها أزمان ممتدة مستقطعة   من خلال مداخلات وإطلالات ، ووفق تماسات وتطابقات 0 هكذا هو ، تحاصره شكايات تتطلع الى أن تتوافد سيولا ، قبل أن يأمن الوجد في نشيد يصرخ ويزهر 0 هو يرى مالاتراه عيون الآخرين ، ويصدح ،   فحرائق التأريخ وصمت الهموم وفم الوجع جعلته دائما يوغل في إشعال لحظات توقع كل حين في آفاقه   خطوات الروح الحية البهية، لتقرب المسافة وتنشد شعره 0   في جراحاته الممتدة من اللاهوت الى الوضعية ، ومن الخليقة الى هذا الزمان ، ياتي سرا مفتوح النوافذ   حاملا رائحة الدهور المعتقة بالنيران ، وفي تأشيرات عبوره وسطوعه الذي يتفجر بين الضلوع ،تكون   همومه موردة باليقظة وبكتاب الشعر والجمر ، لذلك تخضر أوراقه ولاتتيبس ، وتفتح ينابيعه في وجه    المحيط ، الطرقات ، والشجر ، وقساوة الذكرى 0 إنه على جرحه عازف ، ولخشوعه هاتف ، يداوي مسافات تمتد بين القلب والعقل ، ويشهر أسئلة ضد الجفاف 0 
إن الزمن لدى الشاعر البصري يسافر نحو حكمة ورؤيا ومرايا في الهدوء ، مثلما يسافر في الغضب واللهب ،
وفي العهود البريئة 0 وقد حملته لحظات تجليه ليمارس في مواسم الحياة نقوشا عذبة على أجساد الأشياء ،
وشريط صحو في مهجة اليوم 0
في عشقه روح وجذور ووقت لاينثني ، يتمخض ضوءا في لحظات التحدي :
(( العشق
دعوة صادقة للاندماج
بما من حولنا
بالعالم الباقي الأزلي
لننقذ الجسد
من حتمية الفناء ))
مدخل للسياحة ص8-9
مثلما يتمخض إمتدادا ذا نفس روحي بعفوية ملموسة :
(( أعيش لحظة العشق الذي يدمج المكان والزمان
يدفع من أمامه
كل الحدود والقيود 000 ))
مدخل للسياحة ص10
إن اللحظة الراهنة واللحظة المستيقظة جدل حميم ممدود للآتي ، وفي الأتي حلم يتبلور ، ولهيب يتحرق في
في مجرى أسئلة تتدفق لتهطل بالتالي حيرة تندفع لغة تطوي بكل وقار هدوءا نفقه من أمره أشياء ترنو لنا
وتداهمنا :
(( اللحظة الراهنة
واللحظة المستيقظة
حين تلتقيان
يزدهر المكان بالقلق 000 ))
ص 15

وهي تنهض ، ثم تفتش وتشاغل في نفسه هواجسا محسوسة بصوت يكلم كل الحروف ، ويتلاءم كنغم ثري
يكتظ بامتدادات في مسرة الماء وذاكرة الزمن :-
(( أحسستها قريبة
تتخذ البعد وسادة
فمتى
تحل تلك اللحظة الراهنة ،
تنسل من ذاكرة الزمن 0 ))
اللحظة الراهنة 1 ص20
وهو يريد بنفس محترقة تطوي العالم في فاتحة تشهر رأسها المتأجج والساكن في رحيل اللحظات ، أن
يجعل لحن الهم المستديم كمحنة كونية : –
(( كوني بقربي 00 خارج اللمس
ياهاجس الأمس
ياهاجسي في العيش والبقاء
كوني بقربي محنة كونية ، 00 ))
اللحظة الراهنة 1 ص21
إن جليل البصري مثلما هو دائما محجوز للانسان ، مستفيق لعذاباته وأوراقه ، مزدحم بتطلعاته  ، يطل علينا
شاعرا شاهدا يجمع الألم والحلم والحكمة في كتاب ، غير منحسر بين الحضور والغياب :
(( أخشى عليك من رئتيك
حين تستل الهواء خلسة
وأنا أخشى عليك
من وحشة المساء
حين يعدو دائما
كأنه العواء 000 ))
اللحظة المستيقظة ص 41

وهو يبتهج لذاكرة  وألوان وضوء دون أن يتوارى خلف مواقف ذاتية محضة 0 وهو ينمو ، وحيث ينمو
تؤجج قصائده المسارات في خضرة الأرض :-
(( أعداء هذي اللحظة اليتيمة 00
أعداء الثواني الموهنات بالأرق
اللحظة الراهنة 3 ص49
إننا نتفاعل مع شعر يعلو ولايتهاوى ، يحلق ويحدق وينطق :
((  – لماذا اتيت ؟
00 بكيت 00
من غربة روحي
وإجتاحني الحزن كموج
واختلط الدمع العزيز والندى
في أحلى صدى 00 ))
اللحظة المستيقظة 4 ص 64
إن (( عشق وحكايات اخرى )) هي حكاية عشق جليل البصري ، ولاتدرك إلا بالعشق ، عبر مسار درامي
كل شيء فيه ينتمي لزمن يتصاعد من ناره 0
(( أموت من فرط الحنين
أموت مرتين
حين تأتين
وحين ترحلين
وحين يركد المساء بين لحظتين ! ))
لقاء اللحظتين ص80
وهي بعد هذا افق يطرق القلب عبر بوابات العقل والنفس والشعر ، يتزاحم فيه الأيحاء الهادىء ،مثلما
تتزاحم  فيه  رؤى ومنافذ غير مكتشفة  أو مكتشفة أحيانا ، تحيل سيول الهموم المترشحة الى ومضات
حياتية رصينة ، وتدفقات شعورية جميلة تكون ضرباتها عميقة الى حدود حقيقية وملونة 0

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.