الدكتورة إخلاص باقر هاشم النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (المشهد الثاني)

المشهد الثاني
وبينما العائلة جالسة في الصالة كعادتها تشاهد التلفاز ، أنتهز الأب سراج الدين هذه الفرصة فقال : أ … أم قتيبة .. هل تجدين المنزل واسعاً عليك ؟ أجابته : الحمدُ لله واسعاً كل السعة ، ولكن ماذا تقصد ؟ أجابها : أريد إن أطرح عليك مسألة مهمة وهي جلب خادمة تساعدك في أعمال المنزل ولاسيما التنظيف ، أسرع معاذ مجيباً أنا أؤيد الفكرة وأصوّت ، ولاسيما التنظيف وكم هي مسألة مقرفة إن أقوم أنا … بتنظيف غرفتي …نعم بابا أجلب لنا الكثير من الخدم ما دام لدينا من المال الكثير ، ابتسم الأب وهو يسترق السمع لمعاذ ، أما الأم فأعترضت ما قاله الأب مغمغمة مزمجرة : ماذا ماذا ؟؟ أمتضايق جنابك من مسؤوليتك تجاه ذاتك ، وحتى لو جاءت الخادمة وهذا أمر مستبعد الآن ، فأنها لن تدخل غرفكم أفهمتم ، أبتسم قتيبة ورفع يديه قائلاً : أنا لم اطلب أي مساعدة ، ثم أن معاذ يبالغ ويبالغ كثيراً ، ترى ماذا ينظف … أينظف الأرض وهي مفروشة بالسجاد ، أم ينظف المكتبة من الكتب ثم استدار إلى انس يكلمه ومعاذ يحاول وضع يده على فمه بإنزعاج ، ترى ما هو عمل معاذ ، أجابه أنس :ينظف الغرفة فقط عندما يريد الدراسة ، يكتب في الأوراق ثم يرميها في باحة الغرفة،وعندما ينتهي بعد ذلك يجمع الأوراق ويضعها في السلة.
الأم : أما ثياب الجميع فأشكر الله على الغسالة فأنها تساعدني عليكم ، لذلك لا أحب الخدم ، وأغلقوا هذا الموضوع المزعج .
أيار : قد تنطوي أعمال الخدم على الكثير من المشاكل والجرائم ، إذ قد تكون جاسوسة ، تُراقب حركاتنا وسكناتنا ، أو قد تضع لنا السم في أكواب الشاي وتحظى هي بما تسوّل لها نفسها .
الأب : كلا كلا أطمأنوا لا يدخل بيتي إلاّ من كان نزيهاً منزهاً مزكى من الجميع ، وبعد أن نتأكد من المعلومات كافة .
الأم : تتكلم وكأنك تعرفها وتحت اليد … على الرغم من رفضي للفكرة … ولوجود أية شابة تعيش في بيتي … بأسم خادمة .
الأب : أم قتيبة أنت تعرفيني جيداً لم ولن أتخذ قراراً إلاّ بعد أن اسمع رأيك ورأي العائلة … ولا أحب إن أفاجئكم بمجيئها ، فهي موجودة .
الأم : ماذا ماذا ؟؟؟ موجودة وتحت اليد ؟!
قتيبة : أرجو أن لا تكون سجينة قد أُفرج عنها للتو !!!
الأب : هي سيدة طيبة كانت تعمل في بيت صديقي طارق لسنين خلت وهو أعرف وأخبر بحالها وأحوالها .
أيار : وطبعاً طردها صديقك العم طارق وستأتي للعمل هنا !!!
الأب : اسمعوني أولاً ولا ترجموا بالغيب …لم تكن هذه السيدة من صنف الخدم … ولم يكن طارق وعائلته يعاملونها معاملة الخدم ، ولكن هذه السيدة دارت عليها دائرة السوء التي ( لا تبقي ولا تذر ) كإعصار التورنادو ، مات زوجها ، وضيّع أولادها أموالها وبقيت على قارعة الطريق ، وسبحان الله حتى طارق لم يدم لها عزّم على السفر وعائلته إلى انكلترا الأسبوع المقبل إن شاء الله تعالى ، ففي الأمس جاءني وعرض موضوع هذه المسكينة وأوصاني بها وعرض علي الفكرة .
الأم : مسكينة أخرجها القدر من جنتها عائلتها ولكن كيف ؟ أين بيتها وأولادها وهل كان لزوجها مرتب أو لا ؟
الأب : كان زوجها تاجراً يعمل في السوق ، أما ولداها ، فأحدهما تزوج إمرأة عربية ميسورة تكبره بأكثر من عشرين سنة ذهب معها خارج العراق مهاجراً ، والثاني كان نزقاً عاقاً مقامرا مع رفاق السوء قادوه إلى درب الإجرام وحتى بيع المنزل لم يفك قيده ، وهو الآن يذوق وبال أمره في السجن ولسنين عديدة ، وفوق كل ذلك فهي مقطوعة من شجرة .
أيار بإنزعاج : ها عرفتم الآن أبنها مجرم لو لم تكن الأم مجرمة في حقه وفي تربيته لما كان مجرماً ، أبي كرهت هذه الخادمة لسماع قصتها المقيتة ولو كانت أما صالحة لما هجرها الآخرون .
معاذ بإبتسامة : من المعيب أن لا نمد يد المساعدة لها ، ولاسيما بعد توصية العم طارق ، نساعدها وتساعدنا .
قتيبة بشفقة : مسكينة … حقيقة قصتها مؤثرة لا يعرف الإنسان عاقبته ، أكيد تشعر الآن بالضياع والمستقبل المجهول .
الأم بأسى : ومتى سيسافر طارق ؟
الأب : بعد أسبوع إن شاء الله تعالى .
الأم : والله إن الأمر مزعج ومحيّر ، وأراك تريد مساعدتها ، وأنا لا أحبذ فكرة دخول الغرباء للعيش مع عائلتي ، لكني نزولاً لهذه المسألة سأوافق ولكن بشرط ، نستقبلها تحت التجربة إن كانت صالحة آويناها وان كانت طالحة نبذناها .
الأب : حسناً على بركة الله تعالى … لأطمئن طارقاً حول أم سالم حتى يحضرها قبل أن يسافر … لكن يجب علينا أولاً أن نجهز لها الغرفة القريبة من المطبخ أوليس كذلك حبيبتي … هل ستذهبين معي لتوديع عائلة طارق إلى مطار البصرة الدولي ؟
الأم : وضعت كوعها على المنضدة واحتضنت ذقنها براحتيها … لم يكن يروق لها امر الخادمة لولا ان الظروف التي أحكمت وتحكمت .
أيار ضاحكة بسخرية : ما هذا الأسم المقزز أم سالم ، يبدو من أسمها من بيئة همجية ولا يصلح حتى للخادمة .
الأب : الرجاء عدم مناداتها بالخادمة … وكفاكم من السخرية هذا كلام غير مقبول …
معاذ : لا عليك أبي أنت تأمر ونحن ننفذ ماذا تريدنا أن نناديها ؟
الأب : كما ناداها الأولون … أم سالم … فقط … إذن اتفقنا وعلى بركة الله تعالى ، ستأتي للعيش معنا في المنزل معززة مكرمة.
أيار متأففة : سأذهب إلى مروة فهي بإنتظاري الآن ، خطت خطوات قليلة حتى وصلت بيت جدها عبد الرحمن فوجدت الباب مفتوحاً ورأت الفلاّح والعاملة في الحديقة الجميلة رمقت الأثنين بنظرة هزء وسخرية ، وقالت في دخيلة نفسها خادم وخادمة يرتعان براحتهما في هذه الحديقة الجميلة ، وكأنهما يتبادلان القبل لشدة قربهما من بعضهما لكنهما يتهامسان بشيء ما ، ثم استدارت عنهما متجهة صوب الداخل دون أن تلقي التحية ، ابتسم الفلاّح وقال للخادمة : هذه الطفلة الغريبة الأطوار.
زكية ضاحكة : والله لو سمعتك هذه المتعجرفة تقول عنها طفلة لعنفتك ، دعني أسرع للمطبخ لأضيّفها ، أما أيار فوجدت عمتها مروة بالإنتظار فوقفت أمامها متخصرة قائلة : نعم … طلبتي رؤيتي ماذا تريدين ؟ ابتسمت مروة ابتسامة جميلة رائعة ثم مسكت يدها وقالت لها أجلسي نشرب العصير ونتكلم .
أيار : حسناً سأجلس … قولي ما وراءك يا مروة .
مروة مبتسمة : حبيبتي أيار لمِ تتصرفين معي بهذه الطريقة المضحكة ، هذا بيتك وأنا عمتك ، وأحببت أن أعرفك وأطلعك على بحر العلوم .
أيار أقطبت حاجبيها وقلبت شفتيها : ومن َهذا وما تقصدين ببحر العلوم هذا وبإختصار رجاءً ليس لدي وقت .
مروة : هو بحر ننهل من أصفى مناهله فرات عذب سلسبيل قراح … رقراق … قاطعتها أيار بعد أن أصدرت من صدرها نفثات قوية قائلة بهدوء … مروة .. الرجاء الكلام بدون ألغاز وإلاّ عدت أدراجي .
مروة : كوني صبورة ستأتيك الإجابة بالحال … ألتمس منك العذر بحر العلوم هذا بيتنا ، وهو عبارة عن غرفة كبيرة تسمى لدى البعض بغرفة المكتب ، لكننا أطلقنا عليها أسم بحر العلوم ، حيث يوجد في هذه الغرفة مكتبة كبيرة جداً زاخرة بالكتب الدينية والدنيوية ، فضلا عن جهاز الكومبيوتر وما يتعلق به من أجهزة استنساخ وسكانر(الماسح الضوئي) وطابعة وغير ذلك وفيها مكتب كبير وعدد من الكراسي.
أيار : أعتقد أنه بدل هذا العرض والرياء والغرور وكأنك في مسرح ، افتحي الباب ودعيني أرى لعلها من العجائب السبع أوليس كذلك ؟
مروة تحاول أن تستوعبها وتتحملها : أيار أرجوك أنا عمتك فلا تنسي ذلك … أكيد ومؤكد سندخل إلى بحر العلوم ولكن بعد العشاء ، وبعد الإنتهاء من هذه الدعوة عادت أيار لبيتها القريب ، وبينما هي في غرفتها شعرت برغبة شديدة للإطلاع على مكتبة والدها فأسرعت الخطى نحو المكتبة ، وراحت تمرر بنظرها يميناً ويساراً على الكتب ثم استلت كتابين على أساس جمالهما وحجمهما ، سارت بهما حتى وصلت السلم متوجهة إلى غرفتها ، رمت الكتابين على مكتبها ثم استلقت على سريرها ، وراحت تسترجع شريط الذاكرة بما قالته مروة حول وصفها للمكتبة : صحيح إن لدى سراج الدين مكتبة لكنك لم تجربي حتى مسك كتاب فيها ، عندها نهضت مسرعة ثم جلست على الكرسي خلف المكتب وقالت في نفسها سأجرب قراءتها … نعم لابد أن أواجه غرور مروة وألفاظها الصاخبة المعنى ، وعجائب دنياها السبع هذه ، ثم استطردت قائلة : إذا كان للدنيا عجائب سبع ، فهل يا ترى لها غرائب سبع أيضاً ، لا أدري قد يكون ذلك وهل هناك فرق ما بين العجائب والغرائب ثم حاولت أن تستذكر هذه العجائب السبع وقالت : أأأ … أهرامات مصر وجنائن بابل المعلقة ومنار الإسكندرية …أأأ … ورابعاً وخامساً وسادساً وسابعاً … لا أذكرها ، أسماؤها صعبة الفهم والحفظ ثم تنهدت وراحت تقلب كتاباً ذا غلاف أحمر وعنوانه القانون الدولي ، تركته وتناولت الثاني جلاده أكثر جاذبية وعنوانه البصمات ، قالت في نفسها سيكون هذا أول ما أقرأ (البصمات) وراحت تقلب أوراق الكتاب بتجهم ، قلبت شفتيها وقالت : يا لبشاعة ما اقرأ جرائم … ثم راحت تقلب أوراق لا على التعيين حتى وقع بصرها على عنوان كبير يتوسط الصفحة ( تعريف البصمات ) فقالت : لعلي أجدُّ ضالتي في هذا الفصل فراحت تقرأ فيه حيث تعريف البصمات : ( هي عبارة عن انطباع باطن نهاية الإصبع أو الإبهام ، وتستخدم لتحقيق الشخصية لتفرد ترتيب الخطوط في كل شخص وأول تصنيفات عملية لبصمات الأصابع قام بها السير فرنسيس جالتن وجوان فوتشتسن في عام 1891 ) ، ابتسمت وقالت في دخيلة نفسها : أ … دندنت … نعم انه تعريف شيق وغريب ومعقد ولطيف في نفس الوقت ، ولا أعتقد إن مروة سوف تغلبني في كلامها المزخرف المنمق ، ولا اعتقد أنها سوف تستطيع الإجابة عن سؤالي هذا ثم راحت تمثل واقفة أمام المرآة ما ستفعله بالغد أمام مروة وهي تشير بيديها وتحرك رأسها وكتفيها استهجاناً … ها … أجيبي معيب سكوتك أين ثقافتك وعلمك ؟ ثم ضحكت قائلة : وأين هي عجائب الدنيا السبع وكتاب رحلة مع الرقم سبعة منكِ يا مروة ؟!
بعد أن ودع سراج الدين صديقه طارق في مطار البصرة الدولي عاد إلى منزله ومعه العاملة الجديدة أم سالم … سارت بهما السيارة مسرعة وقد أظلم الليل … حتى وصلا عند باب المنزل حيث أدخل السيارة عند المرآب حيث العائلة كانت واقفة بالإنتظار ، رحبت الأم بأم سالم ثم دخل الجميع إلى الداخل وجلسوا في الصالة .
أم سالم : لقد حدثني الأستاذ طارق عنكم كثيراً بكل الخير ، وأنا أمرأة جار عليّ الزمان وأعمل حتى أعيش بسلام وآمان .
سراج الدين : حللتي أهلاً ونزلتي سهلاً ويمكن أن تعتبريني بمثابة طارق تماماً ، والآن أعرّفك على أفراد عائلتي ، بدءاً بزوجتي الغالية أم قتيبة ثم راح يشير بيده اليمنى إلى أفراد عائلته … هذا ابني الكبير قتيبة وهذا معاذ وهذه أبنتي أيار وهذا ولدي الحبيب أنس .
الأم : أهلاً بكِ في منزلنا ولا تعتبري نفسكِ عاملة هنا ، والآن تعالي معي لأدلك على غرفتك ، سارت معها إلى حيث غرفتها ، لاحظي هيأنا لك خزانة للملابس فيها بعض الحاجات التي تفيدك وسريراً ومرآة صغيرة معلقة في صدر الحائط وفي زاوية الغرفة سجادة مطوية ، هذه غرفتك عسى أن تنال رضاك وإعجابك .
أم سالم : جزاكم الله خيرا … أكيد تعجبني رغم أنفي .
الأم : وان شاء الله لا نقصر معك ، ومرتبك سيصلك بداية كل شهر والآن تفضلي معنا لتناول العشاء وغداً تباشري عملك ، وسيكون في حدود الطابق الأرضي فقط .
سراج الدين سأل أولاده : ها …. ما هو رأيكم بأم سالم .
أيار : شكلها شكل عاملة ظننتها أجمل ، فضحك الجميع .
الأب : ابنتي اتفقنا إن تناديها بأم سالم أو حاجة أو خالة ولا أريد أن اسمع منكم أي كلمة تخالف هذه الملاحظة أسمعتم ؟
قتيبة : والله أنها أمرأة مسكينة وتثير الشفقة ولا يعرف المرء ماذا يحضر له الزمن .
معاذ : لكن سؤال يدور في مخيلتي لماذا لم تلجأ إلى دور المسنين بدلاً من العمل في البيوت للخدمة .
سراج الدين : عائلة صديقي طارق لم تعاملها إلاّ بالحسنى والكلمة الطيبة .
انتهى الحوار حال وصول الأم والعاملة اجتمعت العائلة حول المائدة والبِشر يطفح على الوجوه بالأحاديث مع أم سالم ، وحال الإنتهاء ذهب كل منهم إلى غرفته لينام الى ان دق منبه النقال الموضوع على طاولة صغيره قرب سرير أيار … استيقظت وهي مذعورة وقالت سحقاً لك أيها المنبه ثم وثبت بيدها على النقال وكأنها تريد أن تصفعه وترميه على الأرض وما أن رفعت يدها حتى أرجعت النقال إلى مكانه متأففة قائلة : يا له من كابوس مرعب أطارد ثعابين لأصطادها وأضعها في السلة التي كانت في يدي ، نزلت من على فراشها وهي ضجرة ثم تناولت المشط صففت شعرها ثم رمت المشط إلى جهة غير معلومة من الغرفة ، ثم سحبت المنشفة من على الشمعدان ووضعته على كتفها كما يفعل أخوتها ، رمقت الساعة فوجدتها السابعة صباحاً وخمس دقائق ، سارت بتثاقل صوب الباب دارت المفتاح فيه ثم مسكت مقبض الباب وسحبته بعنف وهي تتثاءب حتى نزلت السلم ثم دست رأسها من خلال الباب إلى الصالة فلم تجداً أحد قالت في دخيلة نفسها : غريب أين المحامي وزوجته ؟! هل ما زالا نائمين ؟؟! هنيهة فإذا هي تسمع حركات وأصوات ملاعق المطبخ …استدارت ثم مشت بحذر إلى المطبخ فإذا هي تجد العاملة بثوبها (دشداشتها) الأزرق الداكن والخمار الأسود الطويل وفي قدميها جوربان أسودان رمقتها أيار نظرة عدم رضا من غير ان تنتبه إليها ، ثم دخلت بسرعة قائلة لأخافتها وهي تضحك : أرفعي يديك بسرعة هيا هيا هيا ، وما كان من أم سالم إلا ان تشعر بالرعب والخوف على هذا الموقف غير المسؤول من هذه المراهقة التي لا تستسيغها مما قادها إلى أن تترك ما في يدها وتجلس لتستعيد قواها وتستوعب هذا الموقف الغريب ، مع ضحكات أيار الصبيانية .
كان معاذ جالس على سريره وقبالته سرير أنس ، وبعد هنيهة دخل أخوهم الأكبر قتيبة ، قائلاً لأخيه الأصغر أنس بعد أن جلس قربه على سريره : حبيبي انس أمتهيئ لإستقبال العام الدراسي الجديد ؟
أنس مبتسماً : متهيئ ومتلهف لرؤية مدرستي الجديدة .
قتيبة : وكيف تهيأتَ يا ترى ؟؟؟
أنس : هيأت الحقيبة وفيها علبة صغيره مليئة بالأقلام .
قتيبة مبتسماً : ربت على كتفيه مشجعاً له ، ثم توجه إلى معاذ وسأله حول استعداده للعام الدراسي الجديد في مدرسته الجديدة .
معاذ مبتسماً : نعم … وقد هيأت لها الكثير ثم نهض مسرعاً ووقف في باحة الغرفة ثم قال اسمعوا وأخذ يحرك يديه كما يفعل الملحنون ويقول : دو … ري … مي … فا … صول … لا … سي … ثم رفع صوته .. وتأتي النغمة الثانية مكملة للأولى وهكذا .
قتيبة مبتسماً : حسناً … إن هذا شيء جميل ، ولكن الأجمل أن تدرس وتنجح ثم تدخل الكلية التي تناسب اهتماماتك وتوجهاتك وتصقل موهبتك … ككلية الفنون الجميلة قسم الفنون الموسيقية ، حتى تصبح موسيقاراً كبيراً ومشهوراً كبيتهوفن … وتطلع على تاريخ الموسيقى عند العرب قبل الغرب لاسيما في العصر العباسي وبالتحديد اعرف زرياب وإسحاق الموصلي .
أنس : وأنا سأغنى الأناشيد التي أحفظها من القراءة .
معاذ مستغرباً : لكن عجيب هذه المرة الأولى التي تقول فيها رأياً لطيفاً في الفن ، ثم أسرع صوب أدواته الموسيقية في الغرفة ، ورأيك بهذه الأدوات هل تغير أو ما زال رجعياً ، وماذا تعرف عن اسحاق الموصلي ؟
قتيبة : يقول الله تعالى :{{ لكل وجهة هو موليها (148) }} سورة البقرة ،وليس بالضرورة أن تتوافق معي بالرأي ، لكني أؤيدك لأنمي مواهبك لتحضير نفسك لعمل الغد الذي تتسلح به على الحياة وأنا ليس ضد الفن لكن اتجاهي اتجاه ينأى عن اهتمامك لكن المهم الآن التهيؤ إلى المدرسة في الغد إن شاء الله تعالى ، الثقافة العامة تقتضي معرفة شيء عن كل شيء ، أعرف انه من أهل الموسيقى ، لكنك إذا تخصصت أكاديمياً ستعرف التفصيل عن هذه الشخصية ، وأنا دخلت كلية القانون حباً بوالدي ، فزرياب هو أبو الحسن علي بن نافع ولد في الموصل ، موسيقي ومطرب عذب الصوت من بلاد الرافدين من العصر العباسي ، كانت له إسهامات كبيرة وبارزة في الموسيقى العربية والشرقية لُقِّب بـزرياب وهو اسم طائر أسود اللون عذب الصوت يعرف بالشحرور ، ولد في الموصل ونشأ في بغداد وكان تلميذا لإسحق الموصلي بصورة سرية إلى أن أتقن فن الغناء عليه وذات يوم طلب الخليفة هارون الرشيد من إسحق الموصلي أن يأتي معه بمغن جديد يجيد الغناء ، فأحضر زرياب ليغني .
وفي صباح اليوم التالي تعالت أصوات المنبهات على المناضد في غرف الجميع ، أما أم سالم فواجبها الإستيقاظ قبل الجميع لكن الأمر لا يزعجها لأنها تبقى مستيقظة من بعد صلاة الفجر ، لكن مشكلتها النوم باكراً بعد صلاة العشاء مباشرة ، فتبدأ بتحضير وجبة الفطور وتضعها على الطاولة وكل واحد منهم يخدم نفسه بنفسه وبذات السرعة التي تمتد فيها كل الأيادي إلى ذات الطبق للحاق بالدوام المدرسي ، وما هي إلا خطرات حتى تراكض الأولاد على درجات السلم والأم تمسك بأنس وهو يتثاءب وتحاول أن تساعده على إرتداء ملابسه إلى أن انتهى الجميع من تهيئة نفسه والجلوس حول الطاولة المستطيلة الشكل لتناول وجبة الفطور ، وفي هذه الأثناء وجه الأب سراج الدين وبأبتسامة رائعة التهنئة لأبنائه بالعام الدراسي الجديد .
أيار : لكن يا أبي أنا منزعجة من ذهابي إلى هذه المدرسة ولا أستطيع نسيان صديقاتي في مدرستي السابقة .
الأب : لا يوجد شيء في الحياة يبقى على حالة دون تغيير فالتغيير سنة في الحياة ولا يمكن لحال أن يبقى على حاله دون أن يتغير ، وان فقدتِ صديقة في مرحلة دراسية معينة ، فلا يعني ذلك نهاية العالم ، تأكدي بأن الحياة ستمنحك صديقة أخرى قد تكون أفضل من سابقتها والدرب أمامك طويل ، وأنت ذكية وجذابة وأنا متأكد بأنك ستحظين بعلاقات رائعة مع كل الطالبات في المدرسة ، فلأجلي تأقلمي مع الواقع الجديد .
أيار بأسى : لا أعتقد إن الخسارة لا تعوض لكن لأجلك سأعمل المستحيل يا أبي .
وبعد الإنتهاء من وجبة الفطور صعدوا السيارة مبتدأين بمدرسة أيار أقرب المدارس في المنطقة وحال وصولهم المدرسة أشرأبت أعناقهم جميعاً إلى اللافتة المعلقة في أعلى البناية ثانوية الرحمة للبنات .
في العلم ترتقي الأمم وتصعد ذروة مجدها ، للإرتقاء بالوجود الإنساني لئلا ينحدر الى الحضيض .. والعلم صفاء ونقاء وتلسكوب متطور بعيد الرؤيا على العالم البعيد ، بل هو مجهر يرى من خلاله حقيقة الكون في جماله ودمامته ، وهو الذي يشفي بثور الجهل والتخلف المتقيحة في عقليات البشر ، لئلا يبقى الإنسان ركيكاً .. لئلا يبقى جاهلاً ، لئلا يبقى بؤرة للأوبئة … ليُحلق في آفاق المستقبل المرتقب ، فتعالت اجراس المدارس معلنة بدأها للعام الدراسي الجديد ، والمدارس تعجٌ بطالبي العلم .. والتعلم بلا ملل ولا كلل .. والإطلاع على كل ما هو حديث لأن الإنسان حريص على حب الإطلاع والسؤال عن الأشياء التي تحيط به .. غريزة ولدت معهُ في دواخله .
كانت مروة في كلية الاداب قسم الانكليزي المرحلة الرابعة وكذلك صديقتها سُــبل صديقة العمر والتي جلست بالقرب منها طوال أيام الدراسة فهي اليوم في الكلية الطبية المرحلة الرابعة .. وهما متعطشتان للعلم .. وهذا واضح من إصغائهن اللامحدود للمحاضرة .. والمناقشة العلمية … كذلك قتيبة طالب مجد وهو في كلية القانون المرحلة الثالثة ، أما معاذ يجلس على كرسيه في صفه وهو ضجر ينظرُ الى ساعته اليدوية بين الحين والآخر .. وهو في الصف الخامس الأدبي وقد أعاد السنة ينتظر انتهاء الدرس ليستخرج نقاله الكلاكسي ويتباهى به امام الطلاب.. وأيار في الصف الخامس العلمي أما أنس فهو طالب مجد أيضاً .. وهو جالس بصفه ، يشاجر زملاءه لكي يجلس في المقاعد الأمامية من الصف وهو في الصف السادس الأبتدائي .
وبعد ان وصلت أيار المدرسة هي ووالدها .. دخلا ادارة المدرسة فسلم الأب على مديرة المدرسة .
سراج الدين : السلام عليكم حضرة المديرة .. ثم أخرج البطاقة (كرت) من جيبه وقدمه لها .
المديرة : تناولت الكارت ورمقته رمقة مريعة ثم قالت : أهلاً حضرة المحامي وعليكم السلام ورحمة الله .. تفضل بالجلوس .
سراج الدين : شكراً .. هذه إبنتي أيار .. أتت نقل الى ثانوية الرحمة .
المديرة : حسناً .. فلتذهب الى صفها .. أ .. ما أسمها …؟ وفي أي صف ؟
خيّم السكون قليلاً في المكان ثم قال سراج الدين : إسمها أيار .. وهي في الصف الخامس الادبي ، الاب يتكلم وأيار تنظر بتجهم ومكابرة الى المديرة .
وفي نهاية الأمر وجهت المديرة كلامها لأيار وقالت : اذهبي الى الرابع شعبة (أ) .
ابتسم سراج الدين ابتسامة خجلة مردداً : شكراً ثم خرج من الإدارة هو وأيار .. فقال لأبنته هـا بنيتي ما رأيك بالمديرة .. أجابته : أ .. يبدو على وجهها الشر نعم هي شريرة هذا ما لمسته منها .
إبتسم سراج الدين ثم قال لها .. والآن حبيبتي .. كوني هادئة .. وإنصرفي وإسألي الطالبات عن الخامس شعبة أ .. تنهدت ثم قالت : حسناً بابا .. ثم سارت نحو الصفوف ضجرة متثاقلة تجر بجسدها جراً وهي تحملُ حقيبتها في يدها .. حتى وصلت الصفوف .. فأخذت ترمق الفتيات بنظرات قاسية مخيفة .. وهي تنصتُ الى كلامهن وحركاتهن السريعة وصياحهن .. ثم بعد ذلك سألت فتاة واقفة عند باب الصف يبدو عليها الهدوء ..أ .. أين الخامس (أ) .. أجابتها الطالبة وهي مبتسمة : هذا هو الصف وأشارت الى الصف التي هي واقفة عنده .. دخلت أيار الصف مع هذه الفتاة وخطت خطوات قليلة حتى وصلت المقعد الأخير فجلست فيه حيث كان فارغاً .. وضعت حقيبتها ثم جلست وهي هادئة كعادتها وجلست الفتاة على المقعد القريب منها .. فقالت : أ .. أهلاً بك في صفنا طالبة جديدة .. هي تتكلم وأيار منصته لها .. ثم قالت لها : أنا اسمي هيفاء وأنا في هذا الصف .. ثم ان أبنة عمي ايضاً في الصف الخامس لكنها في شعبة (ب) والطريف في الأمر أن بيتنا بالقرب من المدرسة .. ثم .. أنتظرت قائلة : وأن الكشك الذي أمام المدرسة هو لأخواني إذا شأتِ شراء أي شئ فقط قولي لي وأنا أحضره لك في الحال .. ثم ضحكت وقالت : أ .. أقدم لك نفسي انا أسمي هيفاء سعدي .. وما أسم حضرتك .. قالت أيار في دخيلة نفسها .. أف منكِ كم أنت ثرثارة .. ثم قالت أنا أسمي .. أيار سراج الدين أجابتها هيفاء : أهلاً بك صديقة عزيزة على قلبي .. قالت أيار في نفسها .. ثرثارة ومبالغة أيضاً .. وهل من المعقول أن أصادق ثرثارة .. سألتها هيفاء .. ومن أي مدرسة أتيت أيار .. أجابتها بهدوء .. لماذا .. ها ..
دخلت شلة مجموعة طالبات مع رنين صوت الجرس .. حتى امتلأ الصف وبعد هُنيئة دخلت المدّرسة .. كانت هناك طالبة تجلس في المقعد الأمامي وتهمس في أذن الطالبة الجالسة بقربها ببعض الكلمات وسرعان ما اصبحت أيار فريسة لنظراتهن وهنّ يحملقنّ بنظرات ملؤها الريبة فشعرت بشىيء من الاحراج وقالت في قلبها ان كانت ضايقت احد بجلوسها ، لاحظت هيفاء ذلك فهمست في أذن أيار الطالبات ينظرن إليك ونظراتهن مليئة بالاستفسار عنكِ قالت المدّرسة بعد ان ألقت التحية عندما تستلمن الكتب ان شاء الله سيكون درسكن في مادة الرياضيات الأسبوع القادم الفصل الأول الذي يتناول الجذور التكعيبية ودعتهن التحضير للدرس .
انتهت ام سالم من تنظيف الصالة والمطبخ وكل شئ .. ولم يبق سوى غرف الأولاد .. ثم تأهبت لصعود السلم وهي مرتدية صدرية العمل وحاملة بيدها مكنسة التنظيف .. وضعت قدمها على السلمة الأولى للدرج .. وبينما هي كذلك خرجت أميمة من غرفتها وبيدها كتاب عنوانه عجائب وغرائب النساء .. وحال رؤيتها لأم سالم سألتها : أم سالم أين انت ذاهبة (صاعدة) .. أستدارت أم سالم وقالت : لأكمل عملي .. لم يبق سوى تنظيف غرف الأولاد .. أجابتها كلا أم سالم انزلي .. أنزلي .. عملك ِ هنا تحت فقط .. سألتها : وغرف الأولاد .. اجابتها : لا عليكِ فيها هم يتولون تنظيفها .. لاتصعدي الى غرف الأولاد إلاّ في حالة طلب ذلك مني أنا شخصياً .. اجابتها : نعم يا أم قتيبة مفهوم .. ثم نزلت وقالت : أنا أنهيت عملي وانتهيت كذلك من تحضير الغداء .. ورتبت الصحون على الطاولة ولم يبق شئ .. أبتسمت أميمة وقالت : ما دمت قد أنتهيت .. خذي راحتكِ .. أ .. أتعرفين القراءة .. أجابتها : نعم .. ومعي شهادة الأبتدائية .. وان أبي رحمة الله عليه أدخلني الكُتاب وقتئذ .. قالت أم قتيبة لها : إذا شأت القراءة .. فلدينا مكتبة .. تسلي بأحد الكتب .. أجابتها : أوه أم .. ماذا تقولين .. وهل قراءة الكتب تنسجم مع الخدم .. أجابتها : يا أم سالم لا تقولي هذه الكلمة فأنت لست بخادمة وانما عاملة .. تعمل بأجر .. أبتسمت أم سالم .. وقالت : لا فرق كلاهما في المعنى واحد .
وبعدما ان انتهى الدرس .. أسرعت هبة للمثول أمام الطالبات .. فرفعت يديها وهي تطلب من الطالبات الهدوء قائلة : زميلاتي عزيزاتي .. أرجو الهدوء لأني أريد قول شئ مهم .. وجراء ذلك هدأت الضوضاء .. أزاء ذلك قالت وهي مبتسمة في محاولة لتوجيه إلتفاتهن الى أيار .. أليس من الأصول والواجب الترحيب بالصديقة الجديدة التي حلت علينا اليوم … همست هيفاء في اذن أيار قائلة : أنها تقصدك يا أيار .. أجابتها : نعم ألاحظ ذلك .. ثم طلبت هبة وهي تشير الى أيار قائلة : عفواً .. زميلتنا الجديدة .. من فضلك تعالي هنا أمام الطالبات حتى نتعرف على بعضنا .. أحست أيار بالمكابرة والغرور ..فنهضت بكل جدية وقوة شخصية رافعة رأسها .. فأخذت تتمختر في مشيتها حتى وصلت قرب هبة .. ثم أستدارت نحو الطالبات .. فسألتها هبة والضحكة تشق شدقيها .. أهلاً بك صديقة عزيزة علينا .. كل ما في الامر كانت تتكلم وأيار منصته ، ثم سألتها هبة .. والآن قدمي لنا نفسكِ .. بالنسبة لي أنا أسمي هبة فتحي .. قالت أيار في دخيلة نفسها لا أتشرف بمعرفتكِ .. ثم قالت : نعم .. أنا أسمي أيار سراج الدين الأوجي .. أبنة المحامي اللامع سراج الدين الأوجي .. سألتها هبة : ومن أية مدرسة أتيتي نقلاً ؟ أجابتها بغرور .. أما هذا فغير مهم .. ومدرستي الآن أسمها ثانوية الرحمة أوليس كذلك أجابتها : أ.. أ.. نعم شكراً .. ثم استطردت قائلة : ألك أسئلة أخرى غيرها يا ترى .. أجابتها وهي تحسُ بالأهانة .. ها .. لا .. شكراً ثم رجعت أيار وهي تتمختر في مشيتها الى مقعدها قرب هيفاء الثرثارة الضاحكة .
في البيت كانت أيار في غرفتها مستلقية على سريرها .. تتكلم مع نفسها .. أف كم هي كريهة هذه الفتاة .. كريه حتى أسمها .. عجيب على انسانة لا تحس بالإهانة .. تظن أن أيار الأوجي تصادق أمثال هبة الوضيعة .. لابد علي ان اوضح لها ما هو الفرق ما بين المفروض والمرفوض كما تقول مروة ، وبينما هي كذلك طُرق باب غرفتها فأجابت بصوت شبه عالٍ .. مَن .. ثم نهضت لتفتح الباب فإذا هي عمتها مروة سَلمّت على أيار وقبلتها .. ثم جلست على الكرسي وراء مكتب أيار ، أما أيار فأسرعت واثبة على مكتبها ورفعت الكتب الموجودة على المكتب ووضعتها في خزانة الكتب ثم جلست على الكرسي الثاني متساءلة .. تُرى ما سبب هذه الزيارة المفاجئة .. وفي الغرفة أجابتها مروة مبتسمة أولاً أنا عمتك ِأزورك في اي مكان ، وثانياً : لأسلم عليكِ وأتفقد أخبارك في المدرسة .. أبتسمت أيار أبتسامة ساخرة وهي تقول : ظننتك اتيت لتعلميني بغرائب الدنيا السبع .. ضحكت مروة ضحكة جميلة وقالت : وهل تذكرين ؟ أجابتها : ومن قالِ لك أني فاقدة الذاكرة ومصابة بالزهايمر ثم اراكِ تتكلمين وكأنكِ تعرفين العالم بأسره .. من تعتقدين نفسكِ أجابتها : أنا أنسانة مثقفة والحمد لله وأني أدعو الآخرين للتثقف سألتها أيار : وهل أنتِ واثقة من نفسكِ بأنكِ مثقفة وقادرة على حل أي سؤال يوجه إليكِ .. أجابتها : نعم أن شاء الله قالت : أذن هيأي نفسكِ للإجابة عن السؤال التالي : ما هي البصمات ومن هو العالم الذي اكتشفها وفي أية سنة تم ذلك ؟ .
أستغربت مروة وهي لا زالت مبتسمة قائلة : ماذا ؟ سؤال .. حقيقُ انا سعيدة .. سعيدة جداً .. لأنكِ بدأت تعامليني بنفس أسلوبي .
قاطعتها أيار قائلة : عمتي الصغيرة لا تماطلي محاولة الإبتعاد والهرب من الأجابة .. إذا كنت حقاً مثقفة .. أجيبي عن هذا السؤال .
أبتسمت مروة وهي تقول : حسناً حسناً مشيرة بيدها الى أيار.. أعيدي السؤال إذا تكرمتِ وسمحتِ .. أعتدلت أيار في جلستها وهي ممتلئة غرور ومكابرة وسخرية .. تنهدت ثم قالت : لا بأس عمتي الصغيرة سأعيد السؤال عليكِ .. رفعت بنانها وقالت .. كوني أذاناً صاغية لأني في الحقيقة والواقع أنزعج وأكره مسألة الإعادة هذه السؤال هو ياعمتي الصغيرة .. ما هي البصمات هذا أولاً .. ومَن هو العالم الذي أكتشفها هذا ثانياً ، وفي أية سنة تم الإكتشاف .. هيا .. أريد الأجابة بسرعة .. قالت مروة في دخيلة نفسها : يا له من سؤال وكأنها غاصت في قاع المحيطات لتخرج لي هذا السؤال .. فخ .. سألتها أيار : هل انتِ عاجزة عن الأجابة : أجابتها مروة : أ .. لا .. لست عاجزة .. الشق الأول من السؤال أجابته سهلة ومن لا يعرف البصمات التي هي أنطباع باطن نهاية الاصابع أو الأبهام وهي تستخدم من القدم للتعرف على المجرمين ذلك أن الخطوط التي على الأصابع مختلفة من فرد الى آخر .. ولكن الشق الثاني والثالث في الحقيقة لا أعرفه .. ولا يعدُّ ذلك عجز لأن البصمات لها من يتخصص في دراستها ويكون قادراً على معرفة مثل هذه الأسئلة .. قالت أيار : لكنكِ مثقفة كما تقولين اثبتِ ثقافتكِ هذه بالأجابة عن باقي السؤال …؟ ! .
مروة : الثقافة هي أن تعرف شيئاً عن كل شيء ، ولا أقصد ان تكون موسوعة لكل العلوم .
هبة تكلم صديقاتها ( لينا ، انسام ، هند ، نادين )( شلتها) المفضلة لابد أن نتقرب الى أيار .. حتى تصبح عضوة في مجموعتنا (شلتنا) ونستغل ثراءها هذا لخدمتنا .. نحن نأتي الى المدرسة سيراً على الأقدام .. وهي يوصلها الشاب الوسيم في سيارته عند باب المدرسة ..آه .. ليتني أفوز بصداقتها .. ضحكت أنسام وقالت : كعادتك هبة تتشبثين بخيوط عنكبوت .. أجابتها : وان كانت خيوط عنكبوت كما تقولين لكني سأتسلق على هذه الخيوط وأصل الى أيار .. وسأجعلها كالخاتم في يدي .. ثم أستطردت قائلة وهي تشير ببنانها نعم كالخاتم السحري الذي يلبي لي رغباتي قالت لينا وهي ضاحكة ساخرة أوه هبة .. كفاكِ هراء تضحكين بهذه الإعتبارات فالفرق شاسع بين أيار المتكبرة وبيننا نحن قاطعتها أروى : كالفرق ما بين الشمس في حقيقتها وفي منظرها ضحكت هبة ثم قالت : بالطبع أنا .. أقصد نحن منظرها وأيار المعقدة المتكبرة حقيقتها .
كانت أيار جالسة في الكرسي الأخير وبقربها هيفاء سألتها : أيار أراكِ صامتة طوال الوقت .. أجابتها وكأنها تعطفُ عليها : ها .. فقط كنت منصته لهذه الشرذمة .. أجابتها : أتقصدين هبة وجماعتها .
أجابتها نعم سألتها هيفاء وهي ضاحكة : وماذا تقصدين بـ.. ( الشرذمة ).. ضحكت أيار وقالت لا تعرفين معناها أجابتها : لا .. قالت أيار في نفسها : وأنا أيضاً لا أعرفها سمعتها من مروة ، ثم اجابتها : هذا غير معقول تسأليني هذا السؤال وانت طالبة في الثانوية ، تحري بنفسك عن المعنى .
قالت لينا لهبة : صحيح هبة لم أخبركِ .. لديّ خبرُ بمليار .. أجابتها هبة : وقد وثبت عليها بعد أن أخرجت ديناراً من جيبها قائلة : ها هو الدينار يا لينا ما هو الخبر هيا هيا أجابتها وهي ضاحكة يا ملعونة لم أقل ديناراً .
أجابتها هبة نعم نعم دولار .. قالت لينا في نهاية الدوام سأخبركِ ..فأجابتها هبة ممازحة وهي تلف يديها حول عنق لينا .. قولي لي الخبر هيا هيا قولي .. فقامت أروى وقالت ممازحة أيضاً .. لاتخبريها يا لينا قبل ان تتسلمي المبلغ المتفق عليه .. وقالت انسام : رفقاً بالجارية يا مولاتي سنخبركِ ولكن أرفعي أفعى لعنتكِ من حول عُنقها .. وهبة تقول ضاحكة .. تكلمي وإلاّ .. وإلاّ .. وبينما هي كذلك دخلت المدّرسة كان لديهم درس اللغة العربية .. صاحت ما هذا الصراخ .. ماهذا .. يا هبة .. أقتربت من هبة (وشلتها) وكانت هبة قد رفعت يديها تواً من على رقبة لينا .. غريب ما أرى ماذا يا ترى .. هل كنتن تتشاجرن .
نهضت هبة وقالت : عفواً مدّرستي أسمحي لي أن أوضح لكِ ما جرى .. لا يوجد شجار لا سمح الله ولا أي شئ من هذا القبيل .. سألتها المدّرسة بلهجة حادة وماذا أذن .. قالت هبة وهي مبتسمة .. مدّرستي .. كما تعرفين كان قبل قليل وقت الإستراحة هذا أولاً وثانياً نحن في بداية العام الدراسي الجديد ولم يستتب الدوام بعد ولم ندرس بعد ، ولعلك لا تعرفين أيضاً أن صديقتنا العزيزة أيار تكتب الخواطر .
وحال سماع أيار ذلك فتحت فاها وعيناها أ بأستغراب وهي تنصت الى هبة .. قالت المدّرسة ماذا ؟ جميل .. وبهذا العمر .. شئ جميل .. وهبة تواصل حديثها قائلة : وان صديقتنا أيار كانت قد كتبت مسرحية بعنوان الضحية .. وقد كلمتنا عن هذه المسرحية .. من بدايتها الى نهايتها ونحن بالطبع حفظنا احداثها الشيقة عن ظهر قلب .. ومن ثم فكرت أنا وأيار والصديقات بأن لا نضيع وقت الإستراحة هدراً وأن نستغل الوقت لأن الحكمة تقول الوقت كالسيف أن لم تقطعه قطعك .. وبدأنا أنا البطلة ولينا الضحية … ضحكت المدّرسة .. قائلة أوه مسكينة لينا .. وهبة تواصل الحديث .. وصديقاتها لايكدن يمسكن أنفسهن عن الضحك .. فكنت انا البطل القاتل وفي النهاية تموت لينا الضحية .. وكانت فكرة المسرحية أن الضحية لينا لم يكن لديها خبر فقط احبت المزاح لكنها لقت حتفها .. وبهذا تنتهي المسرحية بحادث مأساوي وجهت المدّرسة كلامها الى أيار .. جميل أنك تكتبين وأنت بعمر صغير مقارنة بالكُتّاب .. أريد أن أقرأ هذه المسرحية .. ها .. تلكأت أيار في اجابتها واحتارت ماذا تقول : أ ..أ .. في الحقيقة .. قاطعتها هبة بسرعة .. أوه مدّرستي .. لم أخبركِ .. ألا ترين أيار حزينة بعض الشئ .. ذلك أني استعرت منها هذه المسرحية وقرأتها وعندما أتيت الى المدرسة حملت المسرحية في يدي لشدة أندماجي مع أحداثها الشيقة .. وفي الطريق أستأجرت سيارة تاكسي أنا وبعض الطالبات .. لكني عندما وصلت المدرسة .. أكتشفت أني قد نسيت المسرحية في السيارة .
فقالت المدّرسة .. بحسرة : لا ..لا.. سحقاً هبة .. أن لمثل هذه الأعمال الأدبية قيمة أغلى من الذهب ولا سيما إذا كان النتاج في مقتبل العمر .. صمتت هبة قليلاً ثم انطلقت تقول .. وأنا أيضاً حزينة .. ولكن الذي حدث حدث ولم أكن لأقصد ضياع هذه المسرحية ، ولكن الحمدُ لله أني عندما قرأتها حفظتها عن ظهر قلب وساكتبها لأيار كلما سنحت لي الفرصة .. وها آنذا ألتمس العذر منها أمامكِ تارة أخرى وأيار تحملق بذهول في وجهها .
قالت المدّرسة لهبة : أضعتي المسرحية لأهمالك على الرغم من انك مجدة وأضعتي وقت المحاضرة أيضاً.. ها أيار ماذا تقولين لصديقتك هبة تنهدت ايار قائلة بهدوء ممزوج بغضب كل الذي أريد قوله أن هبة هذه بشعة .
أبتسمت المدّرسة .. عفا الله عما سلف .. ما دمتِ قد كتبتيها وانتِ الكاتبة .. فبالطبع وبدون أدنى شك تقدرين على اعادتها وعلى كتابة مسرحيات غيرها .. قالت أيار بحرقة .. يا مدّرستي أنا وهي تشير بيديها عندما تتكلم قاطعتها المدّرسة .. أعرف أعرف الذي تريدين قوله .. ولكِ الحق في كل ما تقوليه .. بأنكِ حتى لو أعدتِ كتابة المسرحية ستكون مختلفة لأن الكاتب عندما يكتب .. يكتب بإيحاء بعينه .. أطرقت أيار متأففة .. لنستثمر الوقت .
قالت مروة لوالدتها هل تعرفين أن أيار بدأت تقرأ كتباً ؟ أجابتها : صحيح ، وكيف عرفتي ذلك يا ترى أجابتها وهي مبتسمة لقد نصبت لي فخاً واوقعتني فيه لم أتصور أبداً أن أيار بهذا القدر من الدهاء.
وهنا أجابتها الأم مبتسمة : ماذا .. فخ .. ودهاء .. شوقتني لسماع أخبارها .
مروة : عصر أمس عندما ذهبت إليها .. وحدث (كيت وكيت) وفي النهاية أنتصرت عليّ ولم أعرف أسم العالم الذي أكتشف البصمات ولا سنة الأكتشاف هذا .
الأم مبتسمة : وكيف تأتى لأيار ان تنتصر عليك .. أوه مروة .. أن أيار مراهقة وتظنُ أنكِ متعجرفة .. ومتكبرة ومغرورة .. وتلمس منكِ الرياء وتظنكِ تحاولين لوي ذراعها بزخرف القول وتهويل الكلام .
مروة : لكنه المنطق الذي تعلمته منكما منذُ نعومة أظفاري أمي وهل هذه الصفات فيّ أعوذ بالله ؟
الأم : أعرف حبيبتي أنه المنطق .. ولكن أيار مراهقة وما دامت كذلك فهي بحاجة الى أسلوب مختلف .. أسلوب تمهيدي يتوخى الأقناع .. والقبول وليس بأسلوب متكلف .
مروة : أبدأي معها خطوة خطوة أولاً فوزي بصداقتها ومن ثم حببي لها الكتب مثلاً أهدي لها كتاباً .. وحببي هذا الكتاب الى نفسها وعندما يحدث ذلك تتولد تدريجياً فكرة القراءة لهذا الكتاب .. أي تتولد الرغبة تدريجياً لقراءته وعندما تقرأه بالطبع ستطبع هذه المعلومات على شريط ذاكرتها .. وبالتالي ستكونين .. قادرة على مناقشتها بهذه المعلومات .. عندها ستجدينها أكثر استجابة من ذي قبل ..وأنا سأكون مستعدة لمساعدتكِ في ذلك … هي فتاة غريبة الاطوار .
مروة : أتمنى أمي .. ولكن .. أيّ الكتب سأختار ؟
الأم : نعم .. ولكن أي جانب من جوانب العلم ترين ؟
مروة : أ.. علم النفس .. وبينما الحوار مستمر بينهما ألقى الأب عبد الرحمن التحية وجلس بقربها وقال : يبدو أنه حديث علمي .
الأم : الجانب النفسي ، وبدون أدنى شك .
مروة بصوت رزين : أ.. نعم هو علمي وأجتماعي في الوقت ذاته .
الأب : أهو يصبُ في مجال الطب مثلاً ؟
مروة : أوه أبي كم تحب الطب .. الأمر يتعلق بأيار ولقد أتفقنا أنا وأمي بأن نُمرّن أيار على قراءة الكتب لا سيما العلمية التي تتعلق بعلم النفس .
الأب : علم النفس موضوع ممتع لأنه يبحث في مكنونات النفس وقد قرأت كثيراً في هذا المجال ومكتبتنا زاخرة بمثل هذه الكتب ، ولكن لماذا هذه الجدية في التعامل مع أيار ؟
الأم : أذن ساعدنا في أختيار كتاب يتكلم عن علم النفس … سيما ان سراج الدين طلب من مروة الإهتمام بها ، ولفت نظرها صوب قراءة الكتب .
الأب : علم النفس له فروع كثيرة جداً .. منها علم النفس الفارقي الذي يتناول علل وأسباب الفروقات ، وعلم النفس العام ، وعلم نفس الحيوان وهو يتناول السلوك طبعاً للحيوان ، وعلم النفس الأكلينكي وهو العلم الذي يدرس علل الأمراض النفسية والعقلية ، وعلم النفس المقارن يدرس الإختلافات والتشابه بين سلوك البشر وحتى الحيوانات .. الأطفال .. إلخ من الفروق الأخرى … لكني أرى إهداء الروايات اكثر ملائمة من هذا الكتاب كروايات أجاثا كريستي فهي رائعة ومثيرة للإنتباه .
الأم : أذن سنختار علم النفس العيادي أو الأكلينكي .. قرأت عنه كتاباً .
مروة : أ .. بابا .. صحيح … روايات أجاثا مثيرة هل استطيع أن أهديها رواية من مكتبتنا ؟
الأب : أبتسم .. نعم بالطبع خذي أيّ كتاب .. وسأشتري بدله .
مروة : شكراً بابا ..أ .. بقيت المناسبة .. ترى ماذا أقول لأيار ماهي المناسبة التي تستأهل هدية كتاب .. وبهذا العنوان المميز .
الأم : قولي لها ذهبت الى مكتبة السوق وأعجبتُ بهذا الكتاب او الرواية واقتنيته لي وقد أعجبني أيضاً أن تكون لكِ نسخة منه ثانية أشتريتها لكِ .. فاتحة صداقة بيننا ..
مروة : أوه .. أمي شكراً على أفكاركِ النيرة هذه .
الأب : أنت عمتها ولا داعي لأن تكون هناك مناسبة للاهداء ، وأيار رائعة .
مروة مبتسمة : لكن أبي انها تظن بي الغرور والكبر … ولتقص لك أمي ما حدث عصر امس مع أيار وكيف تغلبّت علي بذكاء وبجدارة ، ولأذهب أنا الى بحر العلوم البيت متوجهة نحو الكتب وهي تنظرُ بعينين باحثتين عن هذا الكتاب .. حتى وصلت إليه.. رفعت يدها واستلت كتاباً من بين الكتب فأخذته ثم توجهت وجلست على أحد الكراسي في الغرفة والفرحة تغمرها .
كان الوقت عشاءً والعائلة جالسة في غرفة الطعام على الكراسي حول الطاولة لتناول وجبة العشاء وهم بإنتظار أيار التي لم تنزل بعد من غرفتها نهض أنس من على الكرسي وسار نحو الدرج وقف وأخذ ينادي على أيار … أيييييييييييياررر .
فإذا بأيار تنزل السلم رويداً رويداً ثم توجهت نحو المائدة سحبت كرسيها وجلست عليه .. وهي منصته .
الأم : لماذا هذا التأخير بُنيتي كُنا بأنتظاركِ .
أيار : لستُ جائعة .
الأب : يبدو انكِ تناولتي وجبة غذائية ثقيلة .
أيار : على العكس كانت وجبة غذاء تسد الشهية ثم أن هذه الخادمة المدعاة أم سالم لم تضع الملح في الطعام وعليه كانت وجبة ماسخة فاقدة للنكهة .
معاذ : أوه .. أيار .. لا تكذبي .. كان غذاءً لذيذاً لكنكِ مزعجة بعض الشئ حتى في وصف الطعام .
أيار : أنت المزعج .. لا دخل لك انت .. أنا أكلم بابا .
الأب : كفا يا أولاد أظنكما نسيتما البسملة وعليه الشيطان يحاول أن يخلق مشكلة على الطعام للإيقاع بينكما .
قتيبة : بسم الله الرحمن الرحيم أقولها مرة أخرى حتى يهرب الشيطان خيفة من أسمه تعالى .
أنس : ماما .. أنا لا أرى الشيطان الذي تتكلمون عنه كيف ترونه أنتم ؟
الأم : لا حبيبي .. نحن لا نرى الشياطين بل نحسهم وعليه نستيعذ بالله منهم بذكر الله حتى يطرد شرورهم .
وبعد الأنتهاء من تناول وجبة العشاء توجهت أيار الى المطبخ وقالت : هَيْ ..أنتِ ايتها الخادمة .. أسكبي لي الشاي في قدح كبير .
أم سالم : حاضر آنستي حالاً ..فأسرعت لتلبي طلبها تناولت القدح ثم رفعت أبريق الشاي وصبت الشاي في القدح بعد أن وضعت السكر ، تناوت القدح منها وتوجهت الى غرفتها وبينما هي تصعد السلم .. سألتها الأم : ها .. أيار .. الى أين .. ألا تحتسي الشاي معنا أجابتها وهي تريها القدح .. الشاي معي ..أنا صاعدة الى غرفتي لديّ مذاكرة .. ودروس كثيرة ومزعجة وكريهة ، سأدرسها .
الأم : حسناً .. تفعلين ..أعانكِ الله وتصبحين على خير .
أيار : وأنتِ ماما .. ثم توجهت نحو غرفتها حتى وصلت الباب وضعت يدها على مقبضه وفتحته دخلت ووضعت القدح على الطاولة ثم أغلقت الباب .. ورمت بجسدها على السرير مستلقية وراحت تستذكرُ ما قالته وفعلته هبة لا سيما عبارة أن صديقتنا أيار الأوجي كاتبة ، وقد كتبت مسرحية بعنوان الضحية ، وقول المدّرسة ماذا ، كاتبة .. وبهذا العمر .. شئُ جميل وعبارة المدّرسة جميل أنكِ تكتبين وأنتِ بعمر صغير مقارنة بالكتّاب .. أريد أن أقرأ هذه المسرحية ثم نهضت من على فراشها وجلست على الكرسي وراء المكتب ورفعت القدح وأحتست قليلاً منه ثم وضعته مكانه لأنه ساخن .. فتحت الحقيبة وأخرجت الكتب منها ثم أخرجت الجدول وقرأته محاولة تحضير دروس يوم غد .. قالت في دخيلة نفسها : كم انتِ حقيرة يا هبة .. هربتي مني حال سماع جرس نهاية الدوام .. ولكن أين تهربين مني ..غداً سأراكِ .
كانت هبة تشعر بالرغبة في الكلام لأختها لتروي لها ما حدث من حديث المسرحية وكيف أنها تخلصت من الأحراج أمام المدّرسة من التوبيخ بكذبة على أيار وأدعائها الكاذب بأنها كاتبة .
هالة : ضاحكة .. وكيف ستخرجين من هذه الكذبة أمام أيار .. ستعنفكِ .
هبة : لا أنا فكرت ، وهي تضحك ممازحة .
هالة : بماذا فكرتِ يا ترى أسمعيني .
هبة : أن أنتقل الى مدرسة ثانية ..لأن أيار متوحشة وأذا رأتني غداً ستفترسني .. تأكل لحمي وأن كان هزيلاً وترمي عظمي في سلة المهملات .
هالة مبتسمة : أوه هبة ..لا تتمازحي .. فكّري .. فأنت مخطئة .
هبة : أنا هبة فتحي .. لا تخافي عليّ .. لا أفكر الآن بالكلام الذي سأتذرع به أمامها وأنما أفضله مرتجلاً .
هالة : ولكن لماذا ؟ أتفقتِ انتِ وشلتكِ على هذه الكذبة ألا يوجد غيرها .. ولكن إذا كانت أيار جريئة وسليطة اللسان كما تقولين .. لماذا لم تنكر كلامكِ وتضمر لكِ العقاب و(لشلتكِ) ؟
هبة : أقطبت حاجبيها وقلبت شفتيها .. حقيق لا أدري لعلها وقعت في غرامي للوهلة الأولى التي رأتني فيها .. لكني لم أعطها أي مجال للحديث لأنها أصيبت بالذهول ولم تعي ما سمعت ، ثم أعتدلت في جلستها وقالت : لو أنكرت كلامي .. لتفاديت الموقف بسرعة وحولت الموجه من قناة الكذب الى قناة الهزل والمزاح .. لأنه والحمد لله مدّرسة اللغة العربية مدّرسة طيبة .. وتصدق كل شئ .. حتى لو قلت لها أن أيار تحولت ولداً .. ثم ضحكت .. هالة لا تهتمي … أنها من عائلة ارستقراطية وقد تربت تربية مترفة وهي لا زالت كذلك لم تتعرف على الحياة خارج محيط اسرتها ، لم تختلط أمثالنا بالناس الذين يعيشون الحياة القشفة ، لذا ترينها لا تعرف الكذب ولا تعرف المجاملة وأظنها تصدّق بالفطرة أي حديث سأتذرع به أمامها .
هالة : صرتُ لا أفهم نواياكِ تارة تريدين التقرب منها والفوز بصداقتها وأبعاد هيفاء عنها وتارة أخرى تختلقين أسباب الشجار معها .. حقيقة لا أفهمكِ اصبحت غريبة الأطوار .
هبة ضاحكة مقهقهه : يا أختي العزيزة .. أنا واضحة ونواياي خير .. قلتُ لكِ سأتقرب منها وسأصادقها وأجعلها كالخاتم في أصبعي وسترين ذلك بأم عينيكِ ياهالة .
هالة : حسناً .. لنرى .. تثاءبت .. تصبحين على خير .
هبة : وأنتِ من أهل الخير .. والآن أحضر دروسي أستلت القلم وكتاب الأنكليزي وأخذت تدرس الكتب بحسب جدول الدروس اليومي وبينما هي كذلك فتح والدها الباب وقال هبة ما زلتي يقظة بُنيتي ؟ رفقاً بصحتكِ .
هبة : نعم أبتي لديّ دروس .. أتحتاج شئ أعمله لكِ ؟
الأب : كلا بُنيتي .. فقط رأيتُ المصباح وظننتُ أنكِ نسيتُ أطفاءه حسناً هبة أعانكِ الرب على الدراسة وسهلها لكِ .. وجعلها أدخل الى نفسكِ وأنفذ الى عقلكِ .. تصبحين على خير .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

أصواتٌ … بداخلِ الصَّمت
حسن حصاري / المغرب

كثيرا ما أضِيع … وأنا أفكرُ في الكِتابةِ اليك، وسَط سُطورٍ لمْ أكتُبها بَعد. أدركُ …

فاروق مصطفى: من يشعل سراج الافتتان لسلالم ( القلعة ) ؟

تاخر اكتشافه لجانب الصوب الكبير من مدينته كركوك ، و عندما تعرفه وجد فيه روح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *