بشار ساجت : التشكيلات الرمزية في القلوب الشهية

التشكيلات الرمزية في القلوب الشهية

بشار ساجت

القلوبُ الشهية مجموعةٌ قصصيةٌ للقاص والروائي عمّار الناجي, احتوت مجموعةٌ من القصصِ الشيقةِ والجميلةِ. قصصٌ تنوعت بعناوينها وبناءاتها وتقاربت في معالجاتها, لكنها اتّفقت في كونها جاءت مليئة بالرمز المكثف المليء بالإيحاءات والايماءات الشعورية والفكرية معا, إذ إن الكاتب يقدم أشكاله الرمزية عبر لقطة مكثفة , أو مشهد مضغوط أو موقف إنساني أو انطباع شخصي . وهو يقارب بهذه التشكيلات الرمزية ما يعرف بشعر الفكرة الذي شاع بين الشعراء الرومانسيين الذين صوروا الافكار كالفرح والحزن وغيرها. وتعد الرمزية الملجأ الامن الذي يهرب إليه الكاتب في معالجاته لما يراه من اعوجاجات في المجتمع فبين الرقابة الصارمة للحاكم وقيود الموروث البالية, يستخدم الكاتب الرمزية في رسم معالم نصوصه. جاءت قصص عمار الناجي مليئة بالرمزية الى حد كبير, فنراه في تقيةٍ شديدةٍ من المجتمع. رافضاً أغلب أفكاره السائدة ثائراً ضدها. 

نهرٌ من لبن قصةٌ رمزية بامتياز تبدأ رمزَّيتها من عنوانها, فكيف يكون النهر من اللبن وهل له ثمة علاقة بأنهار الجنة؟ ثم يرسم لنا الناجي صورة رمزية كثيفة وهي إمرأة غامضة، يفيض لبنها ليشكل نهرين, تُغتَصب فتعود باكراً, لا تكترث للاخرين, يغتصبها أبناؤها. أبناؤها لا يعرف عددهم بالضبط, تُسأل فتقول: اسأل الشيطان. 

كل هذه الشفرات يستخدمها الناجي لبناء رمزيته، فهي رمزية مكثفة عصية على الفهم والتحليل. 

ميزة اخرى تتميز بها قصص الناجي وهي ميزة الوصف المكثف. فالجملة الوصفية عند الناجي من طراز مختلف, فالناجي لا يكتفي بالوصف التقليدي للشخصيات بل يتعدى وصفه ليشمل أدق التفاصيل فجملة الوصفية من الدقة المتناهية ما يجعلنا نرى أدق التفاصيل ليس للشخصوص فحسب بل الزمان والمكان وحتى الكيفيات. يقول:

“يرتجف الهاتف, يرتعش سلكة الملحزن, تنزل من قبعة معطف الرجل قطرات باردة من المطر تنزل القطرات عبر قبضته القاسية المحمرة المرتجفة, تنزل الى اسفل حاكية الهاتف. تتجمع لتشكل قطرة مرتعشة تكبر وتكبر ثم تسقط ببطء لتنفجر على البلاط الصلب الاسود المبتل. يلتفت الرجل خارج مظلة الهاتف العمومي, سامحا لزخات المطر أن تسقط على وجهه اللابد في مغارة فرو معطفه الرمادي, يختلط دمعه بالمطر ويسيل عزيرا من جانب حنكه البارز.” 

مقطع وصفي اخر يقول: ” وعبر مسالك اعمدة النور الساقطة من ثقوب السقف لمح زورقا صغيرا ابيض يطفو في بحر ساكن يتهادى الزورق متأرجحا بخفة, معلقا بين خطوط النور وفراغ الحجرة المعتم. يمد الكهل كفا صلبة خشنة, تلج كفه المرتعشة البحر وتحمل الزورق المضطرب”

يرسم الناجي لوحاته الوصفية بدقة متناهية, فتراه يستخدم الجملة الفعلية مع الاحداث التي تحتوي تغييرا اما الجملة الاسمية فيستخدمها في بناء الحدث الرئيسي.

كذلك تتميز قصص الناجي بخاتمة جميلة فريدة, فهو لا يختم قصصه الا بعد ان يهيئ ذهن القارئ لذلك يقول:

“وفي المسافة الفاصلة بين محجر العين وبقعة القرط الحمراء. تبخرت الدمعة متلاشية في فراغ الظلمة القائظ.

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *