مخطوطة آخر كتاب للراحل ناظم السعود: المدوّنة ألحادية عشرة .. اقباس من كتاباتي الصحفيّة (ملف/38)

ناظم السعود وقبلة مزدوجة من طفليه

حوار أجراه ناظم السعود مع الشاعر والناقد العراقي ذياب شاهين :
اكتشفت عددا من البحور الشعرية الجديدة !
أسعى لتحويل أحلامي إلى واقع رقمي
دراسة التراث بأدوات حديثة سيعيد الحيوية لتراثنا

في تسعينات القرن الماضي رأيت ، ولأول مرة ، الشاعر والناقد العراقي ” ذياب شاهين ” بعد ان سمعت عنه أخبارا لافتة تضيء نشاطاته وحيويته وبحثه الدائب عن الجديد الذي سيبقيه تحت اشعة الحقيقة الثقافية، ولهذا كان من الواجب ان التقيه واكتب عنه وخصوصا ما تناهى إليّ من انه قد توصل إلى اكتشافات مهمة في علم العروض العربي تجعله – لو إنها صحت وصدقت – من اهم العاملين في هذا المجال والمجددين لعلم العروض ، وحين رايته في لقاء مجزأ ( في بيته بمدينة الحلة ثم في سكني آنذاك بمدينة بغداد ) أدركت أنني أمام عقلية متطورة وجادة في سعيها للبحث والإفاضة من علم سيغني به الأدبين العراقي والعربي معا .
وخلال أكثر من عشرين عاما كثرت بيننا الزيارات واللقاءات ونهلت من علمه وكتبه ( فقد ظهرت لذياب بعض الكتب ولا سيما من المطابع العربية ) ونقلت مجموعة من توصلاته الى القراء في عدد من الصحف التي عملت بها كما أنني استكتبته أكثر من مرة لزيادة الوعي والمعرفة بين المتلقين ، حتى في سفره خارج العراق _ ضمن موسم الهجرات التي اضطرت إليها نخبة من أدباء ومثقفي العراق لأسباب شتى – أفاد (المهاجر ) ذياب شاهين من انفساح الأجواء والمناخات وتعدد مصادر الثقافة في تغذية عناصره الميالة للعلوم المعاصرة والجذور التراثية مما يدفعه لان يكون معبأ وندا لعصره وتراثه معا ، وقد سررت حين علمت انه يتواصل في طريق المعرفة ولم يهملها كنتيجة للسفر وانه مسك ” العدة الثقافية ” من طرفيها : الأدب والنقد وتوثقت عرى الوصل مع الأسماء والعلاقات من حوله وتثقف كثيرا حتى أصبح اسما بارزا و ممثلا للشعر الإماراتي في الملتقيات العربية !.
قبل أيام اجريت حوارا مطولا مع الشاعر والناقد ذياب شاهين حول
( خلاصة ) التجربة التي خرج بها بعد سباحته في مياه وأمواج متلاطمة ونقده المنهجي لآثار معاصرة وأخرى ركض أصحابها خلف التراث الذي تعلموه ولكنهم – في المحصلة النصية – قد تباعدوا عنه او هجروه !! وبعد انتظار لأكثر من أسبوعين وصلتني الإجابات مجتمعة فكان هذا الحوار :
صدقت نبوءة نازك الملائكة !
*اعرف أنك تكتب وتبحث عن موازين الشعر العربي منذ التسعينات وكان لك شرف تبشير الشعراء والنقاد بأنك قد توصلت إلى بحور جديدة في الشعر ووضعت تطبيقات شعرية عليها…فما هو الجديد الذي اكتشفته حول هذه البحور؟
– الواقع أن علم العروض بوصفه علما مهتما بموازين الشعر مثقل بكل ما هو جديد، وكلما أخوض فيه أجد شيئا غائبا عني أو أنني لم أدركه في حينه، وعلي الإقرار هنا أن ما وجدته كان متأخرا جدا وربما لم يعد يعني أحدا، أو يمكن القول إنني قد ظهرت في زمن كان الشعر فيه قد تحرر من ثوب العروض والموازين، وبات يبحث عن جماليات أخرى كالبلاغة وتفجير اللغة وشعرنة النثر أو نثرنة الشعر فالمسميات باتت سيان للشاعر الحديث، فالمهم هي أن تأتي بشيء جديد في الكتابة الشعرية حتى لو كانت على حساب الموازين ، حيث صدقت نبوءة نازك الملائكة حول انكفاء القصيدة العروضية وهي تلحظ ما كان يظهر حثيثا من شعر منثور في زمنها وخصوصا في لبنان وسوريا على أيدي شعراء – نثار من مثل أدونيس و يوسف الخال ومحمد الماغوط وغيرهم، وأذكر أن الصديق الناقد باقر جاسم محمد قال لي عندما أطلع على بعض كتاباتي العروضية إنها متأخرة عن زمنها بعشرين عام، والشيء الطريف أنني عندما حاولت استثمار اكتشافاتي العروضية والتبشير بالقصيدة الهرمية أو السمع بصرية التي كتبت عنها بيانا في النصف الثاني من التسعينات لم أنشره في حينه مبشرا بنوع كتابي يعتمد على تقنية الكومبيوتر وكنت أبحث عن برنامج لتحويل أحلامي إلى واقع رقمي وحدث ذلك في العام 2010 عندما ألقيت محاضرة في أبو ظبي قال لي الصديق الشاعر الجزائري عياش يحياوي إنها متقدمة على زمنها بعشرين عاما، لذا فأنا كنت حائرا بين رأييين أحدهما يقول إنني متأخر عشرين عاما والآخر يقول إنني متقدم عشرين عاما ولا أدري أي من الرأيين هو الأصح.
لست بثائر على الشعر
* قيل، علم العروض قد ولد كاملا منذ البداية، ماذا كنت تبغي من ثورتك على الشعر وهل كنت في الأصل تثور على علم العروض أيضا؟
-قولة إن (علم العروض قد ولد كاملا) هي مقولة غير صائبة بالمرة والدليل على ذلك يتمثل في عدد الكتب والدراسات الكثيرة جدا التي ظهرت بعد الخليل، والدليل الأهم أن الخليل ذاته لم يقل بذلك، أما حول ما أسميته ثورتي على الشعر، في الواقع لست بثائر على الشعر ولا على علم العروض، فبالنسبة للشعر فأنا أكتب الأنواع المعروفة كلها من عمودي وتفعيلة ونثر، ولا تفضيل لإي منهما على البقية، والكتابة لدي مرتهنة بالحالة الشعورية والنفسية إذ كيفما أحس الحدث أكتبه بما هو عليه وبالصورة التي يزورني بها، أما بالنسبة لعلم العروض فيمكنك أن تقول عني مجددا بدلا من أن أكون ثائرا، وإن إطلاق تسمية مجدد عليّ هي الملائمة بالنسبة لي وهو ما أطمح أن أكونه، أما ما كنت أبغيه من مغامرتي العروضية فقد وودت أن تتغير النظرة لعلم العروض ليتحرر العقل العربي من مسميات جاء بها الخليل ولم تعد تنفع مجتمعنا المعاصر، لقد اقترحت نظاما جديدا يستطيع بموجبه أي قارئ للعروض أن يستمتع به ولا يكرهه، واقترحت طريقة ينسب بها الشعر للدوائر وليس للبحور، لأن المسميات القديمة كثيرة والعقل الانساني لا يستطيع حفظها وخصوصا عندما تنطوي على مسميات غارقة في القدم تجاوزها اللسان العربي وبقت ميتة في القواميس. لقد وضعت طريقة يستطيع بها أي طالب أو شاعر أن يشتق البحور كافة باستخدام سبب خفيف واحد, لكن للأسف الشديد لم ينتبه إليَّ أحد.ولم أحصل سوى على الشتائم والإنكار والتشكيك .
العروض العربي هو من اختارني
* قرأت ان الشعر واكتشافاته وعروضه(مخصوص للغابرين)، ولأنك من المعاصرين لنا فكيف تجرأت ودخلت أرضا لم تكن لك ؟!
سأقول لك شيئين مهمين، الأول هو أن علم العروض نحتاجه دائما، وليس مخصوصا بالغابرين أوالمعاصرين فقط ، بل هو زاد العربي حتى قيام الساعة ولطالما بقيت العربية حية انشاء الله بقت حاجتنا قائمة للعروض وللموازين، الشيء الثاني وهو أمر قد يفاجئك هو أن العروض العربي هو من اختارني ولم أختره أبدا ، وهو الذي دخل حياتي دون سابق انذار وحرمني لذة أن أكون جاهلا بدلا من عناء أن أكون عالما، فالجهل في مجتمعاتنا العربية نعمة والمعرفة والعلم نقمة، وستقول لي ما هذا الكلام الغريب، وأنا سأجيبك عن الطريقة التي تسلل العروض إلى حياتي وأفسدها، طيلة حياتي كنت أقرأ الشعر في الكتب المدرسية وأتلذذ بموسيقاها وطريقة كتابتها على الورقة وأسمع بالموازين والكل كان يقول إنها صعبة ومقتصرة على القلة، ولم أكن أعرف أين أجد كتابا عن الموازين، بل لم أكن ليعنيني أمرها، وكنت أعرف أسماء شعراء قدماء كالنابغة الجعدي والنابغة الذبياني في بعض الكتب المدرسية حيث رأيتها في كتاب المطالعة وهو من الكتب المدرسية لابن عمي وهوكان يدرس في إعدادية الزراعة في بداية السبعينات، وأذكر أني قرأت بعض المقاطع لشعر السياب ومنها قصيدته الخالدة أنشودة المطر في إحدى المجلات الطلابية التي أصدرتها متوسطة الحلة وكانت قريبة من مدرستي الشرقية وقد كنت في السادس الابتدائي في حينه، ما أردت أن أوصله أن البيئة التي نشأت بها كانت بيئة أدبية بامتياز على مستوى المدرسة بالرغم من كون أبي وأمي أمييين ، لكن مع كل ذلك كان العروض العربي بعيدا عني جدا، ولكن بعد التسعينات تغير كل شيء لأن الشعر بدأ يهاجمني بشدة لأكتبه وبالتالي كانت البدايات الشعرية البسيطة تظهر وأكتبها واضطررت للبحث عن كتاب بسيط لمعرفة هل ما أكتبه كان موزونا أو غير موزون لأننا تعلمنا أن الكلام يجب أن يكون موزونا لكي يكون شعرا، لذا فقد ذهبت إلى إحدى المكتبات وكانت بالصدفة للصديقين شكر الصالحي وناجح المعموري، واشتريت كتابا هو ميزان الذهب في صناعة شعر العرب للسيد الهاشمي، وكان نقطة التحول في حياتي كلها وبقية القصة معروفة حيث دخل بيتي العروض وصرنا صديقين لدودين. لذا لا تستغرب قولي إنني لم أدق باب العروض بل هو الذي دق بابي وكنت حينها في نهاية الثلاثينات من عمري.
هل صدقت يوما أن علم العروض قد ولد كاملا، ولم لم تتجنبه إذن؟
عندما قرأت ميزان الذهب كنت أظن أنني أقرأ علما تاما متكاملا ولا يحتاج أن يكتب فيه أحد، لكن بدلا من أن أحاول الاستفادة من الكتاب وجدتني أكتشف ظاهرة الانقلاب في الموازين بعد القراءة الأولى للكتاب، ثم أكتشفت الدوائر بالرغم من عدم وجود أي ذكر للدوائر العروضية في هذا المصدر، وتوالت قراءاتي وتوسعت بعد اطلاعي على مصادر أخرى حتى اكتمال كتابي بعد ستة شهور من أول لقاء مع علم العروض، لذا فمقولة إن العروض ولد كاملا بان تهافتها، أما الشق الثاني من سؤالك, وهو لِمَ لَمْ أتجنبه؟، وهو سؤال ذكي لا ريب، والجواب عليه هو أن العروض قد تصرف معي كما تتصرف المرأة مع رجل أحبته , فأرادت أن تحتازه، وعملت بدهاء كي لا تضيعه، لقد استدرجني العروض رويدا رويدا، ، وجعلني أدخل إلى غاباته، حتى أوقعني في شراكه، لذا ظل هذا العلم متمسكا بذياب شاهين وأقولها بمحبة وبدون كبرياء أو غرور فأنا انسان بسيط جدا ولست ممن يستهويهم المدح ولست نرجسيا مثلما اتهمني بعض الأصدقاء، لقد استغلني العروض لكي يكشف أسراره البهية من خلالي، حصلت على الشتائم بسببه وازداد سموا فوق سموه. لم يعطني العروض أي شيء جراء جهودي، ولا أعتقد أنني سأحصل على شيء منه .
*طيب لي هنا ان أسالك :إذا كان بعض الشعراء قد أعلنوا أنهم إضافوا بعض العروض الجديدة أو المجيء بآراء جديدة فهل تذود عنهم وتساعدهم أم أنك تنتصر للقديم فقط؟
– أنا مع كل جديد وصادم ومدهش، ومستعد أن أدافع عن كل مجدد مهما كانت توجهاته ومنطلقاته وحتى لو كان يخالفني الرأي، وهذا الموقف سأتخذه لأنني أعتقد أنه موقف أخلاقي ومهني.
* عام 2003 أصدرت كتابا جديدا بعنوان (العروض العربي بدلالة
الرمز والنظام) في الأردن عن دار الكندي، فهل تتذكر عدد البحور التي اكتشفتها وهل أضفت إليها بعد ذلك؟
تجاوزت المائة والخمسين بحرا.
– – نعم ، كان هذا الكتاب باكورة عملي العروضي، وكنت أحمله مثل امرأة تحمل طفلها الذي أنجبته من علاقة لا شرعية مع أحدهم، وحين خرجت من العراق في نهاية العام 2000م على ما أذكر اصطحبته معي مطبوعا بواسطة الكومبيوتر وكان عهدنا به حديثا جدا، وقد دفعت ثمنا لطباعته على كمبيوتر الذي كانت يعمل بنظام الماكنتوش، وكانت لدي نسختان من الكتاب إحداهما ورقية والأخرى على فلوبي، فضلا عن النسخ المكتوبة بخط اليد التي كانت تحتوي رسومات الدوائر وقد رسمتها بيدي فلم يكن مستخدمو الكومبيوتر في حينه على دراية في كيفية استخدامه في رسم الأشكال الهندسية كالدوائر والمستطيلات وغيرها. أما عن عدد البحور فهي كثيرة وتجاوزت المائة والخمسين بحرا. لأنني اكتشفت ستة عشر دائرة، وفي كل دائرة عدد من البحور بقدر تسلسلها في الهرم العروضي، فالدائرة الأولى تحتوي على بحر واحد والثانية على بحرين وهكذا حتى الدائرة السادسة عشرة التي تحتوي على ستة عشر بحرا. ولأن الدوائر تحتوي على كيفيات متعددة لذا فعدد البحور الكلي يزداد بازدياد هذه الكيفيات ومن الصعوبة بمكان تحديد العدد الكلي .
أفكار جديدة ومربكة
*هل لي ان اعرف لماذا لم يصدر الكتاب في بغداد؟ولماذا شبع موتا في دار الشؤون الثقافية كما قلت لي مرة؟
تقدمت بكتابي إلى دار الشؤون الثقافية قبل سفري خارج العراق، وأعتقد أنهم أعطوه إلى أحد الخبراء ، ولا أدري ما حل به بعد ذلك، ولأنهم لم ينشروه فلربما لم تتم إجازته من الخبير، لأن الكتاب برأيي لا يستطيع خبير عروضي تتلمذ على كتب العروض الجامعية أن يستوعب الأفكار الموجودة فيه لأنها أفكار جديدة ومربكة وأنا أعطيهم العذر. وقد أحسست بذلك من خلال المحاضرات التي عملتها في نقابة الفنانين واتحاد الأدباء في البصرة وفي بابل أنها غير مرحب بها من بعض الأساتذة الجامعيين الذين ناقشوني وبالطبع ليس كلهم فهنالك من رحب بالكتاب وهم من القلة القليلة جدا.فضلا عن ترحيب الأدباء لأن الأديب لا يعبأ بالدرس الجامعي كما هو معروف.
* لماذا أطلقت أسماء عربية على البحور الجديدة من مثل العراق أو بغداد أو البصرة وبابل وكتبت قصائد شعرية حولها؟
لا لسبب معين بل فقط لكسر الجمود وجعل العروض قريب من الجميع واعتزازا بهذه المدن التي أحبها وبالطبع هنالك أسماء شعراء وشاعرات ومدن عربية أطلقتها على هذه البحور وهنالك الكثير من البحور التي بقيت بدون أسماء فعدد البحور كبير وأحتاج عددا كبيرا من الأسماء. كما أنني لم أستطع الكتابة على البحور كلها فهذا عمل شاق يستوجب تفرغا لهذه المهمة العسيرة.
اكتشاف بحر بغداد
* في النصف الثاني من عقد التسعينات أعلن الشاعر الراحل محمد سالم البيرماني عن اكتشافه لبحر شعري جديد أطلق عليه بحر بغداد، وكان قد نظم قصيدة عليه في السبعينات من القرن الماضي، فهل أطلعت على هذه القصيدة والبحر قبل أن تعلن عنه في نظامك العروضي؟
-كلا لم أطلع على هذه القصيدة مطلقا، ولا أعرف أن لديه قصيدة على البحر المكتشف، فالبحر أنا اكتشفته وقد أعطيته اسم بغداد، وكتبت عنه قصيدة بالاسم ذاته، وقد عملت عدة محاضرات حول كتابي وعلى البحور الجديدة ومنها بحر بغداد وبالرغم من كون الشاعر البيرماني كان صديقي لكنه لم يذكر لي ذلك أبدا، ولكن بعد خروجي من العراق، وكنت في حديث مع أحد أصدقائي المهندسين نتكلم عن العروض وأخبرته عن بحر بغداد و بحر العراق وبابل، فأخبرني هذا الصديق أنه قرأ في إحدى الصحف العراقية عن هذا البحر وفيه يتكلم أحد الأشخاص ويقول إنه اكتشف البحر قبل ذياب شاهين، ، ويجب أن يعترف به كونه المكتشف الأول، وحين طلبت منه أن يذكر اسم الشخص الذي ادعى ذلك، قال لي إنه لا يستطيع تذكر اسمه، ولكنه كان متأكدا أن الرجل ذكر بحر بغداد، وحين زرت بغداد التقيت الصديق الراحل البيرماني، وقال لي إن له معي قضية، فاستغربت ذلك وحين سألته عن طبيعة القضية وفيما لو أسأت إليه أو أن أحدهم نقل عني كلاما إليه، فأجابني كلا ليس هذا ولكن القضية ثقافية وليس مالية أو كلام أو أي شيء آخر، وحين استفسرت عن القضية الثقافية، أخبرني أنه هو الذي اكتشف بحر بغداد وكان قد كتب عنه قصيدة في السبعينات، ويجب أن ينسب البحر إليه، حينها أيقنت أنه هو الشخص الذي اخبرني عنه صديقي في دولة الإمارات، وفي حينها أخبرته أنني لا أعرف كتابته لهذه القصيدة، وكذلك سألته بعض الأسئلة عن البحر وفي أية دائرة يقع وما هي جوازاته، فلم يجبني عن ذلك، إلا أنه قال لي إنه أخذ التفعيلة(مفعولات) ونظم عليها القصيدة، وفي حينها طلبت منه أن ينسى الموضوع، لأن بحر بغداد ليس تفعيلة فقط كتب عليها بالصدفة قصيدة، لأنه بحر قائم بذاته ونصحته بأن يقرأ كتابي وسيتفاجأ عندما يعرف ما كان مسمى بحر بغداد عروضيا قبل أن أحدد ملامحه العروضية وكذلك أين يقع وما هي جوازاته. وانتهى الحديث بيننا، ولا أدري إن كان قد اطلع على كتابي أم لا، ولكني كنت أسمع من هنا وهناك عندما أزور العراق ومدينة بابل أن البحر بات ينسب إليه حتى في جامعة بابل، عندما قام أحد الأساتذة بعمل بحث عن بحر بغداد ناسبا البحر للبيرماني وليس لي، وهنا أود أن أصحح خطأ قد يقع فيه الجميع، هو أن بحر بغداد ظهر لي في الدائرة الرباعية(وهي دائرة المجتلب عروضيا) وهو البحر الرابع الذي لم يكتشفه الخليل في هذه الدائرة مع كل من الهزج والرمل والرجز وهو ما لم يعرفه البيرماني، وكذلك فقد وجدت عليه شعرا كان الخليل قد قطعه بصورة غريبة وجعله تحت مسمى مخلع الرمل، وهذا يعني أن البحر قد كتب عليه شعر منذ القدم وليس البيرماني هو أول من كتب عليه، ولكن من اكتشف مكان البحر وجوازاته وحدد ملامحه بوصفه بحرا هو أنا.لذا أرجو تصحيح المعلومة.
أدعو كل منصف
* كيف ترد على بعض الأصوات التي أخذت تشكك في اكتشافاتك العروضية؟ وهل قمت بالرد على اتهاماتهم؟
هنالك من شكك ولكني أدعو كل منصف أن يقرأ الكتاب بتأن قبل التشكيك، كذلك على المشككين أن ينتظروا صدور الكتاب بجزأيه الهندسي والإيقاعي وأتمنى أن تحصل الموافقة عل إصداره في الشارقة خلال هذا العام.
فوبيا من النجاح.
*كيف تخلصت من الأمراض العراقية المزمنة في الثقافة؟من مثل التشكيك والاتهامات؟!
نعم ، التشكيك والاتهامات هي مرض ملازم للثقافة العراقية وخصوصا عندما يحقق بعض الأدباء نجاحا في مجال معين، وأعتقد أنك كتبت يوما ما تحذرني من مرض الفوبيا من النجاح الذي يصيب البعض عندما يتفاجأ بأن زميلا لهم قد نجح في مجال معين، والحقيقة فالمقال كان رائعا، وقد عانيت كثيرا على المستوى الشخصي من هذه الفوبيا وتعرضت إلى حملة من التشكيك والاتهامات عندما أصدرت كتابي في العروض، وكذلك تعرضت إلى حملة أخرى عندما أصدرت بعض الكتب النقدية والدواوين، وكذلك حوربت عندما تم اختياري من قبل وزارة الثقافة الإماراتية لأمثل دولة الإمارات العربية في مهرجان أصيلة في المغرب كضيف شرف وأتكلم عن الشعر الإماراتي، وما زلت أعاني من التهميش والإقصاء لحد الآن، حيث تم تجاهل كل ما أنجزته من كتابات عروضية وشعرية ونقدية، بصورة مزرية وأشعر بالألم والحزن من تجاهل ما أكتبه على المستويات كافة، ولكن مع ذلك ما زلت أكتب لأني ببساطة لا أستطيع التوقف عن الكتابة، وأنا على ثقة أن كتاباتي سيحتفى بها بعد مماتي من أجيال لاحقة بعد أن فقدت الأمل ممن أعيش معهم سواء على المستوى الرسمي أو اتحاد الأدباء، ولكن ما يفرحني أن أجد الشعراء الشباب يهتمون بمنجزي أكثر ممن يجايلوني وهذا يعطيني أملا كبيرا كي أستمر في الكتابة..
*مرة أعلنت عن القصيدة الهرمية أو القصيدة السمع بصرية؟ أين وصل بها الحال؟
القصيدة الهرمية هي وليدة النظام الهرمي للعروض الذي تبين لي شكله الكامل في نهاية البحث في علم العروض، ولأني كنت أرى أن وسيلة التدوين على وشك أن تتغير عندما لا حظت دخول الكومبيوتر وما جلبه معه من وسائل وتقنيات مجاورة على مستوى الكتابة وخزن المعلومات واستعادتها في نهاية التسعينات من القرن الماضي، لذا خمنت وبصورة مبكرة في النصف الثاني من التسعينات بحدوث ثورة كبيرة في البرامجيات وطرق الكتابة ودخول الصوت والصورة في المجالات كافة وهو ما حدث فعلا بعد دخول التقنيات المتعددة الوسائط، لذا وجدتني أعمل بيانا أبشر فيه وباستخدام هذه التقنيات بولادة القصيدة الهرمية أو القصيدة السمع بصرية وهي حاصل جمع النظامين العروضي والتقني، وقد نظمت عدة قصائد هرمية ورسمتها باستخدام الكومبيوتر بمساعدة أحد مكاتب الكومبيوتر، ولكني كنت أبحث عن برنامج يجمع الهرمية بمنظومة الحركة والصوت وأخيرا وجدت ضالتي ببرنامج البوربوينت(powerpoint)، وقد حولت ثلاثة نصوص باستخدام البرنامج لكي تمثل هذا النوع من القصائد، وأدخلت فيها موسيقى وحركة وغناء، وقد عملت عنها محاضرة في اتحاد أدباء وكتاب أبو ظبي، حيث قرأت البيان الذي كنت قد كتبته عنها بعد منتصف التسعينات، وعرضت قصيدة منها أمام الجمهور، وقد وزعت سي دي للجمهور في حينه، وقد تقبلها البعض بمحبة وعارضها البعض بشدة وقسم آخر بقي بين الجانبين، المشكلة أن برنامج البوربوينت لا يمكن تحويله إلى فلم فيديو كي يعرض في اليوتيوب ويطلع عليه القراء حيث سيفقد الكثير من المعلومات ويتشوه العرض لذا بقيت التجربة حبيسة ولم تنتشر. هي تجربة سأعود إليها ثانية إنشاء الله بعد أن يصلب عودها.
أسرار التراث
* أنت ترى أن هنالك صراعا بين التراث والحداثة؟فهل حسم الصراع ولمصلحة من؟
الصراع محسوم بقوة نحو الحداثة وهذا لا يضير التراث، والدرس الأكاديمي بات يتوسع في إدخال مختلف النظريات الأدبية العالمية، وكذلك الأوساط التي تمارس الأدب خارج الدرس الأكاديمي تبدو معنية بقوة بالمناهج النقدية الحديثة، إن دراسة التراث بأدوات نقدية حديثة سيعيد الحيوية لتراثنا وسيكشف عن أسرار ونظم مغيبة في ثنايا التراث من خلال القراءات الحديثة سواء أكانت بنيوية أو تفكيكيكية أو سيميائية وصولا للنظريات الحديثة في التأويل. في واقع الحال إذا وافقنا على وجود صراع ما بين القديم والحديث فسيكون هذا الصراع نوع من التزاوج لخلق مولود ثان قوي ومعاصر يجعل من الثقافة العربية منافسة ومحاورة للثقافات الأخرى وتقع على خط مواز للثقافات الأخرى غربية كانت أم شرقية .
خارج حركة التاريخ
*اتصالا بالسؤال السابق هل نبقى نجتر التراث دون تجديده؟
-أنا أجبت على السؤال في جوابي السابق، وأكرر القول إن العيش في التراث والبكاء على أطلاله سيكلفنا الكثير وسنجد أنفسنا خارج حركة التاريخ، لابد من من الاكتيال من التراث العربي ومن التراث الإنساني العالمي المعاصر لنا حاليا، فالعناد لا يفيدنا بشيء ولا بد من أن نفهم ونطلع على ما يجري حولنا وخصوصا بعد ثورة الاتصالات الحديثة و المتعددة الوسائط والمنظومات الرقمية والقابلوات الضوئية والانترنت التي ساهمت بتقريب المسافات وساعدت على سرعة انتقال المعلومة بصريا وصوتيا وكتابيا، اجترار التراث دون تجديده إماتة له ولكن تفكيكه وتجديده وإعادة تركيبه من خلال قراءته قراءة مغايرة ومن ثم تأويله سيصب في مصلحة بعثه والانطلاق به نحو الأمام.
جماليات الإيقاعات
* هل صحيح أن الإيقاعات هي سر قوة القصيدة العمودية التراثية)؟ وهل أنت قلت ذلك أم سواك من الشعراء والنقاد؟
– إلى فترة قليلة كانت القصيدة العمودية تبني ذاتها على منظومتين مهمتين هي المنظومة الصوتية وعلاقاتها بالعروض العربي والموازين، وعلى المنظومة البلاغية المتوارثة، القصيدة العربية العمودية بقيت أسيرة الشكل العمودي، لكنها حاولت التحرر منه في عدة مناسبات فالموشح والبند هو في واقعه محاولة لكسر العمود، وبقيت القصيدة تنهل من إيقاعات البحور قوتها وتلبس ثيابها المختلفة بالرغم من طريقة كتابتها العمودية، إن التجديد كان يظهر في القصيدة على مستوى اللغة والأغراض، فأبو نؤاس كان قد استنكر المطالع الطللية واستهزأ بها وكان يكتب قصائد بدون مقدمات طللية وهو تجديد مهم فضلا عن تجديدادته اللغوية، ثم جاء ابو تمام ليدخل القصيدة من بوابة اللغة واستخدام الملفوظات التي أعيت عقول أهل زمنه، كما أن مجيء المتنبي ليختتم مرحلة رائعة للشعر مكللة بالحكمة والبلاغة، ما أريد أن أقوله إن القصيدة العمودية لا تمتاح جمالياتها من جماليات الإيقاعات ممثلة بالدال الصوتي فقط بل من جماليات اللغة ممثلة بجماليات المدلول. وهو ما تحدث عنه ابن جني في شرحه لنصوص المتنبي في كتابه المعروف (الفسر) وكذلك ما تحدث فيه عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم في كتابه دلائل الإعجاز التي درست النص القرآني على أساس تعالق الكلم نحويا ويمكن تطبيق أدواته على النص الشعري.
النثر تطور إلى قصيدة النثر

*لماذا هاجمت قصيدة النثر بكثرة في كتابك (جماليات الشعر من القراءة إلى التأويل) الذي صدر عن الشارقة قبل عدة سنوات؟
– في الواقع أنا لم أهاجمها بوصفها رؤية إبداعية وطريقة في الكتابة، لكني حاولت تتبعها في التراثين النثري والشعري العربيين، فوجدتها تنتمي للنثر أكثر من انتمائها للشعر وهذا ما لا يضيرها أو يضير كتابها أبدا، لكني وجدت كتابها يأنفون أن نقول عنهم نثارا ويحبون أن نطلق عليهم مسمى شعراء بدلا عن ذلك وهو شيء محزن ومضحك في الآن ذاته، وستسألني لماذا يبدو الأمر مضحكا ومحزنا لك، سأقول لك السبب وعليك وعلى القراء أن يحكموا أيضا، ففي السابق كانت العرب ترفع من شأن الناثر العربي على حساب الشاعر، فعندما كتب النابغة الجعدي أشعاره وهو زعيم قبيلته أنتقده قومه لأن زعيما مثله يجب أن يكتب النثر فقط وألا يكتب الشعر بحسب رأيهم، فهم ينظرون للنثر بكونه أسمى من الشعر بكثير ولا تكتبه سوى النخبة، وهذا قد يفسر لنا سبب نزول القرآن نثرا وليس شعرا، لكننا نتفاجأ أن النثار المحدثون والكثير منهم حتى لا يعرفون العروض العربي يريد أن نسميه شاعرا، ومن هنا تظهر المفارقة المضحكة المبكية للناثر/الشاعر العربي الحديث، لذلك وجدتني أنتقد كتابها الذين يعتقدون أنها منتمية للشعر وأنها آخر محطة في الشعر، أو أن الشعر تطور إلى قصيدة النثر، لأنني أعتقد ان بالنثر تطور إلى قصيدة النثر وقي الشعر متوقفا عند قصيدة التفعيلة.
القصيدة والزمن
*هل تبقى العين البشرية قادرة على مسك الفضاء الشعري والأذن على مسك الزمن الشعري؟
يبدو لي أنك قارئ جيد لكتبي، نعم هذا الكلام قلته في كتابي جماليات الشعر الذي صدر في الشارقة قبل عدة سنوات، فالعين تستقبل الضوء المنعكس من الأشياء فيبان لها الشيء، والأذن تستقبل الصوت فتسمع صدى الشيء، ولأن الشعر بوصفه منظومة فضائية/زمنية، فهو يستوجب حاستين لتحسسه وتذوقه الأولى حاسة البصر متمثلة بالعين البشرية التي تتحسس فضاء الورقة وشكل القصيدة وطريقة رسمها على الورقة، إذن فالعين تتحسس جماليات المكان أو الفضاء، ولما كانت الكلمات هي عبارة عن أصوات تستغرق زمنا معينا فالأذن البشرية هي الأداة التي يمكن أن تمسك بصوت الكلمة(دالها) وبالتالي هي من تتحسس الزمن الذي يبان واضحا في القصيدة العمودية من خلال القافية، فالقافية لها وظيفة زمنية أو حافظة للزمن العروضي وهو ما جعل الشعر العربي يتشبث بها لأن الشاعر العربي عن طريق القصيدة العمودية كان يمسك بالزمن وبالمكان في آن واحد أي أن الشاعر القديم عن طريق القصيدة العمودية كان يريد أن يمسك الزمكان الشعري وهذا لا يمكن الحصول عليه إلا عن طريق القصيدة العمودية..

شاهد أيضاً

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (الخاتمة) (15) (ملف/65)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

في تأمّل تجربة الكتابة
استعادة غسان كنفاني إبداعيّاً ونقديّاً
فراس حج محمد/ فلسطين (ملف/24)

ست وثلاثون سنة هي كل سنوات عمر غسان كنفاني، منها اثنتا عشرة سنة عاشها في …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (3)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *