تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.

الشحنات التصويرية
في شعرية الشاعر العراقي يحي السماوي
النصّ والنصيّة

كتابة : علاء حمد

إنّ الجملة في التصوير الذهني لدى الشاعر ؛ سحر .. ومن السحر تتحول الاشياء العينية والأشياء غير العينية ؛ وكذلك البعد المنظوري في الطبيعة ، ونقلها بالشكل العمودي ، أما من خلال السرد الوامض أو من خلال التصوير الذهني الاني ، والتصوير الذهني الماضوي ( الفلاش باكي ) وهذا يعني نحن أمام منظومة تصويرية في المرسم اليحيوي الشاعري ( الشاعر يحي السماوي )؛ وهو يحيي إلينا ليلته ؛ كليلة القدر ، وهناك تتنزل الملائكة ، وهنا تتنزل القصائدية ( عذرا للتشبيه ) .. فالصيغة القولية للنصّ تمنحنا الابحار والبحث عن الإنعكاسات التصويرية الثلاث ، ونحن نتكئ على ماجاء به ( جيرار جينيت ) في كتابه ( عتبات جيرار جينيت ) ؛ وتنفيذا للقول الشعري والقول الحكائي ، من الممكن جدا أن ننفذ الى النصّ الشعري والذي تخصخص في ظهور الجينات الشعرية في النصّ الجامع ؛ ومنها عتبات النصّ ومداخل الرمزية والهندسة الايقاعية والإستعارات الحيّة والتي تعنينا في مطاردة الجملة الشعرية لدى الشاعر العراقي يحي السماوي .. ولكن من أهم العتبات التي تقودنا الى مفهومية النصّ في القصيدة اليحويوية ؛ تكمن مابين العتبة الأولى ( العنونة ) والعتبة الثانية الدلالات ؛ وكذلك البنية النصيّة وماتلاها من تحقق أولي للعتبات الشعرية وأفضليتها في مكونات الفضاء النصّي وذلك لأن العتبة كينونة مصاحبة وشرطية لكينونة النصّ الشعري ؛ ومنها نستمد جدلية العتبات بالاخر ، وفي ظلّ تداخل النصّ الشعري وتكامله .. فلا نصّ دون عتبات ؛ وخصوصا اذا طرقنا باب العنونة ؛ ومحيط النصّ ودواخله في المنظومة الشعرية لمجموعة الشاعر العراقي يحي السماوي الحديثة ..
وبالتأكيد ، يقدم النصّ الشعري مجموعة من المؤشرات والتي تقودنا الى الشعرية ؛ وهنا حاسة التذوق الشعري ولغة الإختلاف تطرق باب الهيمنة النصيّة ؛ والتي يعتبرها الباث جزء من التشكيل اللغوي واختيار لغته الأهم في التأليف وترجمة الحواس التي ينضمّ اليها ؛ لذلك وعندما نطرق أبواب ( المدرسة التأويلية ) فنحن على قدر من انشاء حوار الى جنب النصّ الشعري ، وهو حوار مضاف الى حوار الشاعر ؛ إن كان ضمنيا أو ظاهريا ، فتأسيس الكينونة النصّية الإضافية من مهمة المتلقي الثاني ، بالإضافة الى الباث ( المنشأ الأول في الترجمة النصيّة ) ..
مرّة :
ألقى بي الأصحاب في الجبّ ..
صُراخي جاء بالذئبِ ..
وحين استدركتني :
أصبح الذئب غزالا
والأسى أصبح وهما

من قصيدة : كلّ دروبي تؤدي إليها – من مجموعته الشعرية ( تعالي لأبحث فيك ) – ص 19
قد تؤدي العنونة ونحن نطرقها بشكلها المباشر الى محتويات ضمنية بما احتوت المجموعة الشعرية ، ولكن في نفس الوقت ابتعد الشاعر عن شعرية العنونة وأرادها أن تتحلى بقيمتها المباشرة للمتلقي ؛ وفي نفس الوقت طرق باب العنونة ثانية بتعدده للدروب التي تؤدي الى الآخر ( والآخر هنا مستهدفا على صيغة أنثى ) وفي العمل السيميوطيقي للعتبة الأولى أن نسخّر الذات الأولى بديلا للاخر ، وأن نحافظ على شعرية العنوان ، وذلك باعتباره علامة تامة ، وهو مجاز باستقلاليته عن النصّ الشعري ؛ يقول الكاتب : د . محمد فكري الجزار (( كلّ عنوان هو ” مرسلة Massaage ” صادرة من ” مرسل Adress ” غلى ” مرسل إليه Adressee ” ، وهذه المرسلة محمولة على أخرى هي ” العمل ” فكل من العنوان وعمله مرسلة مكتملة ومستقلة ، أما الوظيفة الحملية لتمثّل التفاعل السيميوطيقي ، ليس بين المرسلتين فحسب ، وإنما بين كلّ بين ” المرسل والمرسل إليه ” أيضا ، وعلى قاعدة المرسلتين ، وإن بشكل غير مباشر إنّ المرسل يتأول ” عمله ” .-ص 19 – العنوان وسميوطيقيا الاتصال الأدبي – د . محمد فكري الجزار )) .
ولكي نذهب ضمنيا ومع قصة النبي ” يوسف عليه السلام ” فقد استعار الشاعر تلك القصة ووظفها شعرا ؛ بينما حوّل السلبي الى إيجاب ، وذلك باعتماده للمهمة التشبيهية (أصبح الذئب غزالا ) ..
ومن خلال العتبة الثانية وما احتوته من وظائف تقودنا الى القول الشعري للشاعر يحي السماوي ، فقد اعتنى بالحدث النصي للعتبة الثانية ، وهي الدلالات والتي تقودنا الى تأويلات ، وعملية النطق بالمنطوق الحدثي للنصّ ؛ لذلك ومن خلال الحقول الدلالية حصر جملته الشعرية بأفعال ( ألقى ، جاء ، استدرك ، أصبح وأصبح ” مكررة ” ) ، لذلك ومن خلال هذا المنظور انفتح البعد الدلالي لدى الشاعر ، ليغني التركيب العام للجملة ، ويغذي العتبة الثالثة ” البنية ” ..
وما دامت العنونة عتبة من العتبات الأولى للنصّ الشعري ، فهو يقودنا الى امتلاك العتبة الدلالية وعتبة البنية ؛ لذلك فالعنونة مكثفة الى حدّ ما ، وحتى بعضهم يوجزها بكلمة ، ولكن عندما نوجز العتبة الأولى بكلمة فهذا يعني هناك مكونات وعلاقات مع النصّ الشعري ، وكثيرا ما يفقد النصّ استقلاليته بالصيغة التي يرسمها الباث .. والأهم من ذلك هي عتبة البنية في القصيدة الحديثة ، لأنها تشكل مدخلا رئيسيا في النصّ وما تحتويه .. ومنها بنية الصورة الرئيسة وجزئياتها ؛ وبنية الإيقاع ، والبنية البصرية في القصيدة الحديثة ؛ لذلك تطرقت الى الأشياء العينية ( البصرية ) والأشياء غير العينية ( الذهنية ) فبنية الصورة تكمن عادة في الذهنية ، ولكنها منقولة في أغلب الأحيان من الأشياء العينية .. الأشياء المتقاربة والتي تخبرنا عن تفاصيل حدث الصورة ، وأما الأشياء المتباعدة ، فمن الصعب تعامدها في المنظور الرؤيوي في القصيدة الحديثة لذلك تدخل مختبر الذهنية ؛ ويتم تكرارها والعمل على جاهزيتها ..
مرّة تهت بصحراء همومي
في لهيب القيظِ ..
لاخيمة ..
لاماءَ ..
فأعشتْ خطواتي جمرةُ القيظِ
وظلي كاد يغمى

فتشبثت بصوتي ..
صحتُ يا …
وانقطعَ الحبلُ ..
تشاهدتُ ..
فمدّتْ شعرها ظلا وغيما

من قصيدة : كلّ دروبي تؤدي إليها – من مجموعته الشعرية ( تعالي لأبحث فيك ) – ص 19
بنية الصورة الشعرية كمشهد تواصلي في النصّ الحديث من أهم العتبات التي نذكرها ؛ فالمشهد الشعري في القصيدة اليحيوية ، مشهد تصويري بداية من أول مفردة يكتبها وهي أول وحدة تلازم الجملة ؛ فالجملة المركبة لدى الشاعر العراقي يحي السماوي ؛ جملة تواصلية لها زاويتها الفعالة والحديث عن المساحات البيضاء واشغالها، تكملة للمشهد التصويري ..
مرّة تهت بصحراء همومي + في لهيب القيظِ .. + لاخيمة .. + لاماءَ .. + فأعشتْ خطواتي جمرةُ القيظِ + وظلي كاد يغمى
وعندما يكون المشهد ساخنا ، لاتبرد معه المفردات ؛ لذلك فالعلاقة التي رسمها الشاعر مابين مفردة الصحراء ( والصحراء معروفة بحرّها الشديد وكذلك برمالها ) ومابين مفردة ( القيظ ) والتي تعني لنا الحرّ الشديد ، مما جعل المساحة تتقارب ذهنيا ، وهنا نتكلم داخل التفكّر اللغوي ولانبتعد عنه ، فقد أراد أن يطرح الشاعر حالة مشهدية، وطرحها ، وهي ليست صدفة عندما ننتمي الى الذات الشاعرة .. لذلك فالمشهد الأول في قصيدة ( كلّ دروبي تؤدي اليها ) تكون من جزئيات لتكوين المشهد من جهة ، والمثول أمام الصورة من جهة أخرى ، مما أعطى أريحية للمساحة التي اعتمدها الشاعر وهو يقودنا الى قول شعري ؛ باعتبار أن القول الشعري يشكل استقلالا عن الواقع ؛ لأنه هيمنة فكرية – تفكرية ، بالاضافة الى ذلك يشكل بنية النصّ والتحاقه في شكل لغوي ، ويثير المشهد التصويري للصورة التكوينية وظهورها للمتلقي ..
فتشبثت بصوتي .. + صحتُ يا … + وانقطعَ الحبلُ .. + تشاهدتُ .. + فمدّتْ شعرها ظلا وغيما
تنزاح المفردات بوسيلة معينة ، ووسيلة الشاعر يحي السماوي الجملة الناطقة والتي بواسطتها استطاع أن يدخل المسلك الجمالي ؛ حيث عملية الانزياح لها جماليتها عندما نكون مع هذا المسلك ، فالشَعر كان خيمة مثلا ، وغيمة تحجب الشمس ، فالتشبيه الثاني هنا مع انزياح مفردة الظلّ ، قد أعطى دلالة .. تقول الدكتورة يمنى العيد (( إنّ الكلمات من حيث هي علامات دالة ، تنزاح ، بالاستعمال ، عن مدلولها الذي وضعت له ، والذي هو أساسا ، أي هذا المدلول ، الموجودات الطبيعية والمادية . – ص 11 – في القول الشعري – د . يمنى العيد )) .. وبما أنه مفردة الظلّ من المفردات الذكية وذلك لتعدد معانيها وخصوصا عند التركيب ؛ فقد كانت ذات مدلول عندما وظفها الباث الينا في جملة ( غير مستقلة ) فهي ضمن مشهد شعري منظوري ، احتوى كصورة دالة بأجمعها ؛ لذلك فقد ربط الشاعر قوله الشعري ، بالفعل ، وربط الفعل بالمشهد الشعري ؛ لينتج الينا صورة مكونة ضمن جهاز مفهومي يقودنا الى معان عديدة ، وحسب ذهنية ومخيلة المتلقي ومدى تحليله أو استقباله للحدث الشعري ..
ولكي نقسّم تشعبات النصّ لدى الشاعر العراقي يحي السماوي ، فسوف نركز على بعض العتبات ، والتي تقودنا الى النصّ ومكوناته التصويرية عند حالة التكوين، وكذلك الى جينات النصّ الشعرية ومنها الدلالية ضمن الحقول الدلالية ، وذلك لكي نحفر أكثر وأكثر في مناطق التأويل، والحالات الرمزية التي اعتمدها الشاعر من جهة والعلامة الأشارية والتي تشير إلى مدلول لعلاقة تلازمية .. ومن هنا أيضا لانتخلى وما نذهب اليه من علامات والتي منها الارادية واللاإرادية ، فالعلامات الارادية تصدر من الباث عمدا وقصدا وأما اللاإرادية فهي العلامات الطبيعية خارج قصدية الباث ولايستطيع التحكم بها … وأوسع نظرية ندخلها نظرية الخيال وحركته نحو الصورة التكوينية باعتبارها الغرفة الخاصة للشاعر عند التأليف والخروج عن مشاعره المباشرة …
العتبة الأولى : العنوان
العتبة الثانية : البنية النصية
العتبة الثالثة : الدلالات
ومن خلال هذه العتبات الثلاثة نستطيع أن نمسك بالنصّ الشعري لدى الشاعر العراقي يحي السماوي ، وفي نفس الوقت سوف تقودنا العتبات الثلاثة الى حالة الهندسة الايقاعية في النصّ، باعتبار وما يكتبه الشاعر ضمن التفعيلات الخليلية ، وفي نفس الوقت يعتمد قصيدة النثر والتي أصبحت من المعطيات والتي لايتخلى عنها شاعر من الشعراء ..
لايمكننا ان نقول هناك قواعد للدخول الى النصّ من خلالها ؛ فمن مثل هذه المهام سوف نقولب النصّ بقواعد شعرية ، ولكن في نفس الوقت هناك لغة الكلام ، ولغة الشعر النوعية ، والتي عادة يختارها الشاعر ضمن مجموعة من القواعد والنظم التي يعتمدها في رحلته الشعرية ؛ وكلّ شاعر له قاعدته التحتية ، وقاعدته الفوقية ، فمن القواعد التحتية مثلا مجال التواصل اللغوي وتمييزه وفق القصد وتأويل المعاني ؛ وهنا قد طرقنا باب القصدية والتصورات التداولية والتي تهمنا وكما تهم الشاعر ؛ إن عيّنها من خلال وعيه الشعري أو عدم تعيينه لها ؛ فهي متواجدة ، وحسية الشعر هي خير دليل للشاعر لكي يكون مثيرا أكثر وأكثر .. فلا يسقط النصّ الشعري عن ذاته، ولا عن ذات الباث الذي استطاع أن يحول تلك الجزئيات الذهنية الى كلام نوعي، قد يكون خارج المعقول، وقد يكون يختلف عن واقعه وما نقله من بيئته التي تجانست مع مخيلة الشاعر، لذلك عندما قسم ( جيرار جينيت النصّ ) فقد ذهب بنا الى عتبات، وكل عتبة لها خاصيتها بدء من العنونة وانتهاء الى آخر وحدة يحملها النص والتي تنتمي عادة الى عتبة أيضا ..
وعندما نبدأ بأسئلة فنحن قد قد تجاوزنا طبيعة النصّ الاعتيادية ، وذهبنا الى لغة أخرى تمنحنا أحضان النصّ وما يجري في متنه من مزايا وغرائب وعجائبية ، فهذا يعني نحن في غرفة لفلسفة اللغة ( وليس لفلسفة النصّ الشعري أو القصيدة إلا عواملها الحركية ، وعواملها الرمزية والتي ترتبط بالعامل الفلسفي ) فهنا عوامل التأويل تحكمنا عندما نكون قد طرقنا أبواب الفلسفة الداخلية ، فالتساؤل الذي يجري عادة في صيغة النصّ الداخلية ، مما نميل الى مدرسة التأويل بكل تأكيد أو الى معنى المعنى ، وفي حالات عديدة وخصوصا تلك النصوص التي يقع المتلقي بحيرة عندما يدخلها ..

البنية النصية
البنية النصية بشكلها التكاملي ، وحسب منظورها الشعري وما تحمله من معان ، يطاردها الشاعر عادة للمكوث مع النصّ بالطرح حول قضية المعنى في إطار لغة النصّ الشعري ، لذلك نقول بأن الشاعر يختار لغته النوعية ، فالرمزية لها علاقة مع علم الوضع مثلا ، لذلك هناك من يذهب الى اللغة التعيينية والتي تمتد مع المعاني الرمزية في النصّ الشعري .. أما كصيغة نصية فلا نلاحظ هناك أختلافا مابين الصيغة الداخلية والصيغة الخارجية ؛ ولكن في نفس الوقت تكمن بعض المعاني من خلال البصرية ، وهنا عوامل الالتقاط النوعية من خلال الأشياء العينية .. والأشياء غير العينية فهي متواجدة في المخيلة ، ويتخيلها الباث أيضا ، وبل يشتغل من خلالها على وظائف الخيال والتخييل والتي ترافق الباث في عمله القصائدي .. فالتأويلات سباقة في العمل الشعري ، وهي خاصية العمل ووظيفته المعتمدة (( إن العلاقة بين الشعرية والتأويل هي بامتياز علاقة تكامل . فكل تأمل نظري في الشعرية لم يغذ حول الأعمال الموجودة لابدّ أن يكون عقيما وغير اجرائي . – ص 24 – الشعرية – تودورف – ترجمة : شكري المبخوت ورجاء بن سلامة )) .
فالبداية هي بداية لغة حقيقية تتعلق بالذات ، لذلك نفتش عن الذات العاملة ( الذات الحقيقية ) ونخرج من الذات العادية – اليومية والتي نتعامل معها بشكلها الطبيعي ؛ وهنا نعتمد مبدأ مقاومة التعبير الخارجي ، والذي أعتبره خليطا غير متجانس مابين الذات والرؤية الخارجية ؛ فالتعبير وتجلياته يعتبر من المبادئ الداخلية لأنه يقودنا الى التفكر ، وليس الى العينية الخارجية ، وتبقى المعاينات الداخلية الأكثر خيالا والتي تمنحنا الوسائط للدخول الى غرفة الخيال زائدا التفكير التعبيري المرسوم في الذهنية من خلال اللغة .
ومن أقرب البنى التي تنتابنا في العمل النصّي للقصيدة الحديثة ، هي بنية الصورة الشعرية والتي لها عدة وظائف وتكمن خلف ظروف غامضة ، فهي تعتمد التفجير اللغوي اليها ؛ اعتمادا حداثويا يمتد الى دهشة المتلقي ، وهي تضمن القول .. قول الشاعر الشعري ، ومنها يتخد خطواته التكميلية واتجاهاته نحو النصّ الحديث ، يسعف حالته اللغوية ، وضمن القول الضمني أو القول الاحالي ، وكذلك القول القضائي ( أعتبر الباث هنا صاحب القرار الأول ضمن القول القضائي ) ..
بين الثريّا والثرى ..
أحدو بقافلة القرنفلِ
معلنين بعشقنا حربَ السحاب على
الغليلْ

أطوي دمي قبل المسافة في دروب الغربتينِ
يجرّني ظلّي ..
دليلي :
سيّدُ الشجرَ النخيلْ

من قصيدة : قناعة المضرّج بجمر العشق – مجموعته الشعرية ( تعالي لأبحث فيك عني )
الدار الحاضنة للحس الشعري ، هي تلك الدار التي تميل الى المسلك الشعري بشكله المباشر ، وهنا الدار الحاضنة للكتابة أيضا ، فالمخيلة إحدى نزلاء الدار ، وكذلك الذات تعتبر إحدى نزلاء الدار ، لان الذات بتغيير مستمر ، ومن خلال هذا التغيير ( وتطوراته ؛ تنجز الابداعات، بل تتجه نحو الجديد الإبداعي ) فالدار حاوية لأدوات عديدة ، وكما قلت حسية الشاعر غير المباشرة ، فالحسية المباشرة يتجاوزها عندما يكون في هذه الدار .. ونحن نسلك المسلك الشعري ، أي الذهاب الى الشعرية ، فالمدلول، له المدلول وله المثال ، حسب المثال الذي يقودنا الى المنحى الارادي للشاعر ، وهو جزء من أدوات الدار ، فالشاعر أداة مثالية تحرك بقية الأدوات .. لذلك لو تعددنا بمثالية الشاعر العراقي يحي السماوي وما يرسمه من رسومات تؤدي الى نقوشات شعرية ؛ فالبداية هي ليست الأولى ، بل هي الكتابية .. الكتابية نحو المسلك الشعري ، وليس التفكر كيفية الكتابة ؛ فنحن أمام شاعر ، عرف المشاعية الشعرية ، وعرف مسالكها ، لذلك عندما يرسم قافية ” ينقشها ” وللنقشة ، من طبيعة الحال تحتاج الى أدوات ومنها الرسم كبداية ، والرسم حول التفكر وايجاد الفكرة ، ومن هذه الفكرة تنفجر الاراء .. هي الاراء الكتابية والتي هي الشعرية بالذات ..
بين الثريّا والثرى .. + أحدو بقافلة القرنفلِ + معلنين بعشقنا حربَ السحاب على + الغليلْ
تمسّ الثريا = الثرى .. والذات قافلة .. قافلة نحو الشعر ، فنحن مابين ملامسة الثريا للثرى ومابين الذات التي استنطقها الشاعر يحي السماوي ، كمفردة ( أحدو ) وهو فعل ناطق ، بل جعله من النطق لكي يسير ؛ وخروجه من حالة الجمود ، لذلك فالمعنى قد تأجل ؛ لأن الفعل لم يصل الى مارسمته الذات ، فلم تنته عملية المسير ، وان كان هناك حالة من التشبيه ، فهي إحدى حالات النقش والمثول أمام رأي القاضي ، بال السكوت ، ونحن نسكت معه ونستمع ، لانه يقول ، وضمن القول الشعري .. لذلك تصبح الكتابة الشعرية : بالمثول أمامها ولسنا قادرين على تجاوزها ، فالشاعر نفسه لايتجاوز ، فكيف الحالة بالاخر ؛ لذلك ومن خلال المسلك التجميلي ، والمسلك الذي اعتمده الشاعر كحالة من حالات النقش .. حركة متوالية ، لتمتد مابين الدلالات المباشرة ، والحالة الطبيعية للمعاني ..
أطوي دمي قبل المسافة في دروب الغربتينِ + يجرّني ظلّي .. + دليلي : + سيّدُ الشجرَ النخيلْ
باختلاف التصورات والتواصلات الفردية للشاعر ، تنتج لدينا حالة تصورية هي المشهد الشعري التكويني كصورة مستقلة ، وخصوصا أن الشاعر وضع بياضات مابين كل مقطع من مقاطع نصه الشعري ، وأنهى المقطع بسؤال من القافية ، ففي المقطع الأول المنقول : متى أعلنا عشقنا ؟
بينما في المقطع الثاني : متى أصبح النخيل سيّد الشجر ؟
ومن خلال السؤال الثاني يثير جدلا مع السؤال الأول ، فالنخيل دائم الخضرة ، وله عدة مميزات تميزه عن باقي الشجر ، وسعفته لاتسقط وحتى وهي يابسة .. وكذلك العشق ( عندما أجلنا المعنى الأول في المقطع الأول ) فالعشق لدى الشاعر دون جفاف وسعفته لاتسقط حتى وأن يبست .. هذه الأستعارة الضمنية قادتنا الى معان جديدة .. معان ضمن غرفة خيال الشاعر وهو يقودنا من خلال الشعرية – الكتابية، ولكي يشركنا معه ، ونصبح جزء من قصيدة ، بينما كان هو بالذات أحد أدوات النصّ ..
تتخذ تشكيل الصورة التكوينية في فنية التصوير الشعري باعتبارها من البنى النصية في النصّ الشعري الحديث وتوجهاته العديدة والتي تغمرنا تلك التوجهات من خلال القصائدية وهدفها وتفكيكها الفني والذهاب معها لأسلوبية الشاعر وتوجهاته نحو الشعرية .. فعندما نقول بنية الحدث الحسي ، هذا يعني هناك حسية جديدة ترافق النصّ الشعري ؛ ومع كلّ نصّ شعري نمسك حسية مختلفة .. نعم تختلف كلّ الأختلاف عندما يطرح الشاعر أمثولته الكتابية ( لذلك البعض يظن أن الشاعر قد توجه الى إختلافات في مشواره الشعري ؛ ولكن الشاعر لم يتوجه نحو تلك الاختلافات ، بقدر ما اختلفت الحسية لديه ) فأخذ يبدع أكثر مما قبل ..
ولكي نكون مع هذه المسالك .. نتوجه الى عدة نقاط تخصّ النية النصية ، باعتبارها الملزمة الكبرى بعتبات النصّ ، بالإضافة الى العنونة والعتبات الدلالية ..
بنية الصورة الحسي
بنية الصورة الذهني
بنية الصورة الرمزي ..
ولو غرقنا أكثر وأكثر في البنية النصية فسوف لانخرج بهذه الصورة السهلة ، فالشعرية ومجالاتها المتعددة تحوي على الكثير ، ومن خلال النصوص ، في طبيعة الحال سنكون في مسلك تطبيقي وما ذهب به الشاعر العراقي يحي السماوي وقصيدته اليحيوية الحديثة ..
والأصدقاء لديّ منهم
ماسيضمن نقلَ تابوتي
من المنفى الجميلِ الحيّ
للوطن القتيلْ

ولديكِ منّي
مالدى طين السماوة من دمي ..
ولدى ” بثينة ”
من ” جميلْ ”

من قصيدة : قناعة المضرّج بجمر العشق – مجموعته الشعرية ( تعالي لأبحث فيك عني )
لابدّ من الإتفاق حول التواصل النصي في الشعرية ، والاكثر من هذا لايجوز الاتفاق المفرط ، ولكن ربما هناك اتفاق منفرد برأي ما ، ومن داخل النصّ الشعري ، نعم من داخله يتم الاتفاق ، لان النصّ جامع النصّ وليس خارجه ، والخروج منه هذا يعني ، الخروج من الاتفاق التواصلي ، كأي واحد يحفر نفقا ( جماعة ) والكل شارك ، ولكن من هو الأكثر عنفا بحفر النفق ؟
هذا السؤال يحلينا الى مبدأ النصّ ، فمن هو صاحب النصّ المتفق عليه من قبل جمعٍ من الكتاب ؟
ومن هنا تكمن صعوبات عديدة بين النصّ وداخله والنصّ وخارجه ، ولكن في الحالة الداخلية للنصّ الشعري ؛ وحيث تكمن المعاني والدلالات ، ليس كما هو في خارج النصّ ، حيث الرؤية الخارجية ، ولو تعدينا على النصّ أكثر وسقناه من حيث الرؤية ، فسوف نتجاوز الفروقات ، ونعبر تخصيصات النصّ .. فالذي في داخل ( النفق ) ليس كما هو خارجه ؛ والمنقب ليس كما المتفرّج ، وإن كان (النفق واحد ) .. ومعا مع مفهوم النصّ الشعري وواقعته الغامضة ، ننقاد الى ( سميولوجيا تواصلية ) ؛ وهنا تظهر لدينا المؤشرات القصدية .. فلو اعتبرنا القافية في نهاية كل مقطع أو مشهد شعري ، ذات تواصل ، فأنه بالتأكيد تواصل فكري ، ولكنه يحمل هندسة لغوية ، وعندما انتهى الشاعر من حرف الروي المتشابه في نهاية كل قافية اعتمدها ؛ فهنا حالة الاعتماد القصدية ، ولسنا خارج عفوية النصّ ، طالما النصّ الشعري التزم بهندسة مماثلة ، هندسة مكررة في المشهد الشعري للنصّ ..
والأصدقاء لديّ منهم + ماسيضمن نقلَ تابوتي + من المنفى الجميلِ الحيّ + للوطن القتيلْ
القافية التي تدعم المقطع الشعري بنهاية كل مقطع، ماهي الا إشارات تواصلية أراد منها أن يوصل الشاعر يحي السماوي بفكرته الى المتلقي ، وهنا نستطيع أن نقول ونحيل الموضوع التواصلي الى السميولوجيا؛ وذلك لأنها تدرس حالة الإشارات والرسالة والمرسِل والمرسَل إليه .. وبما أن القافية محكومة ومقيدة بحرف روي ، فقد اعتمدت جمالية المعنى وأنواعية الكلمات المرسلة ، فلا نستطيع أن نكرر نفس المفردات ، ولكن تكفينا بتكرار حرف الروي لتستقيم الحالة .. ولكن تبقى المعاني مفتوحة تقريبا وتحاول الانطلاق بواسطة الرسالة المرسِلة ..
ولديكِ منّي + مالدى طين السماوة من دمي .. + ولدى ” بثينة ” + من ” جميلْ ”
تتداخل الابعاد الجمالية في المعاني المرسِلة ، وتكوّن علاقات ، وهنا ينفتح العمل الدرامي للفكرة ، ويطرد الشاعر عنها الأفكار الضيقة ، فالغزل لديه مثال ، ليس محصورا بذات تنقيبية ، بل ذهب الى أبعد من الذات ، واستعان بفكرة ( جميل وبثينة ) ( ) كمثال للعشق والحب الذي كان بينهما ، وكذلك إشارة للشاعر القريشي ( جميل ) والذي قال قصائد الغزل بحق ( بثينة ) …
المقاطع التجميلية والتي احتوت على أبعاد في عنصر الجمال ، كذلك فهي احتوت على علاقات مابين القصيدة المقطعة ، فكل مقطع له علاقة مع المقطع الذي يليه ، وجعل الشاعر القافية خير دليل على تلك العلاقات المتواصلة في النصّ الشعري تماما .

جزء من بحث حول الشاعر العراقي يحي السماوي


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “علاء حمد : الشحنات التصويرية في شعرية الشاعر العراقي يحي السماوي .. النصّ والنصيّة (ملف/97)”

  1. د. عصام البرام يقول :

    احسنت الاختيار وابدعت فيه ، شاعرنا وناقدنا الموسوعي استاذ علاء حمد ..
    اختيارك لقامة ادبية شعرية عراقية مثل المبدع الكبير يحيى السماوي ، يشكل انعطافة شعرية بالغة ومهمة في جسد وتاريخ الشعر العراقي والعربي ..
    بصوته وبياناته وصوره الشعرية وبلاغة اسلوبه في النص الشعري ، هذه القامة الشعرية احسنت الاختيار في الكتابة عنها وفك تلافيف شعريتها والبحث في ما وراء نصوصه الابداعية الثرة حقاً
    دمت وسلمت وابدعت كما ابدع شاعرك الذي كتبت عنه … الكبير قامة وقيمة .. السماوي يحيى .

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"