د. إخلاص باقر النجار : رســائــل بأنامــل الـقـــــدر (الإهداء والمقدّمة)

إهــــــــــــــــــــــــــداء
إلــــــــــى ….
حقيقة الحياة المفعمة بألوان المشاعر الفياضة ،التواقة إلى العشق المغروز في كيان الكون ،إلى ينبوع الحب الذي يصب في مصبات الزمن ، إلى انهار الشوق المتدفق الرقراق السلسبيل القراح ،إلى روح الوجود المسكوبة في أوداج الطبيعة،إلى مصباح السماء حين تنطفئ كل مصابيح الأرض ، إلى اللون والعطر والمذاق ،والبشر والجمال والإشراق والشوق والوجدان،إلى المعنى واللحن والقصيدة وخضرة الفردوس وثغر الكون الباسم ، إلى صورة الألق ويد اللطف وعين الرحمة وينبوع الحنان ،إلى مصدر وجودي ،وجذوة فكري ، ومداد يراعي،ومجداف طموحي،ونبراس زماني ، وإيناس مكاني…
إلى من إرتمت الجنة صاغرة تحت قدميها ……
أمـــــــــــــــــــــــــــــــــــــي ….

المقــدمة
{{ الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا إن هدانا الله (43) }} سورة الأعراف ، الحمد لله بكل المحامد على كل النعم ، الحمد لله حق حمده ومداد كلماته وزنة عرشه وعدد خلقه ، الحمد لله الذي أكتسب صفة الكمال ومنتهى الجمال في الأفعال والأحوال وحسن المقال ، الحمد لله الذي أحياني اليوم متقلبة بأنعمه عاجزة عن شكره ، وأنا أقطف ثماراً دانية قطوفها ، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
الصداقة آصرة روحية قد تتكون بين صديقين قريبين أو غريبين ، وان بداية الصداقة تعارف يبدأ بالطبع بين طرفين غريبين عن بعضهما البعض ، وبديهي إن من يروم إيجاد صديق لا يخرج الى الشارع ويصيح أريد صديق أو من يصادقني او يرفع لافته ويكتب فيها احتاج إلى صديق أو ينشر بوسائل الإعلام المرئية والمقرؤة والمسموعة ، ولكن سبحان الله الصديق يكون متواجد في طريقك في قدرك ، في المدرسة او المعهد او الكلية او الجامع او النادي …الخ ، من المحافل التي يمكن ان يجتمع فيها البشر ، وعندما نتحدث هنا عن كلمة صديق ننزه هذه الكلمة من كل الإساءات التي تلتصق فيها دون فهم ، كأن يقول أحدهم لي صديق وخانني ، والأخر يقول لي صديق واستغلني وثالث يقول لي صديق صادقني على مصلحة ما ، نحن هنا لا نتكلم عن هذا النوع من العلاقات ، لانها علاقات باطلة ولا تستحق أن يطلق عليها كلمة الصداقة ، لان الصداقة كلمة مقدسة في القرآن الكريم ، وان الله سبحانه وتعالى سمح لنا ان نأكل مثلاً في بيت الصديق وان الكلمة جاءت في الآية بعد ذكر الأقارب ، أي أن الصديق هنا جاء ليكمل العائلة ، بقول الله تعالى : {{ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت أبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً …. (61) }} سورة النور
فنلاحظ هنا تدرج صلة الرحم من الآباء والأمهات وهي الآصرة الرئيسة الأولى التي نشأت بالزواج ثم تفرع منها الإخوة والأخوات ثم الأعمام والأخوال ثم الصديق ، الذي لا يربطه معهم بصلة رحم ، لكن الله سبحانه وتعالى أباح التعامل معه كالقرابة ودخول بيوتهم ، والأكثر من ذلك الجلوس معه على مائدة واحدة ، جميعاً أو أشتاتاً ، ولله حكمة بالغة في ذلك حتى يتم التعارف بين بني البشر إلى ما يحب ويرضى من قول أو فعل واستخلاف واستغلال لثروات الأرض ، بحسب قول الله تعالى : {{ يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير(13) }} سورة الحُجرات
وان المرء في موقع تواجده ليجد أمامه قائمة طويلة عريضة من الناس ، ولو نأخذ على سبيل المثال المدرسة أو الجامعة ، الطالب يلتقي بكل هذا القوم كقدر وصدفة ، كل يوم يلتقيه ، ولكن أين سيجد الصديق من بين كل هؤلاء ، بديهي انه سيرشح من تتوافق ميوله النفسية والعاطفية معه ، وعندما يحدث التعارف والاستئناس تتولد المودة وسينتخب من يقع عليه الاختيار ، وهنا لا أريد أن أتكلم عن أصدقاء السوء لأني أجزمت سلفاً أن السيئ لا يستحق كلمة الصديق ، لان للصداقة شروط منها الاحترام والثقة والحب ، بالدرجة التي تجعل من الصديق كالنسمة الخفيفة أو الطيف الجميل الذي لا يمل أبداً حتى وان توالى عرضه في الذاكرة مراراً وتكراراً .
ولكن دعونا نرى هل فعلاً للقدر يد في رسم معالم الصداقة أو رسم طريق الصداقة ، للكل سجل حافل بالمعلومات فعلى سبيل المثال هناك صديقان إلتقيا في الثانوية ، ثم فرقتهم الحياة بالزعل وبالنقل إلى مدارس أخرى ، لكنهم سبحان الله التقوا صدفة بذات الكلية وذات القسم وذات الشعبة وتواصلوا من جديد وكأن شيئاً لم يكن واستمرت صداقتهم إلى النهاية ، وفي الجامعة الكثير من يفهم الصداقة غلط كأن طالب يقول هذه صديقتي او بالعكس الطالبة تقول هذا الطالب صديقي ، لكن في إسلامنا هذا الأمر غير وارد ، وأنا أقصد هنا الصداقة بين طالبين أو بين طالبتين ، أي تتولد آصرة الإخوة بينهما ، وكل منهما لا يتورع عن تقديم النصح والإرشاد أن اقتضى الأمر وان يكون بينهما الصدق أمانة والكذب خيانة ، وما أجمل أن يجد الصديق صديقه مرآة له يرى من خلاله حسناته وعيوبه ، بالشكل الذي يشعره بأنه مهم في حياته وانه يلتمس له العذر في كل الأمور .
وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عندما سطر الدرر في حكمته القائلة : ( صحبة عشرون سنة قرابة ) ، ( إذا أحَبَّ أحَدُكُم أخاهُ فِي اللهِ فَليُعلِمهُ ، فَإِنَّهُ أبقى فِي الاُلفَةِ ، وأثبَتُ فِي المَوَدَّةِ ) ، إنما استلهم هذه الدرر من القرآن العظيم ، نلاحظ عشرون سنة من المودة كل منهما خبر أخلاق صديقه وعرف بمكنونات حياته حتى إرتقى هذا الصديق إلى مكانة نسيب للروح وجزء من الأهل كما جاء في قول سيدنا الإمام علي ع : ( الأخ نسيب الجسد والصديق نسيب الروح ) ، وان لا مناص بينهما من الإيثار لبعضهما البعض ، أرواح ترفرف تتوق لرؤية من تحب حتى ولو في لحظة حلم على مسرح الحياة ، أرواح عقدت العزم على أن تحب في الله دون أن يكون للمحب مآرب أخرى ، صداقة تسكن الروح وتسير مسرى الدم في الجسد ، فتكون كالسر المتلألئ في الأوداج ، حتى وان فرقتهم الأيام فلا يمكن للصديق أن ينسى صديقه سيبقى يعيش معه في لحظاته وسكناته ولا ينساه في الدعاء حتى في سجوده في تلك العلاقة الربانية الني تربط العبد ببارئه ، كجزء من حياته يبقى يراه في مخيلته وتبقى روحه تكلمه وتناديه وتناجيه حتى وان أمتدت بينهما كل تضاريس الأرض وكل الظواهر الكونية ، يبقى الصديق كالهالة المرسومة حول العين … ذكرى جميلة ، ولحظات رائعة وشعور جميل بالحياة ، وإبتسامة تدغدغ الشعور ، وتغازل الذاكرة ، وأمنيات متفائلة وأمل باللقاء ، وقرّة عين لا تنقطع ، لذلك الأخ الذي لم تلده أمك ، وتجده هو الآخر يبحث عن توأم الروح الذي عاصر الحياة معه لسنوات.
والمتتبع لأحداث رواية رسائل بأنامل القدر سيلاحظ هل بالإمكان بلورة هذه الآصرة المقدسة وديمومتها إلى ما لا نهاية ، أم إن هذه الآصرة ستضمحل وتجتث من العروق ، ولا يبقى لها أي أثر ولا حتى مجرد التحية ما دام الرباط الذي كان يربطهما قد تلاشى بإنقضاء السنة الدراسية ، وعليه تقصت الرواية كل الأمور التي تدور حول هذه الآصرة في سلبياتها أن إعترتها سلبيات لتدارك فشل كل طريقة للدخول في هذا العالم المتناقض بطريقة أخرى جديدة تنبثق عن الأولى ، وإيجابياتها أن اكتنفتها الإيجابيات من خلال إزاحة النقاب عن أسرار مدهشة ترسوا على مرفئه الأمن وتتربع على رصيفه كل حاجاته وخصائصه السيكولوجية والفسيولوجية ، التي تقود السفينة إلى شاطئ الأمان إذا إستذوق الصديق وحبذ تلوين روحه بلون الحب .
لِمَ تنشأ هذه العلاقة ، كيف تنشأ ، وهل منشؤها فعلي حقيقي ، أم أنه وهم وغرور وسراب وتعاطف واهن ، وإنما قد يتقبل ذلك مكرها ً ، فيجالسه ويبادر هو الأخر بالسؤال عن أحواله ، حتى ليخال له إنه أصبح بمثابة الصديق ، وإذا ما توخينا تقصي الدواعي التي تسوّغ منشأ مثل هذه العلاقة نعرف لِمَ يعجب الصديق بالاخر ، دون سواه ففي الميدان الكثير ،
فنجد الصديق بعد إنقضاء العام الدراسي ، لا ينس صديقه وإنما يتشبث بأية وسيلة تقربه زلفى إليه علها تزحف صاعدة وتقفز على السلم بخطى سريعة ، يسأل عنه ويزوره ويجالسه ويشركه في أموره الخاصة ويطلب منه الرأي والمشورة،ولكن هل هذا يكفي لتقبله كصديق وهل هي مسألة يسيرة ، كلا أنها ليست بالمسألة اليسيرة،لأن من شروط الصداقة السرمدية ثلاث أولهما : الإحترام المتبادل لأنه تاج الصداقة ، وثانيهما : الثقة المتبادلة لأنها عقد الصداقة المرصع بالألىء وثالثهما : التعاطف الروحي الحقيقي لأنه خافق الصداقة الرؤوم ، هذا يعني أن الصداقة بين طرفين غير متكافئين ليس بالمسألة الغريبة على الرغم من أننا أجزمنا سلفاً بأنها ليست مسألة يسيرة ، وقد يكونان غير متكافئان في المزايا العلمية أو الاجتماعية ، بيد أنهما كبشر يمتلكان ذات الخصائص السيكولوجية والفسيولوجية والطبيعية ، ولاسيما إذا لم تنطو هذه العلائق على مآرب مادية ، شاد لها بالقدسية والرقي الدائم إن صادق المحب على هذه الصداقة ، وأرتضى أن يكون ذلك الفيض المنقطع النظير الذي لا ينضب مهما نهل من أندائهِ.
نرى من ثنايا هذا التوافق بين الطرفين جمال الوجود وروعة الحياة فنقطف حزمة مضيئة من الإيجابيات ذات العبير الرقيق الجذاب الذي ينشد المحبة ويمقت النسيان ، ففي تلك اللحظات الندية المرطبة بالمحبة والثقة والإحترام ، يمكن للصديق عندئذ ان يستلهم من تلك الطاقات الكامنة في صديقه ويشحذ بها طاقاته المتسربلة ، حتى تأتلق بذاك البريق الذي كان يصبو إليه ، سواء في الخصال أو في الفعال ، فينشأ عن هذا التبلور علاقة طيبة تؤتي أكلها كل حين بأعمال طيبة ، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من طيب ، وهنا تكمن الحقيقة .
بيد أن هذه العلاقة قد تبدو بوجه باسر ، يكتنفه الغموض وتزعزعه بثور الشك وتنسفه وهو في مهد ولادته فترديه وئيداً في واد سحيق ، وقد مني بالفشل الذي قد يكون صفق أو ترنم له الوشاة ، ولم يفقه حقيقة الأمر وراح ينظر بغرور إليه وكأنه عبد مشدود الوثاق على بابه ، لا يبرح مكانه ، ليس هذا وحسب بل انه لمن الفجاجة بمكان الإقدام على معاملته معاملة مغلـّفة بالمزاح تجلب له سخرية الآخرين ، بالتأكيد إنها مفارقة محزنة وان كانت بداياتها مفرحة ، بالضبط نمثلها كالنيازك التي تنطلق سنوياً في أعياد الكرسمس من مصنع هوليود تتوهج في صدر السماء بألوان زاهية ساحرة ، ولكن ما تلبث أن تنطفئ وتؤول إلى الأفول ، وبالتالي لابد أن ينساق إلى نهاية القصة التراجيدية ، وقد تبددت كل تصوراته وذهبت أدراج الرياح وهنا يكمن الوهم ، أما إذا كان الوشاة هم الذين صفقوا لإفشال ذلك ، فيطفح الكلام الساخر عليه ملء الأفواه ، سخرية مبرقعة ببرقع القفشات ، تكاد تخنق الأنفاس وتقتلها بإجحاف في ميدان الشك ، الذي يقصي النفس عن السير في مقصدها ويردها القهقرى ، بيد أن المخلص عندما يدرك تماماً إن أصل هذه السخرية جهل مطبق على عقليات الآخرين في فهم كنه هذه العلائق الأصيلة الراقية التي لا مراء فيها ، فعلام َ أذن يبلد ذهنه بمثل هذه الأفكار الجوفاء الفاقدة المحتوى ، التي تتوارى خلف القفشات الساخرة ، وهي مقعدة في الأصل ، فمهما كثرت فهي متناهية في الصغر وفي الإعتبار .
أسأل الله تعالى أن يتقبل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم وان يرفع لي بكل حرف درجة في أعلى عليين ، وأن يستفيد منه القارىء وان يغربل أفكاره في اختياراته ، فإن وفقت فمن الله التوفيق ، وان أخفقت اسأل الله العلي القدير أن يسدد خطاي وان لا يخلني من واعظ انه سميع مجيب الدعاء ، وأخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمدوعلى أله وصحبه وسلم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الأستاذ المساعد الـدكتـورة
إخــــــلاص بـــاقــــــــر الــنـجـــــــّار
جامعة البصرة / كلية الإدارة والاقتصاد /
قسم العلوم المالية والمصرفية
جمهورية العراق / 2017 / الطبعة الأولى
Dr.khlasalnajjar@yahoo.com

رابط الرواية هو :

الى كل القراء والمتابعين انشر رواية ( رسائل بأنامل القدر ) …

http://www.mediafire.com/…/%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%…

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| شروق حمود : “عن المعاناة” للشاعر: شو جيانغانغ.

المعاناة شاعر يمشي على الطريق الشائك متلفحآ بصليب المعاناة صلاة الشاعر اليومية قبل العشاء شكرآ …

حيدر الحدراوي: الشعوذة والموروث الشعبي

توارثت الشعوب عادات وتقاليد اعتبروها بديهيات مسلم بها ، لا يحق لفرد نقدها او مناقشتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *