أحمد الرجواني : ديوان “دموع الكرز” للشاعر العربي الحميدي

ديوان “دموع الكرز”
للشاعر العربي الحميدي
توصلت بنسخة من ديوان الصديق الشاعر العربي ألحميدي، الموسوم ب: “دموع الكرز”، وكان لدي شعور مسبق بكوني سأستمتع بقراءته، وبأن التجربة لدى هذا الشاعر، ستجعلني أجاور مستوى جديدا من الصور الرائعة واللغة المستفزة، باعتبار أن الشاعر أولا يتقن لغات أخرى غير العربية، على رأسها الإنجليزية، وله فيها ديوان شعر، وثانيا كون شاعرنا قارئ نهم لأشعار الغرب علاوة على حفظه لأشعار العرب القدامى واطلاعه الواسع على الكتابات النقدية العربية والغربية.
وتجربته في ديوان “دموع الكرز” تدفع القارئ إلى أن يطل من شرفة حديثة على مسالك الألم والحزن والأمل والحلم في القصيدة، بالإنصات اللذيذ لنبض الأنا الساحرة من قصيدة “دموع الكرز”:
أنا السائح
أنا السابح
أنشد الصمت همي
فتنام تعاستي
على فوهة الأحلام
تميل روحي
حيث مال السراب
فأنسى نفسي
في مدار العدم
لغة شعرية تتيه بك في متاهات متعددة جحورها وجروحها، في الواقع والطبيعة، من مواقع م

تنوعة تسيح في قضايا إنسانية وقومية ممتزجة بشلالات دموع ساخنة. في مستوى عال ٍ تيمة وفكرا وإبداعا وتجديدا ومذاقا، بصور شعرية جميلة مُبتكرةَ وخيال واسع تائه أحيانا في زوايا قاتمة وأخرى في مساحات نورانية مشعة، وأسلوب رشيق عميق شائِق، يتراوح بين البطء حينا والسرعة حسب الموضوع والأحاسيس المُعَبر عنها، وبين الرمزية ممتطيا صهوة الكثير من الرموز المستحدثة للتعبير عن عواطفه الجياشة اتجاه القضايا القومية وتلك المرتبطة بالوجود والواقع الإنساني، والمُباشرة أحيانا عند ولوجه الصورة الكبرى الشاملة المعبر عنها في سطور عديدة، مختلفة نبضاتها وأحجامها. وإذ أعيد قراءة النصوص المضمنة في “دموع الكرز”، أجدني محاطا بهالة من الأمل المنبعث من الفورة العاطفية، بمسحة من الحزن الذي يصبح لذيذا عندما يضحى مجرد ذكرى، وبالألم الدفين على حافة العزلة من قصيدة “دموع الكرز”:
أرتدي وهما
ليـمنحني لحظة
الأمل
و الهدوء في عزلة
من خلال نصوص تشتم فيها رائحة المعاناة والوجع، ليس فقط في الواقع، بل تطال أيضا الحلم، ليلجأ الشاعر إلى الوهم والعزلة ليس فرارا بل مقارعة لعدو الحياة، ونشتم في كل القصائد عبق التقريع للذات وللوجود والآخر، فهي:
مشاعر انهيار
تيه معلق
على جسر مشقق
أو من خلال النصوص التي تعبر به كل الفراغات المتطاولة على الحلم والعشق:
الـمكــان فارغ
نهاية عشق
فراغ يحمل الفراغ
فراغا
فـي ليلة غبشاء
وفاة قمر
والوفاة هنا رمزية تستحيل غيابا للضوء في رؤية ما، تقل الشاعر إلى التيه لكنها في الوقت ذاته: من قصيدة “انتظار ولادة”:
لتقذف بي
برغبة
معصوب العينين
إلى ضوء خافت
رحلة ولادة
ولادة روح جديدة
بدموع وصلاة

تداوي الجراح، جراح الذي كان، لتركب موجة الجنون، وتتفاعل مع الأمل، الذي يشكل انعتاقا من الكآبة، ومن عتمة الظلام، ومن برودة الأزقة والدروب التي كاد ينسى عناوينها. ويتوسل الشاعر هنا كل هذه الدفقة الشعرية العاشقة بأسلوب تعبيري واصف وخطاب داخلي موجه إلى الأنا ودواخلها بل ومداخلها، إذ يجعلها السبب والنتيجة، تهرب منه أحيانا أناته دون استئذان، ملوحا أمامها بالروح التي تجعله يركن إلى الأمل. إذن، من خلال هذا الأسلوب والخطاب الموجه لهذه الأنا، وبين هذا الحزن وذاك الحلم، وبين الهنا والهناك، أعيش.
لم أبرح مكاني
وإن رفعتني أحلامي
دَرَّكَ الهوى فـي نفسي
لأخرج من بحري
ولو
معلقا على لوح الشقاء
ليضع الشاعر حدودا بين الماضي والحاضر، علما بأن الديوان هو الأول في تجربة الكتابة الشعرية لديه، وتلك التجربة الحياتية التي كررت حزنها قبل حين، بلغة لا تكلف فيها ولا حاجة للقارئ للبحث في المعاجم والقواميس، بل يكفي أن تقرأ وتتأمل، أن تقرأ وتسبح في تحليل الصورة ومتنها، أن تقرأ وتخشع معه لسمفونية الحياة، اللغة هنا تمشي مترنحة هائمة تائهة في الحزن والغضب والعشق والتشبث بالحياة أحايين كثيرة، وأحيانا لغة قاسية متطاولة على الظلام والألم، مستفزة للواقع والوجود والنفس.
وفي كل الحالات، سلامة اللغة وتناغمها وهيجانها، هو ما يضفي على القصيدة لديه رونقا ينضاف إلى رونق التشكيل المفترض والذي لم يأت عبثا بل اختاره بعناية كبيرة، وقد يتعدى اللوحة لينتشر في البياض، أو يضع حرفين منعزلين حسب نفسيته، في تسلسل وتقطيع حديث يجعل من النص متعددا متناغما.
يعتمد الشاعر العربي الحميدي في “دموع الكرز” إيقاعات متعددة، فهو داخل النص الواحد ينتقل بين تفعيلة وأخرى، بل ويخلط بين التفاعيل بشكل عفوي جميل، متمردا على التقليدي من حيث الوزن في قصيدة التفعيلة، فهو يدفع القارئ إلى أن يتموج في النص بشكل متناغم مهما اختلفت تفعيلاته، ويجعل النص متمردا على بياضه، ومع هذا وذاك، هناك مقاطع كبيرة موزونة تماما على السليقة، وأستطيع أن أقول بأن الشاعر لو كان درس علم العروض وكتب القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة كما هي لدى نازك الملائكة والسياب وغيرهما، لكان أيضا بارعا فيهما، ولأضاف بصمته الحرة، ووقع تجربة فريدة تحمل جمالية أخرى، وإن كنت شخصيا أدرك أن لنصوص ديوانه هذا لغته العجائبية التي تضفي على أعماله الإبداعية جمالية مختلفة ملفوفة بالتجارب الشعرية الغربية، لكنها جمالية تستحق منا كل الاحترام.
أما بالنسبة للصورة الشعرية في “دموع الكرز”، فإنها تأتي في رأيي على منحيين:
منحى يروم التكثيف، ويستثمر الرمز والتشبيه والاستعارة والمجاز وغير ذلك من المحسنات البديعية والصيغ البلاغية، خدمة للفكرة وجمالية اللفظ والصورة التي تأتي سهلة ممتنعة.
ومنحى يعتمد البانوراما أو الكلية أو الشمولية، إن صح التعبير، في رسم الصورة، وهنا يتوجب على الشاعر أن يتوفر على نفس طويل حتى لا يسقط في الخطاب المباشر، وهكذا نقرأ نصوصا في الديوان، لا يمكن أن نحصر الصورة الشعرية فيها في سطر أو سطرين أو ثلاثة، بل نستخلص الصورة الكلية من النص، أو من عدة أسطر فيه. وهذا ليس عيبا في القصيدة بل منحى جماليا حداثيا اختياريا.
إضافة إلى كل ذلك، يمكن أن نسم الصورة عند شاعرنا بكونها سيكولوجية، تعتمد البعد النفسي، باعتبار أن التيمات الغالبة في النصوص تيمات نفسية تعبر معاناة وحزن عميقين بعيدين في الزمن، لكن لهما آثارهما الواضحة في كل المواقف وفي اختيار اللغة والأسلوب والمعجم.
إلى ذلك، النصوص كلها عواطف وإحساسات عميقة، مهما اختلفت موضوعاتها وقضاياها، المتراوحة بين السياسي والقومي والوجداني و….، فالشاعر يكتب بصدق وحرارة حتى في عز برودة القدر، وبإحساس عاطفي مائز، يأتينا عميقا في تعابيره، صادقا في استجلاء عمق تجربته الحياتية الشخصية والذاتية والواقع المعاش، وبين الفينة والأخرى مبرزا أفق انشغالاته وفكره وتطلعاته وثقافته، وإن كانت أشعاره هنا متسمة بالحزن فإنها تنفتح كل حين على روح الأمل وترى الإشراق قريبا مبتعدا بدرجات عن لغة الغلو والحقد والتطرف، ملتفة بإيمانه بالقدر مسراجا وتنويرا في طريق يشوبها ظلام وبهتان، يقول الشاعر:
سألت
هل هناك أحلام أخرى فـي قلبي ؟
تذكرت
قلبي قال
حتى الصحراء لديها الزوار
وبعض الزهور هناك
لا شك في أن تجربة الشاعر العربي الحميدي تحتوي الكثير من العناصر الجمالية التي تمتح من الأصالة كما تمتح من الحداثة، لكنها أيضا تحتمل بعض النقصان خاصة في التعاطي مع الإيقاع الخليلي، أو في التعامل مع الموضوعات الوطنية والقومية، وهذا نجده حتى لدى كبار الشعراء، كما هو الحال عند محمود درويش مثلا، فقصائده الملحمية تأتي أحيانا بأسلوب مباشر أو أقرب إليه، وتعوزه الصور الشعرية، وإيقاعاته مرتبطة بالخطابة بينما قصائده العاطفية والوجدانية ترفع المتلقي إلى عنان الجمال.
ومن خلال عناصر اللغة والأسلوب والإيقاع والصورة الشعرية والعواطف، تبدو لنا جلية أهمية ديوان “دموع الكرز”، الذي نعتبره إضافة نوعية مائزة في التجربة الشعرية المغربية الحديثة، لأنه إذا كان من الوفاء للشعر في العالم كله وبكل اللغات ارتكازه على مقومات اللغة والإيقاع والصورة الشعرية والعواطف، فإن هذا المؤلف يستجيب لكل هذه المقومات، ويضيف إليها مسحة غربية في التعاطي مع الموضوعات الذاتية المنفتحة على الروح كأفق انتظار انعتاقا من كل تيه يؤدي إلى الانكسار.
أتمنى لك أخي الشاعر الطيب الرائع صديقي العربي الحميدي كل التألق في سماء الشعر، كما أتمنى أن نقرأ لك في أقرب الأوقات دواوين أخرى باللغتين العربية والإنجليزية، وهنيئا لنا بانخراطك في عالم الشعر والشعراء.

احمد الرجواني: مكناس في 18 أكتوبر 2018

شاهد أيضاً

محمد مهدي الجواهري: ما ورد عنه في كتب في ضوء مسح افتراضي
أ.د. صالح جواد الطعمة

مقدمة: أدرك جيدًا أن توثيق منجزات الجواهري عبر قرن وما كتب عنه أكثر تعقيدًا وصعوبة …

شوقي كريم حسن: داود سلمان الشويلي… وضوح الأشتغالات المعرفية

*عند خط الفصل بين سومر بكل ارثيتها العجيبة، وامتدادات زقورة اور، واللاله الجالس في العلو، …

صباح هرمز: بنيات السرد في روايات “محسن الرملي”

1- الشخصية: يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها: (نتاج عمل تأليفي) كان يقصد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *