أحمد الشطري : العثة

العثة
أحمد الشطري
يوما بعد آخر كانت مباني المدينة تتساقط مخلفة الغبار والاتربة المحملة بالرواح النتنة التي تزكم الانوف، لا احد يعرف ماذا يفعل لتفادي دمار المدينة، ولا احد يعرف ايضا السبب الحقيقي لهذا الانهيار المفاجئ، رغم انها لم تكن المرة الاولى ولن تكون المرة الاخيرة قطعا، هذا ما توقعه الباحثون في شؤون الآثار او المستبصرون بحوادث الازمنة، احد المتحذلقين قال: انها فقدت السلم الذي يربطها بالسماء، واخر قال: انها فقدت الاوتاد التي تثبتها بالأرض، المتدينون قالوا: (يهلك ملوكا ويستخلف آخرين).
لكن الاطفال كانوا ينظرون الى المدينة بعيون غارقة بالدموع، قالت الامهات انهم يبكون لعبهم التي دفنت تحت الانقاض، اما الآباء فقالوا: ان دموعهم تسيل من كثر الاتربة التي ملأت عيونهم.
بينما راحت المدينة تتجرد من آخر ثيابها لتخرج عارية امام الملأ المحدقين بها بفضول ودهشة وحزن.
قال بعض المهندسين المعماريين: سنعيد بناءها اجمل مما كانت، بينما اخرون قالوا: لا فائدة من اعادة بنائها ما دامت العثة متوطنة في الارض، ينبغي ان نصرف جهدنا على بناء مدينة اخرى في مكان اخر غير هذا المكان الموبوء.
بعض الناس تحمس للفكرة الاولى بينما راح اخرون يهتفون مؤيدين الفكرة الثانية.
ظلت اصوات الفريقين تتعالى، وظل الحماس يلهب صدور الفريقين، حتى تطور الى سباب ما لبث ان اصبح شجارا بالأيدي، ثم تحول بعد ذلك الى معارك طاحنة، استخدم فيها كل ما متاح من اسلحة القتل، والدمار. وكلما نفد سلاح فريق اخذ من بيت المال؛ ليشتري سلاحا جديدا.
لم تتوقف المعارك الا بعد نفاد السلاح، والمال، والرجال.
قالت امرأة عجوز لنساء المدينة: احملن جثثهم؛ لندفنها تحت انقاض المدينة، ونبني عليها مدينة اخرى.
سألت احداهن: والعثة ماذا نفعل معها؟
قالت العجوز: ستقتلها عفونة جثثهم.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كريم الأسدي : أَهائمةَ العينينِ ..

  أَهائمةَ العينينِ أيُ ذهابِ     أعادَ حضوري مِن جنونِ غيابي   وأيُ جِنانٍ في …

| سامي العامري : المرافعة … في الشعر ومواجع العصر .

قالوا له أحسنتَ، ثم تورطوا فأطال ثم أطال لا حسٌّ لديهِ وليس يَصلُح مثلُهُ  إلا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *