د. أسماء غريب*: من وإلى ومع “قمر أم حبّة أسبيرين”: ديوان محمد حلمي الريشة:قمرُ الفَرجار وقواربُه

 

الشاعر محمد حلمي أبو ريشه

* أديبة ناقدة ومترجمة مغربية مقيمة بإيطاليا، تكتب الشعر والقصة والرواية.
أمام أُسكُفة الباب
“أنت, أيها الطفل البدائي المجنون, أبْصرنِي وتَبَصّرْني, ثم بعد هذا اقرأني, واعلم أنني لا أطلب منك أن تستبصرني لمن سواك ولكني أرجو فقط أن تحرّر روحك، وتدعها تسافر إليّ، وتتركني أسافر نحوك كما تسافر الأمُّ نحو رضيعها، والفراشة نحو نارها ونورها في كل يوم سبعين مرة. وإذا حدث ومتُّ فيك، أو متَّ فيّ، فقد تحققتْ لديك المعرفة, ليس كلّ المعرفة، ولكن جزء منها, لأني لا أريدك أن تصير فحمًا أسود باردًا، ولكن رمادًا أخضر دافئًا, يحيا ثم يموت، ويموت ثم يحيا في كل يوم سبعين مرة.”

هكذا خاطبني “محمد حلمي الريشة”(1)، أو هكذا خاطبتي قصيدته, وإذ أقول قصيدته، فإنني أعني كل قصائده؛ ما كتب، وما سيكتب، وما لم يكتب بعد. هي كلمات تشبه تلك التي كانت تأتيني لحظات عهد مغرق في الطفولة, حينما كنت كلّما أنهيت دروسي الصباحية, أذهب إلى دكّان مغموسة في العتاقة، وقريبة جدًّا من مدرستي الابتدائية، كي أقف، وأنا الطفلة التي لم تتجاوز آنذاك سنواتها العشر، أمام أسكفتها كعابر سبيل يبحث عن فتات يسد رمق بصره وبصيرته بين اللون، والقماش، والغبار، والخشب. لقد كانت تلك الدكان الصغيرة عبارة عن ورشة رسم لم يسعفني فيها الحظ، حتى تلك الفترة، بالتعرف إلى صاحبها الرسام، ولكني كنت أجد، فقط، سيدة في متوسط العمر ترتب اللوحات، وتمسح عنها الغبار، وتعدّ من تجدها جاهزة للبيع… وحينما كان يُعييني الوقوف، كنت أعود إلى بيتي وقد حملت بقلبي الطفل كل تلك اللوحات الزاهية الألوان, والطفولية التعبير, والحلولية الفكرة, والوحشية المعنى, والمليئة بالخطوط والحركات والدوائر والكائنات الصغيرة الكبيرة والعيون الواسعة… ومرّت السنون، وحملتني الحياة في حضنها بين الأماكن والقارات، وجاء يومٌ علمتُ فيه بأن صاحب تلك اللوحات الطفولية كان عين تلك السيدة “الأُمّية” المُسنة التي وُلدت في إحدى القرى المحاذية للمدينة التي رأيت فيها النور؛ سيدة تنسج الزّرابي العتيقة والأصيلة في بيتها، وترسم لوحات لا تخطر على بال وخيال إنسان إلاّ أن يكون طفلاً، أو مجنونًا، أو هما معًا(2)، شأنها في هذا شأن “محمد حلمي الريشة”، والذي لا يسعك سوى أن تقف طفلاً أمام عتبة قصيدته، وتستجدي بعينيك وبصرك وبصيرتك ما قد تسد به رمق الحب المشتعل تجاه ثمارها. أقول البصر، لأن قصيدة هذا الشاعر الفلسطيني تشترط على من يقع في هواها أن ينظر إليها, أن يتأملها، وأن يسمعها بعينيه كما الأصم يأتيه كل شيء من العالم عبر العين, وأن يراها بأذنيه كما الأعمى يأتيه كل شيء من الوجود عبر الأذن. هكذا أنا إذًا أمام قصيدة “محمد حلمي الريشة”؛ طفلة صماء لا سلاح لها سوى النظر، وعمياء لا معين لها في العتمة سوى السمع, طفلة تقترب شيئًا فشيئًا، وتضع بين يديها جديد ما جادت به قريحة الشاعر؛ ديوان شعري اختار له اسم “قَمَرٌ أَمْ حَبّةُ أَسبيرينٍ؟”.
العنوان وحده نصّ مجنون وراقص لطفل يتقصى الشفاء من داء أو من صـداع ما, فما داؤك أيها الشاعر، وأينه إكسير شفائك؟
وحده تحليل هذا العنوان عبر مستويات مختلفة للقراءة والتأويل, يُمَكّننا من الرحيل والسفر تجاه أجوبة محتملة؛ كاملة وناقصة في الوقت ذاته.
لمَ “القمر” إذًا, ولمَ “حبّة الأسبيرين”؟
على غير ما اعتاده الكثير من الشعراء العرب في التوجه إلى القمر بصيغة المذكر, فإن قمر شاعرنا هو حضور أنثوي, إنها ملكة متوجة بإكليل الغواية، وسلطانة عاشقة ومعشوقة، ومُعلّمة لها حالات ومقامات, ومراحل ودورات, وبيضاء وشافية لآلام الروح وصداع الجسد كما حبة الأسبيرين، وليس هذا فقط, بل هي، أيضًا، مصدر غير مباشر للمعرفة المتأنية, التصاعدية والعقلانية. إنها هكذا وبدون مقدمات؛ القصيدة. أجل, القمر وحبة الأسبيرين ليسا شيئًا آخر غير القصيدة, لكن أينه “محمد حلمي الريشة” من هذا كله؟ أينه من ليله؟ من قمره؟ ومن حبة أسبيرينه؟ إنه الشمس الغائبة- الحاضرة، والمستترة في عنوان هذا الديوان؛ الشمس التي يستمد منها القمر نوره. إنه رمز كل قلب ينبض بالشعر,  ورمز كل شاعر يكون هو النار، وتكون القصيدة بين يديه هي الزمهرير، أو يكون هـو الشمال والخريف، والقصيدة في قلب ليله هـي الجنوب والصيف. هكذا اختزل لنا “محمد حلمي الريشة” تعريفًا جديدًا- قديمًا للشعر والشاعر، ولزمن ومكان البوح, أقصد السماء والليل؛ السماء كمكان للعزلة والخلوة، والليل كوقت لها، بهدف تحقيق الحلول في المحبوبة، والشفاء بين أحضانها من كل داء وعلّة: “وَأَنَّي شَجَرَةُ اللَّيْلِ وَهِيَ ثِمَارُهَا،/ وَأَنَّهَا تَائِهةٌ وَقَصِيدَتِي دَلِيلِي.”(3)، و”أَنَا الَّذِي كُنْتُ بِانْتِظَارِي/ فَكَيْفَ الَّذِي جَاءَ.. هِيَ؟”(4)

وهكذا يكون قد سار على نهج العديد من الشعراء الذين سبقوه في عشق القمر والليل، واعتباره مركز اللانهاية، والحكمة، والمستقبل، حيث تسكن القصيدة, ولا غرابة في أن يكون “شارل بودلير”(5)، و”بول فيرلان”(6)، و”فيكتور هيجو”(7) من بين أشهر شعراء فرنسا ممن قالوا عن الليل، وعن القمر الكثير، شأنهم في ذلك شأن الإيطالييْن “دانتي أليغييري”(8)، و”جاكومو ليوباردي”(9)، والإسباني “لوركا غارسيا”، والألماني “نوفيليس”، وغيرهم كثيرون في أماكن وثقافات ولغات مختلفة من لغات العالم.

ما بعد الأسكفة
لا شك أن أول ما يشد انتباه القارئ والدارس معًا في هذا الديوان هو شكله، أو بعبارة أدق, التصميم الهندسي الذي اختاره له الشاعر “الفرجار”(10), إذ لا جملة، ولا خط، ولا أي شيء فيه يمكن أن يُعد عبثيًّا؛ بدءًا من التقسـيم والعنونة, وصولاً إلى الترقيم والتشكيل البصري للأبيات.
الديوان مكون من قسمين: “قمر لا يليق بضوئه” هو عنوان الأول، و”قوارب ورقية” هو عنوان الثاني. يتكون القسم الأول من سبع قصائد, والثاني من تسع. أما أطول قصائده فهي الثانية من القسم الأول(11)، وتتكون من ثلاث وأربعين ومضة مُرَقّمة وغير مُعنونة, والسادسة(12) من القسم الثاني وتتكون من ثمانية وأربعين جزءًا, ثم السابعة(13) من القسم نفسه, وتتألف من أربعة وثلاثين جزءًا, لكل جزء منها عنوان معين.
قبل الارتماء بين أمواج تحليل الجمل الافتتاحية التي استهل بها الشاعر معظم قصائد ديوانه, فلا بأس من إلقاء نظرة تشكيلية على هذا التقسيم الذي سبق ذكره مع محاولة وضع مخطط هندسي له نجسّده كما يأتي:

ثم نحلله ونؤوله وفقًا لما يأتي من الأفكار والقراءات:
سنبدأ رحلتنا بعنوان الديوان: “قمر أم حبة أسبيرين؟”، وهو- كما يبدو جليًّا للعيان- يتكون من جزأين أساسين: “قمر” و”حبة أسبيرين”، وقد تم تجسيدهما في الرسم التخطيطي أعلاه عبر دائرتين؛ إحداهما صغيرة الحجم، والأخرى كبيرته (انظر الجزء الأعلى من الرسم التخطيطي). هذا عن العنوان الرئيس للديوان. لنتجه الآن إلى جزئي المجموعة: الجزء الأول، وهو ما سبقت الإشارة إليه، يتكون من سبع قصائد، تم تمثيلها في المخطط بدوائر صغيرة (انظر الجهـة اليمنى واليسرى من الرسم), والفكرة نفسها تم تطبيقها على الجزء الثاني من الديوان بقصائده التّسع. أما المفاجأة التي سيُهدينا إياها هذا الرسم التخطيطي بمجرد وصلنا عبر خطوط بسيطة للأطراف المكونة للعناصر الآنف ذكرها هي “حرف القاف”(14) (انظر الخطوط السوداء), أما إذا جمعنا بين كل الأطراف، وأقفلنا عبر خط أخير كل أجزائها، فإننا نحصل، وببساطة شديدة، على الشكل الفطري لـ”قارب” (انظر الخطوط الزرقاء), وبهذا تكون الـ”قاف” والـ”قارب” هما المعادلتان اللتان تشكّلتا داخل رحم الديوان بأسره.
لننتقل الآن إلى تحليل كل معادلة على حدا:
– معادلة القاف:
إن حرف “القاف” هنا, هو الحرف المهيمن في كل عناوين الديوان، وعملية حساب بسيطة تؤكد لنا أن عدد القافات في المجموعة من العنوان الرئيس إلى عناوين القصائد والجمل الافتتاحية كلها يصل إلى ثلاثة وعشرين قافًا. إنها قاف القمر، وقاف القوارب، وبينهما بحر من قافات تتوزع وتتلون وفق بوح قاف القصيدة. لكن، ألا يحق لنا أن نتساءل عن ماهية هذه القاف التي فاجئنا بها الشاعر ربما بنيّة مبيتة أو ربما عن غير قصد. ما الذي أراد أن يقوله لنا “محمد حلمي الريشة” عبر هذه القاف الخارجة من “لاشعور” قصائده؟
ما من قارئ تخفَى عليه مدى أهمية القاف في اللغة العربية، سواء من الناحية الدلالية اللغوية، أو الرمزية الباطنية, فهي لغة صوت لهوي انفجاري مهموس, وهي في الاصطلاح التصوفي باطن النون، والنون باطن القلم(15)، والقلم ظاهر الأمر, أما في عوالم هذا الديوان الداخلية فهي تعني القصيدة القمر, والقصيدة القارب, والقصيدة حبّة الأسبيرين. وهي كلّها مقامات ودوائر خاصة بعالم الهيمنة المصحوبة بالمحبة والعشق؛ عالم تهيمن فيه الروح الشاعرة الموحية، والهامسة، والمخاطبة للاشعور وباطن الشـاعر نفسه، والراغبة في شفائه من علل تهجم على فكره، وقلبه، ونفسه، من العالم الخارجي المليء بالضغوطات، والانتكاسات، والإحباطات(16), لذا فإننا نجد هذه الروح الشاعرة المهيمنة قد تسربلت برداء الأنثوية الناعمة، والملائكية أحيانًا، والفاتنة حد اللعنة والتوحّش والتشيطن في أغلب التجسيدات، آخذة بيدها كل مفاتيح الإبداع الشعري واللغوي، ومعطية لنفسها اسم القصيدة، فالقصيدة هي الملكة، وهي المُحبة والمحبوبة, ليس فقط في هذا الديوان، بل وفي كل دواوين “محمد حلمي الريشة”. لكن، وعلى الرغم من مقام الهيمنة هذا، يبقى ثمة سؤال تضرب أطرافه كالمطارق في الرأس: لماذا استخدم الشاعر في ديوانه عبارة “قمر لا يليق بضوئه”؟!
إن الجواب عن هذا السؤال الشائك, يقتضي من القارئ دراية واسعة بمفاهيم الحلول والذوبان الذي يحدث بين العاشق والمعشوق، والعابد والمعبود، وبين النور والظلام, الشيء الذي يعني أن القصيدة ما هي في آخر المطاف إلا الشاعر نفسه, أو ما هو إلا القمر ذاته. كيف ذلك؟ هذا ما سيمكننا الوصول إليه عبر تحليلنا لمعادلة القارب.

– معادلة القارب:
إنها لحقًّا معادلة غريبة, خصوصًا وأن مجرد تصفح بسيط لفهرست الديوان, يقودنا إلى اكتشافٍ أكثر غرابة من المعادلة نفسها: عنوان الجزء الثاني للديوان: “قوارب ورقية”!
“محمد حلمي الريشة”, في هذا المقام وفي هذه الوقفة بالذات، يذكّرني بقصيدة مهولة لشاعر لم يكن بعد قد تجاوز سنواته السبعة عشر عند نظمها؛ إنها قصيدة “القارب الثمل” لصاحبها “آرثور رامبو”، وبشكل خاص في هذا المقطع المعجزة منها:
“منذ ذلك الحين وأنا استحم في قصيدة البحر
مغموسًا في بياضه اللّبني  وفي ضوء النجوم
القصيدة التي تلتهم الماء اللازوردي الأخضر
والتي بداخلها ينزل متموجًا في انتشاء
ميت شارد وشاحب اللون”.(17)

إن قارب “آرثور رامبو”, هو قارب “محمد حلمي الريشة” نفسه. إنه القصيدة, والماء الذي من المفترض أن يبحر فوقه وبين أمواجه هذا القارب. ليس الماء المعتاد لدى عامة الناس, مالحًا كان أم عذبًا, ولكنه نور القصيدة الطاغي الوهّاج فوق بياض الورق لدرجة السكر والانتشاء، وهذا ما يفسر اختيار “محمد حلمي الريشة” لـ “قمر لا يليق بضوئه” كعنوان للقسم الأول من ديوانه؛ فالقمر هو الشاعر، وهو حينما ينعكس فوق ما يفترض أن يكون ماءً, فإنه يرى نورًا أشد وأقوى وهجًا من ضوئه الشاحب فوق الورق, أي أنه يرى بحرًا من النور, فواعجبي ويا حيرتي أمام ضياء بارد يعكس وهجًا حارًّا، وأمام شاعر يكتب بوحًا يجعل منه قواربَ ورقية، أو باقة من دواوين تغرق في بحر من النور! قواربَ كلّ أملها أن تبحر تجاه المستقبل؛ تجاه التغيير، وأن تصنع أنساقًا جديدة تغيّر طعم الحياة المرّ، وتنهض بذائقة الناس، وتثور على الصدأ والسوس الذي لا يفتأ ينخر أرواحنا وقلوبنا منذ زمن بعيد(18).

الجمل الافتتاحية
ليس من فراغٍ اقترح العالم اللغوي الشهير “زيليغ هاريس” عملية ربط تحليل الجمل بسياق النص من أجل فهم المعنى، ونقل ما يتصل بتحليل الجملة تحليلاً يصل بنا إلى المستوى الجديد للنص, وليس من عبث نُقرّ بأن الجملة هي أساسًا عبارة عن تتابع من الرموز, وأن كل رمز منها يسهم في تحديد جزء من المعنى الكلي, لذا فلا غرابة أن يكون كل رمز داخل الجملة يرتبط بما قبله وما بعده، وهذا ما سنكتشفه عبر الجمل الافتتاحية التي تبّثها الشاعر فوق قصائده مباشرة، والتي نعدّها هي الأخرى قضية جديرة بدراسة واعية ومتأنية.
يمكن تقسيم الجمل الافتتاحية إلى نوعين: نوع يتكون من جملتين، افتتح بهما الشاعر كل قسم من قسمي الديوان، ونوع يتكون من جمل مختلفة، استهل بها الشاعر معظم قصائد ديوانه.
* النوع الأول: الجملة الأولى المعنية بالأمر هي الآتية:
“لقد رأيتُ ما بقي لي من أيام”
(محمّد)
إن هذه الجملة الفعلية تبدو لأول وهلة وكأنها لنبيّ أو لعرّاف! فهل هذا ما كان يريد أن يشير إليه الشاعر حينما ختم جملته باسم “محمّد”؟ ولماذا، إذا كان الشاعر يقصد نفسه، لمْ يوقّع باسمه كاملاً, أي “محمد حلمي الريشة”؟
ما كنْه هذا الخطاب يا تُرى الذي أراد أن يوصله إلينا الشاعر؟ هل أراد أن يقول لنا إن الشعراء أنبياء؟ أو إنهم عرّافون؟ ومن سبقه يا ترى إلى هذه النتيجة؟
لا أحد غيره, عرّاف الشعراء جميعًا, الشاب “آرثور رامبو”، صاحب الرسالة الشهيرة التي أطلق عليها نقاد ودارسو الأدب العالمي اسم “رسالة الرّائي”، والتي لا تعد مجرد رسالة شخصية بعثها الشاعر الفرنسي إلى أستاذه “بول ديميني” بتاريخ (15 أيار 1872)، ولكنها وثيقة مهمة بالنسبة إلى تاريخ الأدب كافة. إنها الرسالة التي عبَرت الحدود الفرنسية، وانتشرت في كل أرض، وتأثرت بها أجيال مختلفة من كل عصر واتجاه فني في العالم بأسره, وهي الوثيقة التي حدد فيها “آرثور”، وبشكل نهائي، الاتجاه الخاص به، وبكل الشعراء الذين ساروا على نهجه:
“… الشاعر يجعل من نفسه رائيًا عبر اختلال مدروس طويل وهائل لكل الحواس, يبحث بنفسه عن كل أشكال الحب، الألم، الجنون. ويستنفد كلّ السموم فيها كي لا يحتفظ منها إلا بالجوهر. عذابٌ لا يوصف يحتاج فيه إلى كلّ الإيمان، إلى كل القوّة الخارقة، حيث يُصبح بين الجميع، المريض الأكبر، المجرم الأكبر، الملعون الأكبر، والعليم الأسمى، لأنه يصل إلى المجهول ما دام قد فَلَح نفسه، الغنية من قبل، أكثر من أيّ كان، ولأنه أدرك المجهول، وعندما يكون قد أصيب بالجنون، ينتهي إلى ما يعمي بصيرته عن الرؤى التي يكون قد رآها. فليمت في وثبته بالأشياء الخارقة التي لا اسم لها! فسوف يأتي عمّال قبيحون آخرون سيبدؤون عند الآفاق التي أذعن عندها الآخر”.(19)
فهل هذا ما أراد أن يقوله لنا، أيضًا، الرائي “محمد حلمي الريشة”؟
أجل, ولنقل إنه كـ “رامبو” رائي، ولنتمهل في إطلاق صفة النبوة على أي شاعر، ولنكتف بالاعتقاد بأن “محمد حلمي الريشة” لم يقصد بذاك الإمضاء التماهي مع اسم نبي المسلمين محمد (ص), وأن الجملة، محلّ التوقيع، ما هي إلا بيت مقتطف من قصيدة “إبر معقوفة باتجاه أسفي”(20), رأى الشاعر أنها الأمثل والأكثر تعبيرًا عن رسالة الديوان بأسره إلى كافة قرائه, باعتبار أن الشعر سفر في الروح وعبر الروح باتجاه القادم من الأعمار والأزمان بهدف التغيير، والتجديد، وخلخلة رواسب الصدأ المتراكمة بلاوعي ووعي البشرية جمعاء .
هذا عن الجملة الأولى, أما الجملة الثانية فهي لـ “فيرنادو بيسوا”، وقد تبّثها الشاعر مباشرة تحت عنوان “قوارب ورقية”، وهي الآتية كتابتها:
“غرقٌ دون ماء”
إن تحليل هذه الجملة هو وثيق الصلة بما سبقت الإشارة إليه من تحليل خاص بمعادلة القوارب الورقية الغارقة كقارب “رامبو” في بحر ومجرة من النور, وكونها ورقية, فهي تعني، أيضًا، مجموعة الأوراق التي يكتب عليها الشاعر كل قصائده, وإن كانت صفة الورقية هذه تغشيها وإن بشكل غير مباشر بخاصية الهشاشة والضعف, واحتمال الضياع أمام أي ريح طاغية رعناء قد ترغب في إزاحتها ومحوها من كل مشروع يرغب في التغيير والرحلة نحو المستقبل. وكون الجملة هي للشاعر البرتغالي “فيرناندو بيسوا”, فهذا يحيلنا إلى شخصية الشاعر “محمد حلمي الريشة” نفسه، وعلى طريقته في العيش/ العزلة/ الخارجة من باطن ديوانه هذا؛ فهو الغامض، والمتعدد الأنوات، وهو شاعر الدهشة والحيرة، الذي قضى حياته مشغولاً بإنشاء خطّ أدبي خاص، وببيت خاص للشعر؛ بيت يكون مواكبًا لروح عصره، ورافضًا لواقع أرضه، وساخطًا على السواد الذي يهدد إخوته في التراب والانتماء, لذا نجده يغرق بخشوع في تأملات فلسفية وروحية شديدة التعقيد, وهي ذاتها التأملات التي تدفعه، كغَيره من أنقى الشعراء، أن يقلّ في النشر، وألا يركض وراء بريق الأضواء والشهرة, فهو قلق الروح كقمره, كثير الدوران فوق وداخل قواربه الورقية كفرجاره, وحيد في عزلته الصاخبة كـ “فيرناندو بيسوا” الذي قال فيما مضى متسائلاً عن نفسه: “كم من الذوات أنا؟ من هو أنا؟ ما هو هذا الفاصل الموجود بيني وبيني؟”, فهل يا ترى قبض “محمد حلمي الريشة” على رؤياه؟ أم أنّه كـ “بيسوا” اكتشف أن متاهات الرؤيا تتعدد وتتكاثر كلّما ظن الشاعر بأنه اكتشف مقام القصيدة  والبوح؟!

* النوع الثاني: وهي الجمل التي يمكن جردها كما يلي:
– “أُهرِّب وقودًا لتوبة مستعصية.”(21)
– “إنه كان مجنونًا, مهذبًا, غير مؤذ, يبدد عاطفته بجعلها شعرًا.”(22)
– “هايكو شُبّه لي في انتظار أحفاد “غودو” وأيتام الـ “برابرة.”(23)
– “إنها غير مكتملة وغير ناقصة.”(24)
– ثم “التوقف المحتوم أكثر عبثًا في فراغ المعنى.”(25)

إن أولّ ما تُوصله هذه الجمل إلى قلب وروح القارئ ليس فقط غرابة تركيبتها، ولكن بالأساس أسماء من نطقها، وقوة وميتافيزيقية مضمونها, فأسماء بوزن “شربل داغر”, و”جين دوفال” وهي تتحدث عن حبيبها “شارل بودلير”, و”إستفان ملارميه”، ثم “فالتر هلمون”, لن تكون، وليست أبدًا، أسماء اختارها الشاعر “محمد حلمي الريشة” هكذا من فراغ؛ لأن كل اسم لوحده هو مدرسة شعرية قائمة بذاتها, تبدأ بأب قصيدة النثر والنقد الأدبي الحديث الشاعر الفرنسي “بودلير”(26)، وتصل إلى الناقد والشاعر الحداثي “شربل داغر” كي تحملنا، وبشكل لا متوقع، إلى السفر في عوالم الحضور الأنثوي في القصيدة “الريشية”, بدءًا من “زليخة” و”بلقيس”، ووصولاً إلى “جين دوفال”, فلمَ هؤلاء النساء بالذات، وما علاقتهن بالنسق الشعري الخاص بـ “محمد حلمي الريشة”؟
إن الجواب عن إشكالية هذا الوجود الأنثوي الطاغي من بدايات الديوان إلى أواخره، نجده حاضرًا منذ أول عنوان وأول جملة افتتاحية تبّثها الشاعر تحته في هذه المجموعة:
” بوهجة واحدة فقط خُض يوسفي.”
“إنه كان مجنونًا, مهذبًا, غير مؤذ, يبددّ عاطفته بجعلها شعرًا”
(جين دوفال, عشيقة بودلير السوداء)

نحن الآن, وعبر هذا العنوان والجملة الموجودة أسفله، نقف أمام أسطورة بعمر البشرية جمعاء؛ أسطورة لن نتمكن من وضع اليد على مفاتيحها إلا عبر ما يأتي من التحليل والتفكيك:
 
“بوهجة واحدة فقط          (الضوء الحار الخاطف/ أكثر من وهجة ستؤدي لا محالة إلى الموت)
         
                 خُضّ         (الرجّة/ الهزّة الخاطفة والعنيفة لدرجة إحداث الخوف والفزع)
                                         
يُوسُفـ/ـي
النبوة
هالة النور المنعكسة من وجه النبي
وهو يسير بين الناس لشدة قربه
من مركز نور السماوات والأرض.
النبي الحالم مالك زمام عالم
الرؤى والأحلام
والذي عشقته حد الجنون
واللعنة المرأة التي نشأ منذ
صغره في كنفها: “زليخة” زوجة “بوتيفار”.
                            
السؤال المُلح والمنبعث الآن من هذه العملية التفكيكية: “ياء” المتكلم في “يوسفي”, على مَن تعود؟ أو من هو صاحبها؟
إنها للشاعر ذاته، ولا أدل على ذلك من هذه المقاطع المقتطفة من القصيدة نفسها محطّ الدراسة:
“مُعَافَىً مِنَ التَّوَتُّرِ المَالِحِ
مُعَانِقًا سُكَّرَ الصَّلْصَالِ فِي مَدَارَاتِهِ؛
جِئْتُهَا ثَرِيًّا بِأَسْمَاءِ يَأْسِي،
وَقَاحِلاً كَأَحْشَاءِ قَمَرٍ عَقِيمٍ:
– مَنْ يَلِدُ الآنَ مَنْ؟
///
تَشَعْشَعَتْ صَرْخَةً كَمَوْجٍ يَتَوَالَى
غَسَلَنِي ارْتِجَافًا حَتَّى كِدْتُ أَهْوِي
لَمْ أَكُنْ أَدْرِكُ أَنَّ قَطْفَتِي قَطْفَتُهَا،
وَأَنَّي شَجَرَةُ اللَّيْلِ وَهِيَ ثِمَارُهَا،
وَأَنَّهَا تَائِهةٌ وَقَصِيدَتِي دَلِيلِي.
///
لُغَةٌ لِلُّغَةِ
صُورَةٌ صَافِنَةٌ كَمِنْقَارِ حُزْنٍ يَبْتَلِعُ انْخِطَافًا
شَبَكَةٌ لاصْطِيَادِ غَزَالةِ الأَقَاصِي
بِاسْمِهَا حَطَّ سُؤَالُ الأَزْرَارِ:
كَيْفَ مِنْ وَهْجَةٍ وَاحِدَةٍ خُضَّ يُوسُفِي؟
///
فِي مَرْفَأِ الذَّاكِرَةِ القُصْوَى
خَلَعْتُ نِعَالَ الصَّدَأِ عَنْ ظِلاَلِ قَدَمَيْ،
وَبُحْتُنِي عَلَى ظَمَأِ مَوْجَةٍ:
أَنَا الَّذِي كُنْتُ بِانْتِظَارِي
فَكَيْفَ الَّذِي جَاءَ.. هِيَ؟
///
لأَنَّ حِصَّةَ القَلْبِ
لاَ تَقْبَلُ الْقِسْمَةَ إِلاَّ عَلَى وَاحِدٍ؛
عَلَيْهَا
– أَنْزَلْتُكَ نَفْسِي،
وَأَلِدُكَ الآنَ مِنْ أَوْصَافِ رَحْمِكَ.”(27)

لا غرو إذًا أن بداخل كل شاعر أصابه ما أصاب “محمد حلمي الريشة” من العشق والحمّى, يسكن “يوسف” مع “زليخة” و”بوتيفار” و”سليمان” مع “بلقيس, و”بودلير” مع “جين دوفال”, ولا غرابة أن تجتمع في كل هؤلاء على التوالي؛ النبوة, والحكمة، والمُلك, والعبقرية، والجنون، والحزن, غير ناسين تلك الصفة الأنثوية المحمومة القاتلة الشبقة التي أثارت أكثر من غيرها هوس الشاعر وعشقه المسكون كالقصيدة بالغواية والفتنة والموت:
“المَرْأَةُ المُرَوِّضَةُ عَادَتْ تُطْلِقُ صَفِيرَ عَيْنَيْهَا بِاتِّجَاهٍ جَدِيدٍ، فَكَهْرَبَاءُ وَحْدَتِهَا؛ فَخٌّ فَاحِشٌ بِهَيْئَةِ حُزْنٍ مُدْمَعٍ. سَائِبَةً، الآنَ، تَخْرُجُ مِنَ انْشِطَارِ الرَّسَامِ شِرْيَانًا بَيْنَ جُرْحَيْنِ قَصِيَّيْنِ.”(28)

“أفْكَارُهَا شِرِّيرَةٌ، تُطْلِقُهَا غِرْبَانَ لَهْثٍ يَذُوبُ عَلَى تَمَدُّدِ جِلْدِهَا الجَافِّ؛ هذَا الَّذِي تُزِيلُ زَغَبَهُ دَائِمًا، لَعَلَّ وَعَسَى.”(29)

“حَتَّى لَوِ اسْتَطَاعَ تَجْمِيدَ أَعْضَائِهَا، سَيَبْقَى شَيْءٌ صَغِيرٌ،  بِحَجْمِ دُودَةٍ؛ دُودَتِهَا، يُشِيرُ مَثِيلَ بَوْصَلَةٍ إِلَى جِهَةِ الشَّرَاهَةِ.   

“المَرْأَةُ المِنْظَارُ، بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ، لَنْ تَرَى أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ سَاقَيِّ الفَرْجَارِ”.(30)

“بِهُدُوءٍ مَرِيضٍ؛ تُقَلِّبُ أَشْيَاءَهَا عَلَى نَارِ فِتْنَةٍ. بِصَخَبٍ كَاتِمٍ لِلْحَنِينِ؛ تُصَدِّعُ رَأْسَ حُلُمِي. لَمْ تَزَلْ تَشْنُقُنِي عَلَى بَابِ العِتَابِ بِحَبْلِ لِسَانِهَا المَجْدُولِ بِلُعَابِ عَنْكَبُوتٍ فَاشِلَةٍ.”(31)

“حَيَّةٌ
تَسْعَى إِلَى حَيْثُ تُلْقِي بِنَفْسِهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ؛ كَانَتْ تَبْتَلِعُ السُّمَّ نَفْسَهُ، وَلَوْ مِنْ ثُقُوبِ جِلْدِهَا.”(32)

“فَدَاحَةٌ
شَفَةٌ وَاحِدَةٌ مَنْفُوخَةٌ كَعُنُقِ ضِفْدَعٍ. نِصْفُ لِسَانٍ مُخْمَلِيٍّ عَلَيْهِ آثَارُ أَقْدَامِ قُبَلٍ عَابِثَةٍ. لُعَابٌ مُتَوَتِّرٌ قَابِلٌ لِلتَّكْرِيرِ فِي مَخْبَرِ تَجْرِبَةٍ تَالِيَةٍ. حَلْقٌ كَقَصَبَةٍ زُجَاجِيَّةٍ شَفَّافَةٍ مَشْرُوخَةٍ بِأَلْفَاظٍ حَادَّةٍ. تَوَقَّفْ؛ سَأُوْقِظُ (سَلْفَادُور دَالِي) مِنْ سَرَاحِ غَيْبُوبَتِهِ، غَيْرِ اللَّذِيذَةِ، كَيْ يَنَامَ أَبْعَدَ، بَعْدَ أَنْ تَرَاهُ هذِهِ اللَّوْحَةُ بِطَرَفِ عَيْنِهَا الوَقِحَةِ.”(33)

“اكْتَشَفْتُ
شَبِيهِي شَاعِرًا بِالفِطْرةِ، عَفْوًا بِالرَّائِحَةِ. قَرَأَ عَليَّ مَا كَانَ قَرَأَهُ: حِينَ أَنْهَى المَوْتُ جِنْسَ (فْرُويْد)، عَنْ ثَلاَثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَجَدُوا سُؤَالَهُ القَدِيمَ/الجَدِيدَ ذَاتَهُ عَلَى جَفَافِ حَلْقِهِ: “مَاذَا تُرِيدُ المَرْأَةُ؟”(34)

“عَرَفْتُ
 مِنْ هُدْهُدِ رِحْلَتِي اتِّجَاهًا خَامِسًا، وَمَا وَشْوَشَ (سُلَيْمَانَ) عَنْ زَغَبِ سَاقَيْ (بَلْقِيسَ) قَبْلَ أَنْ تُشَمَّرَ عَنْهُمَا.”

“تَحَسَّسْتُ
 ، بِغَوَايَةٍ، حَيَّةً لَوْلَبَتْ لِي مَدَّهَا مِرَارًا. غَيَّرَتْ أَمَامِي أَثْوَابَ لِسَانِهَا بِدَلاَلِ رِضَابٍ. تَلَوَّتْ وُقُوفًا عَلَى ذَيْلِهَا نَاتِئَةً رَفَّ مُؤَخَّرَةٍ كَأَنَّهَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ.. ثُمَّ وَسْوَسَ لِي شَيْطَانُها البَرِيءُ.”

“عَلِمْتُ
 خُبْثَ نَوَايَا (زلِيخَةَ) أَنْ لاَ تَتَّخِذَ مِنْ (يُوسُفَ) وَلَدًا، بَلْ أَجِيرًا لِجَسَدِهَا، ذلِكَ أَنَّ فِتْنَةَ الجَمَالِ المُتَفَرِّدِ، لاَ تُقْرَأُ بِحَاسَّةِ النَّظَرِ فَقَطْ.”(35)

إن كل هذا السفر التفكيكي لعنوان “بوهجة واحدة فقط خُض يوسفي”، وما رأيناه بعد ذلك من تداعيات نازلة منه، جرّتنا إلى قصائد وأبيات أخرى, ما هو في الحقيقة إلا تجسيد للمسار الشيق الذي تقطعه القصيدة وهي في طريقها إلى الشاعر؛ مسار لا يخلو من خوف وخطر, ومن وهج ورجّ, ومن عشق وذوبان، ومن فناء وانتظار لا ينقطع ولا يأتي بعده شيء؛ انتظار شبيه بانتظار “صمويل بيكيت” في رائعته “في انتظار غودو”، و”كفافيس” عبر قصيدته في “انتظار البرابرة”. فمن هو “غودو” هذا يا ترى؟ ومن هم هؤلاء “البرابرة”؟ كل ما نعلمه عنهم هو أن الشاعر، باعتباره الصوت الناطق للصامت فينا, ينتظرهما معًا مثلنا، فهل هو، أيضًا، ينتظر معنا الفراغ واللاجدوى؟ أو الحياة عبر القصيدة في زمن اليأس والقحط, وفي زمن يقضمنا بلا هوادة الواحد تلو الآخر، ويقودنا بدون رحمة نحو العبث والبطلان؟ إنها لُغزية القصيدة, لُغزية الحياة التي سنموت دون أن نحلّها، ويلتهمنا الدود، لنترك بعدنا كالشاعر “أحفادًا” و”أيتامًا” ينتظرون كما كنا نفعل, هذا الشيء الذي لن يأتي أبدًا!
لكن الأهم من هذا كلّه، هو أنه على عكس ما قد يبدو للقارئ في كون الحضور الأنثوي هو قرين الموت، والشبقية، والعتمة، عبر استحضار أوجه نسائية لم يُروّج التاريخ من صورتهن إلا هذا الجانب المادي, فإن الشّاعر كان أذكى من أن يسقط في مثل هذا الفخ؛ فامرأته الحاضرة في الديوان هي شقيقة القصيدة والحياة, بل هي القصيدة والحياة ذاتها، وهي النور بعد الظلام. هي حاملة سرّ الهمس والبوح, وهي ثراء الحرف, الحافظة لثمرة التجربة والخبرة الأبجدية. هي الحضور الشعلة الذي يقود كل من اكتوى بنار الإبداع نحو الغنى الحقيقي والمعنى الأصلي لكل الأشياء؛ المعنى الذي يحوّل برودة القمر وشحوبه إلى جزيرة من الوهج الذي يفيض حبرًا فوق الورق، ويصيره إلى قوارب تبحر في اتجاه الغيث والمطر. المرأة إذًا هي القوة الكامنة في الفراغ, وهي كينونة كل فضاء فسيح بين قطبين, وهي الذات التي تملك قوة تحويل الممكن إلى حقيقة تشع وسط عالم من الفوضى والخراب. إنها في النهاية بلا انتهاء فراشة الاستيقاظ الفجري نحو النصر والعزة بعد سفر شاقّ تجاه النور. إنها الفراشة التي تخرج من شرنقتها, كي تتحرر من شبقيتها ولعابها في اتجاه يوم جديد كامل ومكتمل تتحد فيه مع شجرة النبوة والحكمة والملك والشعر الأبدي!

(إيطاليا 07/12/2010)
إشارات:
(1) شاعر وباحث ومترجم. مواليد مدينة نابلس- فلسطين. نال درجة البكالوريوس في الاقتصاد والعلوم الإدارية، ودرجة البكالوريوس في الأدب العربي. عمل في عدة وظائف في مجال تخصصه حتى سنة (2000). انتقل للعمل في (بيت الشعر الفلسطيني)، وتفرغ للعمل الشعري. عمل محررًا ثقافيًّا. شارك ويشارك في عديد من المؤتمرات والندوات المحلية والعربية والدولية. ترجمت له عديد من النصوص الشعرية والنثرية إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والبلغارية والإيطالية والإسبانية والفارسية. يعمل مدير دائرة المطبوعات والنشر/رئيس التحرير في (بيت الشعر الفلسطيني). أعماله الشعرية: “كأعمى تقودني قصبة النأي” (2008)، و”معجم بك” (2007)، و”أطلس الغبار” (2004)، و”هاويات مخصبة” (2003)، و”خلف قميص نافر” (1999)، و”كتاب المنادى” (1998)، و”كلام مرايا على شرفتين” (1997)، و”لظلالها الأشجار ترفع شمسها” (1996)، و”ثلاثية القلق” (1995)، و”أنت وأنا والأبيض سيء الذكر” (1995)، و”الوميض الأخير بعد التقاط الصورة” (1994)، و”حالات في اتساع الروح” (1992)، و”الخيل والأنثى” (1980). كذلك صدرت له “الأعمال الشعرية” في ثلاثة مجلدات (2008). أعماله الأخرى: “مرايا الصهيل الأزرق- رؤية. قراءات. حوارات” (2010)، و”محمود درويش- صورة الشاعر بعيون فلسطينية خضراء” بالاشتراك (2008)، ونوارس من البحر البعيد القريب- المشهد الشعري الجديد في فلسطين المحتلة 1948″ بالاشتراك (2008)، وإيقاعات برية- شعريات فلسطينية مختارة” بالاشتراك (2007)، و”الإشراقة المجنحة- لحظة البيت الأول من القصيدة” بالاشتراك (2007)، و”شعراء فلسطين في نصف قرن” بالاشتراك (2004)، و”معجم شعراء فلسطين (2003)، و”زفرات الهوامش (2000). له في الترجمة: “لماذا همس العشب ثانية؟ مختارات شعرية من “مشاهدة النار” للشاعر كريستوفر ميريل (2007)، وبمحاذاة النهر البطيء- مختارات شعرية وقصصية (2010).
(2) السيدة الفنانة المعنية بالأمر هي التشكيلية الفطرية العالمية “فاطنة كبوري”. تتميز لوحاتها بجمالية و نشوة لونية خارقة. شاركت في أكثر من معرض فني سواء داخل المغرب أو خارجه في دول أوروبية كفرنسا, ألمانيا والبرتغال وأخرى عربية كالإمارات العربية المتحدة وتحديدًا في إمارة الشارقة.
(3) محمد حلمي الريشة, “قمر أم حبّة أسبيرين”, الجزء العاشر من قصيدة “بوهجة واحدة فقط خُضّ يوسفي”.
(4) القصيدة نفسها, الجزء السادس عشر.
(5) أوجه عناية القارئ إلى أشهر قصائد بودلير النثرية في عشق القمر وهي قصيدة تحمل عنوان: “أحزان القمر” في ديوانه “سوداوية باريس/قصائد نثرية قصيرة”.
(6) كقصيدة “ضوء القمر” لبول فيرلان والمأخوذة من ديوانه “أعياد نبيبلة”. للإشارة نشرت القصيدة في مجلة “لاغادزيت”, عدد 20 شباط 1867.
(7) كقصيدة “القمر” للشاعر فيكتور هيجو والمأخوذة من ديوانه “فن أن تكون جدًّا” الذي نشر سنة 1877.
(8) دانتي أليغييري, الكوميديا الإلهية, كتاب الجنة, النشيد رقم 23, البيتان 25 و 27.
(9) من أروع ما قاله الشاعر الإيطالي جاكومو ليوباردي عن القمر قصيدته الشهيرة “غروب القمر”.
(10) هذه العبارة وردت في الجزء الثاني من الديوان في قصيدة تحمل عنوان “رغوات داء الفرجار”, والفرجار هنا هو الشاعر الذي كالبركار لا يتحرك إلا كي يرسم خطوطًا ودوائر لعالم اسمه الحياة, عالم مليء بالفوضى والنظام وبكل أشكال التناقضات.
(11) ويقصد بها قصيدة “فوق ظل عباد الأمس”.
(12) وهي قصيدة “كؤوسي مليئة في حانة فراغها”.
(13) القصيدة المعنية بالأمر هي “إغلاق الخاتم ضد مذهول”.
(14) وفقًا للكيفية التي ترسم بها القاف عند أهل المغرب، حيث ترسم القاف بنقطة واحدة من فوق، عكس الفاء التي  تكتب بنقطة من أسفل.
(15) يرجى من القارئ الإطلاع على سورتي “القلم” و”ق” من المصحف الشريف, كما يقترح عليه تصفح ما قاله الجنابذي عن القاف في تفسيره بيان السعادة في مقامات العبادة من كون هذا الحرف قد يكون المقصود منه اسم لله عز وتعالى شأنه، أو للنّبىّ (ص)، أو للقرآن، أو للجبل المحيط بالدّنيا، وهو من جبال عالم البرزخ، أو المثال، أو عالم البرزخ نفسه لأنّ خلفه عالم المثال.
(16) انظر الومضة رقم 23 من قصيدة “إبر معقوفة باتجاه أسفي” في القسم الثاني من الديوان.
(17) الشاعر الفرنسي, العرّاف الملعون “أرثور رامبو”, لم يكن يرمي في هذا الجزء إلى مفهوم “البحر اللّبني اللون” حسبما اعتقد العديد من السادة المترجمين الأفاضل الذين سبقوني إلى ترجمة هذه القصيدة المغرقة في الصعوبة والاستحالة, ولكنه كان يقصد به “مجرة اللبانة” بأكملها, خصوصًا أن جزءًا لا يستهان به من هذه المجرة يمكن للمرء رؤيته وبسهولة في الليالي الصافية وكأنه طريق أبيض من اللبن بسبب النور الخافت الممتد في السماء نتيجة للملايين من النجوم السماوية المضيئة بها والتي تبدو رغم بعدها اللانهائي كأنها متراصة الواحدة بجوار الأخرى, الشيء الذي يدعم ويؤكد ما ذهبنا إلى اقتراحه على القارئ الكريم من ترجمة, لاسيما وأننا نعلم  بأن “آرثور” حتى الفترة التي كتب فيها القصيدة لم يكن بعد قد رأى البحر في حياته, وفق ما قاله الناقد “ستيف مورفي” في الصفحة 25 من كتابه “رامبو داخل النص” والصادر سنة 2006 عن منشورات جامعة تولوز ميراي. فالبحر الذي يقصده الشاعر هو القصيدة المجرّة القادمة من المستقبل وهي المجرة التي يهيم فيها “رامبو” ويجمع بداخله كل ما عاينه وعايشه كسائح داخل الأنساق وكشارد واعٍ ومتيقظ في كل مكان منها راغبًا في أن يتقاسم نورها ووهجها مع عالم الناس, عالم أراد منذ بدايته الشعرية أن يثور عليه ويخلق بداخله انساقًا جديدة  وهو العالم الذي مثله في قصيدته هذه بالقارب الذي أراد أن يغرق ويحترق وتتحطم كل هياكله العتيقة التي أكل عليها الدهر وشرب متطلعًا بهذا إلى عالم جديد من الإبداع سواء في الشعر أو النثر, لكن هيهات هيهات, فـ”رامبو” نفسه اكتشف وفق ما قاله “غابريال بونور” في “صمت رامبو”, بأن الشعر لا يمكن أن  يفلح وذلك وبلا أدنى شك بسبب من عائق محتوم وثيق الصلة ببنية هذا العالم, وإلا ما كان ذاك المارد الذي رافق “رامبو” منذ ولادته بأن يصب جام غضبه ولعنته على الشاعر ويقول له: “وُلدت في منتصف قرن الجحيم هذا, ابنًا لعرق ملعون, عسكريًّا وفلاّحًا… قصائدك المتخاتلة والتي تهفو إلى تغيير الحياة سيُحكم عليها بالفشل, إنها لن تسمع وبالكاد ستُنشر, وأنت نفسك سترمي بها إلى النار أو تجهر بإدانتها! متوحّدًا ستعيش ولن تكون مفهومًا في حياتك أبدًا, لا من لدن رفاقك وأساتذتك ولا من لدن شعراء باريس أو المجهولين الذين تلتقيهم في الطرق وطويلاً كذلك بعد موتك! لن تفلت من اللّعنة بأن تتمرد عليها أو بأن تهرب من بيتك وتمتنع عن الدرس, أو تتخفى في بزّات عسكرية, سأعرف أن أميّزك! أبدًا لن تعرف لأي شيء ستنذر حياتك, قوتك, رغبتك، وثْباتك, سترحل دون أن تعرف إلى أين أنت ذاهب. طوال عمرك ستختفي في الصمت الذي لا يزحزح صخرته أحد. عبثًا ستجتاز أوروبا مدفوعًا بمختلف التعلاّت, سائرًا في اتجاه القطب الشمالي, مبحرًا على ظهر جواد في الجبال الإفريقية لتعود إلى الشرق وتدع وجهك يسمر مسفوعًا بالشمس, تتحدث وتتزيّى كعربي وتجعلهم ينادونك بـ “عبده رنبو” فهناك أيضًا ستلقاني, غنني سأنتظرك, ولأنك غاليت في المشي على قدميك, فسأجعل إحدى ساقيك تبتر, ولأنك طلبت الكثير من الحياة, فسأجعلك تموت وأنت في السابعة والثلاثين, ولأنك رمت المستحيل فسأجعلك تعرف على الأرض أفظع عذابات الجحيم, اليأس كلّه” (أنظر الصفحة 30 من ” أرتور رامبو/ الآثار الشعرية” للمترجم والشاعر الأديب العراقي كاظم جهاد والصادر سنة 2007 عن دار آفاق للنشر و التوزيع).
(18) “انتبهتُ
             إلى مسار البؤس يأخذ بيأس, إلى أن أفقد ما وجدته,
             وقد كنت شاهدت معها أمس
             مستقبلاً أرهقه الأمل”. الجزء 23 من قصيدة: إبر معقوفة باتجاه أسفي”.
(19) “… Le Poète se fait voyant par un long, immense et raisonné dérèglement de tous les sens. Toutes les formes d’amour, de souffrance, de folie; il cherche lui-même, il épuise en lui tous les poisons, pour n’en garder que les quintessences.
Ineffable torture où il a besoin de toute la foi, de toute la force surhumaine, où il devient entre tous le grand malade, le grand criminel, le grand maudit, – et le suprême Savant! – Car il arrive à l’inconnu! Puisqu’il a cultivé son âme, déjà riche, plus qu’aucun ! Il arrive à l’inconnu, et quand, affolé, il finirait par perdre l’intelligence de ses visions, il les a vues! Qu’il crève dans son bondissement par les choses inouïes et innommables: viendront d’autres horribles travailleurs; ils commenceront par les horizons où l’autre s’est affaissé!” 
(20) أي البيت رقم 25.
(21) هذه الجملة لـ “شربل داغر”، وقد تبثها الشاعر تحت عنوان القسم الأول من الديوان.
(22) هذه الجملة هي لـ “جين دوفال”، وقد استهل بها الشاعر قصيدته “بوهجة واحدة فقط خُض يوسفي”.
(23) وهي جملة مثبتة خاصة بقصيدة “فوق ظل عباد الأمس”.
(24) خاصة بقصيدة “كؤوسي مليئة في حانة فراغها” وهي لـ “فالتر هلمون فريتز”.
(25) تتعلق بقصيدة “إغلاق الخاتم ضد مذهول”، وهي لـ”إستيفان ملارميه”.
(26) انظر: “بودلير ناقدًا فنيًّا” لـ د. زينات بيطار في طبعته الأولى الصادرة سنة 1993 عن دار الفارابي بلبنان، و”الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر” لـ د. عبد الغفار مكاوي والصادر عن الهيئة العامة المصرية للكتاب سنة 1972.
(27) مقاطع من قصيدة: “بوهجة واحدة فقط خض يوسفي”.
(28) الجزء الرابع من قصيدة “رغوات داء الفرجار”.
(29) الجزء العاشر من القصيدة نفسها.
(30) الجزءان الثالث عشر والرابع عشر من القصيدة نفسها.
(31) الجزء الثامن والعشرون من القصيدة نفسها.
(32) من قصيدة: “إغلاق الخاتم ضد مذهول”.
(33) من القصيدة نفسها.
(34) من قصيدة: “أجاص خبث شبيهي”.
(35) مقاطع من قصيدة: “إبر معقوفة باتجاه أسفي”.

شاهد أيضاً

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

المرآة والعري قراءة في رواية (ذهاب الجُعَل الى بيته)
د. قيس كاظم الجنابي

-1- ولد الدكتور فرج ياسين، في مدينة تكريت (ولادته 1946م) ،ترك الشعر واتجه صوب القصة …

شوقي كريم حسن: اسماعيل سكران… اطر السرد النفسية!!

*حين حطت عوالم السبعينيات من قرن المواجع، وقف الولد الواسطي يتأمل مايمكن ان يحدث من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *