الرئيسية » ملفات » أ.د. نادية هناوي سعدون : الدكتور علي الوردي ناقدا (ملف/11)

أ.د. نادية هناوي سعدون : الدكتور علي الوردي ناقدا (ملف/11)

إشارة : 

احتفاءً ومراجعة ونقدا للأفكار الجريئة والريادية للمفكر العراقي الدكتور (علي الوردي) الذي وصفه (جاك بيرك) في كتابه (العرب: تاريخ ومستقبل): (الوردي كاتب يحلّق إلى العالمية بأسلوبه الذي يضرب على الأوتار الحساسة في المجتمع، مثل فولتير)، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي بنشر حلقات ملفها عنه. لقد سبق الوردي بأطروحاته الكثير من المفكرين العرب، وتناول موضوعات صارت تُطرح الآن كأنها معطيات حديثة، علما أنه طرح أغلبها في مرحلة الخمسينات، وقد تجاهل الباحثون العرب أطروحاته بعد أن غرفوا منها ولم يعودوا بحاجة إلى ذكره. وهذا كتاب الباحث المعروف (هشام شرابي) الأخير (نقد الثقافة الأكاديمية) يذكر فيه أسماء وجهود باحثين في علم الإجتماع في الوطن العربي- بعضهم مغمور لم نسمع به أبداً- من المحيط إلى الخليج عدا الدكتور (علي الوردي). تحية إلى روح المفكر الثائر علي الوردي.

الدكتور علي الوردي ناقدا

أ.د. نادية هناوي سعدون 

*ناقدة وأكاديمية عراقية

ينطلق الدكتور علي الوردي في ممارسته لدور الناقد الأدبي من أساس فلسفي قوامه الجدل والمناظرة من دون تعسف او استبداد..

وهو يعرض لآراء خصومه ثم يقوم بالرد عليها واحدة تلو الأخرى ، بطريقة علمية تأسيسا على مسلمة اجتماعية ترى ان (من شروط التطور أن يظهر إزاء كل ناجح من ينتقده ويعترض عليه وبهذا يحدث التنازع الاجتماعي الذي يدفع الناس نحو الحركة النامية ).

وكان الدكتور عبد الرزاق محي من الدِّ خصوم الوردي وقد اخذه عليه خوضه في مفاهيم (المعاني والبيان والبديع) من دون ان يدرك حدودها .. وان دعواته النظرية ليس لها جديد الا الفضولية ، وانه لا علم له بمناقشة مسائل مثل الاملاء والنحو وقضايا اصلاح اللغة …

وما كان من الوردي، الا ان يتبنى المجادلة النقدية الفلسفية طريقا منهجيا بغية معالجة القضايا ومناقشة النظريات مستلهما الخزين المعرفي الذي كونه بقراءاته المتنوعة ذات الامتدادات المرجعية الواسعة.

وقد اعانه هذا على جدال اولئك الذين اتهموه بانه كان متطفلا في نظرته للشعر العربي رادا المزاعم في” أن ناقد الشعر يجب ان يكون قبل كل شيء شاعرا” قائلا :”هذا لا اوفقه عليه ولست اعتقد ان هناك كثيرين من الناس يؤيدنه فيه ” أسطورة الأدب الرفيع/51.

ولان اغلب مقالات محي الدين لا تخلو من تجريح وانتقاص وربما انطوت على تحامل لا يخلو من ضغينة لذلك مال الوردي في بعض الردود والمجادلات الى الانفعال والرد بالمثل .

ومن الطبيعي في مثل هذه المواقف ان يكون الزمن وحده كفيلا بمحو الصدأ والارتفاع بها لكي تبلغ حقها من التقدير والاستيعاب والفهم .

وكان التزامه الرؤيوي حول العلاقة الجدلية بين الأدب والاجتماع هو الذي دفعه إلى تبني الجدال طريقا لرد التهم وتجاوز الصغائر وفي ذلك يقول:” أن للشعر ناحتين فنية واجتماعية وهو في ذلك لا يختلف عن أي شيء من شؤون الحياة فالقصيدة الشعرية هي قبل كل شيء قطعة فنية انما هي بالاضافة الى ذلك ظاهرة اجتماعية لها مساس مباشر بما ينشأ بين الناس من صلات التعاون والتنازع “.

وأن اجتماعية الشعر تيسر للباحث الاجتماعي ان يحلل القصيدة من حيث علاقتها بالمجتمع الذي ظهرت فيه دون ان يتطرق الى ما فيها من صفة فنية اذ هو يترك ذلك للمختصين من الادباء.

ولهذا أدان الوردي أولئك الأدباء المعاصرين الذين ابدوا اعجابهم بعبقرية البحتري والاخطل وابي نواس او بالادباء الذين يتزلفون الى السلاطين ، واجدا ان الشعر القديم اختص بظواهر اجتماعية ثلاث هي (مدح الظالمين ووصف الخمرة والتغزل بالغلمان )

وعلى الرغم من انبهاره بالمنهجية الاجتماعية فان جداله الفلسفي لم يدفعه إلى تغليب الاجتماعية على الادب او بالعكس وعنده ان الادب والاجتماع وجهان لحقيقة واحدة هي الطبيعة البشرية 

وهذه العلاقة بين الأدب والحياة دفعت الوردي إلى ان ينفي ان يكون للانسان وجود من دون أدب، شريطة أن يكون متحررا من السلطة وان المهم المجموع لا السلطة.. وان من يكتب في سبيل الشعب ينبغي أن يحترم فعهد السلاطين مضى وحل محله عهد الشعوب .

وان على الأدباء” أن يكونوا في الناس امة وسطا فلا يتزلفون إلى المترفين ولا يخاطبون غرائز المراهقين إذ أن لهم وظيفة في الحياة كبرى وهم قادرون أن يقدموا للناس ما ينفعهم ويلذ لهم في آن واحد “

وفي إطار الجدل الفلسفي وبسبب بحثه عن الحقيقة فقد بدا في بعض مجادلاته حكما وخصما معا وقد نراه ينهي مقالته بقصة قصيرة فيها مفارقة ساخرة او بمثل فيه كناية تحمل دلالات بعينها ومن ذلك مثلا ما تضمنته احدى مقالاته عن صياد اشترك مع زميل له ضعيف في صيد ارنب وغزال؛ فقاسمه قائلا :” انما انت اردت الارنب فخذ الارنب وانا اردت الغزال فخذ الارنب وتلك اذن قسمة ضيزى.

وقد تصب الحكاية المضمنة في خاتمة مقالاته في باب تشبيه حال بحال مثل”” تلك الدبة التي ارادت ان تطرد الذباب عن وجه صاحبها فقذفت وجهه بالحجر وقضت عليه وهي لا تدرك ان الذباب اقل ضررا بصاحبها من الحجر”

ويلتزم الدكتور الوردي في مجادلاته الفلسفية بمناصرة خط التجديد والتحرر في النظر الى القضايا الكلاسيكية التي كانت قد اضحت من مسلمات النظر النقدي معارضا المخالفين والمناوئين ممن يمجدون تلك المسلمات ولا يقبلون المساس بالثوابت التي انتهى الجدال فيها .

وعلى الرغم من اهتمامه بالرد على هؤلاء المخالفين الا انه لا يوثق مجادلاته ولا يذكر لنا زمان الخصومة بالسنة او بالشهر ولا يحدد مكان نشر ذلك الجدال أكان في مجلة أو صحيفة أو كتاب ..؟! 

وغالبا ما تكون خاتمة مناقشاته ومجادلاته مجموعة من النصائح والتوجيهات التربوية مثل نصيحته لطلاب الأدب ” أن يفهموا أن الأدب هو كأي فن من فنون الحياة يحتاج الى الموهبة اولا والى الاطلاع ثانيا والى المثابرة ثالثا .. اما تعلم القواعد والعلوم اللغوية العتيقة فلا فائدة منها لطالب الادب لعلها تضره وتفسد موهبته . ان من يريد ان يكون اديبا بدراسة تلك العلوم العتيقة هو كمن يريد ان يكون طبيبا بقراءة كتب جالينوس والرازي وابن سينا “

وقد تخللت نهجه الفلسفي بعض الانطباعات التي بدت مخالفة لمساره في الجدل والمناظرة ولكنها تنطلق من حقيقة ان الكتابة فن كسائر الفنون والاجادة فيها تنتج عن المران والموهبة اكثر مما تنتج عن حفظ القواعد والتزام القيود

ولقد كان الدكتور علي الوردي رحمه الله مفكرا حصيفا وقارئا ناقدا للواقع والحياة وهذا ما اتاح له ان يضع تصورا عميقا لرؤية العالم مطبقا اراءه الاجتماعية على ما حوله من ظواهر وكثيرا ما اوصله هذا الحال الى السجال والجدال احيانا او الى التمادي على بعض الثوابت والمسلمات احيانا اخرى.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *