نصير الشيخ : مساقط الظل…..سيرة شعروموقد رؤى

مساقط الظل…..سيرة شعروموقد رؤى

نصير الشيخ

1

     هل عوالم الشعر تمنحنا فضاءاً  من المرح الطفولي الذي يصل بنا حد الجنون ، أم ان عوالمه غير معنية بتحقيق المسرة للمرء ؟

هذه المساءلة جعلت الروح بمواجهة حاسمة مع ما حولها وقد شكلت بمفردها مركز استقطاب العالم باتجاه الموضوع أي الحياة . . وبدرجة أقل الواقع بتفصيلاته وتفرعاته واحلامه وهمومه . وببسالة نادرة لامست الحرب فتوة الشعر لدي فكنت مثل آخرين من العراقيين الذين كانت قصائدهم تتطشر حروفها عند الخنادق ،وعنوانات محبتهم تتقاذفها الثكنات ،حتى بدا كأنهم كتبوا أناشيدهم تحت سقف الحرب . . لكنهم يغذون خطاهم على طرق المعرفة  فكان اطلاعهم الثر على الشعر العالمي في تراجمه مما أدى إلى انعكاس كبير في مديات تأثيره في النص الشعري الثمانيني . 

وجاءت تسعينات القرن العشرين بانكساراتها وحصارها المفترض . هذا الأمر قد أوجد عزلة كبيرة بين ما تتوق إليه النخب المثقفة وقوافل الشعراء والأدباء والنقاد إلى كل ما هو جديد ومتعدد الثقافات ومنفتح على  الآخر وبين ما أوجده عقد من سنين عجاف بكل ظروفه ويوميات بؤسه أرى أن أعظم الروايات قد تقصر عن لم فصوله . لذا فإن انعكاسات الظرف التاريخي ذياك لابد من أن تنبت جيلاً من الشعراء الذين يشكلون متحسساً لفاعليتهم عبر ذلك الواقع الضاغط الذي أتى  على كل شيء وطال كل شيء . . فكانت القصيدة ” اليوميــة ” . إنها نمط فني كتابي استوعب من خلاله الشاعر التسعيني صدمته امام هول وقائع الحياة آنذاك ودراميتها . فأي جمال تكتب عنه والطفولة تمزقها الأمراض الغريبة وتغمض عينيها مساءلة الرب في العلى عن أي ذنب اقترفت ، وأية قصيدة تستوعب كل هذا الحزن العراقي  وهو ينمو كشجرة يوكالبتوس في كل بيت !

ازاء هذا التشظي في المشهد الإنساني برمته دخل النص الشعري مناطقه المحرمة يسكنه روح التمرد وتغلفه سخرية مريرة معتمداً المفارقة وصولاً وبإصرار من نوع خاص على أن الشعر خلاص استثنائي . ولكن ألا تبغي القصيدة الظهور المرئي ؟ ألا يحق للنص أن يسافر من مرفأ الذاكرة والقلم إلى مديات اوسع قلباً وأكثر حرية . وبما أن المؤسسة الثقافية مشغولة بإطراء خطاب السلطة ، لذا كانت فرصة طبع ديوان شعر /  قصيدة نثر خالصة دونما تعبوية يبدو أمراً غاية في الصعوبة إن لم يكن مستحيــلا . لكنما تحت الأرض المجدبة – أحياناً – ثمة مياه جوفية ، منابعها في اللاهنــاك . . هي جذوة الشعر المتقدة في موقد شعراء المرحلة تلك والتي تمسك بالنواصي صوب حافات الجنون . لذا كان للبدائل طعم آخر في إيجاد مكانته التي لا تُمحى عن جسد الثقافة العراقية ، فكان التعويض عن بهرجة الكتاب الذي تطبعه مؤسسات الثقافة والأعلام آنذاك وذلك بإيجاد حاضنة ” الإستنساخ ” . .  أي أنك  وبعد احتراقاتك ومكابداتك في كتابة الشعر وما يدور في مداراتها تقدمها على طبق من ألم إلى ( دائرة الرقابة العامة / الطابق الثامن ؟ وزارة الثقافة والإعلام ) التي قد حُلت  . ومن بعد شهر تحديداً تأتي لمراجعة هذا الدائرة للسؤال عن نتيجة صلاحيتها والتي من المفترض أن يكون ” الخبير ” قد أعطى رأيه فيها ، وأنت لا تعرف من هو الخبير . أهو صاحب الكرش والصلعة اللامعة أم هو ذو الشارب الكث والزي الزيتوني ؟ في كل الأحوال ، كنا على اتفاق من أن حضرته لا يفقه نصك الشعري الذي ينتمي إلى الكتابة الجادة المكتنزة بالدلالات المغيبة والمعاني الغائرة والرموز المخاتلة ، لذا يظل ” تأويله ” خارج نطاق التوقع  وما يقوله قلمه وهو يهوي كالفأس على صفحات مخطوطتك بما شاء له الهوى من شطب هذه الجملة وتغيير تلكم المفردة بل واعتراضاته تطال حتى عنوانتك . تعود  ، ولو كتب حتماً الموافقة عليه ، لتدخل في رسم ميزانية مالية لتغطية

نفقات انجاز هذه المخطوطة . على المستوى الشخصي ، كانت لي تجربة لا تخلو من عناء والبحث عن أقل الخسائر المادية . انجاز مثل هكذا مشروع  يعني لي الكثير ويبصم أثراً طيباً في مساحة الشعرية العراقية . كان العام 1997 /ايلول صدور ديواني الشعري الأول ( مساقط الظل ) ، بغداد ، عن دار ( نصوص ) وبمعدل ( 100 ) نسخة من القطع الصغير وبكلفة أكثر من ( 75 ) ألف دينار عراقي في زمن الحصار . كنت حينها أقتطع بعضاً من المبالغ من مرتبي الشهري المتواضع . وحين خرج الديوان إلى النور ترقرقت دمعة من عين صديقي ومصمم الغلاف        ( فائق العقابي ) الذي قال لي : ” إنني أشهد الآن ولادة مفرحة مثلما شهدت قبل عام ولادة ابني ( محمد ) “. كان الأمر بحد ذات انتصاراً فلقد أطاح بكل معوقات العمل ، وبدأت بتوزيعه ” مجاناً ” بالتأكيد على اصدقائي الذين يقتسمون معي لعنة الشعر ، وعلى النقاد والمهتمين بصنعة المتخيل وعلى أحبتي وعائلتي ، لكني لم استطع اللحاق بقطار الزمن الذي أقل المرأة التي ألهمت قصائداً ضمها الديوان لأهديها النسخة الأولى . ( مساقط الظل ) كُتب بأبجدية  الحضور الفاعل للذات في مساحة الشعرية الشابة إذ تناولته اقلام النقاد واخبار الصحافة بالإطراء وسلطت عليه الضوء  إذاعة ( مونت كارلو ) وبعرض شيق بصوت الاذاعي المعروف ( سعد المسعودي). 

لذا يصح السؤال : ” أيستحق الأمر كل هذا العنـــاء ؟ ”

2

ــ من هنا كان لابد من منجز يكشف هذا الجهد الشعري ويأتلف في مصفوفة كلامية تشكل ثريا الشخصية الكائنة ((شاعر)) بالنسبة لي وهي بالتالي شعلة اولى تضئ دربا قد يطول وقد يقصر… من هنا كانت ((مساقط الظل)) حيزاً شعريا خضع للكثير من التروي وحسابات الذات وقدم كشفا واضحا لتلوينات شعرية اكتست بها نصوص المجموعة، ودفعت الى الأمام مجمل الرؤى التي تجذرت عبر استيعابها الذات وهمومها وتوهجاتها ممتزجة بمتغيرات الواقع ورؤى العصر.

تدعيم الإشهار بعد صدور المجموعة ((مساقط الظل)) ياتي عبر محبرة الشاعر الناقد{ماجد الحسن} عبر توصيفه هذا ((تلك اذن لحظة نصير الشيخ الشعرية في مساقط الظل، لحظة لايمكن تجريدها من وثائق الذاكرة والتي تنصهر بلغة متعالية في تصاعدية التجربة الذاتية،وهذا التصاعد امتداد مشروط بخزين معرفي ونسق جمالي)).

ولأن مصفوفة الكلمات التي هي رص اللغة بتوازن شاق وربطها بخيط دقيق يشكل ناظما دلاليا، هي ماحاولت ان تكونه ((مساقط الظل)) وبكل ماانطوت عليه من تقنيات كتابية تنقلت بين الهمس والبوح الشعري صعودا لمفصل التجريب الكتابي وامتياحه من الكتابة الجديدة ومهادها {قصيدة النثر} لكنها لم توقع على منفستو قصيدة النثر، واحالت اعلانها الى شكل الشعر العابر لمسمياته….!!!

لتلتمع اشارة من عقد نصوص المجموعة هي نص ((حجارة باردة)) في حيازته لذائقة متلقِ يتعرف على تجربة شعرية تقدم نفسها لتلحق بها اراء نقدية دعّمت شكلَ الكتابة وشعرية النص النابضة بالكثير من الوقائع الإنسانية عبر متلازمة ارتكزت على مفردة{سأنسى} دعمت من اختياره منطقة رخوة لموضوعته الشعرية، معمقا بناءه الشعري، غزيرا في دلالالته، وهي بالتالي {تشكْلْ} من اقانيم عدة، ليس اولها ارتكازات الشاعر على ثيم متجددة انسكبت في الرؤية الشعرية لدي.في اشتقاقات استبصارية حاول هذا النص تفجير مكنوناتها، ولأني اخترت منطقة اشتغال شعري جعلني وسطا في خضم الحضور المدوي للجيل التسعيني ومنتجه النصي الجسور وهو يوجه الضربات المتواصلة لتكلسات الواقع واسقاطاته السياسية في عقدِ من سنواتٍ ذبحت جمالاتنا وامنياتنا من الوريد الى الوريد…….كنت اتماسك شعوريا لعدم الأنجرارلكتابة تأخذ شكل {المنشور السياسي} احيانا… واحيانا اختيارها لغة مغرقة بالغموض حد الهذيان….. كل هذا قابضا على جمرة الشعر وهي تستعر في موقد رؤاي وقناعاتي وحيزي الثقافي الذي اعمل فيه جاهدا لقراءة المشهد برمته (سياسيا وثقافيا وإعلاميا ربما) ومنعطفات اخرى تجد ندوبها على جسد النص الشعري العراقي في امتحانه التسعيني العسير.

من هنا وجدت نفسي في عوالم الكتابة الشعرية، لأختار بعدها الشكل الذي يمثل نصي او قصيدتي،،ومساقط الظل هي ليست منزلة بين منزلتين، انما هي تجربة قائمة بذاتها اكدت في حينها/ وعي اشتغالي الشعري/ وجدية مسعاي كي اكون حاضرا لأنتمائي لفضاء الشعر، عابرا للأزمنة والمسميات، لا رقما بحساب التصنيفات النقدية…..!!!

مساقط الظل التي رات النور صيف 1997 ،جاءت مكتنزة بكل ماهو انساني ، كأفق يتجدد في رؤى الشاعر، ومشحونة بصور وتراكيب شعرية مغلفة بإحساسات جمالية عبرت عنها فرادة المفردة ونحت الصورة الشعرية التي هي (أس) اشتغالي وهي تتدلى عناقيد رؤى ومعانٍ،، مباعدة نفسها عن الأنجراف في المجانية واقصد ((استسهال الكتابة)).!!! اوهذيانات لكلام لايلتم على صراخ متقطع او جرح كبير بحجم وطن ينزف….. 

واعتقد جازما ان لكل تجربة شعرية لابد هناك من ((اقانيم)) تشكل ارتكازات الشاعر ورؤيته الى العالم عبر مد نسوغه لجغرافيا الأرض كواقع معاش، والدفع باستبصاراته نحو عوالم جديدة ((تتخلق)) من خيالاتٍ وحدوسٍ…..وتبقى المراة في طليعة هذه الأقانيم الشعرية، بل والمؤسسة لخرائط نصوص ((مساقط الظل)) وبكل ثقلها الوجودي/الفيزيقي ـــ والمثالي /الرمزي…وانواجدها هنا في نصوص المجموعة بعد انتظار آسرفي الحيزالحياتي لي….شاعراوانسانا. بل هي دخلت اروقة مثالاتي الشعرية خامة رئيسة ، معنى ينسرب ويتماوج بين طيات الكلمات ليضئ ذكرى عابرة،او لحظة حب تفجرت ذات ضحى، اورغبة عارمة قمعت لجسد مرَ ولم يترك في خيالات الشاعرومساماته سوى النصال…..!!!

5.4.2017

 
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : مناحي التميّز وطرائق اشتغال السرد في رواية “اوراق لخريف أحمر” للروائي تحسين علي كريدي .

ترتبط طرائق السرد ارتباطا وثيقاً بنظام ترتيب احداث القصة والتقنيات الزمنية المستجدة والتي تختلف طرائق …

| غانم عمران المعموري : الفعلُ الزمنيُّ ولحظة القبض على السياق في رواية ” البدلة البيضاء للسيّد الرئيس” للروائي  والشاعر والناقد علي لفته سعيد .

اتخذت الرواية العراقية التجديدية اتجاهاً حداثوياً متمرّدًا على القوالب الجاهزة والأُطر الضيقة والأفكار الغربية الدخيلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *