الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » د. علي القاسمي : طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات
(19) عفيفة إسماعيل البستاني، أستاذة علم النفس، والوسواس

د. علي القاسمي : طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات
(19) عفيفة إسماعيل البستاني، أستاذة علم النفس، والوسواس

إشارة:
“صيّاد اللآلىء” وهو عنوان أحد الكتب المهمة الكثيرة والمتنوعة (أكثر من 50 كتاباً) للمبدع الكبير العلامة الدكتور علي القاسمي ينطبق عليه في كتابه الجديد هذا “طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات” ، ففد اصطاد لنا القاسمي من بحر ذاكرته الزاخر وسيرته الحياتية العطرة المكتنزة بالتجارب هذه الذكريات التي تمتزج فيها متعة القراءة بعِبَر التجارب الحياتية البليغة. وقد تكرّمت روحه النبيلة بنشر هذا الكتاب متسلسلاً في موقع الناقد العراقي. فتحية كبيرة له من أسرة الموقع متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد وحفظه الله ذخراً لثقافة وطننا العراق العظيم.

(19)

عفيفة إسماعيل البستاني، أستاذة علم النفس،
والوسواس

كنتُ أستاذاً في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في العام الدراسي 1972ــ 1973. ولكن الكلية أُغلِقت بسبب الظروف السياسية المضطربة بعد الانقلابيْن العسكرييْن الفاشليْن. ولم أرتضِ لنفسي الاستمرار بقبض مرتَّبي وأنا لا أفعل شيئاً، ولهذا حصلتُ على عمل في جامعة الرياض. وقمتُ بقيادة سيّارتي من الرباط إلى الرياض صيف سنة 1973، وأنا أحمل فيها صناديق كتبي المرجعية، وأرسلتُ زوجتي بتول وولدي حيدر بالطائرة إلى الإسكندرية حيث تمضي عائلتها العطلة الصيفية، تجنيباً لهما عناء السفر بالسيارة.

في الطريق من الرباط إلى الرياض، كنتُ أمضي الليل في إحدى المدن وأقود السيّارة طوال النهار. أمضيتُ ليلةً في مدينة فاس المغربية. وفي الصباح الباكر انطلقتُ بالسيّارة في اتجاه مدينة وهران الجزائرية. وكان لديّ عنوان الأستاذة الدكتورة عفيفة إسماعيل البستاني، عمّة زوجتي، فقد كانت أستاذة زائرة في جامعة وهران.

كانت الدكتورة عفيفة إسماعيل البستاني من رائدات الحركة النسوية في العراق، ودرست التربية وعلم النفس في الولايات المتحدة الأمريكية وحازت شهادة الدكتوراه. وقد درَّستني علم النفس التربوي في كلية التربية ببغداد عام 1959ـ1960. ولكنّها فقدت وظيفتها واضطرت لمغادرة العراق بعد انقلاب 1963، وعملت أستاذة جامعية في موسكو وبكين ووهران. ولا أظنُّ أنها كانت تتذكّر اسمي عندما أخبروها وهي في المنفى بأن ابنة أخيها بتول عبد المجيد إسماعيل البستاني قد تزوجت رجلاً اسمه علي القاسمي.

عندما وصلتُ إلى البناية التي يسكن في شققها عددٌ من الأساتذة العراقيّين الزائرين في جامعة وهران، التقيتُ بالدكتور ضياء الدين الجبوري، أستاذ الأدب الإنجليزي، وهو شقيق الأستاذ علاء الدين الجبوري، أحد أساتذتي في كلية التربية ببغداد، وفرحتُ برؤيته. وقد كان كثيرٌ من الأساتذة العراقيِّين يدرّسون في الجامعات الجزائرية بعد استقلال الجزائر.

أرشدني الدكتور ضياء الدين الجبوري إلى الشقَّة التي تسكن فيها الدكتورة عفيفة، فوجدتُ هناك ابنتها. عرّفتها بنفسي فرحّبت بي. وقالت لي إن أمَّها الدكتورة عفيفة على وشك العودة إلى المنزل. وبينما كانت تقدّم القهوة لي، رجتني أن لا أصافح أمَّها عند رجوعها ولا أقبّلها، لأنها تتحاشى ذلك، بل تغسل يديها بعد كل مصافحة تضطر إليها.

عندما وصلت الدكتورة عفيفة، وقفتُ لتحيتها وقد وضعتُ يديّ خلفي لئلا أصافحها. وما إن رأتني وتذكَّرتني حتى أخذتني بين ذراعيها وقبلتني بحنان كبير، وأنا مكتوف اليديْن. ألقيتُ بنظرة ذات دلالة استفهامية استنكارية على ابنتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *