جمال المظفر : تقنية النص في ( ازدهارات المفعول به ) و ( علامتي الفارقة ) للشاعر سلمان داود محمد (ملف/3)

إشارة :

سلمان داود محمّد – وببساطة شديدة جدا ولكن معقّدة – هو “عاهة إبليس” في المشهد الشعري الراهن ؛ العراقي  – وحتى العربي لو هيّأ له الأخوة النقّاد “الأعدقاء” فرص الانتشار. وكمحاولة في إشاعة فهم بصمة روحه الشعرية المُميزة الفذّة التي طبعها على خارطة الشعر ، ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي الاحتفاء به عبر هذا الملف الذي تدعو الأحبة الكتاب والقرّاء إلى إغنائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق.. تحية لسلمان داود محمد.   

تقنية النص في ( ازدهارات المفعول به ) و ( علامتي الفارقة ) للشاعر سلمان داود محمد

جمال المظفر

استدرجتني ” ازدهارات المفعول به ” لأتتبع خط سير شاعر متمرد لأصل في النهاية الى ( علامته الفارقة ) التي شكلت مع الإزدهارات تجربة شعرية ناضجة وصاخبة في نفس الوقت ، شاعر يتقن صناعة اللغة ، يتعامل بحرفية مع النص ، يعرف كيف يحيل الى صور ضاجة بالمعاني .. فقصائد سلمان داود محمد في مجموعتيه ( ازدهارات المفعول به ) و ( علامتي الفارقة ) غنية بالصور الشعرية و ذات إيقاع ومؤثرات صوتية تجعل القارئ يعيش صخب القصيدة وعنفها ، يولي عناية خاصة بجمالية المفردة في داخل البيت ، لايكتب المفردات على علاتها كونها من بديهيات الإلهام الشعري ، اي ان الشعر هو الذي يتحكم بالشاعر ويفرض المفردة لا ان يتحكم الشاعر باللغة والمفردات وترتيب الصور الشعرية ، قصائده خالية من الإسفاف أو السرد الموسع ، يعتمد التكثيف بشكل كبير ، يشذب النهايات ويبدل المفردات ، ربما تعطي المفردة المكتشفة معنى أوسع من سابقتها ، اختيار المفردة الفاعلة أهم من مفردات عائمة لاتؤدي وظيفتها الجمالية بشكل دقيق ، اشتغال على الصورة المكتنزة الضاجة بالمعاني التأويلية ، وكما تقول سوزان برنار ( قصيدة النثر قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية ، موحّدة ، مضغوطة ، كقطعة من بلّور… خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد ، وشيء مضطرب ، إيحاءاته لا نهائية … ) كل هذه الصفات العامة يعتمدها الشاعر سلمان داود محمد في بناء نصه الشعري :

1- من جاء بالسُرُفات الى شرفة الأقحوان

2 – من جفف أحلامي على رشقة في هجوم

3 – من كدّس الغيوم في الناقلات

4 – أريد الخراب على شاكلتي

5 – دمي سيلبي اعوجاج الزمجرة

6 – وشروطي اتساخ يعدّل اليافطات

في هذا النص ، يمارس الشاعر اللعب الحر بحرفية عالية ، كل بيت تشعر بانه مستقل لوحده ، ليس هناك سرفات تقتحم الشرفات وانما ماوراء السرفات الأصوات التي تقتحم الذاكرة ، اما تكديس الغيوم في الناقلات فالتقاطة جميلة ابدع في تصويرها ، هل هناك غيوم تتكدّس في الناقلات ، انها لعبة يدع الشاعر المتلقي يفك اسرارها ، يشاركه اللعب ويفتح ابواب التأويل لــ الآخر / المتلقي .. 

يعتمد البناء اللغوي المحكم في قصائده من خلال اكتشاف مفردات عميقة المعنى للمفردة المزاحة في النص لتعطي مساحة أوسع للتأويل وتدع الفكرة تعلن عن نفسها عبر نص مكثف ، كما انه يعمل على فلسفة النص الشعري من خلال اعتماد آلية خاصة في كتابة النص القائم على نمذجة البيت / السطر، اي الإشتغال على نظام البيت الواحد ( السطر ) لعدة مرات كإشتغال كيمياوي وايجاد مفردات أكثر دلالية ومعان تاويلية مما كتب قبل التغيير في معنى البيت ، ثم يلجأ الى الوحدة العضوية للمقطع من خلال هندسته وجعله مترابطاً ليصل الى أعلى مراحل التكوين اللغوي والصوري:

1 – رأيت أمي تبيع التجاعيد مع الستائر

وأبي يستدرج ( البيضة ) بالأثاث

2 – ثمة ساعات تتلعثم

3 – شمعدانات مفعمة بهمس قديم

4 – تلفزيونات تبرر الخذلان بالوشوشة

لغة جميلة تلك التي استخدمها الشاعر سلمان داود محمد في هذا البيت ( رأيت أمي تبيع التجاعيد مع الستائر ) نص محكم ، فاعل ، مؤثر ، يثير القارئ ويستفزه في نفس الوقت ، ليس هناك بيع للتجاعيد وانما الضياع في متاهات الحروب والأزمنة والأمكنة في ثنائيات غير محسوبة تفرض نفسها على الذات الجمعية …

لعثمة الساعات ، هي التعثر في ماتنتجه الخيبات من مآس وانتكاسات على المستوى الشخصي أو الجمعي ، والتلفزيونات التي تعبر عن خيبتها بوشوشة قديمة ربما لم يستنهضها الجيل الحالي ، حينما كانت نشرات الأخبار مؤدلجة للشخصية الواحدة المسيطرة على مقدرات الشعب ومن ثم يصحو الجميع على تلك الوشوشة التي تشير الى نهاية البث ، الإستماع القسري لخطب لاتشبع ولاتغني عن جوع :

وفقاً لركاكة النصوص فازت الخوذة بالأبدية

وعاد المنصوص عليه الى وحشته نادماً

ينتحر المياه أمام رهبة اللاأحد

ويكسر أنف العدو بعفونته الباسلة…

يوم ذاك – تعثرت الصواريخ بحقائب مدرسية

الشاعر يعيد النظر في نصه قبل اخراجه بالصورة النهائية ، اي ان هناك مراحل عدة للإشتغال على وحدة ( البيت ) بشكل يقترب الى المسألة الفكرية التي تجعل القارئ محللاً لامستهلكاً يستبطن ماوراء المعنى ، يخمن وينشئ منطقة تقارب مابينه وبين ذات الشاعر / الذات المنتجة للنص المتخيل :

فتكاً بالعراقيل

تركت طيور المعتقدات تعتاش على ارتيابي

نسيت على دكة الظنون لؤلؤة المدائح

أنا واحد لايحصى

حارس يستر عورة الممتلكات بأحلام ( كثّة )

ويصحو على كؤوس خاشعة تكتظ بإله مغشوش

أنا حاصل ضرب ( الشحّة × الهدنات )

لا إثم لي غير يتامى تتنامى وتماثيل تسهب في اللمعان ..

مقاطعه الشعرية لا تحفل كثيراً بالسرد والوحدة العضوية والموضوعية أساسية في قصائده ، يقتصد في المفردات من أجل صور محتشدة بالمعنى ، له اسلوبه الخاص في الكتابة ، قلق ، مستفز ، تثيره القصيدة ، يعمل على تقنية القصيدة بمراحل عدة ، ليست هناك مرحلة واحدة لكتابة النص وانما عدة مراحل ، النص لديه مرحلة تفاعل كيميائي مابين العناصر المكونة له ، المفردة والصورة والإيقاع والمخيلة للخروج بنص ذي تقنية عالية ولذلك نرى ان نتاجه قليل جداً بالنسبة الى النوع ، بامكانه ان يكتب النص في يوم واحد ولكن على حساب تقنيته ، ان يعيد تجاربه لأكثر من مرة من أجل الخروج بنص متكامل يحوي كل عناصر القوة :

1- أكرر ..

2- لقد ذهب الجميع الى وظائفهم

3- الألغام نحو المطبخ تهئ عصيدة الخطى..

4- والأبناء لزراعة المدى بالعكازات

5- كذلك الأم وهي تتبضع الغرقى في ” شارع النهر”

6- تركت الصحون المنكفئة تضئ بمؤخرتها صورتي

7- وأنا أجفف الشظايا على حبل الوريد…

في هذا النص هناك لعبة فنية مركزة اعتمدها الشاعر في المزاوجة مابين مترادفين ، في البيت الثالث تتناغم مفردة ( الالغام ) مع مفردة ( العكازات ) وفي البيت الخامس هناك مزاوجة بين ( الغرقى ) و( شارع النهر ) وفي البيت السادس هناك مزاوجة مابين ( الصحون ) ومفردة ( الشظايا ) في البيت السابع ، هذه التقنية التي عمل عليها الشاعر في هذا النص غاية في الحرفية ، التكرار هنا في الأبيات كافة ، فالأبناء يزرعون المدى بالعكازات ، والمعروف ان العكازات لاتزرع ولكن كامتداد لفعل الألغام وهذه الأخيرة نتاج الحروب التي يذهب ضحيتها الأبناء ، الشاعر هنا ينقل صور ضحايا الحروب ولكن بقناع يبعده عن المساءلة ، المدى دلالة على البعد المفتوح وهذه لوحدها تكشف عمق البوح والكشف عن الداخلي الواعي لطبيعة كل مفردة تخرج الى الواقع …

الكتابة الشعرية خارج نطاق المقدس لايعني اباحة الإستعمال غير المدروس للغة أو التخلي عن الإيقاع الذي يعطي للقصيدة تأثيراً قرائياً متحركاً ، الإيقاع الداخلي للقصيدة مهم جداً في قصيدة النثر ، ثم ليس كل مفردة تستبدل تعطي بعداً دلالياً مؤثراً في القصيدة ، هناك الإيقاع الداخلي والخارجي .. ايقاع المفردة وايقاع البيت ، كيف توازن بين الاثنين دون اي تشويش موسيقي ، بين الدال والمضمون ، تشكيل البعد البؤري لمساحة النص ، ان تستجمع شكل الصورة المكتنزة في اطار يتسع لكل تلك الخطوط الراسمة لملامحها ، سلمان داود محمد يجمع كل عناصره اللغوية ويؤطرها باطار عام يوحد النص وفق ايقاع سريع يغوي للقراءة :

فما كان ليعلو كل هذا السخام

لولا صباح يستبدل الشموس بالإرتباك

نعم

هي نفسها

تلك الشموع الملطخة بالأعياد

تثرثر في المدافن ..

آلية كتابة النص عند سلمان داود محمد وغيره من شعراء قصيدة النثر جعلتني اتتبع خيوط كتابة النص ، بل من خلال قراءتي للعديد من شعراء النثر والطريقة التي اكتب فيها ، هناك الية خاصة لدى كتاب قصيدة النثر ، ليس كلهم وانما البعض منهم تعتمد على أساسيات ثلاثة :

1- نمذجة السطر / البيت

2- هندسة المقطع

3- فلسفة النص 

هذه الآلية تدفع الشاعر لأن يعمل على انتاج نص محكم خال من الإسفاف والترهل ، نص فاعل غني بالحكمة والبلاغة والتقنية ، فعندما تجعل السطر ( البيت ) نموذجياً من خلال العمل على تقنيته وابدال المفردات بأخرى أكثر تأثيراً وبصورة أعمق وأدق تؤهل للشروع ببناء بيت آخر بنفس التقنية وبذلك يؤدي هذا العمل الى تأهيل تلك الأسطر لتكوين مقطع عالي التقنية والذي اطلقت عليه ( هندسة المقطع ) وهذا الأخير يغوي الشاعر الى ان يفلسف نصه ، اي ليكون أقرب الى الحكمة :

لهم آلهة تقضي قيلولتها في باص

ومجنونات يستدرجن الشفاء من سورة البقرة

لهم أغنية تقلل من شأن الكلفة حين يتعلق الأمر بالضحايا ..

شعرية سلمان داود محمد ناضجة ، تخرج من وعي كامل بآلية كتابة النص ، لايعني له النشر شيئاً أمام نوعية الإنتاج ، لايستعجل نصه ، بل يتعامل معه بحنكة صانع ماهر لايتوانى في اخراج عمله إلا بلمسة جميلة ، شاعر يتعامل مع النخبة بكل لياقة اللغة :

فما أن تتوقف الكهرباء عن الثرثرة

حتى تتوهج احداهن باسهاب :-

– سأحور ” سوق الصدرية ” الى برلين

وأشاغل أيامي بهناء معقوف

 

الرمز يفتح باباً للتأويل ، ربما تكون هناك أكثر من صورة ترسم تبعاً لمخيلة المتلقي لامخيلة الشاعر ، قد يفسر القارئ الأول ذاك الرمز بدالة ما ، بينما يفسرها القارئ الثاني بشكل آخر وكذلك الثالث ، ففي هذا البيت ( لاشئ سوى فقهاء ينثرون المنائر أمثلة لفحولتهم .. ) يعتمد الشاعر لغة غاية في الرمزية ربما يعرفها أغلب الفنانين المتخصصين بالفنون التشكيلية …

أسئلة الوعي موجودة وفاعلة في قصائده ، لايشبه غيره في كتابة نصه ولايقلد أي شاعر آخر .. له تجربته وفعله ولغته وشفراته السحرية .. لغته تمارس السقوط الحر كنهاية القصص القصيرة تماماً .. خيالات لها تماسات مباشرة مع الواقع .. واقع الحياة وصخبها وعنفها :

مرة حلمت بسكين فانقسمتُ الى اثنين:

الأول : يسمي الناس أخطاء شائعة

والثاني : يستبدل الخلاص بمكنسة كهربائية

لم أجد في نصوص الشاعر غير لغة باذخة عميقة منتقاة بدقة وعناية فائقة وبإيقاع يضرب على أوتار المخيلة ليأخذنا بعيداً الى منطقة اشتغاله .. الى مختبره الشعري :

1- لصالح الكراسي تعمل المؤخرات

2 – لحساب من اذن يشتغل الشهيد؟؟

خلال قراءة أي نص نجد ان البيت الواحد قائم بذاته .. كما في هذا النص فالبيت الأول قائم بذاته والبيت الثاني أيضاً وكذلك الثالث ، كما ان هذا البناء اللغوي يشي بأمكانية وحرفية الشاعر .. يعيد بلورة الفكرة لأكثر من مرة ومن ثم يشتغل عليها ليصل الى أعلى مراحل التكوين اللغوي والبلاغي :

1- كديدان القز 

أتشدق بالحرير… 

2 – أدلي بكبسولات عارية عن الصحة 

وأتهم المرضى باصفرار الذهب.. 

3 – لا أفرق بين بيوت آيلة للسقوط 

وأخرى تفطر بالأيائل …

قصائد سلمان داود محمد تحفل بالمعنى وبوضوح الصورة وعمقهما .. مع الإحتفاظ بايقاع المفردة / النص / الصورة بذات القوة والتأثير وسحب المتلقي الى منطقة اشتغاله والى مختبره الشعري .. المونتاج الشعري حاضر في قصائده من خلال اعادة البناء اللغوي والصوري وحذف المشاهد الضعيفة من النص ليبتعد عن الإسفاف والترهل وليكون النص أكثر متانة وبلاغة وقوة وتأثيراً ..

*عن الحوار المتمدن
تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *