عبد الفتاح خليل : مي مظفر في مجموعتها القصصية الاخيرة : كوابيس مجتمع النكبات (ملف/13)

صورة المبدعة مي مظفّر من الأديبة باهرة محمد عبد اللطيف، فشكرا لها.

إشارة:
الشاعرة والقاصة والناقدة الفنية والمترجمة الأديبة مي مظفر نموج للعطاء الأدبي المتواصل منذ مطلع السبعينات حتى اليوم. أنجزت الكثير بلا ضجيج وكانت بعيدة عن الأضواء والإعلام، ولعلها هي نفسها تحاشت الترويج لأدبها زهداً وترفعاً. في الأعوام الأخيرة وإثر رحيل رفيق عمرها، الفنان رافع الناصري، كرست جلّ وقتها وجهدها للحفاظ على إرثه الفني وفاء له ولذكراه. الأمر الذي جعل البعض ينسى – أو يتناسى- إنجازها الإبداعي المتنوع الممتد زمنياً إلى أكثر من أربعة عقود وأكثر من خمسة وعشرين كتاباً. هذا الملف مناسبة جميلة للإحتفاء بها والتذكير بإبداعها.
د. باهرة محمد عبد اللطيف

(13)

مي مظفر في مجموعتها القصصية الاخيرة : كوابيس مجتمع النكبات
عبد الفتاح خليل 
تمتلك مي مظفر حساسية حادة تجاه الأشياء والناس تساعدها على اختراق سطح الواقع، لترصد ما هو مخفي، ومغطى، ومكبوت، ومطوق بالموانع النفسية أو الاجتماعية. وفي الشعر صدر لها أخيراً مجموعة بعنوان “ليليات” عن “دار الشروق في عمّان كما في القصة، تحاول هذه الاديبة العراقية المميزة – وهي قارئة نهمة للأدب الانكلوسكسوني، ولفيرجينيا وولف تحديداً – ان تتسلح بالكلمات لتواجه مرارة داخلية، واحباطات فرضت عليها فرضاً، وكوابيس يشيعها من حولها مجتمع تعوّد على النكبات المتتالية، وعاش ويلات الموت في أبشع وأفظع مظاهره.
وتبدو مي مظفر من خلال مجموعتها القصصية الصادرة عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” تحت عنوان: “نصوص في حجر كريم” امرأة مذعورة طول الوقت، لكنها ليست عاجزة عن التعبير وعن المقاومة، وامرأة محطمة ويائسة لكن من دون ان تفقد القدرة على الامساك بالقلم لتصور بحذق وبلغة موحية، معاناتها وآلامها وفواجعها الصغيرة والكبيرة.
تخيم الحرب على أغلب قصص المجموعة. ومع ذلك، نحن لا نعيشها الا من خلال ايماءات وومضات سريعة وخاطفة. تمكنت مظفر من أن تجعلنا نعيش ونعاين مدى فداحة المأساة من دون ان تسقط في المباشرة الفجة التي تتهدد الكتاب عادة حين يتطرقون الى مواضيع تتعلق بالنكبات الكبرى. ففي قصة “نصوص في حجر كريم” وهي أجمل قصص المجموعة، وأمتنها حبكاً وانسجاماً مع روح الكاتبة ذاتها، تفتح سيدة الباب، فيفاجئها زائر غريب يحمل اليها رسالة من أخيها مروان – وتندهش السيدة خصوصاً وأنها تعلم جيّداً ان أخاها استشهد قبل سنتين. وحين تحاول التخلص منه، يرفض الزائر الغريب الخروج، بل ويصارحها انه ينوي الزواج منها. وتصعق المرأة فتهرع محاولة الهروب، فاذا بالباب مزلجاً. وهكذا تجد المسكينة نفسها وحيدة وسط حلقة من الرعب، تحيط بها الجدران الصماء.
بدقة متناهية، تمعن الكاتبة في وصف اللحظات الحرجة والمرعبة في آن، متوقفة بالخصوص عند مشاعر السيدة واضطراباتها وهواجسها.. وبتأن تقودنا ونحن في قمة التوجس والرهبة الى نهاية القصة لنكتشف عندئذ ان السيدة كانت غارقة في كابوس بطله الموت، وفي حجرها القرآن الكريم مفتوح على الآية: “ربنا أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا، فهل الى خروج من سبيل”. الموت، خيبات الحب، الوحدة، هي السمات الأساسية لمجموعة “نصوص في حجر كريم”. ومن خلالها تثبت مي مظفر، مرة أخرى، أنها فنانة موهوبة، وواحدة من أهم المبدعات العراقيات في الوقت الراهن.

*عن صحيفة الحياة 

شاهد أيضاً

صباح هرمز: مسرحيات يوسف العاني بين الرمز والموروث الشعبي
2- الخرابة (ملف/24)

كتب (الخرابة) بعد مسرحية المفتاح بثلاث سنوات عام 1970، وتتكون من ثلاثين شخصية تقريبا، ويقوم …

أرميكِ كبذرة وأهطل عليكِ
سعد جاسم وهج العشق وتنوّع المعشوقة
قراءة: رسمية محيبس زاير (ملف/9)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

علوان السلمان: اكتناز الومض الشعري في (قبلة بحجم العالم) للشاعر سعد جاسم (ملف/8)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *