الرئيسية » نقد » ادب » بشار ساجت : ” بقاء ” مجهولية الفاعل وأنساق النص

بشار ساجت : ” بقاء ” مجهولية الفاعل وأنساق النص

” بقاء ” مجهولية الفاعل وأنساق النص
بقلم: الاستاذ بشار ساجت
قد يبدو من العنوان اني سوف أتناول مجهولية الفاعل بقولبتها النحوية البحتة , لكن الحقية , أن انسباكات النحو تحمل ابعادا دلالية مهمة , لا يمكن للمفكك ان يغفلها, فهي تحمل بعدا دلاليا مهما قد يكون تجاهله تشويها فضيعا للنص. قبل التحليق في فضاءات” بقاء ” اقول:
ان الشعر نزيف الارواح وبوح القلوب , هو غصة وحشرجة بحنجرة الألم. هو ذلك الوجع اللذيذ الذي لولاه لم يذق البشر طعم الرفض والمقاومة. هو موسيقى الكرامة وغذاء المظلومين . كان ومازال الشعر مقصلة تشتهي أنضج الرؤوس وأثقلها حكمة ودراية. حين يجتهد الرقيب في محاكمة الكلمات وتحليل من الألفاظ حتى التمتمات, يجتهد الشعراء في احراجه واستنهاض عظيم ما لديهم من غزير المعنى وبديع النظم . كما أن اعداء الشاعر الناقد كثير متنوع , بدا من نزق الحاكم , ولؤم التابع وجهل القطيع , الا ان ابداع القافية وسحرها هو المنتصر عليهم دائما. من هؤلاء الشعراء المبدعين الذين أتحفونا بأريج قوافيهم هو شاعر الحي حسن الدباغ.
تناولت في ورقتي هذه احدى الشفرات واليواقيت التي طرزتها شاعرية الدباغ في ديوانه الاخير والجنوب اذا تنفس وقصيدة (بقاء )
جاءت بقاء بلغة سلسة مفهومة يكاد الجميع أن يغترف منها شربة تروي ذوقه المعرفي . فكلماتها تناغي جميع الاذواق ويفهم المها جميع المتلقون , الا انها جاءت مثقلة بالألم وكذلك الامل. فالمبدع لا يعطي غير الجمال فتراه يتلاعب بما هو متاح من ادوات لينتج احلى خامات الجمال, اذ ان الدباغ استعمل عنصر الابهام والتمويه ليضفي شيء من الغرابة والحيرة , وكذلك ليجبر القارئ على الوقوف والتأمل.
استعمل الدباغ كلمة ( كل ) اذ تعد هذه الكلمة المحور الرئيس او المادة التي جعلت بناء القصيدة متماسكا . فقد اوردها الدباغ للتمهيد لفكرته ثم اردفاها لدعم الفكرة وانضاجها , فما هذه القدرة؟ وكل هذا الحذق اللغوي الذي مكنه ان يبني قمة ابداعية ويجعل قوامها كلمة واحدة . جاءت تعميمات الدباغ تحمل بعد اجتماعي ونظرة تحليلية ثاقبة. وكأن الدباغ يصرخ معترضا ليشخص احدى المشاكل الاجتماعية التي نعاني منها اليوم وهي نكبة التعميمات البائسة . فما عاد الناس اليوم يميزون بين الجيد والرديء , حتى الجمال قد تشوهت قيمة في تلك العيون الحيرى . وكأن الورود كلها لها ذات اللون وذات العطر.
رسم الدباغ مشهد الالم والحزن بدء من هذه التعميمات المؤلمة فكل القنابل التي سقطت, قد سقط معها تشويه لبعض القيم .
ثم يردف الدباغ بسقوط اخر واخر, ثم يفاجئنا لينهي شره الالم وتعميماته بإقحامه الامل واجمل معاني التفاؤل , اذ يصر الدباغ على القول : مهما بلغ الالم ومهما استبد وتفاقم لابد من نور الامل ان يشع وينتشر , خصوصا اذا كان الصراع في ساحة تحب الامل وتعرفه كأرض العراق.
ومن المعلوم ان سياقات الكلام تختلف تبعا للمقام , وكذلك تختلف تبعا لمراد المتكلم , كذلك من المعلوم ان صيغة المجهول هي صيغة الغموض والتشفير وخير محطة للتامل والتفكر. وانطلاقا من ذلك,
اورد الدباغ جملته ( كل قنبلة سقطت ) مجهولة الفاعل دلاليا وان كانت نحويا تحتوي فاعلا, الا ان الغموض والحيرة يكتنف الجملة. فسقوط القنبلة لم يكن بلا فاعل, الا ان الدباغ كان بارعا جدا في هذا, فهو يريد القول ان الذي يزرع الموت هو نكرة تافه لا يمكن ان يدنس قصيدته بذكره.
ثم اردف مؤكدا تجاهل هذا الفاعل باستخدامه لصيغة المجهول ( لم يقذف الموت منها) ليصور لنا حجم الالم والظلامية فصيغة ( يقذف ) تنبئ بفاعل مجهول ربما يعلمه المتكلم والسامع, غير انهما لا يريدون ان يفسحوا له فرصة الوجود, وكأنه يقول له : انت فاعل مفتعل , لا تمتلك حتى ان تسمى وكفى بذلك تقريعا.
بعدها يغوص الدباغ عميقا في تأريخ هذا البلد النازف المليء بالضحايا ( كل من سقطوا ) صيغة الماضي والجمع , للدلالة على عمق وعظم تضحيات هذا البلد الجريح , كذلك يجعلها مقدمة للأسف على المستقبل المجهول, اذ يرى الدباغ ان الة الموت لم تسبع شبقها بعد حيث ان اخرين ينتظرون المصير ذاته. ( ومن لم يسقطوا بعد )
في الشطر قبل الاخير من القصيدة يضع الدباغ النقاط على الحروف مع اصراره على تجاهل ذلك الفاعل الفض . وتعرية اهدافه الحمقاء اذ يقول الدباغ ان كل الدماء التي نزفناها, انما سالت من اجل اهواء ذلك الفاعل الاهوج , الذي ابقاه الدباغ مجهولا ليرغم القارئ على معرفته والحذر منه. واذ انه يقف حائلا من تحقيق الامل وايراقه.
انهى الدباغ في الشطر الاخير مأساة الالم, ليزيح الغبار عن الوجه المشرق للعراق , وكيف انه بلد حي يحب الحياة, ليفتح لنا نافذة الامل بقوله: ان كل هذا الالم سيورق عطاءً ونماءً يحطم كل صور الالم الحمقاء.
وضع الشاعر بقاء في عتبة ديوانه, لعله يشير الى مجهولية فاعل الالام التي من شأنها أن تؤخر الايراق قليلا أو كثيرا. فالجنوب مازال بخير, يتنفس, واحذروا الجنوب اذا تنفس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *