د. مكية الشرمي* : فنّ المنمنمات.. في أعمال الفنانة وسماء الآغا (ملف/5)

إشارة :

“وسماء الأغا” (1954-2015 عمّان) شاعرة وليست رسّامة، فالشعرُ على يديها كان يُرسم لا يُكتب، فقدّمت قصائد رائعة مُتخمة بالفرح والبهجة عن الأجواء العراقية الحميمة وطقوس الفرح العراقي الذي لن يعود، وفي المركز جمال المرأة العراقية المُذهل بدلالها الحيي الساحر واسترخاءاتها الحلمية والتحامها العشقي المُلتهب بحبيبها. كانت بروفيسورة في علم الرسم وفنّه. استاذة في خلط ألوان القصائد ومزجها. تدعو أسرة موقع الناقد العراقي الكُتّاب والقرّاء إلى المساهمة في ملفّها عن الفنانة الكبيرة وسماء الأغا.   

فنّ المنمنمات.. في أعمال الفنانة وسماء الآغا

د. مكية الشرمي* 

أثّر الفن الإسلامي بشكل واضح وكبير في النتاج الفنّي المعاصر، ولا سيما الفن التشكيلي، وهذا ما يبدو جلّيا في الفن المعاصر العربي الإسلامي، لارتباط رموز ووحدات التشكيل الفنّي للفنّ الإسلامي بالفكر والعقيدة الإسلامية، فالمنمنمات على سبيل المثال تعدّ الأساس لتطوّر الزخرفة وابتكار العديد من الوحدات الزخرفية، فضلا عن دور الخطّ العربي بمختلف أنواعه في تطوّر وتحوّل الفنّ ليأخذ شكلا وأسلوبا داخل العمل الفنّي، كما أنّ من خصوصية فنّ التصوير الإسلامي تأتي المنمنمات لتكون إحدى أهمّ الخصائص الفنّية والجمالية في التصوير الإسلامي، وهذا ما جسده الفنان المسلم يحيى الواسطي في “منمنماته الخالدة”، إذ ارتبطت المنمنمات في أوج تطوّرها الفنّي بالأدب ولا سيما المقامات، التي اتّسمت بقيمتها الوصفية الفريدة من نوعها في تصوير حياة العرب، بمختلف جوانبها في القرون الوسطى. 

ويعدّ فنّ المنمنمات احد سمات النهضة الفنّية العربية الإسلامية ذات الخصوصية الفنّية بين التشخيص والتجريد، وذلك في مسألة التسطيح في اللون، وإشباع الفضاء والتكوين الأحادي والتخلّي عن المنظور. هذا وقد اقتفى أثر فنّ المنمنمات عديد الفنانين العرب، وقد اهتمّوا خصوصا في هذه الدراسات بمنمنمات ابن أبي الحسن يرويها الواسطي يحيى بن محمود بن يحيى، ينقل فيها صور الحياة الإسلامية وفتوحاتها بأمانة في مجلّد يتألّف من 127 صفحة بمقاس 37/31سم، وهو اليوم في متحف اللوفر بباريس، لذلك كانت المنمنمات خطابا ثقافيا ذات مواصفات تبسيطية ومباشرة رغم تمثيلها لشخوص وحيوانات ونباتات وعمارة، ففي منمنمات الواسطي نجد نوعا من التعبيرية في الرسم، حيث تجرّد الأشكال من البعد الثالث، فتبدو كلّها على نفس المستوى كالأشخاص والخيول… وكأنّها واحد متكرّر ذو علامات موّحدة ونظرة شاخصة في اتّجاه واحد، استمدّها من العقيدة الإسلامية والتي ترتكز أساسا على خاصية التوحيد، وللون في المنمنمات دوران تشكيلي وجمالي تعبيري بغضّ النظر عن الرمزية والوجدانية، فتبدو المنمنمة زاخرة بعدد كبير من الألوان يطغى عليها طابع التسطيح المجرّد من كلّ القيم الضوئية.

كما شكّلت المنمنمات التي ابتكرها الفنان المسلم بتنوّعها الشكلي وألوانها وتكرارها، تحوّلا كبيرا في الحركة التشكيلية الإسلامية المعاصرة، إذ ظهر العديد من الفنانين التشكيليين ممن تأثّروا بمنمنمات يحيى بن محمود الواسطي ، من حيث بنائية اللوحة وتشكيلها وتوزيع عناصرها الفنّية والجمالية، ومن ضمن هؤلاء نذكر الفنانة وسماء حسن الآغا ، التي وجدت في إعادة صياغة رسومات الواسطي منفذا جعل من تجربتها الفنّية ذات مضمون اجتماعي، وذلك من خلال اعتمادها على رؤية مزدوجة تقوم على منح القصّة بعدا زمنيا لما بين الماضي والحاضر، وكذلك في منحها على قدرات تعبيرية تتوازن مع تيارات الحداثة والمتغيرات الثقافية الأخرى.

فلم تقم الفنانة وسماء بتكرار الواسطي، بل عملت على تطعيم هذا الفن وجعله يذكرنا بموروث ثقافي فنّي اجتماعي مازال يمتلك نبضه وتأثيراته البصرية، من خلال سعيها للمحافظة على العلاقة ما بين القصّة وجماليات الممارسة التشكيلية في الرسم، ممّا أدّى بهذه الفنانة، للعمل على منح التصوير الواسطي بعدا جماليا تعبيريا دون التفريط بالقواعد والتقاليد لهذا الفن القديم في جذوره، إذ أنّ عملية إعادة رسم الواسطي بتغيرات واقعية يشكّل أحد مناهج تأمّل الموروث العراقي الفنّي.

إنّ العودة إلى الواسطي تنبع من أصالة الطرح الفنّي لهذه الفنانة، تبحث فيه عن الجذر الأسلوبي، وروح التراث، فضلا عن استطاعتها التعبير عن موقفها الحضاري الثقافي، واعتبرت أنّ دورها كفنانة يكمن في البحث عن التوازن ونقاط الالتقاء بين كلّ تلك الكنوز والإبداعات في حضارات مختلفة زمانا ومكانا، مطعّمة كلّ ذلك بمستجدات العصر ومؤلّفة بين ما توصّل إليه الفن الغربي من ناحية وروحية الفن الإسلامي والفن العراقي القديم من ناحية أخرى، مؤكّدة في ذلك بمدى وعيها بحضارة عصرها.

نلاحظ أنّ الشخصية الأنثوية لهذه الفنانة ستبقى واضحة لا في اختيار الموضوعات، بل في أسلوبها بما يمثّله من إتقان ومهارة إبداعية، وإن كان موضوع المرأة قد شغل وسماء الآغا، طيلة مسيرتها الفنّية، فقد جرّها ذلك إلى تناول موضوع النساء بصفة عامة، انطلاقا من الحياة اليومية، ومرورا بالخرافات والأساطير الشعبية، ووصولا إل حكايات ألف ليلة وليلة، كمخزون حضاري رحب، مؤمنة بأنّها جدير أن يكون مرجعية لمواضيع أعمالها، والفن الإسلامي، وخاصّة أعمال الواسطي، أن يكون مرجعية لإنجاز مشروعها الفنّي. 

إنّ انطلاق وسماء الآغا في تصويرها لكلا العملين، ماهو إلا دليل على وعيها الدقيق بالموروث الأدبي والأساطير والحكايات الغنّية بالمثل، والأشكال الفنّية والمفاهيم المترافقة مع التركيبة الاجتماعية والثقافية لبلد أصيل كالعراق. فقد أتت خطوط تلك اللوحتين نقّية واسطية، في تناظر ديناميكي كطريقة بناء وجدانية وتأليف إنشائي، كلّ ذلك في تكافؤ بين الشكل والمضمون وبخطوط منسابة وحركية وحيوية ومنتظمة بين مستقيمات ومنحنيات، في تحوير للرموز، تماشيا مع الموضوع، مع الحفاظ على التوازن والتناسق بين كلّ ذلك، سواء بين الثبات (الخزانة) والحركة (الشخوص)، أو بين المساحات اللونية (الشفافة) وبين الخطوط (العاتمة الداكنة) أو بين بساطة المساحات (الستائر والخزانة) ودقّة التفاصيل (الوجوه والزخارف وبعض الملابس)، أو بين الألوان (الوهّاجة والنقية) وبين درجاتها اللونية (الهادئة)، كلّ ذلك عملت من أجله الفنانة لتتجاوز فيهما أسلوب الواسطي.

وعملت وسماء الآغا على ابتداع أسلوبها الشخصي من خلال اعتمادها على صياغة متفرّدة لموضوعها الشعري بطابعه القصصي والجمالي، فضلا عن تحويراتها للأبعاد المعاصرة في الرسم، ولعلّ في تجربة هذه الفنانة ما يذكّرنا بتجربة الفنان جواد سليم الذي حاول إثبات أصالته، إذ التصق عبر تجربته بمحيطه ومجتمعه، متوخّيا الجمع بين المعاصر والموروث، تلك المعادلة التي لم يستطع تحقيقها إلاّ القلائل من أجل تأسيس مدرسة عراقية ذات طابع متميّز، بحيث كان هذا الفنان مؤمنا بأنّه في بلد غنّي بالموروث الحضاري والفنّي الذي غيّبت قيمته ومساهمته في مسار تعاقب الحضارات والإنجازات الإنسانية.

ولئن هيّأ الواسطي للفنانة وسماء الآغا مسرحا لإيجاد أسلوب عراقي عربي للفن التشكيلي، فإنّ ذلك لا يجعلنا نغفل عن مرجعيات جواد سليم التي اعتمدت على محتويات ذاكرته “المتحف الخاص” ، المتكوّن من مجموعة أساليب فنّية تعود إلى آثار الماضي وأشكال الحاضر، ومن الآثار الرافدية القديمة (الآشورية والسومرية والبابلية…) والعربية الإسلامية (مدرسة بغداد في القرن الثالث عشر/ الواسطي) والفن الغربي، وبيئته الاجتماعية وتجربته الذاتية. فعلى غرار الواسطي نجد من أهمّ أعمال جواد سليم العمل المعنون بـ”كيد النساء”، الذي نلاحظ فيه الشبه الشديد بين عملي الفنانة وسماء الآغا وبين ما اكتنزته ذاكرة كلا الفنانين من أعمال الواسطي.

مشهد ولادة، يحيى بن محمود الواسطي جواد سليم، كيد النساء، 1957 بغداد 1237ه، المكتبة الوطنية بباريس حبر وألوان مائية، متحف الرواد ببغداد

وفي الأخير يمكننا القول بأنّه، ما من تجربة فنّية رائدة، مستقبلية تتكوّن من دون إضافة الفنان النوعية، التي تتجاوز التقاليد السائدة والرؤى الفنّية والأساليب المألوفة وأشكالها وأغراضها، هذا ما ينطبق أوّلا على فنّ الراحل جواد سليم، وثانيا على الفنانة وسماء الآغا منذ بداية تجربتها الفنّية، حيث راحت تستقي من الأشكال والأساليب من مصادر متنوّعة ومتباعدة شكلا وزمانا ومكانا وأهدافا.

* أكاديمية في جامعة صفاقس/ تونس

*عن صخيفة المدى

 

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (18)قليلا من الفكاهة تنعش القلب
نماذج من نقاد العراق الآن (1 و2) (ملف/149)

نماذج من نقاد العراق الآن -1- يكثر في العراق الآن ويشيع أنصاف المثقفين يكتبون مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *