أسامة غانم : تقنيات السرد وتنوع المرويات في رواية (ليل علي بابا الحزين) (ملف/13)

?

إشارة : 

ببالغ الإعتزاز بالمبدع الكبير عبد الخالق الركابي وبمنجزه الإبداعي الفذّ ، تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي ملفها الخاص به ، وتدعو الأحبّة الكتّاب والقرّاء إلى إثرائه بالدراسات والمقالات والصور والوثائق. وسيكون الملف، وعلى عادة الموقع، مفتوحا من الناحية الزمنية لأنّ لا زمن يحدّ الإبداع. تحية للمبدع الكبير عبد الخالق الركابي.   

تقنيات السرد وتنوع المرويات                         

في رواية ( ليل علي بابا الحزين )

    للوهلة الاولى يفاجئك العنوان ” ليل علي بابا الحزين ” للروائي العراقي عبد الخالق الركابي ، العنوان الذي يسبب لأي قاريء تشتتا في الفهم ، بسبب دلالاته المتشابكة ، المختلفة ، بل واعتماده على تعدد الدلالات ، وما يحمله العنوان من تورية ، هذا في الظاهر ، ولكن بعد القراءة المعمقة للنصّ  ، تتضح بعض المعالم وليس كلها ، لأن العنوان هو بالاصل ينطبق على عدة وقائع مترادفة ، متوازية ، تشتغل في نحته من خلال الحفر في النصّ المزدوج ، الحامل لذاكرتين ، ذاكرة الاحتلال البريطاني و ذاكرة الاحتلال الامريكي .                                                       

وبعض القراء قد يتسأل ، لماذا وقع اختيار الروائي على هكذا عنوان ” ليل علي بابا الحزين ” ؟ رغم ان شخصية علي بابا الاسطورية لا تمت ظاهريا الى المتن ،ولكن ، لماذا ليل / ظلام ، علي بابا /  الشخصية الخرافية ، الحزين / المحبط – المخذول – المكسور – المحطم، لا نستطيع اكتشاف ذلك الا القيام بقراءة مثقفة تفكيكية معمقة خاضعة للتأويل من اجل اكتشف الشفرات المبثوثة في النصّ المزدوج ، وان الروائي لم يستعير اسم علي بابا اعتباطا ! ، فان علي بابا شخصية خيالية في حكايات الف ليلة وليلة ، وحكايته هي احدى اشهر الحكايات ، الهمت الكتّاب والفنانين في انحاء العالم ، تدور احداث حكاية ” علي بابا والاربعين حرامي ” في الف ليلة وليلة حول حطاب فقير يدعى علي بابا يسمع بالصدفة كلمة السر التي تفتح باب المغارة التي فيها كنوز اللصوص ، وبفضل كلمة السر ” افتح يا سمسم ” تمكن علي بابا من الحصول على الكنوز المخباة في  المغارة ، عليه تكون  تساؤلاتنا مشروعة في معرفة قصدية الروائي فيما يقصده ب علي بابا :                                                                                                                                                                            فهل هو الشخصية الخرافية كما جاءت في الحكايات التي تستولي على كنوز المغارة ؟

ام هو الشعب العراقي الذي تستباح و تسرق اثاره وثرواته وامواله وارواحه من قبل العصابات الاتية من خارج العراق ؟

ام هو هنا الروائي الذي غادر النصّ حالما الانتهاء منه ، للكشف عن اللصوص الحقيقيين الكبار، اولئك الذين يسرقون البلاد بكل ما فيها من حضارة واثار ونفط ؟  وعوضاً عن الاربعين حرامي ،صاروا الاف الحرامية من خلال مناصبهم الحكومية واحزابهم الدينية مع تفشي فساد ادري ومالي كبير وخطير تعرض له المجتمع العراقي دون خجل او خوف من الشعب العراقي .

او هو الاسم الذي اطلقه الامريكان على الشعب العراقي ؟  ” مكتفين بالسخرية مما يجري ، مشبهين العراقيين دون استثناء ب ((علي بابا )) وخصومه اللصوص الاربعين ص100 الرواية ” .

وحسب رأي غادامير ( ان العلاقة بين النصّ والقاريء تخضع لمنطق السؤال والجواب ، إذ يصبح النص جواباً عن سؤال ، وبعبارة اخرى لا أرى في نصّ ما الا مايعنيني . فان فهم نصّ تاريخي ما ، يعني : فهم السؤال الذي أجاب عنه النصّ ، وبصفة عامة : البحث عما يسميه غادامير ب ” أفق الأسئلة” ) 1.

وقد قام عبد الخالق الركابي بتقسيم الرواية الى ثلاثة اقسام ، كل قسم يحمل عنوان مستوحى من حكايات الف ليلة وليلة ، كما فعل في عنوان الرواية الذي استوحاه من حكاية ” علي بابا والاربعين حرامي ” ، فالقسم الاول والثاني مأخوذ من الحكاية اما الثالث فهو يعود لحكاية منفصلة ، وهي من ضمن الحكايات الاخرى :

1-الخروج من المغارة . 

2- افتح يا سمسم .

3-كلمات كهرمانة الاخيرة .

لماذا استعارة اسماء الاقسام من الحكايات الخيالية / الخرافية ، الف ليلة وليلة  ؟، رغم ان النصّ يستعرض احداث واقعية ، نعم ، لقد استخدام الروائي هذة الاسماء التراثية بعد ان قام بأحالة دلالاتها ورموزها ، لكي ( بسعى تحليل المضمون الى الامساك بالعناصر المناسبة على مستوى الافكار فقط ولا يمتنع عن القراءة بين السطور كي يكتشف دلالة عميقة ” ماذا يريد النصّ أن يقول ” )2، فهل الخروج من المغارة يعني خروج العراق من حكم النظام البعثي ؟ ولكن بعدما خرج العراق ماذا كانت اوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية ؟ فالعراق قد احتل و ( دخول ” المارينز ” بغداد أصابني باليأس والقنوط ، وكانت اعمال السلب والنهب قد عمت الشوارع ، فارتفعت أعمدة دخان الحرائق من الدوائر والمؤسسات الحكومية ، وباتت اصداء العيارات النارية لا تكف عن التردد على مدار الساعة – ص 29 الرواية )، اما الكلمة السحرية ” افتح يا سمسم ” فهي قد جاءت مجازا في النصّ لتعطي دلالة مختلفة عن المعنى المطروح في الحكاية ، فهي هنا : الرشوة – النهب – السلب – سرقة المال العام – القتل ، فهي الكلمة التي فتحت ابواب جهنم على العراقيين : ( المنفذ الحدودي وكأنه ” مغارة علي بابا “يكفيك ان تردد العبارة المعروفة  ” افتح يا سمسم ” لتنهمر عليك الدولارات مثل قطرات المطر ،ص192 الرواية  ) ، وماهي كلمات كهرمانة الاخيرة ، رغم عدم وجودها في النصّ نهائياً ، ومن هي كهرمانة في التراث العربي 3، وعلى من احال الروائي هذه الشخصية ، أن القراءة ( الوحيدة الجدية للنصوص هي قراءة خاطئة ، والوجود الوحيد للنصوص يكمن في سلسلة الأجوبة التي تثيرها . فالنصّ، كما يشير الى ذلك تودوروف ، بمكر ، هو نزهة يقوم بها المؤلف بوضع الكلمات ليأتي القراء بالمعنى )4، ومن خلال بحثنا في ” كلمات كهرمانة الاخيرة ” القسم الثالث ، لم نعثر الا على كلمات – دنيا التي هاجرت الى امريكا مع جنينها- المستقبل المجهول ، على شكل رسالة موجهة للراوي- القاريء ، هاجرت الى بلاد المحتل – لاادري لماذا جعل الروائي دنيا تهاجر الى امريكا بالذات وليس الى بلد اخر – : ” انني كدت اجعل منه موضوعاً للمساومة وهو جنين في احشائي ، طمعاً في الاستحوذ على بيت مترف يقع في شارع الاميرات – نعم لم لا اصارحك اللحظة بالحقيقة ؟ – لولا انه جعلني احسم أمري وأقرر الهجرة : حصل ذلك يوم اتصلت بي هاتفياً اياي لفشل مسعك مع نجيب الكذاب ، فوسط انفعالي وانا ارد عليك منتحبة فوجئت باول ركلة منه في بطني ، فقررت لحظتها نفض يديّ عن كل شيّ والنجاة به، هو ابني الوحيد وسط زبانية جهنم !! – ص 290 الرواية  ” ، بعد هذا هناك من يتساءل : ماهو الامتداد الفلسفي والفكري لدنيا في كهرمانة ، وهي المرأة المسيحية التي تزوجت ب يحي وهو الذي وقف لها في محنتها المالية بعد ان طردها رياض من المتحف لعدم تمكنه من تحقيق غاياته اللا اخلاقية، في توظيفها عنده في مكتب الاستنساخ في مدينة الاسلاف ، ثم زواجها منه بالسر ،على بركة الشيخ غازي فياض الذي تنكر لهذه الزيجة بعد اختطاف يحي ” هنا المشكلة ، فهذا الشيخ اللعين لم يعد كما كان في الماضي : إذ انه يسعى للفوز بمقعد في البرلمان في الانتخابات بعد فشله في الدورة الاولى ! ص 250/ 251 الرواية ” .

ان رواية ” ليل علي بابا الحزين ” تستند بعمق الى المادة التاريخية لتستقي منها مكوناتها الجمالية والثقافية والسوسيولوجية والسياسية والفكرية والاخلاقية ، التي تنم عن حقائق واقعية بعيدة عن كل ما هو خيالي ، بينما الشخصيات والاحداث تخضع لمخيلة الروائي ، وما بينهما تشكلت سردية النصٌ ، فالروائي استخدم تقنية الزمن المتقطع المختلف الذي يتداخل فيما بينه ،وهذا ما يسمى المفارقة الزمنية ، فهي عدم التوافق في الترتيب الذي تحصل فيه الاحداث والتتابع الذي تحكى فيه ، فمثلا النهاية تكون البداية مع استلهام وقائع حدثت في وقت ماضي بعيد او قريب ، لان في المفارقة يكون الاستعادة والاسترجاع ،وعلى القاريء اعادة الترتيب للاحداث واعادة التسلسل الزمني .                                                                                            

    وفي رواية ” ليل علي بابا الحزين ” نعثر على روايتين في داخل الرواية ، تسرد من قبل ساردين اثنين ، هما الراوي – لم يمنح الروائي اسما له نهائيا – الذي عاصر انظمة الحكم المختلفة التي حكمت العراق ،مرورا بفترة الحصار ،الى زمن الاحتلال الامريكي للعراق (الاجتياح الدولي ) ، والثاني هو بدر فرهود الطارش الذي يمثل فترة الاحتلال البريطاني، فهي رواية تؤرخ لزمنيين واحتلالين ، فيصبح الاحتلال البريطاني الذي كان في بداية القرن العشرين منطلقا للعثور على القواسم المشتركة مع الاحتلال الامريكي الذي بدأ في بداية القرن الواحد والعشرون ، وبهذا يتحقق النصّ المزدوج المتألف من روايتين داخل رواية واحدة.             

حفلت الرواية ب شخصيات كثيرة جداً ، ولكن اكثرها لم تشترك في الاحداث ،فمثلا عصفور الحمال الذي في شارع المتنبي يسهب الراوي في وصفه له ، ف عصفور الحمال وجد نفسه في الحدث الذي لم يشترك فيه والذي لم يشترك في تشكيله ،وهكذا بقية الشخصيات ، واغلبها تتواجد في مقهى الشابندر ،وشارع المتنبي ، امثال : الزوبعي / بائع كتب ، مكتبة الشقيقان عدنان ومحمد سلمان ، بائع الشاي وزاويته الركن ، عبد شندي / بائع كتب ، واثق الحمداني / بائع كتب ، اما اصدقاءه في مقهى الشابندر : حسيب رجب ، امجد سالم ونارجيلته ، هاني الاحمد وصلعته ، وشخصيات مدينة الاسلاف : يحي شفيق ،ابن المبيضجي صاحب مكتب استنساخ قبل الاحتلال ، وتاجر بعد الاحتلال ،الباحث عن الثراء السريع بكل الطرق على قاعدة ميكافيلي ” الغاية تبرر الوسيلة ” ، حيث يجازف بادخال خمسة وعشرون تريلة محملة بلحوم دواجن وبيض فاسدة من منفذ مدينة الاسلاف ، لتسديد كمبيالات مستحقة الدفع ، بقية مبالغ القصر الذي اشتره لدنيا في بغداد في شارع الاميرات ، وينتهي نهاية ماسأوية ، حين يختطف من قبل جماعة ، تاخذ فديته البالغة ستين مليون , بطرق شبيهة بافلام العصابات واللصوص في السينما ،عبر اساليب ملتوية ومتاهات، وعملية تسليم المبلغ تم من قبل زوجته وابنته الارملة ودنيا ، ولكن مفعول النقود يذهب سدى عند عدم عودة يحي شفيق ويتعزز الشك في اختفائه ، اما الشخصية الثانية والتي يكون لها حضور فهو نجيب شكري المهرب لكل شيء حتى الاثار العراقية مابين ايران والعراق عبر البحيرة ، والذي يطلق عليه يحي لقب الكذاب ليشتهر به في مدينة الاسلاف ، بعد الاحتلال ” بات واحداً من اهم الشخصيات المتنفذة في مدينة الاسلاف ، ص 277 الرواية ” ، والفضل يعود في ذلك الى احد اقرباءه المعدومين من قبل السلطة السابقة لارتباطه باحد الاحزاب الدينية ، وفي لمحة ذكية مضحكة يبرز الراوي تناقض موقف نجيب شكري تجاه قريبه هذا ، حيث قبل الاحتلال كلما كان يسجن او يذكر اسمه يلعنه ويشتمه وبعد الاحتلال علق على حائط مكتبه ” صورة كبيرة بالابيض والاسود، معلقة على الحائط في مواجهتي لشيخ ملتحٍ اعتمر عمامة بيضاء وقد تقاطع شريط اسود مع احدى زواياها ، ص 279 الرواية ” ، والشخصية الاخرى ، حمزة مقطاطه -ابن نجم الاعرج بائع اللبلبي والحاصل على نوط الشجاعة عوضا عن ابيه نتيجة عملية مفبركة حيث موته بشظية طائشة وهو على دست اللبلبي حول ايوب العرضحالجي قريبهم الحادثة الى استشهاد في الجبهة -، ذو الهيئة الانثوية والعجيزة الضخمة ، بملابسه الزيتوني ومسدسه ، شخصية انتهازية ، وهو من كان المسؤؤل عن جلب الراوي الى ” الاستاذ ” ثم ايداعه الموقف – السرداب ، ليتحول بعد الاحتلال الى رجلٍ متدين بدشداشة بيضاء فضفاضة يعمل مراسلا عند نجيب شكري .

 تعتبر شخصية الراوي ، الشخصية الرئيسة في الرواية التي لم تمنح اسما ، والحاضنة لكل الشخصيات ، والمتفاعلة معها ، يطالعنا الراوي منذ الصفحات الاولى بانه يعمل على كتابة رواية ساردها وبطلها بدر فرهود الطارش على شكل سير ذاتية عن حقبة الاحتلال البريطاني  وكوارثه وصولا الى زمن الحصار وتداعياته المخيفة : تفشي الفقر ، الحرمان ، الجوع ، الوشاية، بيع اثاث البيوت مع ابوابها، ولا تنجز هذه الرواية الا في الصفحات الاخيرة ، وهذا مايخبرنا به الراوي : ” هكذا عدت امارس حياتي على وتيرتها المعهودة ، محاولاً ، على مدى الشهور اللاحقة ،وضع اللمسات الاخيرة على روايتي ، باذلاً جهدي للوصول بها الى نهاية مقنعة تنسجم مع سياق الاحداث ، ص 289 الرواية ”  ، هذه الرواية بالاساس  تحتوي على روايتين كما نوهنا سابقا ، رواية بدر وسيرته ورواية الراوي المحتوية لها مع روايته الاصلية : ” سيتسنى لي الجمع بين احتلالين ،ما هما في واقع الحال ، الا كوجهين لعملة واحدة : الاحتلال البريطاني الذي هو شاهداً عليه ، والاحتلال الامريكي القادم الذي يفترض أن اكون شاهد عليه ! ص 14 الرواية ” ،الاحتلال الذي زرع سلوكيات شيطانية تحط من قيمة الانسان العراقي وتشوهها وعملت على ترسيخها في النفوس الضعيفة ، واطلق على هذه السلوكيات مصطلحات مقترنة بفعلها : الحواسم – القفاصة – العلاسة – البحارة ،  وقبل ان استرسل اود أن انوه أن كثيراً من القراء والنقاد قد اعتبروا الراوي هو المؤلف عبد الخالق الركابي ، ك الاستاذ ناطق خلوصي في مقالته5 ” تعدد المحاور السردية وسطوة المكان ” : ” مدينة الاسلاف انما هي مدينة بدرة التي ولد فيها الروائي وعاش شطرا من حياته فيها قبل الانتقال الى العاصمة بغداد ” ، والدكتور حسن سرمك حسن  في دراسته 6 ” عبد الخالق الركابي عميد تقنية التخييل التاريخي في الرواية العراقية ” ، والكاتب السوري فائز علام ، عندما يقول ” فالروائي هو البطل الرئيس في الرواية ” ،  حتى الكاتب التونسي كمال الرياحي 8 يذهب الى الرأي ذاته : ” تنتمي رواية الركابي الى مايسمى في التجنيس الادبي ب ” التخييل الذاتي ” وهو نصوص سيرذاتية مروية او رواياتها منبعها حياة كتّابها ” ،  وهذا مما جعل عبد الخالق الركابي يمتعض ويرد في حواره مع الصحفية نهضة طه الكرطاني9 قائلا: “ولا اكتمكم باني فجعت بهذا الضرب من النقد حتى بت أخشىى ان يتصدى لي احد النقاد في المستقبل ليطالبني بان اجعل الراوي يعتمر ” الكاسكيته” ويستند الى عكاز وصولا الى التطابق الكامل معي !!” بل ويضيف مشدداً على ذلك : ” لقد عمدت في غالبية رواياتي – ليس في روايتي الاخيرة فحسب – الى جعل روائي متخيل يروي احداث الرواية بضمير المتكلم . انه كائن ورقي متخيل اضعه كشخص روائي وسط شخوصي المتخيلة الاخرى دون ان يعني ذلك تطابقه معي , ذلك لان التطابق ينتج كتابا في السيرة الذاتية لا الرواية ، ثم لايفوت المتتبع لمعظم رواياتي أن احداثها تجري في ( الاسلاف ) وهي مدينة خيالية لاوجود لها على ارض الواقع ” . 

      يجب ان لايكون هنالك خلط او تداخل مابين مؤلف النصّ والمؤلف الحقيقي وبين المؤلف الضمني أي الراوي للسرد ، لان المؤلف الحقيقي هو على نقيضهم لاينبثق او يستنتج من السرد ، ففي رواية الغثيان التي بطلها روكنتان هناك مؤلفون ضمنيون مختلفون وساردون مختلفون ولكن المؤلف للنصّ واحد هو سارتر 10 ، وكذلك بطل رواية الغريب ، ميرسو، قد اضفى كامو عليه الشيء الكثير من سيرته الذاتية ، فهل معنى ذلك ان ميرسو هو المؤلف الحقيقي لرواية الغريب ، بالطبع لا ، وهذا مالم يعرفه او يطلع عليه اغلبية الذين تناولوا الرواية ، فكانت رؤيتهم مضللة ما بين الخيال والوهم ، عندما قاموا بالغاء التخييل ، فالرواية تكتب بمخيلة الروائي لا بمخيلة المؤلف الضمني ، ولم يضعوا في حسبانهم الفارق الكبير مابين الروائي والمؤرخ ، فالاول تكون مخيلته رائده ، اما الثاني فتكون وثائقه مرشده ،ولكن ” إن التاريخ لا يستطيع ، كما ارى ، أن يقطع كل علاقة مع السرد دون أن يفقد طبيعته التاريخية ، والعكس بالعكس “11 لذا وقعوا في الخطأ المعتاد ، عندما ظنوا ان المؤلف الحقيقي هو راوي الرواية ، نعم الروائي قد يستعير  اجزاء من حياته الواقعية ولكن ليس معنى ذلك انه البطل او الراوي او شخصية اخرى ، فيبقى الخيال هو الحكم الفاصل ، وتبقى الرواية ” الجنس المهيمن حاليا هي التي تعيد النظر دائما، من خلال التأثير المرآوي في هيمنة الكتابة وسلطة الخيال12 .

      ولكن الروائي عبد الخالق الركابي اوقع القاريء في شرك التوهم بالتطابق مابينه والراوي ، استنادا للكثير من مقتطفات السير ذاتية للركابي :

* المؤلف روائي وبطل الرواية كذلك : ” عاوتني حماستي القديمة للشروع في كتابة روايتي المنتظرة – ص 26 الرواية  ” .

* المؤلف لديه رواية ” سابع ايام الخلق ” وبطل الرواية كذلك  عندما يعثر على روايته في مكتب الاستنساخ : (وانتهى تقليبي لتلك الكتب ، في احدى المرات ، بعثوري على نسخة مصورة عن روايتي ” سابع ايام الخلق ” – ص51 الرواية ) . 

* قيام الركابي بذكر ثلاثيته مرات عديدة في مواقع من الرواية : ( وعلى امتداد الشوارع التي سلكتها السيارة دأب حمزة على الالتفات نحوي ، وانا غاطس وسط زميليه في المقعد الخلفي ، ليحدثني هذه المرة عن متابعته لرواياتي ولاسيما تلك ” الثلاثية ” التي تدور احداثها في مدينة الاسلاف : ” الرواق ” و ” يحلق الباشق ” و ” اليوم السابع ” ! – ص 67 الرواية ).

وهنالك الكثير من هذه الاستشهادات ، لذا سنكتفي بهذا القدر ، وان هذه الاستعارة للمؤلف المأخوذة من سيرته الذاتية ، احيلت على الشخصية الرئيسة في الرواية الا وهو الراوي ، من خلال سلطة التخييل ،السلطة المتنفذة في أي نصّ روائي ، والنصّ يخضع للتحليل  بالنظر الى سياقاته السوسيولوجية  . 

اما الشخصية التي اخذت حيزا كبيرا من الرواية شخصية بدر فرهود الطارش ، فهو المليونير، المصاب بشلل نصفي اثر جلطة دماغية ، الذي ” انهى دراسته في المدرسة الامريكية ، فعُيّن موظفا في الشعبة الفنية في المتحف العراقي – ص 244 الرواية ” ،  قد زين جدران بيته بلوحات مختلفة لفنانين عراقيين وانكليز مع مكتبة ضخمة  بارتفاع طابقين في الصالة التي تتكون من عشرات الرفوف المثقلة بآلاف الكتب والمخطوطات والملفات (ص15) ، الشخصية التي تنبأت باحتلال العراق من قبل امريكا بعد احداث 11/ سبتمبر: (أن اطماع الامريكيين في العراق قديمة قدم أطماع البريطانيين ، فقد كان الطرفان يتنافسان للاستحواذ على البلاد منذ مفتتح القرن العشرين ، متخذين من حملات ” التبشير ” والتنقيب عن الاثار واستخراج النفط، فيما بعد ، وسائل للتغلغل وكسب النفوذ – ص 111 الرواية ) ، ويصبح مصدر الهام للراوي مع مد يد العون له في فترة الحصار ، ومن خلال الزيارات الدورية للراوي لمدينة الاسلاف تكتمل الرواية وليكون لبدر : ”  في تلك الرواية  حصة الاسد – ص 32 الرواية ” ،وهذه الرواية تكتمل رغم ان الراوي قد فقد جدوى الكلمات ، لما راه من احداث ماهولة ،مخيفة ، متسمة بالاانسانية ، وتنسف مقولة ماركس الانسان اثمن راسمال، ف بدر من مخلفات البريطانببن ، وابوه  الحقيقي هو تيلر تومسون ، الجاسوس البريطاني الذي دخل العراق بصفة منقب اثار وعُرف باكثر من اسم مثل اسم ” فوكس وايت ” ، يعود بعد احتلال بلده للعراق بصفة اول نائب حاكم عسكري على المدينة ، جار الثري فرهود الطارش زوج الجميلة شذرة والدة بدر ، التي تصبح عشيقة تومسون ، ونتيجة هذه العلاقة ياتي بدر بعينيه الزرقاوين ، وليكون ابن فرهود المدلل رغم ان فرهود قد تزوج مرتين قبل زواجه من شذرة ولكنه لم يخلف ذرية ، فهو عقيم ، ويترك اموال واطيان بعد موته ل شذرة وبدر .       ويعرفه تيلر تومسون ب ” المس بيل ”  سكرتيرة دار الاعتماد ، وهي التي  نصبت ” فيصل ” ملكا على العراق ، و تهديه عدد من مجلة ” ناشينال جيوغرافك ” باللغة الانكليزية والترجمة العربية ” العصور القديمة ” ، بل كان مستر تومسون يصطحب بدر في رحلاته الى اماكن التنقيب ولاسيما في اور ولكش بعربة بولمان كأنها بيت متنقل ملحقة بالقطار ، لقد عاصر بدر الكثير الكثير من الاحداث كانتحار رئيس الوزراء السعدون ، وافتتاح الملك فيصل للمتحف ، وكان الراوي ” مع كل عودة لي الى بغداد ، الى الاستعانة بكتب التاريخ المعاصر وبالسير الشخصية والمذكرات دون ان انسى الرجوع الى الكتب التي تتناول تاريخ محلات بغداد لغرض توثيق بدر – ص 159 الرواية ”  . 

وللنهاية تبقى شوارع المدن العراقية مستباحة ..والقتل والاغتيال على المذهب او القومية مجانا .. ويبقى اللصوص يثبون تباعا مغادرين جرار كهرمانة .

الهوامش والاحالات

1- الفلسفة الالمانية والفتوحات النقدية  – مجموعة من المؤلفين ، جداول للنشر والترجمة والتوزيع –   ط1  بيروت – لبنان 2014   ص 263 .

2- الرواية : مدخل الى مناهج التحليل الادبي وتقنياته – برنار فاليت ، ترجمة سمية الجراح ، المنظمة العربية للترجمة . ط1 بيروت – لبنان 2013  ص 85 .

3-الحكاية إن بطلة هذه الحكاية هي (قهرمانة) بالقاف الذي أصبح فيما بعد كافا.. وكانت (كهرمانة) طفلة ذكية وشجاعة والدها كان يمتلك (خانا) لإيواء المسافرين وهو أشبه بالفنادق في أيامنا هذه وكان يمتلك أيضاً عربة، يضع فوقها عددا من الجرار. يقوم والد كهرمانة بملء تلك الجرار بالزيت صباح كل يوم ليبيعه في السوق. وذات ليلة من ليالي الشتاء القارص نهضت كهرمانة من فراشها …. بعد أن سمعت أصواتاً غريبة وشاهدت عددا من الغرباء اختبأوا في الجرار الفارغة. ولكنهم اطلوا برؤوسهم لمراقبة رجال الشرطة الذين أحاطوا المكان. أسرعت كهرمانة لإخبار والدها، واتفقا على إحداث ضجة في الخان لكي يخفي اللصوص رؤوسهم وتم لهما ما أرادا وهنا قامت (كهرمانة) بملء إحدى الأواني بالزيت وراحت تصبه في الجرار الواحدة تلو الأخرى. ولما شارفت الجرار على الامتلاء نهض اللصوص واخذوا بالصراخ والعويل مما دفع رجال الشرطة للامساك بهم.

4- التأويل بين السيمائيات والتفكيكية – امبرتو ايكو ، ترجمة : سعيد بنكراد ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء – المغرب ط1 2004 ص 22 .

5 – جريدة الزمان الدولية – 29 / نوفمبر / 2014 .

6 – مركز النور نيت – 9 / 6 / 2014 ,

7 – رصيف 22 نيت – 29 / 6 / 2014 .

8- الجزيرة نيت – 19 / 1 / 2014 

9– كتّاب العراق نيت 

10- المصطلح السردي – جيرالد برنس ، ترجمة : عابد خزاندر  ، المجلس الاعلى للثقافة ، القاهرة ط1 2003 ص 33 . 

11- الزمان والسرد ج1– بول ريكور ، ترجمة : سعيد الغانمي  و  فلاح رحيم  راجعه عن الفرنسية ، جورج زيناتي ، دار الكتاب الجديد المتحدة  ، بيروت – لبنان ط1 2006 ص 280 .

12- الرواية : مدخل الى مناهج التحليل ، ص 18 .

*رواية ” ليل علي بابا الحزين ” – عبد الخالق الركابي ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت – لبنان ط1 2013 . 

*نشرت في مجلة الرقيم العدد15 / شباط 2017.

 

شاهد أيضاً

صباح هرمز: التناص والإيحاء في رواية (المنعطف) لحنون مجيد (ملف/12)

إشارة : يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تبدأ بنشر ملفها عن الروائي والقاص المبدع …

سلام إبراهيم: وجهة نظر (13) أدب السيرة الذاتية العراقي (ملف/68)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

“رؤيا الغائب” للعراقي سلام إبراهيم رحلة في الجحيم العراقي
عبد الحسين إبراهيم (ملف/67)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *