د. علي القاسمي : طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات
(15) الوزير عبد الغني الدلي وإمام اليمن

إشارة:
“صيّاد اللآلىء” وهو عنوان أحد الكتب المهمة الكثيرة والمتنوعة (أكثر من 50 كتاباً) للمبدع الكبير العلامة الدكتور علي القاسمي ينطبق عليه في كتابه الجديد هذا “طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات” ، ففد اصطاد لنا القاسمي من بحر ذاكرته الزاخر وسيرته الحياتية العطرة المكتنزة بالتجارب هذه الذكريات التي تمتزج فيها متعة القراءة بعِبَر التجارب الحياتية البليغة. وقد تكرّمت روحه النبيلة بنشر هذا الكتاب متسلسلاً في موقع الناقد العراقي. فتحية كبيرة له من أسرة الموقع متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد وحفظه الله ذخراً لثقافة وطننا العراق العظيم.

15

الوزير عبد الغني الدلي
وإمام اليمن
عندما التحقتُ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس في الرباط في السنة الدراسية 1972ـ1973، التقيتُ بالعراقي عبد الغني الدلي (1913 ـ 2010) الذي كان أستاذاً للعلوم الاقتصادية في كلية الحقوق بالجامعة نفسها. وكانت ابنته علياء طالبة لدي في كلية الآداب. وكان عبد الغني الدلي قد شغل منصب وزير الزراعة في وزارة الدكتور فاضل الجمالي (1903ـ1997) التي تشكَّلت بعد تنصيب فيصل الثاني (1935 ـ 1958) ملكاً على العراق سنة 1953، ثم عمل في القصر الملكي في بغداد، ثم أصبح أوَّل سفير عراقي لدى المغرب بعد استقلاله (1956 ـ 1958).
ألفيتُ في شخص الأستاذ الدلي مثقفاً واسع الاطلاع ويتمتَّع بحسِّ الفكاهة الراقي. سألتُه مرَّةً عن سرِّ الحياة المديدة التي يتمتع بها وصديقه الدكتور فاضل الجمالي، فأجاب جادّا :
ـ يعود الفضل إلى الله وإلى جهلنا بقيادة السيّارة.
كان الدلي يتحفني بقصصه الساخرة وطرائفه النادرة.
من هذه الطرائف قصَّة ذلك التاجر الهندي الذي توقَّفت الباخرة التي كان على ظهرها في ميناء الحديدة اليمني في الأربعينيات من القرن الماضي عندما كان الأمام يحيى المتوكل على الله (1869ـ 1948) إمامَ اليمن (من سنة 1904 إلى 1948). وعندما تجوّل رجل الأعمال الهندي في المدينة لاحظ أنها تخلو من دارٍ للسينما، ففكر في ذات نفسه أنه إذا استطاع أن يستثمر بعض أمواله في بناء دارٍ للسينما هناك ويبعث إليها بالأفلام من الهند فإنه سيحقق أرباحاً أكيدة. فاتصل بالسلطات وعرض عليهم الأمر، فأخبروه بأن عليه أن يقابل الأمام يحيى في صنعاء. فشدَّ الرحال إلى صنعاء ومكث في أحد الفنادق أسبوعاً قبل أن يستطيع مقابلة الإمام.
عرض رجل الأعمال الهندي مشروعه على الإمام، فأجابه الإمام بأنه موافق على شروطٍ ثلاثة:
الشرط الأول، أن تُفصَل مقاعد الرجال عن مقاعد النساء في دار السينما.
فقال رجل الأعمال الهندي إنه موافق تماماً.
الشرط الثاني، أن تفحص إدارة السينما كلَّ فيلم قبل عرضه للتأكُّد من عدم منافاته للأخلاق العامّة.
فقال رجل الأعمال الهندي إنه موافق كلَّ الموافقة، ويوكل هذا الأمر إلى لجنةٍ يمنية.
وواصل الإمام كلامه بقوله: والشرط الثالث، أن يكون الدخول مجاناً.
وروى لي الأستاذ الدلي قصّةً أخرى وقعت في الكويت زمن أميرها الراحل الشيخ عبد الله السالم الصباح (1895 ـ 1965) الذي كان أمير الكويت (من سنة 1950 إلى سنة 1965) ، واستقلّت الكويت في عهده سنة 1961. وقرَّرتْ دولة الكويت إقامة علاقاتٍ دبلوماسيةً مع الاتحاد السوفيتي. وكانت الدول العربية في تلك المنطقة لا تقيم علاقات مع الاتحاد السوفيتي مبرِّرةً ذلك بكونه دولة تعتنق العقيدة الشيوعية التي لا يقرّها الإسلام.
وعندما قدَّم السفير السوفيتي أوراق اعتماده إلى الشيخ، ارتأى ذلك السفير أن يتحدَّث إلى الشيخ عن أوضاع المسلمين الجيّدة في الاتحاد السوفيتي وتمتّعهم بحرّيتهم في ممارسة شعائرهم الدينية، على حدِّ قوله. وبعد أن انتهى من كلامه، قال الشيخ للمترجم:
ـــ اشكرْ سعادة السفير على طمأنته لنا على إخواننا المسلمين في الاتحاد السوفيتي، وارجُه أن يطمئننا قليلاً على إخواننا المسيحيّين في الاتحاد السوفيتي.

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (4)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (3)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (2)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *