مي مظفّر : السينما

السينما

في وقت مبكر من القرن العشرين دخلت السينما إلى حياة العراقيين. وفي 1914 شيُدت أول دار في بغداد هي سينما رويال، كما أعتقد. وسرعان ما تلتها قاعات أخرى لما لاقته هذه الصناعة الساحرة الجديدة من قبول. مع العقد الثاني من القرن العشرين توالى بناء دور لهذا النشاط الحيوي الذي تغلغل عشقه في نفوس العراقيين، وليغدو طقسا من الطقوس الاجتماعية والثقافية الأساسية في حياة الناس عموما. كما هيأ أرضية للنشاط المسرحي، وبدأت بغداد تستضيف الفرق المسرحية المعروفة في مصر، إلى جانب النشاط المسرحي المحلي في بدايات متواضعة.

كان أبي، وهو رجل قضاء، مولعا بالفنون عاشقا للمسرح والسينما، ومن المتابعين للعروض الحديثة، عربية أو أجنبية، فيحضر برفقة والدتي العروض الليلية مع المجموعة المقربة من الأصدقاء متابعين أسبوعيا ما يصل إلى دور العرض. وكانت لنا، نحن الصغار، حصتنا بالتردد في أوقات العرض المناسبة. وكثيرا ما حدثنا الأهل عن العروض المسرحية العربية التي كانت تقدم في بغداد بحضور جورج أبيض، ويوسف وهبي، وفاطمة رشدي التي كانت تسمى ساره بيرنارد مصر.

فاجأنا أبي ذات يوم بشراء ماكينة عرض سينمائية صغيرة مع مجموعة من الأفلام القصيرة من محلات حسو أخوان، وهي ماكينة يدوية، سعرها خمسة دنانير، تولى أخي تشغيلها، وأصبحنا نتبع أوامره الصارمة، فنجلس على الأرض أنا ومن معي من أطفال الجيران، ملتزمين بالصمت والهدوء. هكذا وجدت السينما حولي وداخل بيتي منذ أن بدأت أعي الدنيا. ومنذ تلك السنوات المبكرة أصبح لها نفوذ قوي على مشاعري وخيالي، غير أن تفاعلي معها وإدراكي لأسرارها وقيمها الجمالية لاحقا أضفى على تكويني الثقافي بعدا عميقا ومؤثرا.

طالما تميزت دور السينما في بغداد، بالرقي والجمال، فالمغلقة منها أو الشتوية تؤثث بمقاعد وثيرة وستارة تحمي الشاشة، أسوة بما كان متبعا في أوربا. زيّن البعض بصور لمناظر طبيعية ترسم على الجارين المتقابلين لصالة العرض، أو صور موضوع يتلاءم مع اسم الدار. بل كانت الستارة تُرسم بصورة منظر لغابة كثيفة الأشجار، كما أذكر في سينما الحمراء الشتوي، وقد قام برسم جداريها والستارة الرسام العراقي الرائد عبد القادر الرسام 1882-1952. ومن بعده تولى المهمة الفنان فائق حسن، وكان يرسم أيضا إعلان الفيلم (البوستر) على مدخل السينما. أما الصيفية فكانت تؤثث بكراسً خشبية ذات مقاعد من قماش سميك، تطوى وتفرد مع بدء الموسم الصيفي وانتهائه. 

كانت صالة العرض مقسمة إلى ثلاث درجات، الأولى مقصورات عائلية، أحيانا تكون في أعلى المدرج، وعلى الأغلب في الوسط أمام المدرج الذي يشغله المشاهدون ويعرف بالدرجة الثانية. أما الجزء الأمامي القريب جدا من شاشة العرض فهو الدرجة الثالثة، وهو أرخص الأمكنة سعرا، يشغله المتعلمون وغير المتعلمين الشغوفين بفن السينما، تجدهم يندمجون بأحداث الفيلم اندماجا يجعلهم يشعرون أن هذه الأحداث تمسهم وتعنيهم، بل يمتلكون حسا نقديا فطريا. كانوا مثلا يعبرون بأصوات عالية محتجين أو معجبين أو ثائرين على الحدث أو البطل وغيره. ومن أطرف احتجاجاتهم، أنهم حين ينقطع شريط العرض فجأة، يصرخون بأعلى أصواتهم على من يدير الكاميرا: “ولك أعور”. من الحوادث الطريفة التي يصفها لنا الأهل عن الاندماج والتفاعل مع أحداث الفيلم، ما حدث مرة في أثناء عرض فيلم الوردة البيضاء في 1934 بطولة محمد عبد الوهاب وسميرة خلوصي. فحين تموت البطلة لسوء فهم البطل لموقفها أو سلوكها، يندم بعد معرفة الحقيقة، فيقف على قبرها ويرثيها بأغنية حزينة مما دفع أحد المشاهدين المداومين على مشاهدة هذا الفيلم كل يوم إلى أن يحذف عبد الوهاب بخنجره صارخا:” ابن الكلب، كل يوم تقتلها وتبكي عليها”. هكذا تسبب بتمزيق الشاشة، وتوقف العروض لبعض الوقت. 

حين أعود إلى الوراء، إلى سنوات الطفولة وما بعدها حتى مرحلة النضج متتبعة الأفلام التي تركت أثرا أو جرحا أو مسحة جمال في نفسي، تظهر أمام عيني مجموعة عناوين لأفلام أمريكية وعربية، وتطالعني مشاهد ضبابية أحيانا، وصافية في أحيان أخرى، لاسيما تلك التي شاهدتها مرارا، أنها ظلت لوقت طويل تلازم ذاكرتي ومخيلتي. من أبرزها مشهد الطاعون في باريس في الفيلم الأمريكي “عنبر إلى الأبد”، وصورة الحريق الذي أرعبني في فيلم “ذهب مع الريح”، والطفلة كوزيت في فيلم “البؤساء”، وموت أسمهان في فيلم “غرام وانتقام”. فلطالما انتابتني رعدة ونوبات بكاء من شدة اندماجي في الحدث وتأثري إلى حد أنني كنت أتقمص فيه الدور وأعيشه بمخيلتي. وقد ظلت السينما، بأفلامها الغنية بالفكر والإحساس والبصريات، تشكل مصدرا غنيا من مصادر الإلهام وتحريك المشاعر والأفكار والرؤى في أدبي شعرا كان أو قصة، لاسيما لدى تطور الجوانب الجمالية البصرية والسمعية السينمائية مع اتباع الأساليب الحديثة في المعالجات الفنية، وظهور المدارس الجديدة واقترابها من آلية الرؤى في الأحلام. ولهذه المؤثرات حديث آخر ربما أستكمله في مناسبة أخرى. 

                                                                   مي مظفّر – عمّان

 

 

 

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاني متي  : إلى أين أمضي بنفسي ؟ .

وقالت لي نجوم الليالي التي ترقبني ، وتحرسني ، وتحدثني من العلى : -هل جاءك …

| د. عاطف الدرابسة : قلتُ لها .

قلتُ لها :   أنثرُ رؤايَ وأفكاري بين الكلماتِ ، كأنَّني أبحثُ عن الخلودِ في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *