عثمان حمادي: بريمر كما هو..

ملاحظة :
هذا هو الفصل السابع من الدراسة الفريدة التي كتبها الأستاذ ( عثمان حمادي ) ( التحليل النفسي لشخصية بول بريمر ) . وهي محاولة شديدة الأهمية في مجال علم النفس السياسي الذي هو فرع نادر في الثقافة العربية . ويكشف هذا الفصل عن قدرة تحليلية كبيرة يتمتع بها حمادي رغم أنه ليس طبيبا نفسيا ولا متخصصا بعلم النفس . وإدارة الموقع إذ تنشر هذا الفصل وتحيي الأستاذ حمادي على هذا الجهد المعرفي الكبير تتمنى أن يرى كتابه النور قريبا خدمة للثقافة العربية..

العالم يمضي مثل عربة
تنحدر نحو هاويةٍ
فطوبى لمن يجهل ذلك
طوبى لمن يتمتع بالوقت
وبروعة الطريق الى الهاوية
طوبى لمن لا تنٍٍٍٍٍٍغـّص عليه المعرفة
سعادة َالجهل
ولمن لا تفسد عليه مرارة ُالحقيقة
حلاوة العمى (1)
(1)
شيء معروف ومفهوم أن يجهل أغلب الشعب الأمريكي حقيقة ما يجري في العالم بشكل عام وفي العراق بشكل خاص و هذا أمر ممكن فهمه لأن الشعب الأمريكي قد مضى عليه زمن طويل لم يحكمه رجل مثل الرئيس لنكولن لذلك لم يجد من يحرره من العبودية الجديدة فالحرية قد هوت من سماء الفكر الى حضيض بيوت المال ولم تعد مشعلاً لاضاءة الدروب بل لإشعال فتائل الحروب والفتن.
والشعب الأمريكي  ، اليوم ، كغيره من الشعوب ، يرزح تحت نير العبودية أما الحرية التي يعيشها فهي وهم وعالم خيالي لأن كل ما يملكه منها هو عالمها النظري والافتراضي. فالشعب الأمريكي هو الذي ينتخب رئيسه وهو يفعل ذلك من الناحية النظرية لكنه من الناحية العملية لا يستطيع انتخاب رئيس من خارج الدائرة السياسية الحاكمة. و من الناحية النظرية أيضاً يستطيع أي شخص مؤهل ترشيح نفسه والتنافس على منصب الرئاسة لكن من الناحية العملية تم احتكار عوامل الفوز كما تم احتكار حقوق (تنظيم وتقنين الحرية). و الخطوط الحمر في الولايات المتحدة قد تكون أشد احمراراً مما هي عليه في العالم الثالث عندما يتعلق الأمر (بالسلطة). فكما هو الحال في أغلب بلدان العالم الثالث لا يسمح بانتزاع السلطة من الحزب الحاكم. و قد يقول البعض أنهما حزبان فنقول نعم أنهما حزبان، حزب الفيل وحزب الحمار ولكنهما يعملان في سيرك واحد وكل ما في الأمر أن الفيل والحمار يحتكران الظهور على حلبة السيرك ويتبادلان الأدوار بشكل (حر وديمقراطي) يقرره الجمهور. ويبدو السيرك السياسي الأمريكي من الناحية الشكلية أفضل من( السيركات) السياسية في العالم الثالث التي يحتكرها نوع واحد (مدى الحياة) إما فيل أو حمار وهو الآخر يتبادلها مع نفسه بشكل (حر وديمقراطي) يقرره الجمهور. وهذا تطور كبير في العالم الثالث حدث نتيجة لنصيحة السيرك السياسي الأمريكي.
وغالباً لم تكن المشكلة في السيرك بل في الجمهور الذي يتنازل بشكل لا ارادي عن ارادته وبشكل غير واعٍ عن وعيه. وإذا كان (الجمهور الغربي) قد أثار أعجاب العالم أجمع بما حققه من انجازات عظيمة على صعيد الفكر الإنساني فأنه يتعرض لامتحان إنساني وحضاري حقيقي ونعتقد أنه لن يكتب له النجاح في هذا الامتحان ما لم يسترد أرادته وما لم يخرج السياسة من حلبة السيرك ويضعها في مسارها الإنساني.
وهناك خطر كبير في الاتجاه الأمريكي وهو محاولة (جمهرة) الأهداف الإمبريالية وتحويلها الى عقيدة وأهداف (وطنية) في عملية مسخ مبرمجة لإرادة الشعب الأمريكي ولوعيه. ولقد ذكرني بريمر  بأعوان هتلر المخلصين الذين كانوا يلتفون حوله هم و عوائلهم ممجدين ومؤيدين أفكاره وخطبه النارية. اذ كان بريمر يقف أمام الرئيس بوش كما كان يفعل أولئك الأتباع المخلصون لهتلر ويقول: (( سيدي الرئيس. تريدك زوجتي أن تعرف أن المقطع المفضل لديها من خطابك عن حالة الاتحاد هو: الحرية ليست هدية أميركا الى العالم انها عطية الله الى الإنسان.)) وقد توقفت طويلاً عند هذه الكلمات محاولاً سبر غورها وفهمها لأنها تنطوي على مدلولات كثيرة منها ما أشرنا اليه حول محاولة (جمهرة) الأهداف الامبريالية وتحويلها الى عقيدة وأهداف وطنية. والنص الذي كتبه بريمر يوحي بذلك وعلى الأخص عندما نعلم بأنه سبقه بقول موجه الى بوش ((لأني أعتقد أن أميركا أنجزت عملاً عظيماً بتحرير العراقيين)) بعد أن وصف بوش بأنه ((شخص شديد الحيوية وحازم، مثلما بدا على التلفاز محاولاً حشد طاقات البلد في أعقاب (11/9) الحادي عشر من أيلول)). والنص (الرئاسي) ونص (الاستجابة) الذي أعلنته السيدة فرانسي زوجة بريمر يعتبران الغزو الأميركي للعراق و(العالم) بمثابة هدية. ويذهب النص الى أبعد من ذلك عندما يعتبره مشيئة الهية وحتمية سماوية تحققت على يد الأميركيين. والبعد العقائدي الديني واضح في هذا الخطاب الذي يذكرنا بتصريح بوش المنفلت الذي جاء رداً على هجوم (11/9) الحادي عشر من أيلول والذي قال فيه ((الآن بدأت الحروب الصليبية)). وهذا يدل على أن الأميركيين كانوا يعدون لمرحلة عسكرية ولأن التدخلات العسكرية تتطلب مبررات (وطنية) و(عقائدية) لذلك لم يجدوا أفضل وأسرع تأثيرا من الدفاع عن (الأمن القومي) كمبرر للتدخلات العسكرية بالنسبة للأميركيين الذين لا يهتمون كثيراً بالعقائد الدينية. ولم يجدوا أفضل وأسرع تأثيراً من الدافع الديني لتعبئة المتدينين والحصول على دعم االرأي العام وتأييده في الحرب التي خطط لخوضها ضد العرب والمسلمين. وهكذا يتحول الغزو الأمريكي الى أمر حتمي لا مفر منه وهو ليس مجرد حتمية (تأريخية) بل هو حتمية الهية غائية.
لكننا نلاحظ من جهة أخرى أن سلوك بريمر في العراق لم يعكس تلك العقيدة الدينية والوطنية التي أوحى بها في مذكراته. بل كانت الدوافع الشخصية، شعورية ولا شعورية، هي التي تتحكم في سلوكه وقراراته. وأعتقد أن بريمر كان يريد هذه الوظيفة بقوة وأن ما قاله للرئيس بوش عن المقطع المفضل في خطابه هو محاولة لاحداث تأثير سايكولوجي ايجابي في نفس بوش ينعكس على قراره في استخدامه في العراق. إذ ليس من المعقول أن بريمر كان يصدق تلك الكلمات وهو الدبلوماسي والسفير السابق الذي يعرف السياسات الأميركية ودوافعها جيداً وأن لا علاقة لها بالمشيئة الالهية أو بالدفاع عن الحرية. وقد كان شاهداً على إسقاط الكثير من الحريات في العالم لأنها كانت تعارض مصالح  الفئة الحاكمة في الولايات المتحدة. وكان شاهداً على دعم الكثير من الدكتاتوريات الدموية لأنها كانت تدعم مصالح تلك الفئة. كما أن بريمر، في حقيقته،  لم يكن يشبه في أي شكل من الأشكال أولئك الأتباع المخلصين والعقائديين الذين كانوا حول هتلر فكل ما كان يريده هو ذلك المنصب الرفيع في العراق والذي ((لم أكن  أنا وفرانسي نتوقع الطبيعة الحقيقية لهذا التكليف أو الإجهاد الذي سيرتبه على كل منا.)). إذ كان يعتقد هو و زوجته أنه سيكون ((نائب الملك الأمريكي في العراق)) وبدون تكاليف تذكر.
ويبدو أن هذا اللقب قد أعجب بريمر كثيراً فقد أورده في الصفحات الأولى من مذكراته بتفاخر مرضي يدل على أنه من الذين يحولون (ذواتهم) الى مواضيع لاتجاهات نفسية. ولا  يخفى على المتفحص أن أحد الأسباب التي أغرت بريمر على القدوم الى العراق فكرة أنه سيكون ((صاحب السلطة العظيمة الوحيدة باستثناء الدكتاتور صدام حسين الذي سيعرفه معظم العراقيين.)) وستؤثر هذه الفكرة في سلوك بريمر والذي سيحاول في اللاشعور تقمص شخصية صدام حسين في قيادة العراقيين وفي طريقة التعامل معهم متناسيا أنه لا يملك أدوات صدام حسين التي حققت له تلك السطوة. كما أنه أبعد ما يكون عن شخصية صدام حسين المتسلطة طبعاً لا تطبعاً. فشخصية بريمر أميل الى الانقياد منها الى القيادة. وطبيعة عمله إدارية وسياسية وتقتصر على الجانب المدني من النشاط في العراق. وليس لديه أي سلطة آمرة على القوات العسكرية وعلى الأجهزة الأمنية المختلفة في قوات التحالف.
وفي هذا الفصل سأحاول تتبع شخصية بريمر كما أوردها ، هو ، في كتابه والقاء الضوء على جوانبها المختلفة اعتماداً على النصوص التي تكشف عن تلك الجوانب صراحة أو تلميحاً. ولسوء حظ بريمر أن تأريخه الشخصي ارتبط بتأريخ الغزو الأمريكي للعراق لأنه بالإضافة إلى تحمله لفشله الشخصي في إدارة العراق خلال تلك المرحلة فانه تحمل الكثير من الفشل الذي ارتكبه غيره من القيادات العسكرية والأمنية السياسية الأميركية .لذلك نرى أن بريمر قد حاول قدر ما استطاع، تبرير فشله وإسقاط هذا الفشل على الآخرين. وإذا كان بريمر دقيقاً في تدوين تواريخ الوقائع فأنه لم يكن دقيقاً في تدوين الكثير من تفاصيل الوقائع والحقائق. وقد طعن عدد من المسؤولين والسياسيين العراقيين بما جاء في كتابه.ويستطيع القاريء بسهولة اكتشاف أن بريمر كان حريصاً على تدوين مذكراته اليومية وحريصاً على ارسال الرسائل الى زوجته وأراد من بعضها أن تكون رسائل (تأريخية)  تؤرخ له موقفاً أو رأياً أو مطلباً. وأعتقد أن هذا كله كان جزءاً من مخطط مسبق للخروج بكتاب مذكرات وأن هذا الكتاب كان واحداً من الأهداف التي سعى الى تحقيقها من خلال وظيفته في العراق. وكتابة التأريخ هي إعادة صياغة للتأريخ. وتتوقف دقة الصياغة على عوامل كثيرة وأغلبها لا يستطيع بريمر توفيرها لأنها خارجة عن أرادته.
وفي الفصل الأول حاول بريمر ،بهدوء ، أن يوحي لنا بانطباع عله يترسخ في أذهاننا بشكل لا شعوري إذ كتب على لسان زوجته ((أشعر دائماً أنني بين أيدٍ  أمينة عندما  أكون معك.)) وهذه كانت بداية تعرف القارئ على بريمر في كتابه. والقارئ البسيط الذي لم تكن عنده فكرة مسبقة سيتأثر بهذه الكلمات الصادرة عن زوجة خبرت زوجها وعرفته حق المعرفة. وسيولد هذا الانطباع انطباعاً أخر لدى القارئ وهو أنه هو الآخر سيكون ((بين أيد أمينة)).
( 2 )
اعتاد الكثير من المختصين في علم النفس الفصل بين الشخصية السوية والشخصية الشاذة فصلاً تاماً فاما أن تكون الشخصية سوية أو أن تكون شاذة و وضعوا عدة معايير للفصل مختلفة باختلاف وجهات النظر. وبعض هذه المعايير يتطرف الى حد (المثالية) كالمعيار المثالي الذي يرى أن الشخصية السوية هي الشخصية الكاملة والمثالية. وأنا أرى أن الحكم الدقيق على الشخصية موضوع البحث (كما هو الحال في محاولتنا للحكم على شخصية بريمر) ينبغي أن يتم بتفكيك الشخصية ودراسة السلوك المراد الحكم عليه وعلى دوافعه لتحديد ما إذا كان ذلك السلوك سوياً أو غير سوي. وأعتقد أنه من الخطأ أن يتم الحكم(بكلية) في حال كحالنا هذه لأنه سيكون حكماً غير دقيق كحكم على مزيج من الروائح إذ يلتبس الأمر على حاسة الشم فتعجز عن الفصل بين الرائحة الزكية والرائحة الخبيثة ويضيع خبث الرائحة بين شذى العطور الزكية. وإذا ما تم تناول شخصية بريمر بشكل (كلي) سيكون سوياً وفقا لكثير من المعايير. فوفق المعيار الاحصائي الذي يرى أن الشخصية السوية هي الشخصية التي لا تنحرف عن المتوسط في السلوك المتعارف عليه اجتماعياً وفق منحنى الاعتدال سيكون بريمر سوياً ولا غبار عليه. وسيكون كذلك وفق المعيار الحضاري الذي يرى أن الشخصية السوية هي الشخصية المتوافقة مع مجتمعها والقادرة على مجاراة ذلك المجتمع قيمياً والتكيف مع قوانينه ومعاييره وأهدافه. لذلك فأننا سوف لن نحكم على شخصية بريمر بشكل (كلي) بل سنتناوله (مواقفياً) وسنحاول فهم الجوانب التي تثيرها تلك المواقف في شخصيته. ومما لا يختلف عليه في علم النفس هو (( أن التعبيرات الانفعالية الظاهرة مقترنة بالتقرير اللفظي للشخص المنفعل وبمعرفة الموقف الذي أثار الانفعال تزودنا مجتمعة بحكم أدق على نوع الانفعال…))(2) والانفعال كما هو معروف ينتج عن إحباط الدوافع ويؤدي الى الاضطراب الجسمي والنفسي. ومع أن الانفعال حالة طارئة الا أنه من الممكن أن يتحول الى حالة مزمنة. كالخوف من الموت في جبهة القتال أو كالقلق الذي يصيب الموظف الذي يسمع بأن هناك اجراء لتقليص العاملين. ولا يتشابه الناس من حيث الاستجابة لأنهم يختلفون من حيث درجة النضج الانفعالي. وكلما كان الفرد أكثر  نضجاً انفعالياً كان أكثر قدرة على ضبط النفس.لذلك يعتبر النضج الانفعالي شرطاً ضرورياً من شروط الصحة النفسية للفرد.
وإذا كان الانفعال (الايجابي) إذا صح التعبير مرادفا للعملية الابداعية وللنشاطات الخلاقة وحتى لتطور الشخصية فان الانفعالات التي لا تتسم بالنضج تؤثر بشكل كبير سلباً على الصحة النفسية للفرد وعلى الوظائف العقلية فتشوه الإدراك وتربك التفكير وتسلب الإرادة. ومن يقرأ كتاب بريم يكتشف بدون عناء القلق الكبير الذي كان يعاني منه واقترابه أكثر من مرة من (نقطة الانهيار) واعترافه بذلك واضح في مذكراته. والقلق هو انفعال. وهذا الانفعال مكتسب ومركب من الخوف وترقب المصير المجهول. ولا نعني بالخوف هنا الخوف الآني من خطر طاريء بل الخوف من (واشنطن) ورياضتها الدموية ومن (الإدارة) في واشنطن ومن (الذين يتربصون به). ومن السيد السيستاني الذي قد يقوض كل شيء بناه ومن انسحاب السنة من مجلس الحكم. ومشكلة بريمر أن قلقه هذا لم يعد قلقاً موضوعياً عادياً ناجماً عن مؤثرات خارجية بل تحول الى قلق ذاتي مصدره داخلي بعد تراكم أخطائه واحساسه بمسؤوليته عن التدهور الأمني الخطير في العراق والذي لا يجد الشجاعة على الاعتراف بها فيسقطها على الآخرين.
وعندما نتفحص انفعالات بريمر كما أوردها في كتابه نجد أن بعضها بعيد عن النضج الانفعالي وتفتقر الى أغلب سمات هذا النضج. كالثبات المزاجي الذي يجعل من الحياة الانفعالية رزينة وخالية من التذبذب الانفعالي. فنراه، في الليل، بكتب الى زوجته ((أحدى أكثر رسائلي الالكترونية إحباطاً)) وهي كثيرة على ما يبدو ولم يطلعنا الا على بعضها. ويشكو الى زوجته انتهاء اللعبة وأن الوقت قد حان لاستبداله بلاعب جديد ويعترف تلميحاً بأنه لم يكن ((بالرامي المتخصص)) وأن السيد السيستاني سبب فشله وأن الإدارة ((ستخلص الى أنها لا تستطيع تحقيق أهدافها معي)). وفي الصباح نراه في مزاج آخر هو مزاج من لديه ((عمل ينجزه في العراق)).
كما أن  انفعالات بريمر لا تتسم بالاستقرار وهو من سمات النضج الانفعالي حيث يعبر الفرد عن انفعالاته بصورة متزنة بحيث لا يوحي سلوكه بأنه يتعرض لضغط شديد وأنه يسرف في التعبير عن انفعالاته وأنه موشك على الانهيار. وهذا ما كان يقوله بريمر لزوجته ويشكو لها حاله وكيف أنه منهك نفسياً وروحياً وكيف أنه ((موشك على الانهيار)). وكل هذا يشير الى أن بريمر تعوزه القدرة على ضبط النفس والتعبير عن انفعالاته  وهذه القدرة أيضاً من سمات النضج الانفعالي.
وهنا لابد لي من الإشارة الى أمر لاحظته في طبيعة العلاقة بين بريمر وزوجته السيدة فرانسي. إذ ذكرتني هذه العلاقة بظاهرة كانت تثير انتباهي في الفترة التي كنت فيها على احتكاك مباشر بالمسرح حيث لاحظت أن الفنانين الذين كانوا يعانون من (التلعثم) و(التأتأة) والتلكوء في الكلام يتحولون الى أشخاص آخرين على خشبة المسرح ويتحررون تماماً من عجزهم. وعندما أقول أنهم كانوا يتحولون الى أشخاص آخرين فاني أعني ذلك بدقة لأن هذا ما كان يحدث معهم بالضبط. لأنهم في الحقيقة لا يتحررون من مشكلة (النطق) فحسب بل يتحررون من مشكلة (الشخصية)، شخصيتهم الحقيقية. فالمسرح يوفر لهم فرصة مثالية للتخلص من شخصيتهم التي تربطهم بتأريخهم النفسي والاجتماعي وبتحررهم من هذه الشخصية يتحررون كلياً من ذلك التأريخ وما يمثله من انفعالات وعقد وعصابات. واعتقد أن علاقة بريمر بزوجته تشبه الى حد كبير علاقة أولئك الفنانين بالمسرح. إذ أنها ، كما يبدو، لها عليه من التأثير ما للمسرح من تأثير على أولئك الفنانين. وهذا التأثير واضح في كتاب بريمر بشكل يدعو الى تأمله ودراسته. فالشخصية السوداوية و المتهالكة والمستسلمة سرعان ما تتحول، بعد مكالمة تلفونية، الى شخصية متفائلة ومقبلة على العمل. ولعل الاتصال اليومي الذي يجريه بريمر، بريدياً أو هاتفياً، قبل أن يخلد الى النوم بمثابة  صعود الى خشبة مسرحه الخاص لانتزاع  الجانب (المتلعثم) من شخصيته. ويكفي للدلالة على تأثير السيدة فرانسي على بريمر أنه أورد ذكرها خمسين مرة تقريباً في كتابه أي بمعدل مرة لكل تسع صفحات تقريباً آخذين بنظر الاعتبار أن موضوع الكتاب لا يحتمل ذلك وكان أسمها أخر أسم ذكر في الكتاب. وكانت صورتها هي الثانية بعد صورة الرئيس وبريمر ورامسفيلد (الجماعية) وللصور مدلولاتها عند بريمر* وهذا يعني أنها الشخصية الثانية بعد الرئيس (للمجاملة) وهو الشخصية الثالثة بعدها كما وردت صورته منفرداً للدلالة على التسلسل الحقيقي الذي يضمره وان كانت قد وردت صورته معها وقبلها مع الرئيس ورامسفيلد. والصورة الأولى حيلة تسلسلية. إذ كان ينبغي أن تكون صورة رامسفيلد الثانية لكونه الشخص الثاني بعد الرئيس من الناحية الإدارية التي كانت تربط بريمر بالإدارة الأميركية ورامسفيلد هو المسؤول المباشر عن بريمر الا أن العلاقة المتأزمة بين الرجلين تركت أثراً واضحاً في نفس بريمر عبرت عنه الصورة التي اختارها لرامسفيلد إذ كانت صورة جماعية تضمهما مع بوش. ومن يتمعن في الصورة سيجد أن صورة رامسفيلد مقطوعة وغير كاملة كما أنها جانبية ولا يظهر فيها بوضوح. واعتقد أنها محاولة لتغييبه، شعورية كانت أو لاشعورية. ويظهر بوش وبريمر، في صدر الصورة، جنباً الى جنب في مواجهة رامسفيلد وكأن ذلك تأكيداً على التقارب بين بوش وبريمر على حساب رامسفيلد الذي قال لبريمر يوماً، منبها، أنه بدأ يتجاوزه ويتصل مباشرة بالرئيس. وتبدو هذه كنكاية وتذكير لرامسفيلد بذلك الموقف. كما أن وجود رامسفيلد شبه الغائب في هذه الصورة يعفي بريمر من اضطراره الى وضع صورة له، وهو لا يريد ذلك كما يبدو، وبذلك ستبقى فرانسي هي الثانية بعد الرئيس وان كان هو وفرانسي يعرفان بأنها الأولى في حقيقة الأمر ولكن ما حيلتهما .. انه الرئيس.
وكان بريمر يتصل بفرانسي يومياً ((وبصرف النضر عن الوقت أو التعب))  كما يقول واعتباراً من أول يوم في العراق. ويشير بريمر الى أن زوجته كانت شريكة له في العمل الدبلوماسي 37 سبع وثلاثين سنة حيث عمل في السفارة الأمريكية في أفغانستان. وهذه الفترة الطويلة من الشراكة في العمل وفي الحياة الزوجية جعلت منهما ((وثيقي الصلة جداً بحيث يشعر أحدنا بمزاج الأخر على الفور.))( ص 12 ) وأعتقد أن هذه الصلة الوثيقة هي صلة من نوع خاص غير الشراكة الزوجية التقليدية, انها شكل من أشكال التخلي عن الذات والإرادة لإرادة ( عليا ) بلا شعور بالسلب بل هو نوع من الايمان بإرادة (كلية) بشبه الأيمان الديني والفلسفي  المتأرجح بين  كانت وشوبنهاور. وهو كـ ((كانت)) لا يشعر بالتناقض عندما يعتبر نفسه حراً وفي الوقت نفسه خاضعاً (للضرورة الطبيعية) التي تنازل لها عن حريته وارادته. و((فرانسي)) هي ضرورته الطبيعية.
ويصف بريمر بشكل مؤثر موقف حصوله على موافقة فرانسي بالعمل في العراق. وتظهر في هذا الموقف قوية ومهيمنة ومتعاطفة ويظهر بريمر دامع العينين وممتناً . ويبدو أن الحصول على موافقة (فرانسي) ليس بالأمر السهل لأن بريمر يحدثنا كيف أن الرئيس مازحه قائلاً ((إذا اتجهت الأمور الى الجنوب (جنوب العراق) فربما يتعين عليك البقاء سنة أخرى أو اثنتين))فأجابه بريمر:
_(( في هذه الحالة عليك أن تبلغ فرانسي بذلك سيدي الرئيس لأنني لن أبلغها.))
فأجابه بوش: ((لن أبلغ فرانسي)).
فرد عليه بريمر. ((يتعين عليك ذلك لأنني لن أجرؤ))
وهذا يعكس حضوراً هائلاً لهذه السيدة في حياة بريمر فهو يقحمها في كل وقت كما أقحمها هنا في هذا الحوار مع (الرئيس). حتى ليبدو أن الرئيس لم يكن مرتاحاُ لهذا الإقحام. وهذه ليست المرة الأولى التي يقحمها في أحاديثه مع الرئيس. ففي أول لقاء لهما نقل له رسالة شفوية من فرانسي تعرب فيها عن إعجابها بخطابه (الأخير). وأقحمها في حديثه مع الرئيس الذي ورد في الصفحة 424 وهو إقحام إداري إذا صح التعبير حيث بين بريمر كيف أنه كان يتبنى رؤية فرانسي للعراق (المريض) وينفذها هناك. ويبدو اطلاع فرانسي على إدارة العراق واسعاً ومباشرا حتى أن الأخبار والتفاصيل تصلها مثل أي مسؤول أمريكي كبير في واشنطن ((عقدت اجتماعاً مع كبار مستشاري الوزارات في مكتب أعادة الأعمار والمساعدة الإنسانية وقد أوضحت ما دار في رسالة الكترونية أرسلتها الى فرانسي في وقت متأخر من الليل.)) ص 63
وفي يوم الجمعة 15 آب/ أغسطس 2003 ((بعثت رسالة الكترونية الى فرانسي بأن الجميع في واشنطن خائف تماماً أولاً من الأشباح ، نفسهم ، الذين أرسلوا مذكرة لامسؤولة البتة الى الرئيس بالأمس والآن من البريطانيين الذين اصطكت ركبهم.)) ( ص 176 ) ولم يقل لنا بريمر ماذا كان رد فرانسي على هذه الرسائل ؟
وفي رسالة أخرى شرح بريمر لزوجته تفاصيل زيارة وزير الدفاع الأميركي (رامسفيلد) للعراق وختمها بالقول:  (( ان انشغال البنتاغون  الظاهر في استبدال القوات في الربيع أخذ يحدث ضغوطاً غير صحيحة على الرغبة في انشاء قوة أمنية عراقية تتمتع بالكفاءة باسرع مما هو ممكن.)) ( ص 203 ) وفي رسالة أخرى ((علينا وقف مقتدى الآن ….))(ص 247)
ولجوء بريمر الى فرانسي متعدد الوجوه فهو يلجأ اليها كإرادة (كلية) تضمه اليها ومن ثم تطلقه في فضائها إرادة منفصلة انفصال التابع الدائر في فلكها. ويلجأ اليها كمتنفسٍ يحرره من الضغوط التي يتعرض لها خلال عمله (الدموي) على حد تعبيره. ويلجأ اليها كزوجة عندما لا تكون به حاجة اليها لأغراض أكثر الحاحاً.
وشكاواه لا تنقطع واسقاطاته لا تتوقف. ومن شكاواه وهي كثيرة جداً ((أبلغت فرانسي على الهاتف بأنني أشعر كأنني بحار على سطح سفينة تايتنيك))(ص 383     وبريمر بكاء ومتشكي ولا شك في أنه يجد عند فرانسي التعويض الذي يتطلبه (لاشعوره) لسد الفراغ الذي تركته أمه.) و(( كتبت عن احباطاتي في رسالة الكترونية الى فرانسي:…. لقد كنت معزولاً تماماً.)) (ص 254 )ولم يذكر شيئاً مما كتبه عن تلك الاحباطات. و((وفي 2 أيار/ مايو 2004 بعثت رسالة الكترونية الى فرانسي لخصت فيها الأسباب التي تدعوني الى الاحباط .)) (ص 443) وهو يعترف بأنه: ((لا ينتهي يومي الى أن أبعث رسالة الكترونية الى فرانسي بعد منتصف الليل عادة)) (ص 315)لقد كان لفرانسي حضوراً في كتاب بريمر أكبر من حضور الرئيس بوش والزرقاوي ورامسفيلد ورايس وأي شخصية أخرى حتى ليخال المرؤ نفسه يقرأ رواية بطلتها (فرانسي). ولم تكن فرانسي هي وحدها التي كانت تقحم أحياناً في الرواية بشكل غير مستساغ بل أصر بريمر على اقحام جميع أفراد العائلة بل حتى الكلبة ( ميني ) وكأن بريمر كان قد وعد الجميع بادخالهم التأريخ. ولقد أحصيت عدد المرات التي تطرق فيها بريمر الى أفراد عائلته الآخرين فكانت سبع عشر مرة وأغلبها اقحاما للمجاملة وليس لضرورة يقتضيها سير الوقائع.
( 3 )
تحدث بريمر عن كلماته المتلفزة التي كان يبثها الى الشعب العراقي ومما قاله أنه كما تنبأ أمام الرئيس لا توجد اصلاحات سريعة وعليه أن ينقل ذلك الى العراقيين ويشجعهم على (الصبر) (والأمل) ((وهو شيء يفتقر اليه معظمهم)) كما يعتقد وهذا يدل على أن بريمر لم يفهم الشعب العراقي هذا الشعب الصبور والمليء بالأمل والذي كان ما أن يخرج من حرب حتى يزج به في حرب أخرى. غير أن بريمر في كلمته المتلفزة يوم 15 آب/أغسطس2003 لم ينقل الى العراقيين ما وعد أن ينقله اليهم عن تنبؤاته التي أعلنها أمام الرئيس بوش بعدم وجود إصلاحات سريعة وبأن الوضع في العراق يحتاج الى أعداد أكبر من القوات الأمريكية والحليفة وأن الشرطة العراقية تحتاج الى وقت طويل لتكون جاهزة وقادرة على الحلول محل القوات الأجنبية بل قال للعراقيين في كلمة متلفزة .((في الأشهر التالية سيقل عدد الجنود الذين ترونهم على الطرقات عندما تحل محل جنود الائتلاف شرطة عراقية فعالة ومدربة)) (ص 178 ) وكان هذا خلاف الواقع وخلاف ما يؤمن به ويعرفه بريمر وما أكده مرات ومرات على صفحات كتابه ولعل هذا ما جعله يبدو ((مراوغاً في الغالب على الشاشة)) (ص 177 )وليست رفرفة الأوراق التي كان يسقطها ( دان ) نحو قدمي بريمر كما قال.
وكان بريمر قد استهل كلمته بعبارة ((الله بالخير)) وهي عبارة شعبية دارجة يستخدمها العراقيون بشكل واسع لكن استخدامها ظرفي ومخصص إذ أنها تقال للجالسين تواً فور جلوسهم ولا تستخدم في غير ذلك ولم يسبق لأحد قبل بريمر أن استخدمها كاستهلال أو تحية في خطبة أو كلمة تلقى على جمهور. ومن المؤكد أن الخطأ ليس خطأ بريمر بل خطأ مستشاريه. وأستخدم بريمر الآية (11:29) من سفر إرميا ((كواسطة عقد لكلمته الى الشعب العراقي) كما قال. وتقول الآية على لسان النبي إرميا: ((أنا أعرف ما نويت لكم من خير لا من شر. فيكون لكم الغد الذي ترجون.)) ومن المؤسف أن تستخدم النصوص الدينية لخداع الشعوب وتضليلها. فبريمر يعرف قبل غيره أن غزو الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها للعراق كان بدوافع (أميركية) من أجل مصالح (أميركية) بحتة ولم يكن للشعب العراقي أي اعتبار في هذه العملية. ووجود بريمر في العراق هو جزء من الآلة الأمريكية.الهائلة التي لا هم لها سوى العمل على تحقيق تلك المصالح الغاشمة. وقد اعترف بريمر بذلك أكثر من مرة محاولاً تأكيد حرصه للآخرين على ((تنفيذ سياسات الرئيس بأفضل طريقة لخدمة المصالح الأمريكية(هنا).)) (ص 310 )وأكثر الناس جهلاً يعرف أن مصالح الولايات المتحدة الأميركية هي غير مصالح العراق. ورغم ذلك يتحدث بريمر بلسان النبي إرميا ويعد العراقيين بوعود لا يستطيع تحقيقها. وكان (السلام مع الجيران) من أطرف وأغرب الوعود. ولعل بريمر نسي أن الادارة الأميركية قالت فور احتلالهم العراق أن أميركا قد أصبحت الآن جارة لإيران وسوريا. ولهذا التصريح دلالاته السياسية والعسكرية الخطيرة لأنه ينطوي على الغاء للعراق وكأن الولايات المتحدة حلت محله وأصبحت جارة لهاتين الدولتين ملغية وجود العراق كدولة وكإرادة. معتبرة أياه مجرد وجود جغرافي وحيز مكاني. وقد صدرت الكثير من التصريحات والتقارير التي تؤكد وجود مخططات جادة لأسقاط الحكومتين الحاليتين في سوريا وإيران. فأي سلام ذلك الذي يتحدث عنه بريمر؟!! كانت الكلمة مليئة بالوعود والآمال والازدهار كنموذج جميل لانشاء كتبه هاوٍ للأدب لكنه بالتأكيد لم يكن يعرف شيئاً عن العراقيين .
وعلق بريمر على أحد الاجتماعات التي حضرها في البيت الأبيض مع مديري مجلس الأمن القومي (28 تشرين الأول/ أكتوبر 2003). ((حصلت على انطباع في أثناء الاجتماع بان الوزير رامسفيلد يعتبر أنني الغريب الذي يسبح عكس التيار. وأحسب أنني كذلك.)). ص 263 وكان (التيار الذي أشار اليه بريمر). يميل الى تسليم السيادة الى العراقيين في أسرع وقت للتخلص من جريمة (الاحتلال) وما تترتب عليها من مسؤوليات قانونية وسياسية وأخلاقية. الا أن بريمر كان مصراً على عدم تسليم السيادة الى العراقيين لأن تسليمها يعني الغاء وظيفته والغاء حلمه الذي حمله معه من واشنطن في (بناء الأمة العراقية) على الطريقة الأمريكية ليخلده التأريخ كما خلد مارشال مشروعه في المانيا. وكان ينظر الى معارضيه كحفنة من البيروقراطيين الذين يحرضهم د. أحمد الجلبي على الإسراع في تسليم السيادة الى العراقيين وتدمير مشروعه. ويبدو واضحاً أنه كان يعتبر تسليم السيادة هزيمة له وفشلاً شخصياً. ومن المعروف في علم النفس أن من أكثر الأشياء التي تدمر حياة الفرد وتدفعه نحو ( الاضطراب في الشخصية) هو عدم التناسب بين مستوى طموحه ومستوى قدراته. أي بين رغباته وبين قدرته على تحقيق تلك الرغبات. وهذا ما كان قد وقع فيه بريمر الذي استمر في رفضه القبول بضرورة تسليم السيادة مدعياً أن العراقيين غير قادرين على تحمل مسؤوليات إدارة دولتهم الجديدة. وكان هذا الادعاء في الوقت الذي لم يكن يقلق الشارع العراقي الا المجرمين العاديين ومجاميع صغيرة من الإرهابيين وكان القضاء على هؤلاء أمراً سهلاً بالنسبة لحكومة وطنية. أما المقاومة الوطنية المسلحة فأنها كانت ستبارك إنهاء الاحتلال وانتقال السيادة الى العراقيين. واحتدم الصراع بين بريمر ورغبته في البقاء في العراق وبين (التيار) في واشنطن الداعي الى التسليم العاجل للسيادة.
ويصف بريمر الأحداث التي رافقت ذلك الاجتماع:
(( أمسك آندي كارد بذراعي فيما كنا نغادر غرفة الأوضاع: الديك بعض الوقت يا جيري؟ أود التحدث اليك. صعدنا الدرج الى مكتب كبير موظفي البيت الأبيض. وأغلق كارد الباب خلفنا قال: أريد أن أقدم لك المساعدة بأي طريقة ممكنة. لكن يجب أن تكون صريحاً مع الرئيس بشأن أرائك. لدي انطباع بأن الجماعة في واشنطن يتربصون بك. عرفت ما يقصده… عندما تفشل سياسة ما من السهل على الموظفين الكبار البحث عن كبوش فداء…. قبل أن أغادر مكتب آندي أبلغته بأنني أود أن أنهي عملي في العراق في أيار/ مايو بعد قضاء سنة في البلد…. ستكون أطول سنة في حياتي.))(ص 263 _ 264 )هذه الإشارات تؤكد أن مديري مجلس الأمن القومي و((واشنطن)) التي تحدث عنها (آندي كارد) غير راضين عن أداء بريمر. ولا شك في أن فكرة إعفائه من منصبه كانت قد طرحت وسلوك (آندي كارد) مع بريمر يؤكد ذلك. كما أن بريمر قد التقط الإشارة وهو الخبير ب (واشنطن). وعرف أنه سيكون كبش الفداء وتستوقفنا هنا الإشارة التي بعثها بريمر لـ (واشنطن) من خلال آندي عندما أبلغه أنه يود أن ينهي عمله في العراق في أيار/ مايو ((بعد قضاء سنة في البلد)) وهي محاولة استباقية أراد من خلالها إحراج (واشنطن) باعلان رغبته في انهاء عمله في العراق وحدد تأريخا لانتهاء خدمته لكي لا تقدم (واشنطن) على اعفائه بطريقة تسيء اليه. وهو هنا يقدم صفقة وقد نجح فعلاً وقبلت الصفقة بدعم وتأثير من (الرئيس) . يقول بريمر ((كان آندي كارد قد أبلغ الرئيس بشأن أملي في مغادرة العراق في موعد أقصاه آيار/ مايو وقد احترم ذلك وكان قلقاً بشأن وضع خطة لخلافتي))(ص 266 )وهنا يكشف بريمر عن شخصية لا تتورع عن (التوسل) للوصول الى مقاصدها. ويبدو أنه كان يتمتع بحس سايكولوجي وبذكاء اجتماعي عاليين لأنه أدرك بأن إعلان (أمله) في البقاء في العراق لغاية آيار/ مايو سيؤثر في الرئيس وسيحترمه وسيدعمه. ويبدو واضحاً أن (آندي) قد نقل هذا (التوسل) الى الرئيس بصورة مؤثرة فاستجاب استجابة عاطفية لرغبة بريمر في البقاء ووقف الى جانبه ضد (التيار في واشنطن). وعندما كتب بريمر عن أمله ((في مغادرة العراق في موعد أقصاه آيار/ مايو)) فهو كان يعني (في أعمق أعماقه) أن يبقى في العراق في موعد أدناه آيار/ مايو. لأن خروجه قبل ذلك الوقت سيعد فشلاً وخيبة. وما فعله هو نوع من الدفاع عن الشخصية. وبقي بريمر واستمر في ارتكاب اخطائه القاتلة في العراق.
( 4 )
((كانت ليلة الجمعة العظيمة وعلي التحدث الى فرانسي وكنت منهكاً بدنياً ونفسياً وروحياً من الأيام والليالي الطويلة. فقد بدا أن العنف والفشل يلوحان حيثما نظرت. لم أدرك كم كنت أرغب في الذهاب الى البيت من أجل الفصح. وها أنا أفوت لم شمل العائلة. وشعرت بأن السواد يحيط بي من كل جانب في العراق….. أبلغتها أنني أوشك على الانهيار يا عزيزتي.)) فأجابته زوجته ((يبدو أنك اصطدمت بالحائط)).
صنف (يونغ) الناس الى منطو ومنبسط معتمداً في تصنيفه على الاهتمامات وعلى الاسلوب العام في الحياة. ويصف يونغ الشخص المنطوي بأنه يؤثر العزلة وخجول وشديد الحساسية لملاحظات الناس. كثير الشك. شديد القلق على المستقبل متقلب المزاج . يطير صوابه خلال ساعات الحرج والشدة. يضخم الأمور. وعند انهياره يصاب بالعصاب الوسواسي. وبنظرة سريعة الى النص أعلاه يمكننا اكتشاف الطراز الذي تنتمي اليه شخصية بريمر. فهو من النوع المنطوي بامتياز. وقد لاحظنا من خلال تتبعنا لسلوكه ورسائله ومذكراته بأنه شديد القلق ومتقلب المزاج وشديد الانهيار في مواجهة المواقف الحرجة. ويضخم الأمور. وكل الإشارات التي تصدرها شخصيته بوعي منه أو بدون وعي تؤكد بما لا يقبل الشك أن هذه الشخصية مرشحة للإصابة بالعصاب الوسواسي إذا ما بقيت فريسة للضغط والكبت.
ولا يستطيع المرؤ الا أن يعرب عن دهشته أمام هذا التهويل فهو منهك بدنياً ونفسياً وروحياً. فاذا كان ممكناً تبرير الإنهاك البدني فبماذا يبرر الانهيار النفسي والروحي طالما أنه كان يؤدي واجباً وطنياً وقومياً وإنسانياً وحضارياً كما يقول؟ وهو يلح على اظهار سوداويته وتشاؤمه وانهزاميته فيكرر في هذا النص القصير انهزاميته وفشله بأشكال مختلفة. فهو موشك على هزيمة جسدية ونفسية وروحية. كما أنه موشك على الهزيمة العسكرية بازدياد العنف وعلى الهزيمة السياسية بالفشل الذي يلوح ((حيثما نظرت)) وبالهزيمة الإدارية حيث ((السواد يحيط بي  من كل جانب في العراق)). ويختتم بكائيته بجملة (سادية) الى حد بعيد عندما يخبر زوجته بانه موشك على الانهيار. وكأنه يعاقبها على الراحة والأمان والسلام الذي تتمتع به هناك على بعد ثمانية الاف ميل محتفلة بليلة الجمعة العظيمة وهو قابع في جحيم العراق. لذلك بدا إصراره على نقل الصورة المأساوية التي يعيشها في العراق بشكل متكرر وبصيغ مختلفة وبطريقة محمومة كأنه سوط يجلد به زوجته علها تحس شيئاً مما يحسه ويعانيه. وتضطرب عنده المشاعر وتختلط فيشعر بشيء من الذنب لأنه ((فوت لم شمل العائلة)) الا أن ساديته تطغى فيعود سريعاً الى حمل سوطه ليجلد به زوجته والأمان المسترخي هناك في ليل العائلة الآمنة غير مبال به وبالرعب الذي يعانيه. وقد أحسنت زوجته الإجابة بجملتها المعبرة ((يبدو أنك اصطدمت بالحائط)). وهذا ما كان قد حدث فعلاً إذ كان بريمر قد أصطدم بالحائط الذي بناه غالقاً الطريق الى الخلاص على نفسه وعلى الجيوش المحتلة وعلى العراقيين.
((فأرسلت الى فرانسي أحدى أكثر رسائلي الالكترونية إحباطاً…. وختمت الرسالة بالقول: يا له من يوم مريع. ربما تتطور هذه الأزمة لتنهي عملي لأنني أستطيع أن اتصور الآن أن الإدارة ستخلص الى أنها لا تستطيع تحقيق أهدافها معي إذ لم أتمكن من تنفيذ أي من خططي (رغم أن ذلك بسبب السيستاني في كلا الحالتين وفي الحالة الثانية لأنه غير رأيه) لذا فقد وصلنا الى نهاية اللعبة وحان وقت استبدال الرامي. ويجدر بالرامي الجديد أن يكون متخصصاً.)) (ص310)
الغريب في هذا النص أنه كتب بعد زيارة الرئيس بوش للعراق بعدة أيام وكان بوش قد قال لبريمر في لحظة التوديع ((حافظ على رباطة جأشك. اننا نحرز تقدماً. وأعرف أن الأمر ليس سهلاً.)) ويومها أجابه بريمر ((لم استسلم)). لكنه أوشك على الاستسلام كما يدل النص أعلاه. وكلمات بوش تشير الى أنه اكتشف الضعف والخور الذي أصاب بريمر ولعله أكتشف ذلك من خلال الشكاوى التي سمعها منه واكتشف كم هو كثير  التشكي. غير أن كلمات بوش كانت تشير الى الدعم بوضوح. وكان ينبغي على بريمر أن يتحرر من خوفه وأن يتذكر أن بوش قد وعده بالدعم كما أنه حدد له فترة خدمته التي لم تنته بعد. الا أنه أبى الا أن يبقى قلقاً وزاد الطين بلة ما ورد في صحيفة (نيويورك تايمز) نقلاً عن (مسؤولين في الإدارة) دون تسميتهم ((أن على خطة منح العراق السيادة في 30 حزيران/ يونيو 2004 أن تتكيف على الأقل مع إصرار السيستاني على التصويت الشعبي)) وما ورد في صحيفة ((واشنطن بوست)) نقلاً عن مسؤولين كبار ((أن الإدارة قد تكون مجبرة على تنظيم انتخابات لإرضاء أية الله علي السيستاني)). ويقول بريمر أنه بعد قراءته لهاتين المقالتين شعر بالغضب. ولا شك في أنه كان غضباً مرضياً الى الحد الذي أنتج تلك الرسالة اليائسة والبائسة الى زوجته. وما ورد في المقالين لم يكن يدعو الى هذا اليأس والانهزام والقلق المفرط. وكان قلق بريمر انفعالاً مركباً ناشئاً عن خوف محبط ناجم عن تصور بوجود تهديد تتعرض له شخصيته. ونعني به تهديداً معنوياً وليس مادياً. ورسالة بريمر الى زوجته على قصرها تصح كنموذج للتحليل النفسي لأنها تعج بالدوافع اللاشعورية وبالحيل الدفاعية. وقبل كل شيء فأن الرسالة تعكس شخصية سوداوية حسب التصنيف الـ (هبوقراطي) للشخصية. ويصفها بريمر بأنها أحدى أكثر رسائله الاكترونية إحباطاً. وعلى الرغم من أنه لم يطلعنا الا على الخاتمة الا أنها كانت كافية للافصاح عن شخصيته.
ويبدأ بريمر الخاتمة ببكائية يضمنها حيلة دفاعية لا شعورية  هي التبرير. ويبدو تأثير المقالتين واضحاً في النص من خلال حضور (الإدارة) و(السيستاني) الساطع والقوي. فحضور (الإدارة) هو حضور (رهابي) وحضور (السيستاني) هو حضور تبريري مرة وحضور (إسقاطي) مرة أخرى. وهو يحاول (بالتبرير) خداع نفسه قبل غيره. كما أنه يسقط على السيد (السيستاني) فشله وأخطاءه. وعندما ينتهي من ذلك يقرر إنهاء اللعبة ولكنه قبل أن يفعل ذلك يرى أن هناك من يستحق منه موقفاً. وهو أولهم إذ استبدل نفسه موقعاً عليها (عدواناً مرتداً) ،كالطفل الذي يضرب رأسه في الحائط ،لأنه لا يستطيع تصريف العدوان وتوجيهه نحو الإدارة. وهنا لا بد من الإشارة الى أن بريمر برسالته هذه يؤكد  عدم ثقته بالرئيس بوش الذي كان معه قبل أيام والذي طلب منه أن يحافظ على رباطة جأشه. ولم ينس بريمر أن يوجه اللوم الى الإدارة تلميحاً وأن يسقط عليها هي الأخرى أخطاءه عندما كتب ((ويجدر بالرامي الجديد أن يكون متخصصاً.)) وكأنه يقول أن على الإدارة التي ورطتني بهذه الوظيفة أن تختار الشخص المناسب والمتخصص كبديل لي. وعليها أن لا تورط الآخرين. ولم يخبرنا بريمر ماذا كان يقصد بالمتخصص لأنه جاء الى لعراق باعتباره الشخصية المناسبة كمدير لسلطة التحالف المؤقتة ووصف نفسه بأنه الشخصية الدبلوماسية والخبيرة بالإرهاب والتي تمتلك الخبرات اللازمة لشغل هذا المنصب. والجملة الأخيرة تشكل اعترافاً بالفشل. ولكي نفهم بشكل أفضل شخصية بريمر علينا أن نقرأ ما كتبه عن اليوم التالي على كتابته لهذه الرسالة إذ كتب: ((عندما استيقظت صباح اليوم التالي أدركت أن التشاؤم ليس خياراً فلا يزال لدي عمل أنجزه في العراق.))
( 5 )
ومن الأشياء التي تثير الانتباه في شخصية بريمر إهتمامه المبالغ فيه في أشياء ثانوية لا تستحق الذكر والاهتمام. ولقد كان للقهوة حضور في كتاب بريمر أكثر من حضور ضحايا سجن (أبو غريب) وأكبر من حضور الضحايا المدنيين الذين قتلوا خطأ على يد القوات الأمريكية الذين ما كان ليتذكرهم بريمر لولا عضوة الكونغرس (………) التي أغضبها أن بريمر لا يعرف عدد أولئك الضحايا. ونورد النص التالي ليعرف القارئ أحد أهم أسباب القلق الخطير عند بريمر: (( كانت قهوة الاسبرسو القوية خير معين لي فبعد سنوات من الخدمة في الخارج اعتدت على شرب ما أسميه ( القهوة الحقيقية ) الاسبرسو الايطالية الجيدة. كانت لدي مكنة اسبرسو في واشنطن.. وبعيد وصولي الى بغداد طلبت مكنتين عبر نظام البريد العسكري. وكان لدى ابني وابنتي تعليمات دائمة بدوام توريد أكياس القهوة عبر قناة نظام البريد العسكري. لكن لم أكن أعرف متى تصل نظراً لتقلبات النظام. وكان نفاد القهوة سبباً للقلق الخطير…….. وتقدم سبباً وجيهاً لكي يزور موظفو سلطة الائتلاف المؤقتة مكتبي.)). يمكننا أن نلاحظ كيف أن بريمر تناول هذا الموضوع باسهاب. ويكشف هذا النص عدداً من الأمور التي تنبغي الإشارة اليها ومنها أن بريمر يعتبر نفاد القهوة سبباً للقلق الخطير. فاذا كان هذا القول مجرد مبالغة وتعبير غير جدي فانه يضع بريمر في موضع الاتهام بعدم الدقة واللا جدية والقاء الكلام جزافاً والمبالغة. أما إذا كان يعني ما قاله فانه يضع  نفسه موضع الاتهام بالعصابية. وقد أخطأ في كل الأحوال عندما استخدم هذه العبارة. وإذا كان بريمر،كما ورد في النص، عاجزاً عن السيطرة على (شحنة القهوة) فكيف يمكن السيطرة على بلد كالعراق وإدارته؟ كما أنه يشير الى أن وجود القهوة في مكتبه يقدم سبباً وجيهاً لكي يزور موظفو سلطة التحالف المؤقتة مكتبه. ونقول أن المكتب الذي تكون القهوة هي معيار زيارته من عدمها أنما هو مكتب يفتقر الى الجدية ويفتقر رئيسه الى الحزم.
وهناك نصوص أخرى لا نريد إضاعة الوقت في عرضها جميعاً لكننا سنضطر الى عرض النص التالي لتكتمل الصورة عند القارئ ليعرف أنه حتى في زحمة التحديات التي وصفها بريمر (بالتحديات الصعبة) وبينما المشكلات الأمنية  مع السيد مقتدى الصدر والفلوجة كانت لا تزال بدون حل فأنه يعرج على القهوة فيقول:
((أنه لأمر جيد أن يرسل ولدي الكثير من قهوة الاسبرسو. يبدو أننا سنضل نعمل طوال الليل في الاسابيع الثلاثة القادمة)) ويعود ليقول ((تبين أن القهوة لا تقدر بثمن فيما كنت وبوب بلاكويل نعمل مع الإبراهيمي على تشكيل الحكومة الجديدة كما كنا ننسق مع كارينا بيريلي الخبيرة لدى الأمم المتحدة في الشؤون الانتخابية.. عرفت أن كلاهما يحب القهوة الجيدة ولذلك كان لدى سوشي أوامر دائمة بوضع الاسبرسو أمامهما حالما يجلسان واحضار المزيد منها متى احتاجا الى ذلك.)) ولا يكف بريمر عن العودة الى القهوة إذ نراه يقول ((وبعد عدة لقاءات وشرب الكثير من الاسبرسو وافق الإبراهيمي على التفكير جدياً في اختيار أعضاء من مجلس الحكم ووجهاء الأحزاب السياسية لكي يتولوا مناصب وزارية)) (ص 435_436_ 437 )
( 6 )
قال بريمر لديفد ريتشموند على الخسارة السياسية التي مني بها الباجه جي:
((السياسة رياضة دموية … غالباً ما كنت أقول لأصدقائي من رجال الأعمال في نيويورك والذين يفتخرون بأنهم رجال أشداء يعملون في مهن قاسية بأنكم إذا كنتم تريدون أختبار عزيمتكم عليكم بمحاولة العمل في مدينة قاسية فعلاً … واشنطن.)) (ص 475 )
وهنا تستوقفنا عبارة ((السياسة رياضة دموية)). فالسياسة عند بريمر (في اللاوعي) هي رياضة وليست أي شيء آخر. وهي رياضة دموية. ومن المعروف أن الرياضة هي أحدى الملاذات التي يلجأ اليها الذين لديهم عقد نفسية لتكون ملاذاً تعويضياً. ويبدو أن بريمر مغرم بالرياضات الدموية غير أنه لا يمتلك الشجاعة لممارستها. ولأنه لابد له من التعويض عن النقص الذي يحسه لذلك لجأ الى نوع آخر من (الرياضات) الدموية وهي السياسة. وهذه (الرياضة) كانت تناسب شخصيته الى حد كبير. لأنها توفر له الإحساس (بالدموية) دون أن يضطر الى ممارسة هذه الدموية بشكل مباشر. كما أن هذه الرياضة يمارسها (فريق) كبير جداً. ومع فريق كبير كهذا وقوي بشكل أسطوري فان المنتمي اليه سيجني الانتصارات تلو الانتصارات مما يحقق له التعويض تلو التعويض. وحتى عندما يكون هناك فشل ما فان الفريق سيتحمل الفشل ولا يتحمله (هو).
ولا شك في أن النفس السوية لا تقدم على الرياضات الدموية مهما كان شكل تلك الرياضات. واللجوء اليها هو محاولة لإخفاء نقص أو محاولة للتغلب على ذلك النقص من خلال مهاجمته بعنف مما يؤدي الى تضخم مظاهر التعويض بحيلة دفاعية تسمى (التعويض الزائد). ولأن شخصية بريمر أكثر تعقيداً من الشخصيات البسيطة التي تلجأ للرياضة لذا نراه لجأ الى السياسة كرياضة دموية ولم يلجأ الى أي نوع آخر للتعويض.
ويوحي النص بدوافع أخرى وعقد أخرى. وليس صعبا على المطلع على علم النفس وعلى تراث مدرسة التحليل النفسي. وليس صعباً على القارئ المثقف الذي اعتاد على تحليل النصوص الأدبية التي يقرأها من أن يكتشف الدوافع التي كانت وراء كتابة النص. فهذا النص كان تعليقاً على النهاية المؤلمة التي انتهى اليه الصراع بين الباجه جي وغازي الياور على منصب رئاسة الدولة العراقية حيث انسحب الباجه جي مخذولاً وسافر الى أحدى الدول الخليجية وهو مكسور ومطعون من قبل حلفائه. واعتقد أن  بريمر عندما ذهب ليودع الباجه جي انما  ذهب ليودع نفسه لأنه كان يرى نفسه في الباجه جي. كان يرى الشيخوخة المهزومة أمام الشباب وكان يرى فيه صورة مما يفعله الخذلان و التخلي. وصورة للفشل والهزيمة. وصورة للهروب الذي كان يخطط له بريمر. كان يرى فشله وهروبه الوشيك في شخصية الباجه جي الذي هرب من ساحة المواجهة نفسها. وللسبب نفسه (الرياضة الدموية).
ويبدو أن بريمر كان يعتبر ما حدث للباجه جي بمثابة قتل. لكن هذا لم يكن جديداً عليه لأنه كان يمارس هذه الرياضة منذ عقود وشهد ألآلاف من حالات القتل المماثلة لكن الجديد في الأمر أنه في هذه المرة يقف في الجانب الخاسر. وعندما سيعود الى أصدقائه من رجال الأعمال في نيويورك فانه سيحدثهم عن هذا النوع من الرياضة بصوت واهن صادر عن رجل ينزف غير أن هذا الرجل النازف والعجوز لم يستطع التغلب على العقدة التي ولدتها لديه رياضة دموية أخرى هي (رياضة عالم المال والأعمال الدموية) والتي كانت من الأسباب المهمة التي قادته الى دموية السياسة لكي يستطيع أن يفخر لأنه يعمل في أقسى المدن على الإطلاق و (( كان ذك قبل بغداد)) كما قال بريمر.
( 7 )
إذا كانت الرصانة والجدية مطلوبتين في كل عمل أدبي فانهما مطلوبتان بشكل أكثر الحاحاً في الأعمال التي تتناول مراحل تأريخية معقدة ومصيرية في حياة الشعوب والأمم. غير أن كتاب بريمر يبدو في عدد غير قليل من صفحاته وكأنه مذكرات تسجيلية كتبت لتحفظ في سجل العائلة أو في السجل الشخصي كأي فيلم فيديوي يصور وقائع زيارة أو مناسبة عائلية أو رحلة ترفيهية أو تفاصيل يومية. وعندما قرأت ما كتب على الغلاف الداخلي للكتاب ((السفير بول بريمر بالاشتراك مع مالكولم ماك كونل)) راودتني فكرة أن لابد من أن يكون مالكولم ماك كونل قد بذل جهداً للتخلص من الكثير من الاقحامات الشخصية والعائلية وغيرها من الاقحامات التي لا تناسب المقام والمقال. ورغم ذلك فقد أفلت الكثير منها وبقي ليشير الى غفلة أو إصرار (أحدهم) على بقائها. وسنتناول بعض اللقاءات التي تمت بين بوش وبريمر التي ينبغي أن يتم تناولها باعلى ما يمكن من الجدية والرصانة. لكننا نلاحظ أن بريمر تناول الجانب الشخصي من هذه اللقاءات باهتمام وشغف يكاد يكون أكبر من اهتمامه بالجانب الأساسي الذي يقتضيه عمله وواجبه.
((كان كلانا رياضي حيث يمارس جورج الركض ورفع الأثقال وأتنافس أنا في الثلاثية وأشارك في سباقات الماراثون. لذا تغدينا سلطة الاجاص والخضروات.)) (ص 19) ولم يبدأ بريمر بتناول موضوع العراق الا بعد أن تمكن من تلبية حاجته الى (تفريغ) تلك الكلمات استجابة لدافع ملح لم يستطع مقاومته أو قمعه.
وفي نص أخر وجد فيه بريمر متنفساً أكبر وفرصة أكثر شرعية وتبريراً للخوض في  (خصوصيات) لقاءاته بالرئيس لأن اللقاء لم يكن لقاءً رسمياً بل دعوة على العشاء. ونحن أيضاً نمنحه الحق في أن يتناول هذا اللقاء بالحرية التي تتيحها الطبيعة العائلية  وغير الرسمية للقاء. لذا وجدناه يصف بدقة ما كان يرتديه الرئيس وما كانت ترتديه السيدة الأولى. وكان يبدو مسحوراً بحركة الحيوانات المنزلية، حيوانات الرئيس وزوجته. سبوت كلب السبنيل البريطاني وبارني الاسكتلندي الأسود. والقطة الأكثر سواداً إنديا .
وأعترف بأنني توقفت هنا عن الكتابة لأنني تذكرت ذلك العريف الأمريكي ((الملوث بالوحل)) كما وصفه بريمر، الواقف في أحدى نقاط التفتيش في مدينة تكريت مسقط رأس صدام حسين في جو عاصف موحل وبارد الذي اوقف سيارة بريمر ، عندما عرفه ، طالباً علبة بيرة. توقفت وتناولت كتاب بريمر وبحثت عن الصفحة التي تناول فيها بريمر لقاء  هذا الجندي.كانت الصفحة الـ (367) وبدأ بريمر في تلك الصفحة معجباً بمعنويات ذلك العريف الا أنه لم يذكر لنا أسمه ولم يذكر لنا أسم الولاية أو المدينة الأمريكية التي جاء  منها ففكرت، ربما لم تبرمج ذاكرة  السياسيين الأميركيين للاحتفاظ بأسماء الجنود بل للاحتفاظ بأسماء حيوانات رؤسائهم المدللة  !! ويستمر بريمر في وصف تفاصيل تلك الليلة وما عرفه وزوجته فيها عن حياة الرئيس وزوجته:
((وتبين أنهما تقرآن في الفراش ( يتحدث عن زوجته وزوجة الرئيس) وعلمت أنني والرئيس ننهي أيامنا بكلمات متماثلة تقريباً ، أرجوك ضعي الكتاب جانباً واطفئي الضوء اللعين،)) و((شرب الرئيس بيرة خالية من الكحول وتناولنا ، زوجة الرئيس وزوجتي وأنا ، نبيذاً أبيض.)) (ص 224 )
وأعتقد أن بريمر ما كان عليه أن يورد التفاصيل الأخيرة. وبشكل خاص (شرب الرئيس البيرة الخالية من الكحول.) دون الآخرين الذين شربوا جميعاً النبيذ الأبيض. وهذا يشير الى نقطة حساسة في التأريخ الشخصي للرئيس وهي مرحلة إدمانه على ألكحول. وهذا يقودنا الى احتمال أن يكون بريمر في هذا النص قد وقع تحت تأثير رغبة مكبوتة في عقاب الرئيس فصوره شاذا عن المجموعة ومحروما من متعة تناول النبيذ الأبيض مثلهم لأنه لا يستطيع فعل ذلك كما يفعل الأشخاص الطبيعيون ، مثله ومثل زوجته وزوجة الرئيس.
أما ما كتبه عن القراءة في الفراش فلم يكن قد سمعه بشكل مباشر بل نقلاً عن زوجته حيث اخبرتها زوجة الرئيس بسلوك زوجها (الرئيس) المتسم بشيء من العصبية إزاء اعتيادها على القراءة في الفراش. (اخترنا وصف ، العصبية ، بناء على كلمة ((اللعين)) فالتلفظ  بهذه الكلمة في حوار أو في أمر ما ، كما هي الحال في هذا النص، لا بد أن يكون مدفوعاً بتوتر. وهذا يشكل احراجاً للرئيس ولزوجة الرئيس لأنه يظهر الرئيس كشخص عصبي المزاج، غير متفهم، يقمع زوجته بمنعها من القراءة في الفراش (ولأني أقرا في الفراش قبل النوم، يوميا، لذلك أعرف ما يعنيه قمع هذا السلوك فهو يعني اقلاقا يوميا لنوم القارئ المقموع.) وهذا القمع يفضح أنانية القامع. ولا نريد الذهاب الى أبعد من ذلك فنقول (عصابية القامع) لأن الشخص الذي يزعجه الضوء المنضدي الخافت الى الحد الذي يدفعه الى ممارسة القمع هو على الأغلب شخص عصابي.
وهو يحرج زوجة الرئيس لأنها باحت بتفاصيل شخصية وان كانت لا ترقى الى درجة الأسرار،لكنها تبقى شؤونا شخصية لا يستحسن إعلانها ونشرها على الملأ لأنها قد تنطوي على دلالات تسيء الى صاحبها.
وفي نص ( رئاسي ) آخر يصر بريمر على حشو كتابه بمزيد من الأحذية (تذكروا الحذاء الذي أهداه اليه أبنه ليركل به أحدهم في العراق) والشورتات والآلات الرياضية متناسياً أن هذه التفاصيل الثانوية والشخصية لا تناسب موضوع الكتاب وحشرت حشراً مزعجاً في متنه. ولم نجد ضرورة ملجئة الى ذلك سوى (التباهي). إذ ينبغي أن يكون كل سطر (في أي عمل أدبي) جزءاً من نسيج ذلك العمل وحجراً في بنائه الموضوعي والفكري والفني. وأي خروج عن ذلك يقلل من قيمة العمل ومن حصافة الكاتب. ورغم ذلك كتب بريمر:
((بدلاً من تناول السلطة معاً كما فعلنا في أيار/ مايو، تمرنت أنا والرئيس في الجمنازيوم الخاص به في الطبقة الثالثة، وكنت أرتدي شورتاً وحذاء ركض مستعارين من خزانته.)) ويستمر في  سرد التفاصيل الثانوية حتى يصل الى (( قرر الرئيس اليوم استخدام مكنة الأليبتكال لذا أخذت مكنة الجري وتشاركنا الشكوى من ركبنا فهو كان يشكو أيضاً من تمزق في الرباط الهلالي ولم يعد أي منا يستطيع الجري.))
ان شخصا دبلوماسياً مثل بريمر ينبغي أن يكون أكثر دقة من غيره في اختيار الكلمات وفي وصف الوقائع لأن كل كلمة لها مدلولها. كما أن سوء استخدام الكلمات في تركيب الجمل لوصف واقعة قد يؤدي الى نتائج لا يرغب فيها المتحدث أو الكاتب. ومرة أخرى يدهشنا بريمر في عدم دقته و في تسرعه في الكتابة (لأننا لا نريد أن نذهب مذهباً أخر)  فنراه يكتب ((قرر الرئيس اليوم استخدام مكنة الأليبتكال لذا أخذت مكنة الجري.) ولم يتنبه لكلمتي ((قرر)) و((لذا)) وما أضفتا على الجملة من معانٍ خفية وما سلطتا من ضوء على الدوافع الكامنة وراء الكلمات وعلى أبعادها النفسية. ففعل (قرر) بكل ثقله الايحائي عندما اقترن بـ (لذا) أكتسب ثقلاً ايحائيا أشد وطأة وقوة وأكتسب معانٍٍٍ ومدلولات اضافية متعدية وكانت (لذا) أداة تعديه. فإذا كان فعل (قرر) يشير الى ارادة فان اقترانه ب( لذا ) في هذه الجملة جعله يشير الى ( ارادة متعدية)وبهذه ال ( لذا ) التي استخدمها  بريمر أوحى لنا أنه لم يكن مخيراً في اختيار الماكنة التي يستخدمها وأنه كان مدفوعاً الى اختيار ماكنة الجري لأن الرئيس قرر استخدام الآلة الثانية ولم يمنح ضيفه فرصة الاختيار بل فرض عليه (بقراره) استخدام الآلة المتبقية التي تركها الرئيس. ونحن هنا لم نشأ إسقاط (نوايا) من جعبتنا على النص بل أردنا الكشف عما يحتمله النص من تفسير وتأويل. ولا ندعي أن بريمر تعمد أن يكون النص بهذه الصيغة ليجعله قابلاً للتأويل. لكننا في الوقت نفسه لا نستطيع انكار أن النص الأدبي ما هو الا متحفاً (لشعور ولاشعور) الكاتب وقد تحررا منه وأصبحا تاريخاً منفصلاً عنه، يستطيع أي كان تقليبه والحكم عليه. وقد يقول قائل من الذين يقلبون (تأريخ) بريمر حول هذا النص أن (لذا) بريمر هذه توحي بأنه شعر بالفرض والإكراه لذلك كتب ما كتب. وان كنت أستبعد فكرة التعمد لكني من الناحية العلمية لا أجرؤ على نفي دور اللاشعور على الرغم من ميلي الى الاعتقاد في أن بريمر يحترم الرئيس بوش ويكن له وداً كبيراً بل أستطيع القول أنه متأثر به وبدا مخلصاً له في مشاعره. وهذا الاعتقاد لا يتناقض مع ما أوردناه قبل هذا السطر لأن اللاشعور هو مكمن تناقض الشخصية الإنسانية.
( 8 )
على الرغم من بوادر السلام الكثيرة التي أبداها السيد مقتدى الصدر والتي كان آخرها وقف أطلاق النار الذي أعلنه في حزيران 2004  الا أن بريمر أصر على الاستمرار في ضرب أتباعه وهذا السلوك كان حيلة من الحيل الدفاعية (على المستوى النفسي) نتيجة لخوفه من الفشل الذي قد تسببه مقاطعة السنة أو الشيعة  للعملية السياسية والذي قد يؤدي الى فشله الشخصي كما يعتقد. ولأن مثل هذا الفشل يهدد (شخصيته) كما يتصور لذلك لجأ الى (الانسحاب) وهي أحدى الحيل الدفاعية المعروفة في علم النفس التي يلجأ اليها الفرد عندما يعجز عن حل المشكلة التي تواجهه بطرق إيجابية وواقعية. وهنا نلاحظ أن بريمر قرر تأجيل المشاكل (مشكلة مقتدى ومشكلة الفلوجة، وهو يعترف بذلك) الى ما بعد رحيله. لذلك لجأ الى الاستمرار في ضرب أتباع مقتدى مستفيداً من صمت المرجعيات والسياسيين الشيعة نتيجة للانقسامات الداخلية التي يعانون منها. وهنا لجأ بريمر في اللاوعي الى ما يسمى في علم النفس (بالعدوان المزاح) وهو العدوان الذي يتم تحويله من مصدر الاحباط الى هدف أخر يكون (كبش فداء) وذلك نتيجة عجز الفرد عن توجيه عدوانه المباشر على مصدر الإحباط (مقتدى والفلوجة). وقد يبدو هذا التحليل للأشخاص غير المطلعين على علم النفس ليس منطقياً فنقول أن علم النفس يرى أن الإنسان في الغالب لا يتصرف كمخلوق منطقي بل كمخلوق سايكولوجي ما يهمه هو استعادة توازنه النفسي وكل شيء أخر ليس مهماً بالنسبة له. وهنا يقوم بريمر بتحويل عدوانه عن مقتدى الصدر والفلوجة الى أقرب (كبش فداء) فلم يجد أسهل من أتباع مقتدى الصدر .
وفيما كانت طائرة سي 130 سبكتر تقصف المباني الحكومية في مدينة الصدر والتي أشار بريمر الى أنها كانت أماكن يتحصن فيها أتباع السيد مقتدى متجاهلاً حقيقة أن الكثير من العوائل كانت قد لجأت هي الأخرى الى أجزاء من تلك المباني لتسكن فيها لعدم امتلاكها مكاناً تلوذ به كان بريمر يشعر بالسرور وهو يسمع صوت الانفجارات وسنتركه يصف لنا الواقعة بنفسه: ((كانت نوافذ غرفتي تهتز على وقع الانفجارات البعيدة. انني مسرور لأنني لست في الجانب الذي يتلقى الضربات.) ص 409 وهذا شعور لا إنساني وسادي لا يمكن ستره وإخفاءه. فعلى الرغم من انقضاء المدة الكافية لينس المرؤ شعوراً عابراً غمره في وقت ما الا أن بريمر لم ينس ذلك الشعور بل نجد أنه يستعيده بالدرجة نفسها من السرور والتلذذ السادي. كان الموت الذي يحدث هناك والذي يقع على أشخاص لا يستطيع بريمر أن يتأكد في حينها من أنهم يستحقون ذلك. ولا يستطيع أن يتأكد بأي شكل من الأشكال من عدم وجود ضحايا أبرياء في ذلك القصف. رغم ذلك كانت فكرة أن يموت الآخرون هناك أياً كانوا، تسره سروراً مركباً لأنه ممتزج بالتشفي. وإذا كان المرؤ لا يشعر بالاستغراب من سلوك كهذا صادر عن شخص مريض فأنه بلا شك سيشعر بالأسى لوجود مثل هذه (المشاعر) المريضة. وسيشعر بالرعب عندما يعلم أن هذه (المشاعر) تتحكم بسلوك قادة سياسيين أو عسكريين قادرين على تقرير مصير الآخرين.
( 9 )
وسنختتم هذا الفصل بتحليل النص التالي الذي أورده بريمر كعادته دون أن يتنبه الى أهمية ما ورد فيه :
((كان الرئيس واقفاً خلف مكتبه في المكتب البيضاوي يمضغ بعض الجبن . وعندما وصل رامسفيد وباول ورايس عرض الرئيس عليهم طبقا من الجبن والعنب وأصابع الجزر فاعتذروا . أخذت بسكويتة مالحة وقطعة من الجبن التشدر . وفيما نحن نتحدث أشار الرئيس بمرح الى أنني أنثر الفتات على السجادة. أثار ذلك إدانة قوية لعاداتي في الأكل من قبل رايس وباول فقلت انني نسيت من أنا وانني أتبع قواعد بغداد ليس الا. ضحك الرئيس كثيراً عندما أضفت (يمكنكم هندمته لكن لا يمكنكم إخراجه).)) ص 356
ان هذا الموقف الذي وصفه بريمر له مدلولات كثيرة وسنحاول تحليل هذا النص على ضوء علم النفس وقبل ذلك نورد الملاحظات التالية:
1-   ان بريمر كان موجودا في مكتب الرئيس بوش قبل قدوم المسؤولين الآخرين (رايس ، باول ، رامسفيلد )وكان الرئيس بوش يأكل عندما دخلوا وقد عرض عليهم طبقا من الجبن والعنب وأصابع الجزر فاعتذروا .ولم يقل بريمر ان الرئيس عرض عليه أن يأكل لاقبل أن يدخل المسؤولون ولا بعد دخولهم. ولو كان الرئيس قد عرض عليه ذلك لأخبرنا فهو لا يترك صغيرة ولا كبيرة مما يدور بينه وبين الرئيس دون أن يخبرنا بها.
2-   ان النوعين اللذين التقطهما بريمر وأكلهما (بسكويتة مالحة وقطعة من جبن التشدر) لم تكن ضمن الطبق الذي قدمه الرئيس بوش للمسؤولين الآخرين . وهذا يؤكد أن الرئيس لم يعرض على بريمر أن يأكل ويؤكد أن بريمر أخذ تلكم القطعتين من طبق أخر  وبدون أن يدعوه الرئيس بوش الى ذلك.
3-   قد تكون ملاحظة الرئيس حول الفتات واشارته الى أن بريمر ينثر الفتات على السجادة هي رد فعل انفعالي على سلوك بريمر الذي أكل دون دعوة من الرئيس.
4-   لعل رايس وباول لاحظا سلوك بريمر فاستهجناه وهذا يفسر أدانتهما القوية في الأكل.
5-   ان سلوك بريمر منح الآخرين المبرر لانتقاده ولومه والا  فان تساقط الفتات على السجادة ليس كافيا وحده لإثارة كل تلك (الإدانات القوية) وفي البيت الأبيض خصوصا.
6-   يبدو أن رامسفيلد كان أكثر الحاضرين تمكنا من نفسه في ذلك اللقاء لأنه لم يصدر أي رد فعل.
7-   ان اشارة بريمر الى قواعد بغداد اعتراف بالخطأ ولها تفسير أخر سنذكره لاحقاً.
8-   أن الجملة الأخيرة التي أطلقها بريمر (يمكنكم هندمته لكن لا يمكنكم اخراجه) هي أشارة مبطنة الى الإحساس الذي كان يراود بريمر حول احتمال أن يكون بعض المسؤولين في واشنطن قد اختاروه كبش فداء على الأخطاء التي ارتكبت في العراق وإشارة الى إحساسه بأنه محمي من قبل الرئيس بوش.
9-   ونعتقد أن الضحك الكثير الذي أطلقه الرئيس بوش رداً على تعليق بريمر هو رد فعل  انفعالي أخر.
وصف بريمر هذا اللقاء في الصفحة 356 من كتابه ويبدو أن ثقافته السايكولوجية ضعيفة الى الحد الذي لم تمكنه من معرفة المدلولات السايكولوجية التي يمكن أن تستقى من هذا الوصف. وإذا أخضعنا (النص) للتحليل يمكننا ملاحظة ما يلي:
ان أخذ بريمر قطعة البسكويت المالحة وقطعة الجبن التشدر اما أن يكون بدافع الحاجة أو بدافع المجاملة والأرجح أنه فعل ذلك بدافع الحاجة لأنه لو كان دافعه المجاملة لكان أخذ نوعاً واحدا (قطعة واحدة) ولكن أخذ قطعتين ومن نوعين مختلفين يعني أن بريمر به حاجة ملحة الى ذلك. لكن ما هو نوع هذه الحاجة؟ هل هي حاجة عضوية وغريزية كالجوع ؟ أم هي حاجة نفسية وسلوكية؟ فاذا كان الدافع هو الجوع فقطعة البسكويت وقطعة الجبن لا تغني عن الجوع وكان في أمكان بريمر الاستغناء عنهما والصبر على الجوع الا إذا كان لا يملك الصبر الكافي للاستغناء عن هاتين القطعتين وهذا مثلب في تكوينه الشخصي. أما إذا كان الدافع هو حاجة نفسية وسلوكية فالمشكلة أدهى وأمر إذ يعني ذلك أن بريمر عاجز عن السيطرة على رغبته وأن سلوكه هو استجابة لا شعورية لرغبة كامنة لم يستطع مقاومتها. أما تبريره بأنه ((يتبع قواعد بغداد ليس الا)) فهو عليه وليس له. فإذا  كان وجوده في بغداد هو أصلا (لتغيير قواعد بغداد) فكيف يخضع لتلك القواعد وكيف يسمح لتلك القواعد في أن تسيطر عليه وتغيره في الوقت الذي كان واجبه الأساس هو أن يغير تلك القواعد المزعومة. وإذا كان بريمر عاجز عن تغيير قاعدة بسيطة كهذه القاعدة وخاضعاً لها فكيف سيكون حاله مع القواعد الكبيرة؟!!
ولهذا الموقف تحليل نفسي آخر. فمن المعرف في علم النفس أن الدوافع والسلوك الصادر عنها تخضع لمبدأ يسمى (استعادة التوازن ). ولعل الرئيس بوش نسي أو تعمد لسبب ما عدم تقديم شيء من الأطعمة لبريمر فأحس الأخير بشيء من عدم الاحترام على الأخص بعد أن قدم الرئيس صحناً لرايس ورامسفيلد وباول فتحرك عند بريمر (دافع الحاجة الى التقدير الاجتماعي) فأملى عليه ذلك السلوك الذي أقدم عليه بأخذ قطعة من البسكويت وقطعة من الجبن في محاولة منه لاستعادة التوازن الذي أختل نتيجة عدم شموله بالتقديم . وكان يحاول اقناع نفسه (إذا ما أخذ البسكويت وقطعة الجبنة) بأنه قد تم شموله بالتقديم والدعوة طالما أنه لم يمنع من ذلك . ويحاول اقناع نفسه بأنه مقرب من الرئيس ولا حاجة به الى أن يدعى لأنه مسموح له بالتصرف. ونعتقد أنه لو كان الرئيس بوش قد سكت ولم يعلق على تساقط فتات البسكويت على السجادة لما كان بريمر قد ذكر هذا الموقف في كتابه باعتبار أن سكوت الرئيس وعدم تعليقه بمثابة دعوة له وبذلك كان سيحصل على حالة (استعادة التوازن) التي يحتاج اليها وهكذا سينتهي الأمر. لكن تعليق الرئيس الانفعالي ، والذي يبدو أنه كان تعبيراً مبطناً عن استهجانه لسلوك بريمر الذي تناول الاطعمة دون دعوة ، جعل النهاية مفتوحة وكرر السبب في تحريك دافع الحاجة الى التقدير الاجتماعي لدى بريمر لذلك علق قائلاً أنه ((يتبع قواعد بغداد ليس الا)) وكأنه ، لا شعورياً ، يلوم الرئيس ويحمله مسؤولية ذلك لأنه هو الذي أرسله الى بغداد في محاولة جديدة لاستعادة التوازن ، ذلك التوازن الذي يؤكد اختلاله بالتعليقات المستهجنة الصادرة عن رايس وباول. وأعتقد أنَّ إيراد هذا الموقف في الكتاب هو سلوك ، شعورياً كان أو لاشعورياً ، لتوجيه نوع من العقوبة للرئيس بوش على تعليقه وهذا نتيجة لشعور بريمر بأن التعليقات التي أطلقها (هو) رداً على الاستهجان لم تكن تسوية كافية لاستعادة التوازن.
الهــــروب
في كل أمة عظيمة ، في مرحلة ما من مراحل عظمتها ، تصبح البطولة أمراً شائعا وسهل المنال والتحقق لأنَّ الأمة العظيمة كلما ترتفع في عظمتها تصبح أكثر قدرة على منح أبنائها الظروف والوسائل التي تسهل عليهم إجتراح البطولات. وبذلك تتحول البطولة من حالة استثنائية تخضع الظروف وتصنعها وتبتكر الوسائل لتحقيق انجازاتها الى حالة تصنعها الظروف والوسائل. لذلك تكون البطولة متاحة حتى لأولئك الذين ليسوا أبطالاً والذين لا يتمتعون بأيّ صفة من صفات الأبطال الحقيقيين الذين شيدوا عظمة تلك الأمة.
وكان بريمر واحداً من أولئك الأشخاص الذين لا يملكون شيئاً من صفات البطولة والذين عمدوا الى الإستفادة من الظروف والوسائل التي أتاحتها لهم أممهم وحاولوا أنْ يجعلوا من أنفسهم أبطالاً. وعندما توجه بريمر الى العراق كانت هذه الرغبة قد ملأت رأسه وخير دليل على ذلك تلك الأحلام التي كانت تداعب أعذب الأوتار في نفسه المريضة…(( نائب الملك الأمريكي في العراق )) و (( قيصر العراق )) و (( خليفة صدام حسين )) على العرراقيين. لكن رأس بريمر لم يكن رأس بطل بأي شكل من الأشكال كما أنه لم يكن مؤهلاً ليصبح قيصرا في العراق أو خليفة لصدام حسين لأنه لم يشكل الإرادة التي أطاحت بصدام حسين بل كان مجرد موظف مغمور تمَّ تعيينه كعتلة صغيرة في المكنة الإدارية الأميركية الهائلة. ومن هنا بدأت محنة بريمر النفسية حيث أنه عجز عن تحقيق أيّ مطمح من مطامحه التي كان يسعى الى ملء فراغاته النفسية بها. وفي يوم 28 حزيران/ يونيو 2004 ، وهو يوم هروبه من العراق ، كان بريمر مثالاً للشخصية المهزومة والمحطمة والمستسلمة لحكم التاريخ. وكانت طريقة الهروب بمثابة إعلان صارخ ومدوٍّ عن التخلي النهائي عن الرغبة في البطولة وعن حلمها وعن القبول بذل الهروب مقابل البقاء حياً بقاءَ خالٍ من أيّ بطولة.
وكان بريمر في الأيام الأخيرة من وجوده في العراق شخصية مختلفة كلياً عن تلك الشخصية المغرورة والمتعالية التي دخلت العراق في الثاني عشر من أيار / مايو 2003 إذ كان في السابع عشر من حزيران / يونيو ينتظر بفارغ الصبر ظهور أيّ لوح مكسور من سفينة السياسة الأميركية الغارقة في لجّة الجحيم العراقي ليتعلق  به وكان اتصال كوندا ليزا رايس في ذلك اليوم هو اللوح الطافي الذي كان ينتظره. ولعل الكلمات التي سمعها منها كانت أحب الى نفسه من كلّ ما سمعه طوال وجوده في بغداد إذ أنّها نقلت اليه اقتراحاً يقضي بتقديم موعد انتقال السيادة الى العراقيين بضعة أيام في محاولة لعرقلة (( مخططات المعارضة )) على حدّ وصفها. و تلقف بريمر هذا الاقتراح لينقله على جناح السرعة الى إياد علاوي و ليتفق معه على تحديد الموعد الدقيق لنقل السيادة في غضون اسبوع. واعترف بريمر إنَّ الأمن ظل هاجساً خلال المرحلة التي سبقت تاريخ نقل السيادة. ووصف كيف أنه كان يركض حافي القدمين نحو الملجأ في القصر بعد عدة ثوان من سماعه الصوت المدوّي ((احتموا…..احتموا )) الذي كان يحذر سكان المنطقة الخضراء عندما تتعرض المنطقة الى قصف بقذائف الهاون وغيرها، وهذا يدل على الخوف الشديد الذي كان يسيطر على بريمر حيث أن سكان حي التشريع الواقع ضمن المنطقة الخضراء وسكان العمارات السكنية كانوا جميعاً معرضين للإصابة بقذائف الهاون الا أنَّ أحداً منهم لم يكن يركض حافي القدمين ذلك لأنَّ أغلبهم لم يكن يملك ملجأ يركض اليه لذلك كانوا ينامون ملْ جفونهم تاركين مصيرهم الى القدر. وهناك مفارقة كبيرة بين مشهد بريمر وهو يركض حافي القدمين مدفوعاً برعب مرضي وبين مشهد سكان الحي من العراقيين الذين كانوا يتجاهلون الصوت المحذر وينامون دون اكتراث مدفوعين بلا مبالاة مرضية هي شكل من أشكال الإذعان الذي أنتجته الدكتاتورية. إنَّ الرعب الذي كان يتملك بريمر لم يكن مبعثه الخوف من الموت فحسب بل كان خليطاً من الإحساس بالهزيمة والفشل والذنب ، وكان يحاول جاهداً البقاء حياً كنوع من خداع الذات حيث أنَّه يخدع نفسه بتحقيق نصر موهوم هو تمكنه من العودة الى دياره حيَّاً ، وقد أصبح ذلك هدفاً أساسياً عند بريمر في المرحلة الأخيرة من وجوده في العراق لأنه كان يعرف كلَّ شيء عن فشله الشخصي وعن الفشل الأمريكي في العراق. لذلك قال عن الهجمات الأخيرة بقذائف الهاون أنها (( كانت علامات ، على الأرجح ،على الأمور التي سوف تحدث في المستقبل.)) (ص 487)
وسلوك بريمر في أيامه الأخيرة في العراق كان يفضح خوفه وارتباكه بقوة ووضوح والدليل على ذلك أنَّه اشترط على رايس كتمان سرّ النقل المبكر للسيادة. كما أنه لم يبح به لأحد سوى إياد علاوي وأخفاه حتى عن الجنرال سانشيز ولم يطلعه عليه الا قبل يوم واحد من نقل السيادة ، أيّ في يوم 27حزيران / يونيو 2004 ، وفي ذلك اليوم نفسه باح لـ( برايان ماكودماك ) بالسر وطلب منه وضع خطة لإخراجه من العراق. كما أنَّه باح به لمجموعة صغيرة من فريقه هي المجموعة التي كانت ستسافر معه الى أمريكا على الطائرة نفسها وسفرها معه على تلك الطائرة هو الذي شجعه على البوح بالسر لأنَّه كان يعتقد ، كما يبدو ، أنَّ وجود أفراد هذه المجموعة معه على الطائرة نفسها يضعهم خارج دائرة الشك ولعله هو الذي اختار أن يكونوا معه ليضمن جانبهم. أما سلوك بريمر في اليوم الأخير وهو يوم نقل السيادة في  28 حزيران / يونيو فكان على درجة كبيرة من الغرابة بتفاصيله الأمنية حيث كان يتصرف بأعلى درجات الذاتية وكان خروجه حيّاً من العراق أكثر أهمية عنده من المصالح الأمريكية لذلك لم يلتفت الى تردد البريطانيين الذين كانوا يعتقدون أنَّ ما يفعله بريمر والأميركيون من تقديم موعد تسليم السيادة (( يبدو وكأنهم ( الأمريكيون ) يحاولون الخروج من وضع صعب )) ص 495  ولم يكن ذلك مهماً بالنسبة لبريمر . وكذلك كانت إجراءات نقل السيادة فهي الأخرى كانت ثانوية بالنسبة له ولخروجه حيّاً من العراق (( عندما وصل المراسلون الى مبنى مجلس الحكم السابق قام الموظفون بسحب كافة الهواتف الخليوية من جميع الحاضرين لكي لا يتمكنوا من إرسال تقاريرهم بطريقة فورية أو بعد فترة وجيزة بحيث يتسنى لي مغادرة العراق أولاً )). (ص492) وهكذا تكشَّفَ الوجه الحقيقي لبريمر الأناني والذاتي والمرعوب والمهزوم والذي لم يكن يختلف كثيراً عن القائد الذي يرتب هروبه من مواقع القتال بالشكل الذي يوحي للآخرين أنه يقوم بحركة تكتيكية.
ووصل الخوف ببريمر الى حد أنَّه لم يتم تبليغ وسائل الإعلام إلاّ قبل ساعة من موعد تسليم السيادة الذي تقرر أنْ يكون في العاشرة من صباح يوم 28 حزيران / يونيو وهو وقت محرج لوسائل الإعلام التي كانت تعمل في مدينة مقطعة الأوصال بالحواجز الكونكريتية وبنقاط التفتيش وبالعمليات التفجيرية اليومية. والأغرب من ذلك أنَّ مكتب الاتصالات الإستراتيجية التابع لسلطة التحالف المؤقتة المسئول عن الاتصال بوسائل الإعلام لم يذكر شيئاً ، في دعوته التي وجهها الى وسائل الإعلام ، عن نقل السيادة واكتفى بالإشارة الى أنَّ بريمر ورئيس الوزراء إياد علاوي سيدليان بتعليقات أمام الصحافة. ولم يكتفِ بريمر بذلك بل تم سحب الهواتف الخليوية من ((جميع الحاضرين)) وكان أمراً مهيناً ومشيناً للحاضرين وللولايات المتحدة الأميريكية على حدّ سواء. وسمح بريمر لنفسه أن يفعل ذلك كله من أجل أنْ ((نحتسي جميعاً الجعة الباردة في واشنطن)). (ص491 ) واعترف أنَّ ذلك (( كان شعاراً بقدر ما كان أمنية )).
وارتكب بريمر في ذلك اليوم عملية احتجاز جماعية في مبنى مجلس الحكم شملت ممثلي وسائل الإعلام وجميع الحاضرين واستمرت عملية الاحتجاز منذ دخوله مبنى المجلس حتى مغادرته الأراضي العراقية وكانت مغادرة تثير السخرية وانتهت في العاصمة الأردنية عمان بكلمات سمعتها فرانسي عبر الأثير من زوجها الهارب ولا شكَّ في أنَّها أدركت مضامينها وبواطن معانيها (( أنا في أمان وحرّ وعائد الى الوطن. )) (ص496) وهذا يعني بلا لبس اعترافاً صريحاً بأنَّه لم يكن في أمان ولم يكن حّراً في العراق وأنه كان قد ترك خلفه بلداً لا أمان فيه ولا يستطيع حتى هو أنْ يكون حرّاً فيه.
لقد ترك بريمر خلفه شعباً كاملاً يعيش في جحيمين هما  جحيم الاحتلال وجحيم الإرهاب. وترك فيهما أكثر من 160 الف جندي أمريكي ينتظر كلّ منهم الموت في أيّ لحظة ولا أحد منهم يستطيع التمويه والهروب من الموت بطائرة سي 130 أو بطائرة شينوك أو بطائرة نفاثة كما فعل بريمر . وفي خطابه الوداعي قال بريمر عن اولئك الجنود أنهم (( قدموا الى العراق لا لشيء سوى الإطاحة بطاغية والمساعدة في إعادة بناء البلاد … ولم تكن لهم غايات لأنفسهم … وعندما يغادرون لن يأخذوا معهم سوى موتاهم. )) (ص 496)
وفي هذا القول الكثير من المغالطة والكثير من الحقيقة . فالمغالطة تكمن في إدعاء بريمر حسن نوايا الغزو الأمريكي . وهذا الإدعاء لا يقنع كل ذي عقلٍ ومجرد ترديده يُعدُّ إهانة للعقل وللرأي العام. أما الحقيقة فتكمن في أنَّ الجنود المساكين في كلّ العصور وفي كلّ الامبراطوريات والامبرياليات لن  يأخذوا معهم ، عندما يغادرون ، سوى موتاهم أو ذكرى موتاهم لأنهم لا يملكون أنّْ يأخذوا شيئاً آخر من جحيم عبوديتهم الممتد بين لقمة العيش وحلم العودة بسلام الى أرض الوطن.ومن المؤكد أنَّ الجحيم الذي عاشه بريمر كان مختلفاً لأنّه كان يمتد بين لقمة وحلم مدنسين.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| أ. د. محمد عبد الرحمن يونس : “التَّبَايُنُ في الشعر النسوي العربي المعاصر” كتاب نقدي جديد للكاتب جعفر كمال .

 قراءة : أ. د. محمد عبد الرحمن يونس نائب رئيس جامعة ابن رشد للشؤون العلمية …

| د. جبَّار ماجد البَهادليُّ : تَجلِّياتُ الأُسلُوبيَّةِ القِصَصِيَّةِ, وفَنيَّةُ التَّشعِيرِ السَّردِي دِراسةٌ نقديَّةٌ في مَجموعةِ(بِئْرُ بَرَهُوْت), لجَابِر مُحمَّد جَابِر .

مَدخلٌ إلى النَّصِّ القَصصِي        إنَّ من يُريد أنْ يُلقي بنفسه في غَياهبِ النَّصِّ القَصصي, …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *