أنمار رحمة الله: الفراشة والكاتب (قصص قصيرة جداً)

الفراشة والكاتب

رقبتـُهُ المتدلية على الكتابة نبهتْ يديه لتمريغها قليلا ً،رَفَعَ رأسَه الثقيل إلى أعلى ،فانتبه إلى فراشة ٍ صغيرة ٍ تلعب حول المصباح،غير مكترثة ٍ لضجيج ِ الكلمات على الورق،وازدحام الخيالات في رأس أتعبه الواقع ُ،ظلَّ يراقبها /يحاورها/يستشعر إحساسها /والفراشة ُ تواصل اللعبَ والطيرانَ حول المصباح المضيء.عاجلته رغبة ُ النوم والراحة ،فاتجه نحو فراشه الفوضوي، حين اكتسح جيشُ النعاس مدينة ََروحه الهادئة.هناك شيء واحد عكـّر مزاجه/استفزه /انه الضوء،أتجه نحوه وهو يطالع فراشته وهي مازالت تلاعب الضوء منتشية .أطفأ المصباح َ واتجه إلى سريره ،وغط ّ في نومه تاركا ً الغرفة تسبح في محيط الظلام،غير آبه للفراشة الوحيدة ،التي ظلت تطير هنا وهناك باحثة عن دفء أو ضوء أخر ولكن بلا جدوى.
في اليوم التالي ،لم يفهمْ الأطباءُ المتجمهرون على جثة ِ الكاتب سببا ً واحدا ً للوفاة،سوى انه مات مختنقا ً فقط،ولكنهم حين أخرجوه ؛وتناولته يدُ الدفـّان بعد حين ،لم يعلموا أنهم انزلوا في القبر،جثتين،كاتبا ً مخنوقا ً وفراشة ً طرية.

الطفلة و البحر

أثارها ولعُ التزحلق ِعلى صدره المتجمد ،دفعتها الرغبة ُ العنيفة على مغادرة ِ اليابسة ،والتوجه بلهفة ٍ إليه ، ذلك الذي أخفى باطنـَه المليء بالهيجان والثورة تحت سجادة بيضاء من الجليد، لا يتحرك /لا يصفع بكفّ ِ أمواجه وجه الساحل . حركتْ قدميها متزحلقة ً تدغدغ صدرَهُ العريض،على مهلها راحتْ تحركُ أعضاءَها /تسيلُ الرغبة ُ كالعسل على فم ِ روحها الشفيفة،تضحك على حذر ،وفي داخلها رغبة ُ الصراخ نتيجة الدهشة المتصاعدة من فوهة وجدانها المكبوت،و(الصامتُ) أخفى تحت لحافه الأبيض جسدا ً كبيرا ً أتعبه الغموضُ والرغبات.اقتربت إلى فتحة ٍ صغيرة ٍ في الجليد،هي ثقبٌ بين عالمه وعالمها ،نظرت من خلال الفتحة فرأت صورتها هناك،تتحرك بفعل الموج المخنوق تحت الجليد .شاغلتها صورة الطفولة في ذالك الثقب ،فظنت بسذاجة أن المكان هناك ادفأ للعب مع طفلة أخرى. مدت الطفلة  والصورة يديهما /تلاقتا /لا يفصلهما غير الماء/ داهمتها رغبة ُ النزول إلى جوفه ،ومسك ِ يد الطفلة الأخرى/هناك نادى الأبُ الطفلة َ من بعيد،فتراجعتْ مستجيبة ً لصوته،تاركة الصورة في جوف البحر، الذي لم يفعل شيئا ً ،سوى انه أغلق الفتحة َ بالجليد،واحتضنَ الصورة َ في جوفه ونام.

اللوحة والرسام

الرسام ُ القابع في غرفته المرمية  في قعر الوحدة، يطالع لوحته التي اكتمل المشهد فيها ، ولم ينقصْها إلا اللون .
اللونُ الأصفر لون به ما تبقى من وجه الشمس/ حقل سنابل/ جديلة حبيبته الضائعة /اللون الأزرق لون به سماء بلا بكارة/انهارا ً تدق كالمتسول أبوابَ المدن  /خواتم َ العرافين الفاخرة .اللون الأحمر ..!)سأل نفسه في رجفة ٍ اكتسحته ٍ، حين اكتشف أنّ اللون الأحمر لديه غير كاف ٍ لإكمال ِ اللوحة التي طالعته هي الأخر كطفلة ٍ لا تفهم الأعذار ،كفراشة ٍ تريدُ التحـررَ من شرنقتِـها ،وتطير في سماء عينيه المتعبتين. التأملُ أوقفه عن التلوين ،حين تسللتْ فكرة ٌ كالأفعى في جوف ِ روحه العتيقة،أشعرته بلذة ٍ أثيرية ٍ غامضة،رجع بعدها إلى لوحته ليكملَ تلوينها بصمت ٍ في تلك الليلة.
لم تكتملْ اللوحة ُ في اليوم الثاني فقد جفـّتْ كلُّ تفاصيلها ،إلا لونها الأحمر،لن يجفَ حتى يُدْفـَنُ الرسامُ ذو الشريان المذبوح.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن سالمي : “حكايتي مع الحُبّ”وقصص أخرى قصيرة جدّا .

إرثُ أمّي دخلتُ على أمّي كسيرة الخاطر ملقيةً محفظتي في ضجر… – ما بكِ؟ – …

| عبد الجبار الجبوري : إنتبهْ، فإنّ البحرَ غدّارُ..!.

لَكَمْ يَمَمّتُ نحو وجهِها وجْهي، وزرْتُ أُهيْلَ حيّها، والقومُ نِيامُ،كانت خيامُ البدو تنأى، والنجوم تغزا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.