الرئيسية » نقد » ادب » سلام القريني: البكاء على تموز عند ضريح الولي ابي حصيرة *

سلام القريني: البكاء على تموز عند ضريح الولي ابي حصيرة *

البكاء على تموز عند ضريح الولي ابي حصيرة *

سلام القريني

لا يختلف اثنان على تسمية الشرق , ببلد العجائب والغرائب والأساطير ويحق لي ان اضيف له صفة اخرى يمكن اطلاقها , هي بلد البكاء , لان اول البشر فيه بكوا تموز بشدة قبل التاريخ ولازالت شعوبنا ليومنا هذا لم تعرف الضحك وإذا ضحكوا .. بكوا ! … على الرغم من ان الفرح والحزن تؤام لغريزة واحدة .
ذلك مايطلعنا عليه يوما بعد اخر, المجتهد الباحث حسين علي الجبوري بإنارة عالمنا المليئ بالغموض والاسرار يتطلع الى مستقبل ينعم فيه الانسان بحياة تسود بها, قيم المعرفة وتسخر لخدمته , لا , ان تدفعه الى متاهات غيبييه غارقة في الظلمة .
هذا الشاب الذي جاوز السبعين عاما من عمره المديد لازال , يتحفنا بعدد من المكتشفات , منها المسكوت عنه ,كان اخرها كتابه ( القبله ) وقد استعرضته من على صفحات جريدتنا الغراء قبل شهر ونيف . يفاجئني ببحث رصين أخر يختص في اصول الدافع الديني لتعذيب الاجساد عنوانه ( البكاء على تموز عند ضريح الولي ابو حصيره ) بفصوله الاربعة عشر والصادر عن دار تموز للطباعة والنشر / دمشق ومن القطع المتوسط وعلى مساحة تجاوزت المائتين وسبعين صفحة .
توصل استاذنا الجبوري الى .. ( ان ما يقوم به الناس اليوم من ممارسات تعذيب لأجسادهم سواء , اكانوا يهودا , او نصارى او مسلمين , انما يعود الى ديانة وثنية ثنوية نشأت قبل عدة ألاف من السنين في زمن سومر جنوب العراق وهي ديانة تمثلت بعبادة الثنائي ( دموزي وانانا ) ألاهي الخصب ومنها امتدت لبقية شعوب الشرق الاوسط ثم تسللت للديانات الاخرى .) ص 255 .
وهو على ثقة بان اقتلاع المعتقد الباطل لايمكن ان يزول ما لم تحل بدله , ثقافة جديدة علمية تنير البصائر المنغلقة على ظلام الاساطير والخرافات والتقاليد الضيقه , ويرى ان الامر ليس بالهين والسهل .
ولكي يكون البحث اكثر رصانة , فقد اعتمد على مراجع اكاديمية وعلمية جاوزت الستين مصدرا مختلفا .
لقد وجدت خلال قراءتي للكتاب , الاجدى لي , ان لا اتحدث عن الفصول الذي وردت فيه , لان القسم الاعظم , يعرفها القارئ جيدا , تمارس في اغلب الديانات , وتتشابه الطقوس والشعائر الى حد كبير هنا و.. هناك وبينها عامل مشترك هو جلد الذات كما هو الحال في عاشوراء وحائط المبكى .
ابو حصيرة هذا الولي اليهودي القادم من المغرب والذاهب الى مكة , تتحطم سفينته في البحر لتحمله الحصيرة مثل ( بساط الريح ) دون الاخرين , الى بر الامان محققا امنيته بالحج ليكنى ( بابي حصيرة ) لكن المنية توافيه في طريق العودة للديار , ليدفن في مدينة معروفة في مصر بالقرب من دمنهور اسمها (دميتوه ) .
• ان تعريف الاسطورة لازال غائما غير محدد , ومازالت الاراء والنظرات فيها تشكل خلافا جوهريا .لكن العالم صموئيل كريمر يجد انها (نتاج صبياني لخيال مهوش ووهم نزق) .
• بينما يرى فريق اخر انها لم تزد على ان تكون روايات خرافية . وتتفق السيدة لانغر مع كاسير باعتبار هذا النوع الذي جاء( في مرحلة بدائية من مراحل التفكير الميتافيزيقي وأول تجسيد للأفكار العامة .
• اما العرب فقالوا عنها ( انها الجزء القولي المصاحب للطقوس البدائية ).
ابو حصيرة حسب تقسيم الدكتورة نبيلة ابراهيم يقع ضمن اسطورة البطل الاله والتي يتميز فيها البطل بأنه مزيج من الانسان الذي يحاول بما لدية من صفات الهية ان يصل الى مصاف الالهة ولكن صفاته الانسانية تشده دائما الى العالم الارضي .
لقد اطر الجبوري مقدمة كتابه بالأبيات التالية :
من اجل تموز حبيب الصبا
قضيت بالبكاء والنحيب
سنة بعد اخرى . ( عشتار الهة الخصب البابلي 240 ق م)
المثير للجدل ان هذا الولي اليهودي , لا يعرفه اكثر اليهود , والقول للجبوري والغريب ان ظهوره المفاجئ على الساحة المصرية كان متزامنا مع فاجعة هجوم الجيش الاسرائيلي على غزة بتاريخ 27 كانون الثاني 2008 م حيث قامت طائفة من اليهود باحتفالية غريبة في قرية مصرية قريبة من دمنهور فيها ضريح مشهور لسكانها يعرف بابي حصيرة للاحتفال بمولده . يذكر الباحث ان الرئيس الاسرائيلي الاسبق ايهود باراك زار الضريح سرا , على راس وفد يهودي كبير يرافقهم فيه شالوم كوهين السفير الامريكي في القاهرة .الاهم من كل ذلك محاولة اسرائيل شراء الاراضي المحيطة بالقبر لتصل المساحة الكلية اكثر من 8400 متر مربع الى جانب شراء خمسة افدنه مجاورة لتشيد فندق عليها .
الجدير بالذكر لدينا في العراق العديد من الاولياء اليهود يعيشون متآخين مع الطوائف الاخرى , منهم الكفل والعزير وقبور ناحوم الالقوشي وقبر النبي يونس ويشوع بن نون وآخرين .
ان اهمية الكتاب تكمن في وقت تشتد فيه النعرة الطائفية في العراق وفي الشعوب العربية الاخرى بعد تصدر الاسلام السياسي للمشهد , وقد كانت تعيش جميع الطوائف في وئام وسلام , يجري حاليا الترويج لمصطلح بغيض اسمه (الاقلية والاكثريه ) وتحت هذا الباب يذكر الدكتور رشيد خيون في كتابه المهم الاديان والمذاهب في العراق والتي يعني بها الاديان الحية فقط , يرفض استخدام المصطلح المذكور لما فيه ( مصطلح الاقلية ) من حرمان وإلغاء للحقوق التاريخيه والشراكة المتوازنة في الوطن الواحد ,اضافة لما يولده من شعور بالضعف والاغتراب وبالتالي يصبح الوطن وطن الاكثرية فقط , فالمواطنة حقوق لاتخضع لمبدأ الاقلية والأكثرية .
اليوم لا تنصب مسعى قوى الاسلام السياسي على اسلمة الدولة فحسب , بل تسعى ايضا لاسلمة المجتمع سياسيا من خلال فرض انماط معينة للسلوك الاجتماعي وطرق للمعيشة اليومية ومن خلال اساليب القهر التقليدية في المجتمعات ويتزامن هذان المشروعان من خلال استغلال الهوية الاسلامية والتي هي هوية حضارية ووجدانيه اكثر من كونها دينيه سياسية . الكتاب بحق اضافة للتراث الانساني يغني مكتبتنا المعرفيه.
* المصادر
1. التوظيف السياسي للفكر الديني / د.هادي محمود
2.الاسطورة في شعر السياب / عبد الرضا علي
3. الاديان والذاهب في العراق ق / د.رشيد خيون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *