د. علي القاسمي : طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات
(12) محسن مهدي في توب لَس بلَيس

إشارة:
“صيّاد اللآلىء” وهو عنوان أحد الكتب المهمة الكثيرة والمتنوعة (أكثر من 50 كتاباً) للمبدع الكبير العلامة الدكتور علي القاسمي ينطبق عليه في كتابه الجديد هذا “طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات” ، ففد اصطاد لنا القاسمي من بحر ذاكرته الزاخر وسيرته الحياتية العطرة المكتنزة بالتجارب هذه الذكريات التي تمتزج فيها متعة القراءة بعِبَر التجارب الحياتية البليغة. وقد تكرّمت روحه النبيلة بنشر هذا الكتاب متسلسلاً في موقع الناقد العراقي. فتحية كبيرة له من أسرة الموقع متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد وحفظه الله ذخراً لثقافة وطننا العراق العظيم.

(12)

محسن مهدي في توب لَس بلَيس

عندما كنتُ صبياً كنتُ أعاني نهم القراءة، ولم تكُن في بلدتي، الحمزة الشرقي، مكتبةٌ عامة، وكان جُلُّ كتب والدي فقهية تراثية ليست ملائمة لسني. وتصل والدي أحياناً بعض المجلات الحديثة فأُقبل على قراءتها. فقرأتُ ذات مرَّة في مجلةٍ كانت توزّعها مجاناً وكالة المساعدات الأمريكية USIS في بداية الخمسينيات مقالاً عن الدكتور محسن مهدي بوصفه نموذجاً لنجاح المهاجر العربي إلى أمريكا، حيث أصبح أستاذاً في جامعة شيكاغو. وفي وسط المقال صورة الدكتور محسن مهدي مع زوجته الأمريكية الجميلة، فازددتُ إعجاباً بشخصيَّته.

فالدكتور محسن مهدي (1924ـ2007م) من أعلام الفكر العربي في القرن العشرين، وأكبر متخصِّص في فلسفة الفارابي (870ـــ 951م). حصل على منحةٍ لدراسة الشؤون الإدارية في الجامعة الأمريكية في بيروت، وهناك تعرّف على أستاذ الفلسفة شارل مالك (1906 ـ 1989) الذي حاز الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هارفرد الأمريكية بإشراف الفيلسوف البريطاني الفريد نورث وايتهيد، وأصبح فيما بعد وزيراً للخارجية في لبنان. وانجذب محسن مهدي نحو الفلسفة فتخرَّج في موضوعي الفلسفة والعلوم الإدارية. عاد إلى بغداد وعمل محاضراً في الاقتصاد في كلية الحقوق مدَّة سنة (1947ـ1948)، كان خلالها يحضر اجتماعات (مقهى الواق واق) ضمن جماعة ” الوقت الضائع” إلى جانب جواد سليم وجميل حمودي وخلدون ساطع الحصري وعدنان مرزوق.
ثم حصل محسن على منحةٍ لدراسة الاقتصاد في جامعة شيكاغو وهناك انجذب إلى تاريخ الفلسفة الإسلامية وحصل على الدكتوراه سنة ،1954 وكانت أطروحته ” فلسفة ابن خلدون التاريخية: دراسة في الأساس الفلسفي لعلم الثقافة “. ورجع محسن مهدي إلى بغداد ليدرّس في كلية الحقوق وكلية الآداب والعلوم. وفي سنة 1957 عاد إلى جامعة شيكاغو أستاذاً مساعداً في قسم اللغات والحضارات الشرقية حتى سنة 1969 حين انتقل إلى جامعة هارفارد وعمل فيها، حتى تقاعده سنة 1996، أستاذاً ومديراً لمركز دراسات الشرق الأوسط. قام بأبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة باريس وجامعة فرايبورغ في ألمانيا. كما كان أستاذاً زائراً لفترات متفاوتة في مركز الدراسات الإسلامية في باكستان، وفي جامعة كالفورنيا بلوس أنجليس، وفي الجامعة الأمريكية في القاهرة، وفي جامعة بوردو. وهو مؤسِّس ورئيس الجمعية الدولية لتاريخ العلوم والفلسفة العربية، وعضو مؤسِّس في جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا. وكان عضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
حقّق محسن مهدي نسخة أصلية من كتاب ألف ليلة وليلة وأثبت أنه لا يضم سوى 282 ليلة، ولكن مستشرقي القرنيْن 18 و19 هم الذين ابتدعوا العدد ألف. ونشر تحقيقه الباذخ في لايدن 1989.

لمحسن مهدي عدّة كتب عن الفارابي بالعربية والإنجليزية أهمها:
ـــ فلسفة أرسطو عند الفارابي، بيروت 1961،
ـــ الفارابي في الأدبيات، بيروت 1969،
ـ الاستشراق ودراسة الفلسفة الإسلامية، أكسفورد 1990،
ــ مدينة الفارابي الفاضلة: ولادة الفلسفة السياسية الإسلامية، ترجمه وداد الحاج حسن إلى اللغة العربية. كما حقق عدداً من كتب الفارابي:
ــ كتاب الألفاظ المستعملة في المنطق، بيروت 1968
ــ كتاب الحروف، بيروت 1969
ــ كتاب الواحد والوحدة، الرباط 1990
ـ كتاب الملة،
عندما توفّي محسن مهدي نظَّمت جامعة القاهرة بمناسبة مئويتها مؤتمراً دولياً بعنوان ” محسن مهدي: الفلسفة والآداب وتاريخ العلم”.

التقيتُ محسن مهدي مرَّتيْن عندما كنتُ أدرس في أمريكا. الأولى سنة 1972 عندما دعته جامعتي، جامعة تكساس في أوستن، لإلقاء بعض المحاضرات على طلبتها مدَّة أسبوع. وكنتُ آنذاك أمين اتحاد الطلبة العرب في جامعة تكساس في أوستن، فاقترحتُ على مكتب الاتحاد أن نقيم حفل شاي على شرف الدكتور محسن لكي نُشِعر الشخصيات العلمية هناك بأن المحتفى به هو عالم عراقي عربي. فاعترض أحدهم،( وكان هذا المعترض عراقي قد أمضى حوالي عشر سنوات في الجامعة دون أن يستطيع نيل شهادة الدكتوراه، ومع ذلك فإن الحزب الحاكم الذي ينتمي إليه ظلَّ يمدّد له المنحة السخية)، اعترض قائلاً:
ـــ لا أوافق.
سألتُ باستغراب:
ــ لماذا ؟
ــ لأن محسن مهدي رجعي.
قلتُ: ما هو تعريفك للرجعية؟
قال: معروف ولا حاجة للشرح.
قلتُ : في رأيي أن الرجعي هو الذي لا يتقدّم إلى الأمام بل يرجع إلى الوراء. أما محسن مهدي فقد تقدّم في مهنته العلمية حتى بلغ أكثر المراتب تقدُّماً، فهو تقدمي. هل من معترض آخر؟ ( لا أحد ) إذن سنقيم الحفل. وتعرَّفتُ على محسن مهدي في الحفل، وأصبحتُ من معارفه.

كانت محاضرته في جامعة تكساس عن كتاب ” الف ليلة وليلة” فقد كان منشغلاً آنذاك في تحقيق نسخة جديدة منه لإنتاج نصٍّ جديد مع تعليقات عليه.

في نهاية ذلك العام الدراسي حصلتُ على منحة من جامعتي للمشاركة في مؤتمر عن الدراسات الشرق أوسطية يُعقد في جامعة كولورادو في مدينة دنفر. وهناك التقيتُ بمحسن مهدي مرَّة أُخرى فالتصقت به تعبيراً عن إعجابي بشخصيّته العلمية. وبعد انتهاء الجلسة، وجدته مع جماعةٍ من كبار العلماء (سناً ومكانةً) وهم يسيرون خارجين. فسألته عن وجهتهم وما إذا كنتُ أستطيع أن أتشرّف برفقتهم لأفيد منهم علماً.
ابتسم محسن مهدي بسخرية، وقال:
ـ نتوجه لتناول العشاء في أحد المطاعم، وفي وسعك مرافقتنا.
ولدهشتي الكبيرة فقد ذهبوا إلى أحد محلات توب لَس Topless place ( أي: مطعم ترقص فيه فتيات بلا الجزء العلوي من ملابسهن الداخلية) حيث تظهر على المسرح فتاة شبه عارية بدون “حاملة النهدين” فتؤدي بعض الرقصات مدَّة عشر دقائق على أنغام موسيقى هادئة، ثم تنزل وتصعد إلى المسرح فتاةٌ أخرى، وهكذا تتوالى الفتيات على المسرح طوال الوقت. وعندما تنتهي الفتاة من الرقص تجالس الزبناء، إذا رغبوا في ذلك، وتحادثهم، وطبعاً يدفعون ثمن ما تشرب، وهي تطلب أغلى المشروبات “المزيفة” عدّة مرّات.

وجاءت إحدى الراقصات وجلست مع مجموعتنا ولم يحادثها الأساتذة الكبار كثيراً. وشعرت أن من اللياقة أن أكلّمها، خاصة أنها كانت تجلس بجانبي، لأنني كنتُ أجلس في آخر المجموعة قرب الممرِّ فسألتها:
ـ لماذا اخترتِ هذا العمل؟
قالت ببساطة:
ـ لأنَّه يدرُّ عليَّ دخلاً أفضل من بقية الأعمال التي يمكنني القيام بها.
سألتُها :
ـ ولماذا أنتِ في حاجةٍ إلى دخلٍ أكبر؟
قالت:
ـ لأنَّني أعيل زوجي، فهو لا يزال يدرس في الجامعة؟
سألتها:
ـ وماذا يدرس زوجك:
أجابت:
ـ يدرس اللاهوت ليتخرَّج قسيساً في كنيسة.

وفي تلك الأيام التي كانت تشتد فيها معارك فيتنام إثر الغزو الأمريكي لها وتكثر خسائر الأمريكيّين، نشرت جريدةٌ أمريكية رسماً كاريكاتوريا لمجموعة من الجنرالات العسكريّين الأمريكيّين بلا رؤوس، وكتبت تحتها “ توب لَس”.

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (4)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (3)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (2)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *