الرئيسية » ملفات » ناطق خلوصي : “السبيليات ” : العودة إلى الأرض الأولى (ملف/9)

ناطق خلوصي : “السبيليات ” : العودة إلى الأرض الأولى (ملف/9)

“السبيليات ” : العودة إلى الأرض الأولى
ناطق خلوصي
صدرت عن دار “شهريار “مؤخراً رواية ” السبيليات :ما لم يرد ذكره من سيرة حياة أم قاسم ” للمبدع الكبير اسماعيل فهد اسماعيل وجاء على غلافها الأخير ” لا تمثّل طبعة السبيليات هذه نسخة عن الطبعة الأولى ، التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2017 ، بل أراد الروائي من هذه الطبعة أن يقدم الحكاية الكاملة كما شاء أن يرويها للمرة الأولى ، فهذه الطبعة هي الحكاية ومتونها ، من دون حذف أو اختصار ، حكاية المدن التي تعيش ويلات الحرب وحكاية الناس التي لا تربح من الحرب إلا الألم والمأساة ” . إنها إذن النسخة التي خرجت من تحت يراع الروائي ، كما تؤكد هذه الإشارة ، دون أن تتعرض لعملية حذف أو إضافة تتطلبه شروط البوكر العربية فيما بعد، بمعنى أننا سنكون ازاء نسختين من الرواية : النسخة العراقية ونسخة البوكر العربية ( النسخة العراقية هي التي نقوم بقراءتها نقدياً الآن ). الروائي مبدع كبير ألحقت دار النشر بالرواية قائمة بالكتب التي نشرها ،على امتداد أكثر من نصف قرن ( بلغت ثلاثة وأربعين كتاباً ) بدءاً من مجموعته القصصية الأولى” البقعة الداكنة ” (1965) ، إلى آخر رواياته ” على عهدة حنظلة ” (2017) التي صدرت قبل رحيله بعام وكان بين ما صدر له أربع مجموعات قصصية وأربع مسرحيات وخمس دراسات وتسع وعشرون رواية .
تدور أحداث الرواية ، ( التي جاءت في 188 صفحة من القطع المتوسط توزعت على ستة عشر فصلاً قصيراً) ، خلال السنوات الأولى للحرب العراقية ـ الإيرانية التي تحملت البصرة ومدنها وقراها وغابات نخيلها ، القسط الأكبر من عبء أهوالها ومآسيها ،أما مكانها فهو قرية ” السبيليات ” ( وهي مسقط رأس اسماعيل فهد اسماعيل ) ، القرية الوحيدة التي خرجت سالمة من أهوال الحرب كما تقول الرواية. في كلمة له قبل الدخول إلى الرواية يشير الروائي إلى أن وفداً صحفياً تم نقله بثلاث طائرات هليكوبتربعد توقف الحرب ليطل على حجم الدمار الذي خلفته ففوجىء الوفد بعد اجتياز مساحات واسعة يخيّم عليها الذبول أنهم كانوا يحلّقون ” فوق أرض مزحومة بالأخضر ، أشبه بواحة غنّاء عرضها لا يتجاوز كيلومترين ، تبدأ من شط العرب وتنتهي عند مشارف الصحراء الغربية” ( ص 7 ) وكانت تلك الواحة الغنّاء هي قرية السبيليات .
بطلة الرواية الرئيسية هي أم قاسم وقد ملأت زمانها ومكانها بامتياز ، تقف إلى جانبها شخصيتان افتراضيتان : زوجها بو قاسم الذي توفي أثناء الترحيل وظل محض ( كومة ) عظام خلال زمن الرواية ، ثم” قدم خير ” : الحمار الذي حملها وعظام زوجها إلى الأرض الأولى : السبيليات . وأم قاسم هذه هي إبنة قرية” السبيليات ” نفسها شاء القدر الذي جاءت به الحرب أن يتم ترحيل أسرتها الكبيرة مع أسر القرية والقرى والمدن الواقعة تحت مدى نيران القصف ، بموجب تعليمات القيادة العسكرية وقد قيل لهم في حينها أن مدة ترحيلهم لن
تتجاوز الثلاثة أشهر فامتدت لثماني سنوات ! في الليلة الثالثة لرحيل الأسرة عن ديارها مات الأب وهم على المشارف الشمالية لمدينة الناصرية ودفن هناك لكنه ظل يرافق زوجته في االحلم ويملي عليها وصاياه وتعليماته أو تستحضر أيامها معه من خلال الاسترجاع ، وقد واصلت الأسرة سيرها حتى استقر بها المقام ” على مشارف الصحراء عند الأطراف الجنوبية لمقبرة النجف الكبرى بعد أن تنبهوا لأقامة مجموعات بشرية من مهاجري مدينة البصرة في الموقع ” ( ص 12 ) . ولم يأت ِ اختيار الروائي للمكان اعتباطاً ، فمجاورة المقبرة تذكّر بالموت على نحو دائم وتثير مواجع أم قاسم وهي تتذكر زوجها ولعل هذا السبب مضافاً إلى المكان هو الذي حفزها للقيام بمغامرتها . لقد وجدت أن الأسرة طاب لها المقام هناك بعد أن وجد أولادها الثلاثة مورد عيشهم وظلت الوحيدة التي لم يطب لها ذلك . فبعد ” انقضاء ما يقرب عامين منذ المغادرة جمعت أبناءها وبناتها حولها ، صارحتهم : لاأستطيع البقاء هنا أكثر … أحس باختناق غريب ” ( ص 14 )فأدركوا السبب الحقيقي الكامن وراء هذا القول . وفي غفلة منهم شرعت بتنفيذ قرارها في الساعة الثانية بعد منتصف الليل معتمدة على حمارها ” قدم خير ” الذي جعله الروائي شخصية افتراضية ، كما أسلفنا ، ومنحه دوراً كبيراً في مسار أحداث الرواية بعد أن عمد إلى أنسنته فبدا كأن لغة خاصة خفية يتم تداولها بينه وبين أم قاسم .
كان على أم قاسم أن تتخفى عن أنظار العسكر وتختار الطرق والأماكن التي تحجبها عنهم ، وسار بها الروائي ، بما يحيط بها من مخاطر، حتى أوصلها إلى قبر زوجها على مشارف الناصرية من جديد ولكن في طريق العودة إلى السبيليات هذه المرة ، غير أنه فاجأها بما لم يكن يخطر على بالها ” بعد غروب الشمس بما يقرب من ساعة بانت لعينيها الأنوار الصفراء لمصابيح مدينة الناصرية عند خط الأفق ناحية الجنوب ، تواتر خفقان قلبها داخل صدرها ، ستتيسر لها فرصة إسماع صوتها لزوجها بو قاسم عن قرب ” ( ص 26) ، لكن ذلك لم يتَح لها تماماً فقد ظهر أولادها الثلاثة فوق رأسها ورأت سيارة أجرة في الجوار . كانوا قد بحثوا عنها طوبلاً وكانت هي تبحث عن قبر أبيهم وهو قريب منها فدلوها عليه. ربما صار في اعتقاد قارىء الرواية أن تكون وجهة الجميع ومعهم ما تبقى من جسد الأب ، إلى مقبرة النجف لدفته هناك ، ولم يكن في حسبان أولادها أن تصر أمهم على أن تذهب بما تبقى من بوقاسم معها إلى السبيليات .قالت انه زارها قي الحلم وأوصاها بأن يدفن في مسقط رأسه ، ووقف إلى جانب رأيها رأي رجل الدين الذي جاؤا به من الناصرية للإشراف على عملبة فتح القبر حيث أكد بأن “وصية الشخص المتوفى في حالةٍ مثل هذه تكون ملزمة ” ( ص 29) .
وصلت أم قاسم إلى السبيليات وقد حصل انفصام تام بينها وبين أسرتها الكبيرة فلم يخطر أحدهم على بالها بعد ذلك إلا في حالات استرجاع محدودة . فما يهمها إن عظام زوجها معها الآن وعليها أن تحفر له قبراً في بيته ، في قريته ، مسقط رأسه ، وتظل قريبة منه . وحيث تصورت أنها وصلت منطقة الأمان في بيتها ، كشفت لها سعلة شخصٍ ما انها على وهم . كان الحذر المصحوب بالخوف قد جعل سمعها المرهف ينفتح على أية نأمة وها هو يمارس وظيفته :” هبّت على وجهها نسمات طرية ، هو شطّـّها المألوف لها آخذ بالاقتراب ، شاغلتها رغبتها بأن تسارع خطواتها حين تناهى لسمعها سعال رجالي ، شلّت من داخلها … انتابتها
رعشة جزع” (ص46 ) ، لتكتشف أن هناك موقعاً عسكرياً ليس بعيداً عن البيت ، مالبث رجاله أن اكتشفوا وجودها وقد تملكهم العجب : كيف استطاعت الوصول إلى قريتها ولم تقع بأيدي العسكر المنتشرين في كل مكان وهم يحملون أمر منع دخول المدنيين إلى المناطق المحرمة عسكرياً ومنها السبيليات ! وبعد ساعة من التوتر بينها وبين عسكريي الموقع انتهى الأمر بالسماح لها بالمكوث بضعة أيام .
كان واضحاً أن غاية أم قاسم في الوصول إلى السبيليات لم تكن تقتصر على دفن زوجها في أرضه فقط وهي مهمتها الأولى بالتأكيد. فبعد أن تحقق لها ذلك كشفت عن هدف لا يقل أهمية عنه وهو هدف معنوي هذه المرة يتمثل بتحدي الحرب من خلال إعادة الحياة إلى السبيليات وغامرت وهي تفعل ذلك مستغلةً علاقة الود التي قامت بينها وبين أفراد الموقع وعلى رأسهم الملازم عبد الكريم الذي تجاهل التعليمات وسمح لها بالمكوث في بيتها وقتاً أطول . لم تشغلها مسألة إعاشة نفسها فالمتوفر في بيوت القرية ، وبيوت أغنيائها بشكل خاص ، كثير ، كانت تعرف خارطة القرية بكل أمكنتها ومعالمها وقد وجدت أبواب بيوتها مفتوحة ( ولهذه الإشارة دلالتها المعنوية الخاصة المرتبطة بالكرم وبالشعور بالاطمئنان قبل الحرب ) مما يسّر لها الدخول إليها مثلما تدخل بيتها لتؤكد ان بيوت القرية كانت بيتاً واحداً قبل الترحيل ، فكان أن عثرت من المواد الغذائية ما كان يكفي لسد حاجتها وحاجة أفراد الموقع العسكري حين انقطعت سبل إيصال مواد الإعاشة لبضعة أيام بسبب اشتداد القصف ، وكان موقفها هذا سبباً مضافاً لتغاضي عسكريي الموقع القريب من بيتها عن مخالفتها الأوامر العسكرية فسمحوا لها البقاء في بيتها الوقت الذي تشاء .
إن ما قامت به إم قاسم من جهد في السبيليات لم يكن استثنائياً قي الواقع وقد تمثّل في إصلاح بعض ما خلّفه القصف ، وهو قليل ، في عدد من بيوت مجاوريها في القرية ، ورفع مخلفات القذائف التي سقطت على البعض من تلك البوت ، وزرع شتلات الزهور وسقي الأشجار . لكن أبرز ما قامت به تمثل في مغامرتها بإحداث ثغرات في السواتر الترابية العسكرية أثناء الجزر في شط العرب ، ليتدفق الماء أثناء المد فيغرق الأتهار التي أصابها الجفاف ، ويحي الأشجار التي يتهددها الموت ، في فعل غير اعتيادي، وهو فعل أثار رجال الموقع العسكري وحامت الشكوك حول احتمال تسترها على رجل معها أو انه من فعل ضقادع بشرية عدوة ، وتم توجيه الإتهام لها لأن ما حدث لا يمكن أن يكون نتاج جهد إمرأة لوحدها .لكن الأمر انتهى بسلام .
لقد كان في ما قامت به هذه الأم من شجاعة ما يجعل منها مثالاً للمرأة العراقية التي تجمع بين إيمانها الديني وإيمانها الوطني . كانت تردد باستمرار ما يؤكد بأن الله هو الحافظ في كل خطوة تقدم عليها ويتهددها الخطر. تجلى إيمانها الديني في أكثر من مناسبة ، تمثّل أبرزها عند دفن رفاة زوجها في فناء بيته ” تولت رصف أرضية القبر بالطابوق ، صار أشبه بتابوت حجري ضيق مفتوح من أعلاه ، حملت لفة القماش الحاوية للعظام ، استجمعت ذهنها تدعو . بسم الله الرحمن الرحيم اللهم نحن عبادك ولا نطمع بغير غفرانك أنت أرحم الراحمين يا إله العالمين” ( ص 56 )، وكانت ” الأجزاء الثلاثون للقرآن الكريم موجودة في كيس قماشي أبيض اللون ( في غرفة النوم ) ، حضنت الكيس لصدرها بحرص . اللهم نحن عبيدك ، لا نعصي أمراً لك نطمع في تلاوة بعض الذكر الحكيم من كتابك المبين ” ( ص57) .وكانت تلجأ إلى جامع القرية ومقام السيد رجب الرفاعي عند شعورها بأن الخطر قريب منها ” استدارت عائدة لتواجه مبنى المقام ، مدد يا سيد رجب شيل الله ” (ص88) ، وإلى جانب ذلك ، وعلى الرغم من إدانتها للحرب ، كانت تتعاطف مع عسكريي الموقع القريب من بيتها ،في تعامل أمومي يذكّرها بأولادها الغائبين عنها الآن . فهؤلاء العسكريون أبناء وطنها قبل كل شيء ولتذهب الحرب إلى الجحيم . وكان لإصرارها على دفن عظام زوجها في مسقط رأسه دلالته التي توحي بالتشبث بالأرض الأولى رغم كل شيء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *