ا. د. خضير درويش : تمثلات  صورة الحزن في الورد يبكي .. البارود يبتسم للشاعرة د. سجال الركابي ( )

تمثلات 

صورة الحزن في الورد يبكي .. البارود يبتسم

للشاعرة د. سجال الركابي (1)

ا. د. خضير درويش

 

أولاً : العنوان ولوحة الغلاف 

تمثل أغلفة الكتب برسوماتها وألوانها وعناوينها عتبات نصية موازية تُعد مداخلاً يشي بمضامين تلك الكتب ، ويشير باختصاراتها المكثفة إلى غايات الكاتب ومقاصده ، ومن هنا جاء التفات الكُتاب والأدباء وفي المقدمة منهم الشعراء , إلى إيلائها الاهتمام الذي يجعلها تحقق غاية المؤلف ومراده منها .

وقد تضمن غلاف هذا الديوان لوحة لوجه امرأة بدا شاحباً وحزيناً وقد اختلط ذلك الشحوب باللون الأحمر ، فتقاسم اللونان الأصفر والأحمر مساحة الوجه , وتحت تلك اللوحة جاء العنوان الذي وسمت به الشاعرة ديوانها (الورد يبكي .. البارود يبتسم) مكتوباً باللون الأصفر.  

اما حجم الخط فكان في الجزء الأول منه (الورد يبكي) أكبر من الجزء الثاني                       

(البارود يبتسم).. 

وهنا لابد من الإشارة إلى التوائم بين صورة الغلاف والعنوان وفي ذلك نقول : 

ان وجه المرأة بمواصفاته المذكورة يمثل بكاء الورد الذي حصل بفعل ابتسام البارود ولقد تشكل هذا العنوان ليتضمن دلالة رمزية بالتشكيل الاستعاري الذي تأسس على التقابل الضدي فأنتج المفارقة الشعرية .

ثانياً : بين العنوان والمتن والمضمون 

إن التشكيل الاستعاري بتجريديته اعتمد الأنسنة التي أحالت الورد إلى إنسان يبكي والبارود إلى مبتسم ، اما العلاقة بين طرفي العنوان فإن الطرف الأول (الورد يبكي) إنما جاء بفعل حصول الطرف الثاني (البارود يبتسم) أي أن بكاء الورد حصل بسبب تبسم البارود ,                      أما العنوان ـ على المستوى الرمزي ـ فدلالته الرمزية تتمثل في ألفاظه الأربعة كلها                       (الورد ببكائه والبارود ببسمته) , فبكاء الورد هو بكاء الناس الذين رمزت لهم الشاعرة بالورد , وابتسام البارود انما هو ابتسام القتل الذي رمزت له بالبارود , وتبسمه دليل فرحه بتحقيق المراد من إزهاق مزيد من الأرواح .

أما حجم الخط الذي جاء في جزئه الأول (الورد يبكي) أكبر من جزئه الثاني (البارود يبتسم) فدلالته الرامزة تشير إلى ما يتضمنه هذا اللون من معانٍ على المستويين : السلبي والإيجابي بحسب معتقدات الناس وتصوراتهم ، فهناك من يراه دالاً على الحزن والهم والذبول والفناء والموت , وهناك من يرى دلالته بعكس ذلك إذ يتضمن دلالات : الأمل والتفاؤل والبهجة والإشراق . 

وأرى أن لون الخط مقترناً بحجمه جاء حاملاً لرمزية الدلالات بمستوييها السلبي والإيجابي ، فإذا كان اللون الأصفر دالاً على الحزن والموت فان حجم الخط الذي جاء به العنوان              ـ بجزئه الأول ـ (الورد يبكي) أكبر من حجم جزئه الثاني (البارود يبتسم) , انما ليتضمن دلالات الأمل والتفاؤل والإشراق للحياة التي ستكون أكبر من القتل وأبقى منه .  

وفي نص بعنوان (لا سِدْرَ في بغداد) تقول : 

[ ويطلُ القلقُ ..

طفلُ حائرُ النبضاتِ

فرغَ صبرُهُ 

يُسائلُ قبَّرةً واجفةً 

وضلوعاً راجفةً

متى العيدُ والحلوى؟]

ابتداءً أرى لابد من الوقوف عند عنوان النص (لا سِدْرَ في بغداد) لنقول بعد قراءتنا للنص    قد تبين من خلال هذه العتبة النصية أن الشاعرة قد جعلتها نقطة الارتكاز التي انطلقت منها وارتبطت بها التشكيلات الشعرية على مساحة النص كاملة .    

وإذا ما نظرنا إلى العنوان (لا سِدْرَ في بغداد) وجدناه على المستوى البلاغي تشكيل كنائي يتضمن على المستوى الرمزي دلالة رمزية تشي بكثرة الموت وزيادة أعداد الموتى , وهذه هي الفكرة التي قام النص على أساسها ، وكأن الشاعرة تريد أن تقول لقد نفد ورق شجر السدر مع كثرة أعداد الموتى ،  ذلك أن المتعارف عليه أن أوراق شجر السدر تضاف إلى الماء الذي يستعمل في تغسيل الموتى ، وهي بذلك تشير على المستوى السيميائي الذي تضمن علامة العنوان بطقس الموت والدفن الذي حلَّ في بغداد بعد التفجيرات الإرهابية التي أزهقت لظاها أرواح الأبرياء من وطننا العزيز ، لذا فهي لا تريد لسيميائية العنوان أن تنفصل عن جسد النص لذلك ابتدأت نصها بالقول : ((و يطل القلق)). 

فهذه الواو التي جاءت على المستوى النحوي بحسب ما قبلها تؤكد ذلك ، فما قبلها ليس إلا العنوان أو ما يشي به ، وهذا ما مهدت له في أن يبث دلالته في كامل مساحة النص ، فالقلق مرده هذا الموت وهي قلقة منه لترصده حياة الناس في كل لحظة ، لذا تذهب الشاعرة إلى أنسنته عن طريق التجسيد حيث استحال القلق إنساناً بالتشكيل الاستعاري لكي يفعل فعله ، وهي إذ تذهب إلى تشبيهه بالطفل الحائر , انما لتؤكد ذلك القلق على حياة الناس المستلبة.                 وأرى أن الأصوب هنا أن تنصب الشاعرة (الطفل) على الحالية وتابعه (حائر) اللذين وردا مرفوعين .

لقد نفد صبر هذا الطفل وهو ينتظر فرحة طفولته , إذ يحلم بالعيد والحلوى لذا تقول : 

[ متى العيد والحلوى 

صبراً جميلا…..

ربما غدا….

 ثم تنهمرُ الدماء]

وهنا نرى أن الشاعرة اعتمدت التشكيل الشعري المناسب لتأكيد ذلك فبعد تساؤل الطفل يأتي الجواب وكأنه جواب القدر له : صبراً جميلاً , متبوعاً بفراغ منقط (…..) .

وفي هذا التشكيل الشعري ما يشي بمطالبة الطفل بمزيدٍ من الصبر ، ذلك أن الصبر عند اقترانه بلفظ (الجميل) يذهب الكلام باتجاه وجوب أن يكون الصبر من دون تبرم ولا شكوى وإن طال وقته ، أما طول وقته فهو ما يشير له هذا الفراغ المنقط الذي يشي باتساع الوقت من غير تحديد ، تم يتحدد التشكيل على المستوى الزمني بالقول : ربما غدا…

و(ربما) على المستوى الدلالي تفيد معنى الاحتمال ، فالمرغوب في تحقيقه قد يتحقق وقد                     لايتحقق في الميقات المذكور ، وهذا ما يتأكد أيضا بالفراغ المنقط ، فالفراغات على المستوى السيميائي كثيراً ما تتضمن علامات الانفتاح والمطلق أو عدم التحديد ، وهذا ما يرجعنا إلى قول الشاعرة وهي تصورحال ذلك الطفل بقولها : فرغَ صبرُه.

بعد ذلك يأتي قولها : 

((ثم تنهمر الدماء)) ، لا ليؤكد عدم تحقق المأمول على المستوى الإجرائي فحسب ، وإنما ليحقق مزيداً من القلق والخوف بسبب الموت ، فهي لم تقل تسيل الدماء أو تجري وإنما قالت تنهمر والفعل هنا يشي على المستوى الدلالي بقوة الجريان وشدة السيلان وهذا ما يشي سيميائياً بكثرة الموت الذي تُزهق فيه أرواح الأبرياء بوسائل الإجرام التي يتبعها الإرهابيون المارقون.

ومن نص بعنوان (مداد) تقول :

[ وفي المحطة

 يجلس الانتظار 

 يسامر الخواء 

 في ثرثرة منتصف الحيرة 

 متى… وهل…؟

 يرف ضوء الهديل…]

 هنا تعتمد الشاعرة الأنسنة في إبدال لفظي ليتسنى لها المجيء بتشكيل استعاري يحقق غايتها الشعرية في الخروج عما هو مألوف وخلع ما يتصف به الإنسان على المستوى الإجرائي على ما ليس موصوفاً به ، فأحالت بذلك ما هو مجرد إلى محسوس فأظهرت الانتظار بهيئة الجلوس الإنسانية لتجعله مسامراً كإنسان ، وكذلك فعلت مع الخواء حين جعلته سميراً له. وهنا لابد من الإشارة إلى التناسب اللفظي في التشكيل الشعري ، فالمحطة والانتظار منسجمان بل ومتلازمان ، وكذلك الأمر بين الانتظار والخواء حين يكون لا جدوى من الانتظار .

ان انحراف الشاعرة في مسار القول عن معتاده بإبدالها الانتظار محل الإنسان في الجلوس في المحطة يشي على المستوى الدلالي باستدامته وكأن القطار قد غيَّر مسار اتجاهه فذهب بعيداً عن هذه المحطة لتأخذ عجلاته قسط راحتها في محطة أخرى ، وهذا ما سوَّغ الإبدال اللفظي هنا , إذ ما جدوى وجود الإنسان في محطة هجرها قطارها.

لقد كان هذا تمهيداً لتكمل الشاعرة تشكيلها الشعري الذي جعلته يتحصل بسبب الانتظار ، فهي حين أجلست الانتظار في المحطة جاءت بالفعل المضارع يسامر وأسندت فعل المسامرة على المستوى الإجرائي بتشكيل تجريدي إلى الانتظار الذي جمعت فيه بين الانتظار مسامراً والخواء سميراً بقولها : (يسامرُ الخواء) ثم ذهبت لتشكيل صورة حديث المسامرة على أساس من المستوى الزماني فقالت : (في ثرثرة منتصف الحيرة) .

لقد كان حديث المسامرة بين الانتظار والخواء غير مجدٍ بدلالة اللفظ (ثرثرة) الذي قرنته الشاعرة على المستوى الزماني بإبدالٍ لفظي إذ استبدلت ما يشي بالوقت من الألفاظ بما يتضمن دلالة نفسية حين جاءت بلفظ (الحيرة) فجاء القول متناغماً ، فهي في المبتدأ قد أحالت الانتظار إنساناً ثم جاءت لتكشف عن ذلك الحديث الذي وصفته بالثرثرة ، فيتضح بأنه                     لايعدو أن يكون تساؤلاً يتضمن دلالة التحقق على مستوى الزمن الأتي لذا جاءت بأداة الاستفهام (متى) بدلالتها الزمانية المستقبلية وأعقبتها بأداة الاستفهام (هل) التي جاءت للغرض نفسه حين اقترنت بالفعل المضارع (يرف) لتزيد من درجة التساؤل ووقعه الذي يبدو أن تشكيله جاء معبراً عن حال الشاعرة على المستوى النفسي ، فهي ما زالت ترجو أن يعود القطار إلى المحطة ، وهذا ما يشي به التشكيل الشعري الاستفهامي الذي اختتمت به نصها : 

متى…. وهل…. يرفُّ ضوء الهديل ….؟  

وفي نص بعنوان (أرق) تعتمد الشاعرة الجانب النفسي أساساً في تشكيله مقترناً بالمستوى الزمني إذ تقول : 

[ كحلني القلقُ

فجلسَ الأرقُ

يثرثرُ أقاويل عنك

وحين الفجرُ تنفس

غرقتُ والبلابل

في نعاس الصباح]

ان الأرق الذي أنسنته الشاعرة لتخلع عليه فعل الجلوس الإنساني إنما جاء جلوسه بفعل تأثير القلق الذي أنسنته أيضا لتجعله بهذا التشكيل الاستعاري التجريدي يقوم بتكحيل عينيها دلالة على السهر ومجافاة النوم وهذه هي متلازمة القلق والأرق الذي ذهبت إلى أنسنته ثانية لتجعله يتحدث كما الإنسان.

وتستمر على المستوى الزمني حالتا القلق والأرق مقترنتين بحديث الأرق حتى تنفس الفجر إذ تقول : وحين الفجر تنفس ، وهو تناص قرآني مع قول الله تبارك وتعالى                       (والصبح إذا تنفس) وقصدت به الشاعرة استمرار الحال حتى مطلع الفجر وانبثاق الصباح لتقول بعد ذلك : غرقت والبلابل / في نعاس الصباح ، ويبدو أن السهر الذي جاء بمرد من حالتي القلق والأرق قد أثقل جفنيها بالنعاس فاستسلمت لسطوته ، فأشركت معها في ذلك البلابل مؤازرة لها في وقت من غير ما مناسبة ، ذلك أن البلابل عادة يكون الفجر وقت نشاطها وتغريدها . 

وفي نصها (لقاء) تقول : 

[ على ضفاف اللقاء 

ارتميت …… غيمة عطشى

بأحضان المطر 

ونضيت…… أحزان ألف عام]

هنا يستحيل اللقاء نهراً بعد أن تستعير له الشاعرة الضفاف لتمهد لنفسها الارتماء على ضفافه وهي تترك فراغاً منقطاً بعد الفعل المضارع (ارتميت) لتترك للقارىء رسم صورة ذلك ثم تذهب لتعتمد تشبيهاً محذوف الأداة حين تشبه نفسها بالغيمة العطشى لكي يكون ارتماؤها على ضفاف اللقاء كما الغيمة العطشى التي ترمي بنفسها بأحضان المطر الذي ذهبت إلى أنسنته لتحقيق ذلك.

وهنا لابد من القول أن الشاعرة اعتمدت الماء من بين عناصر الطبيعة أساساً في تشكيلها الشعري لهذا النص ، فالنص تشكل في أحضان الحقل المائي لذا نراها تقول في خاتمته : ونضيتُ أحزان ألف عام. 

وهنا ترسم صورة الحزن المتجذر في أعماقها والمتسيد على مساحة ذاتها وهذا ما يؤكده اللفظ (أحزان) الذي جاء بصيغة المجموع , وللزيادة في حجمه فقد قرنته بزمن بعيد حين قالت :/ أحزان ألف عام / وهذا ما سوغ لها رمي نفسها كغيمة عطشى بأحضان النهر ،               لذا فهي قبل ذلك استعملت الفعل المضارع (نضيتُ) استعمالاً موفقاً بعد أن تركت بعده فراغاُ منقطاً لتترك للقارىء فرصة تشكيل نوعية تلك الأحزان الكثيرة بعد أن أحالتها ثوباً لصيقاُ بجسدها ، لذا فهي سترتمي بحضن الماء بعد أن تخلع ثوب الأحزان لترميه هو أيضاً ليتبدد حزنها المتأصل بطيات موج الماء أملاً في التطهر والخلاص .

وتذهب في نص آخر بعنوان (شراهة) لترسم صورة الحزن بتشكيل آخر إذ تقول : 

[ شرهٌ أدري 

تمهل وأنت تمضغني

 أيا حزناً

أطلت المكوث]

في هذا النص تذهب إلى أنسنة الحزن بالتشكيل الاستعاري لتخلع عليه أكثر من فعل إنساني لتكمل رسم لوحة الحزن على وفق ما أرادت , فهي قد وصفت هذا (الحزن – الإنسان) بالشراهة ، فهو أكول نهم ، استحال إنسانا بصفة الشراهة ، ويرتد إلى حزن مع الاحتفاظ بشراهته ليسوغ له ذلك أكل الناس ، لذا تطالبه بالتمهل وهو يمضغها وهو تشكيل تجريدي حققه التشكيل الاستعاري ذلك أن الماضغ والممضوغ وعملية المضغ كل هذا بعيد عن التحقق على المستوى الإجرائي لكنما هو الفعل الاستعاري الذي يبيح عملية التحقق على المستوى التخيلي بعيداً عن المستويات الحسية الإدراكية .

لذا فقد استحالت الشاعرة بفعل هذا إلى لقمة سائغة بفم الحزن ، ولذلك فهي ترجوه في أن يتمهل في مضغها أملاً في تخفيف سطوته عليها ، فهي لا تستطيع فعل شيء أمام سطوته وسيطرته على ذاتها حتى استحال إنسانا ثقيلا فرض وجوده وهذا ما يتجلى بقولها : 

أيا حزناً / أطلت المكوث.

هكذا تجلت لنا صورة الحزن بتشكلاتها الشعرية المتنوعة في هذه النصوص بحسب ما رسمته الشاعرة على وفق رؤيتها وتصورها .

أ.د خضير درويش , موثع الكاتب على شبكة الاتصلات العالمية الالكترونية , تأريخ الزيارة 5/9/2018

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *