د. علي القاسمي : طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات
(10) البرفسور أرتشبولد أ. هيل: يوكيكو انتحرت!

إشارة:
“صيّاد اللآلىء” وهو عنوان أحد الكتب المهمة الكثيرة والمتنوعة (أكثر من 50 كتاباً) للمبدع الكبير العلامة الدكتور علي القاسمي ينطبق عليه في كتابه الجديد هذا “طرائف الذكريات عن كبار الشخصيات” ، ففد اصطاد لنا القاسمي من بحر ذاكرته الزاخر وسيرته الحياتية العطرة المكتنزة بالتجارب هذه الذكريات التي تمتزج فيها متعة القراءة بعِبَر التجارب الحياتية البليغة. وقد تكرّمت روحه النبيلة بنشر هذا الكتاب متسلسلاً في موقع الناقد العراقي. فتحية كبيرة له من أسرة الموقع متمنين له الصحة الدائمة والإبداع المتجدد وحفظه الله ذخراً لثقافة وطننا العراق العظيم.

(10)
البرفسور أرتشبولد أ. هيل: يوكيكو انتحرت!

في المدَّة من سنة 1987م إلى سنة 1992م، كان ولدي حيدر يدرس في جامعة تكساس في أوستن، وهي الجامعة التي تخرَّجتُ فيها أنا كذلك. كنتُ أسافر إلى أوستن كل عام لرؤية ولدي وتفقّد أحواله. وهو، بالمقابل، يمضي عطله الصيفية معي في المغرب. وكان حيدر طالباً نجيباً من الأوائل في كلية الهندسة في تلك الجامعة وحاز البكالوريوس بتفوُّق ثم واصل دراسته في الذكاء الاصطناعي ونال الماجستير بتفوُّق كذلك.

كنتُ كلّما ذهبتُ إلى أوستن، اصطحبتُ ولدي حيدر لزيارة أستاذي البرفسور أرتشبولد أي. هيل. ( أو بالأحرى اصطحبني ولدي بسيّارته إلى منزل الأستاذ). وكان البرفسور هيل متقاعداً آنذاك ويقارب التسعين من العمر. فقد كنتُ آخر طالب أشرف هو على رسالته للدكتوراه سنة 1972. وكان عمره آنذاك حوالي 70 عاماً.

كان الأستاذ هيل يسكن في دارٍ فاخرةٍ واسعة تطلّ على بحيرة تكساس في أوستن. وكان قد أخبرني ذات مرَّة أنه ميسور الحال، لا بفضل دخله بوصفه أستاذاً جامعياً، وإنما بفضل حقوق التأليف التي كان يحصل عليها سنوياً من أغنية قصيرة ألَّفتها عمِّتاه باتي وميلدرد جَي. هيل وهي أغنية ” سنة حلوة يا جميل.” Happy birthday to you. . كانت عمّته باتي معلّمة في روضة للأطفال في مدينة لويزفيل في ولاية كنتاكي، وكان التلاميذ يحيّونها عند دخولها غرفة الدرس بعبارة ” Good morning teacher. Good morning to all.” . وذات يوم حلَّ عيد ميلاد أحد التلاميذ، فقامت هذه المعلِّمة بتحوير التحية الصباحية إلى Happy birthday to you وأعطتها مع أختها لحناً. فشاعت هذه الأغنية وتلاقفتها محطّات الإذاعة. وطبقاً لكتاب جينيس للأرقام القياسية سنة 1998، فإن هذه الأغنية أشهر أغنية باللغة الإنجليزية، وأنها مترجمة إلى 18 لغة أخرى. وأخذت تدرُّ الكثير من حقوق التأليف على الأختيْن ثمَّ على وريثهما، أستاذي البرفسور آرتشبولد أي. هيل.

عندما انخرطتُ في جامعة تكساس أوَّل مرَّة، كان للأستاذ هيل مساعدةٌ يابانية هي إحدى طالباته، واسمها يوكيكو جولي Yokiko Jolly متزوِّجة من محامٍ أمريكي اسمه العائلي (جولي). وكانت يوكيكو تعدُّ رسالة الدكتوراه بإشراف الأستاذ هيل، طبعاً. وعُرف عنها عطفها على الطلاب الأجانب ومساعدتهم، وأنا منهم. فقد أعارتني عدداً من كتبها القديمة لأتفادى دفع مبالغ باهظة لشراء كتبٍ جديدة. كما كانت تعطيني بين الحين والآخرة إحدى الشطائر (ساندويتشات) التي كانت تجلبها معها من منزلها للغداء. ودعتني هي وزوجها ذات يوم أنا وزوجتي وابني حيدر الذي لم يكُن يتعدّى عمره العاميْن، لتناول طعام العشاء معهما. وكانت مفاجأة لنا حينما وجدنا أن الطبق الرئيس هو عبارة عن أسماكٍ صغيرةٍ غير مطبوخة بتاتاً، وتؤكل نيئة على الطريقة اليابانية.

عندما تخرَّجتْ يوكيكو رشَّحها أستاذنا أرتشبولد أي. هيل لمنصب أستاذةٍ مساعدة في جامعة هونولولو. وكان يتحدَّث عن اجتهادها كثيراً.

عندما زرتُ الأستاذ هيل مع ولدي حيدر بعد أكثر من ثمانية عشر عاماً على تخرُّجي في الجامعة، كان مُقعَداً على كرسي متحرِّك، وكانت زوجته قد توفّيت. فأخبرني ــ وهو العلماني الذي كان لا يؤمن بالروحانيات ــ أنه أحياناً يرى روح زوجته تحوم في المنزل.

ولكي أغيّر هذا الموضوع الحزين، اخترتُ أن أسأله عن فتاةٍ كان يودُّها كثيراً ألا وهي يوكيكو جولي، وعن أحوالها. فأجاب بكثير من الأسى : يكويكو انتحرت.

وعندما زرته مع ولدي حيدر في السنة التالية، نسيتُ أنني سألته عن يوكيكو. فسألتُه عنها، فقال بكثير من الأسى: يكويكو انتحرت.

وعندما ذهبتُ إلى أوستن للمرة الثالثة، قلتُ لولدي حيدر:
ـ تعال معي كي نزور أستاذي،
قال حيدر:
ـ ولكن، بابا، أرجوك أن لا تسأله عن يوكيكو. لأن ذكراها تؤلمه. يوكيكو انتحرت.

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (4)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (3)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (2)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *